← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

سبب. ومن مذهبه أن العام إذا ورد على سبب مخصوص، اختص به. والسبب [عنده] أن الآية سيقت لغرض الرد عليهم فيما أحلوه، وليس المراد منها إثبات حل ما سواه، فكانوا يقولون: إن هذه الأشياء الأربعة حلال، فكأنه قال: هي حرام، ولكن عبارة النفي والإثبات في هذا أبلغ فيما يتعلق بتحريمها. وكم من لفظ يكون له مفهوم يصرفه القصد عن المفهوم المشهور فيه، وهو كقول القائل: جئتك ألف مرة، فليس يراد بهذا تحديد (١٤٢/ أ) العدد بالألف، وإنما يراد به التكثير دون التحديد. فكذلك قول القائل: لم تأكل اليوم حلاوة، فيقول: [ما أكلت إلا حلاوة]، [مضادة] له فيما نفاه عنه، لا النفي لما سواه. فكذلك الآية عند الشافعي منزلة على هذا. وهذا في التأويل بعيد، ولا يتجاسر على مثل هذا إلا لضرورة، وأي ضرورة تدعو إلى مثل هذا؟ ولا مانع من إجراء الآية على ما تقتضيه من النفي والإثبات جميعًا. وأما الأخبار التي نقلت في معارضة الآية، فتارة نقول: تكون مخصصة

стр. 2697

لعموم النفي، وتارة نقول: تحمل على [الكراهية]. والآية تدل على انتفاء التحريم، فلا معارضة. وتارة نقول: تدل على التحريم، أعني الأخبار، وتكون مضمومة إلى تحريم ما اقتضت الآية تحريمه، وتكون الآية نزلت قبل هذه الأخبار، فيصح الجمع بينها جميعًا. وأما ما ذكره الإمام من الرد على مالك بنسبته إلى خرق الإجماع، فقد بينا غلطه [فيه] في كتاب العموم والخصوص. وما نقله عن الصحابة من اجتناب الحشرات، فهو مساعد عليه، إذ ذلك مما يعافه الطبع، وتنفر عنه النفس (١٨٢/ أ)، والعقلاء في ذلك متقاربون. وأما قوله: واعتقادهم أنها بمثابة المحرمات، فمردود عليه، وقد نقلنا

стр. 2698

عن ابن عباس [﵁] خلاف ذلك. ثم قال: فهذا يمنع من اعتقاد التنصيص في الآية ويلحقها بالظواهر، يريد بذلك أنها إذا وقعت في مرتبة الظواهر، صح تخصيصها بأخبار الآحاد. ونحن قد اعترفنا بظهور الآية في نفي التحريم بغير هذا التكلف الشديد. قال الإمام: (مسألة: إذا ورد عام وخاص في حادثة) إلى آخرها. قال الشيخ: اختلف العلماء فيما إذا تعارض خاص وعام، فالذي ذهب إليه الأكثرون أن الخاص مقدم، سواء تقدم أو تأخر، وأجروه مجرى البيان. وذهب القاضي

стр. 2699

[﵀] إلى أنهما يتعارضان. ولكنه يقول: إن ثبت تأخير الخاص، وجب المصير إليه، لأنه إما أن يكون بيانًا، وإما أن يكون ناسخًا. وإن تأخر العام، فهذا موضع الخلاف. فذهب الفقهاء إلى أنه بيان وإن تقدم، أعني الخاص. وذهب القاضي إلى الوقف، لاحتمال أن يكون المراد بالعموم الشمول، فيكون ناسخًا، ويحتمل [أن يكون المراد به] البعض، فيكون الخاص سببًا. وهذا تقدم بيانه في كتاب العموم والخصوص. وأما المصير إلى أن العام مقدم على الخاص، فلم يصر إلى ذلك أحد من الناس. وظاهر كلام أبي حنيفة أنه قدم العام على مقتضى الخاص، وذلك باطل قطعًا، إن كان مقتصرًا على محض تعارضهما. نعم، يمكن أن يكون لم يطلع على الخاص ورآه ضعيفًا، أو استند العام إلى أمر يقتضي تقديمه. فهذا له وجه ما.

стр. 2700

وأما المصير إلى ترك الخاص لأجل العام من غير زيادة، فذلك باطل قطعًا. ومثاله: ما ذكره من قوله: "فيما سقت السماء العشر". وقد قدمنا أيضًا هذا المثال بعينه، وأوضحنا الوجه فيه، فلا معنى لإعادته. وأما ما ذكره الشافعي ها هنا من الاحتجاج بموضع الوفاق، فيما يتعلق بزكاة النقدين، فكلام صحيح، فإن الصورتين على حد واحد. ومصير أبي حنيفة إلى تسليم أحدهما يوجب عليه تسليم الأخرى، إلا أن تنفصل إحدى المسألتين [عن] الأخرى بأمر، فحينئذ يندفع الإلزام. والذي يظهر من مذهب أبي حنيفة) ١٤٢/ أ) أنه ذهب إلى أن الواجب فيما أنبتته الأرض، فلا يختص بقليل ولا كثير، ولا بمقتات ولا بغيره. ولذلك قضى بأنه لا يجتمع الخراج والزكاة. فلهذا فرق بين المسألتين، لا لأمر يرجع إلى اختلاف مفهومات الألفاظ. هذا هو المقصود من هذه المسألة وباقيها ظاهر.

стр. 2701

قال الإمام: (مسألة: (١٨٢/ ب) إذا تعارض عمومان من الكتاب والسنة) إلى آخرها. قال الشيخ: هذا موضع أكثر الفقهاء من التمسك به، وذلك أنهم يقولون: تخصيص كل عام بالآخر إعمال لهما جميعًا، والتعارض ترك لهما، والإعمال مقدم على الإهمال. وهذا باطل من ثلاثة أوجه: أحدها: أن هذا ترجيح مذهب، لا ترجيح دليل. الثاني: إن في المصير إلى ذلك تركهما جميعاً بلا حجة.

стр. 2702

الثالث: إن المقدم الذي عُين للبقاء تحت أحد العمومين، ليس بالإقرار أولى من البعض الذي [أخرج]. وإذا تحقق استواء القولين، وجب تساقطهما جميعًا. هذا هو الصحيح في نظر الأصول، وهو مختار الإمام، ولكنه أتى لهذا الأصل بمثال لا يصلح. وذلك المثال قوله: ﴿[فاقتلوا] المشركين حيث وجدتموهم﴾. قال: هذا ظاهر في وضع السيف فيهم حيث يثقفون، وذلك صحيح. قال: إنه يعارضه

стр. 2703

على التقابل قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. قال: هذا يقتضي أخذ الجزية من كل كافر، كتابيًّا كان [أو وثنيًّا]. وهذا غير صحيح، فإن في أول الآية قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب﴾. فكيف يصح مع هذا التقييد أن تكون الآية عامة في كل كافر؟ وقوله: ونحن إنما خصصنا الجزية بأهل الكتاب بأخبار وآثار مسطورة في

стр. 2704

كتب الفقه. من العجب، بل الصحيح اقتصار القرآن على اختصاص أخذ الجزية بأهل الكتاب. قال الإمام: (مسألة: إذا تعارض ظاهران، أحدهما وارد على سبب خاص) إلى آخرهما. قال الشيخ: ذكر الإمام أن الوارد على السبب الخاص أضعف في الدلالة، وبناء على ذلك، أنه إذا كان أضعف، وجب تقديم الأقوى عليه. ولا شك في ذلك بعد ثبوت أنه أضعف، ولكنه اقتصر في ذلك

стр. 2705

على محض الدعوى، [ويمكن] أن يكون رأى في ذلك إجماعًا على الترجيح، فيدل ذلك على الضعف في المرجوح، وإن لم يكن رأى ذلك، فهذا القول غير مكتفى به، وهو إلزام مذهب من غير دليل. وقد كنا قدمنا هذه المسألة فيما سبق، وبينا وجه الضعف فيها، فلا نعيده. فليراجع ذلك الموضع. قال الإمام: (مسألة: إذا تعارض ظاهران، وفي أحدهما ما يقتضي التعليل، فهو مرجح) إلى آخرها. قال الشيخ: قوله: إذا تعارض ظاهران وفي

стр. 2706

أحدهما ما يقتضي التعليل، فهذه المسألة تقع على وجهين: أحدهما- استواء اللفظين في الظهور، وامتياز أحدهما بما يقتضي التعليل، فهذا لا شك (١٨٣/ أ) في تقديمه، لامتيازه بجهة مغلبة على الظن. فإن ظهور التعليل من أسباب قوة التعميم. [الثاني]- من جهة أن التخصيص إنما قُبل من جهة أن تلك الجهة يصح أن يقصدها المتكلم. فإذا ظهر في الكلام التعليل، وهو جار في جميع صيغ العموم، مثل أن يكون أحد اللفظين من صيغ الشرط، والثاني من صيغ

стр. 2707

[الجموع]، فيصح أن يقال: ما في لفظ المعلل من القوة (١٤٣/ أ) [يعارضه] ما في صيغ الشرط من المزية، فيرجع الأمر إلى نظر الناظر فيما يقدم ويؤخر. هذا إذا لم ينته الأمر عند [فهم] التعليل إلى القطع بالتعميم. أما إذا انتهى إلى هذا الحد، فلا نظر أيضًا إلى الترجيح، ولكن يصح أن يقال في

стр. 2708

اللفظ الذي يقابله: [لم] يظهر فيه قصد التعميم. وأما ما ذكره الإمام من أن اللفظ العام إذا ظهر فيه التعليل، فقد ظهر قصد التعميم، فيمتنع التخصيص مطلقًا، فهذا غير صحيح، بل هذا مخصوص بما إذا قطع بقصد التعميم. وعند القطع بالتعميم، لا تخصيص بحال. فهذا إذًا مما قدمناه في كتاب التأويل وأشبعنا القول فيه.

стр. 2709

وأما ما ذهب إليه الإمام في [صيغ] العموم، [أنه] إذا ظهر قصد التعميم، فلا يجوز التخصيص فيه، فقد قلنا: إن هذا يصح فيما إذا قطع بالعموم. أما مع اعتقاد القوة في الظهور، فهذا غير صحيح. وقوله: إن اللفظ في المتماثلات نص، ما أدري ما المراد بالمتماثلات؟ إن أراد أنها تماثلت في تناول اللفظ لها بجميع ما يندرج تحت العموم بهذه الصفة. وإن أراد أنها تماثلت في غرض المتكلم، فهذا معناه أنه ظهر [في] غرضه التعميم. وإذا كانت كذلك، نظر، هل علم غرضه أو ظن؟ فنعود إلى ما سبق من الكلام. قال الإمام: (مسألة: إذا تعارض ظاهران وقد تطرق التخصيص إلى أحدهما) إلى آخرها. قال الشيخ: ذكر الإمام أن اللفظ العام إذا خص ضعفت دلالته، ولم يبين السبب في ذلك. والذي يصح عندنا فيه أن اللفظ إذا خُص

стр. 2710

صار مجازًا، وجهات المجاز متعددة. ولولا الإجماع على العمل، لكان الوجه ما قاله المعتزلة من الإجمال، وجهة العموم حقيقة. وإذا تعارضت الحقيقة والمجاز، فالحكم للحقيقة، بناء على اتحاد الجهة. وأما الإمام الذي يقول [إن] اللفظ باق على حقيقته، بالإضافة إلى ما [لم] يخرج منه، فالأمر عليه يصعب، إلا أن يصير إلى جهة أخرى، وهو أن يقول: إذا اجتمع في اللفظ موجب الحقيقة والمجاز، كان أضعف في الدلالة. والذي يصح على مذهبه، أن لا يقع ترجيح بحال، لبقاء دلالة اللفظ في [بقية] المسميات على ما كانت عليه. هذا هو الصحيح على أصله، [وهو] (١٨٣/ ب) أيضًا يدل على ضعف قوله.

стр. 2711

قال الإمام: (مسألة: إذا تعارض ظاهران أو نصان، وأحدهما أقرب إلى الاحتياط) إلى آخرها. قال الشيخ: لا مزيد في هذه المسألة على ما ذكره الإمام، غير أنا نختار في هذه المسألة، الأخذ بالخبر الذي يقتضي الاحتياط، [لا لأنه أرجح]، ولكن بناء على ما يتعلق بالورع، فإن الذي نختاره أن الحكم متعين، والمصيب واحد. فإذا تعارض المبيح والمحرم، أو المبيح والموجب، ففي المصير إلى الأخذ بالمبيح، [تسويغ] الإقدام

стр. 2712

والإحجام، [فعلى تقدير أن يعارضه المحرم]، فإذا ترك، فلا حرج في الترك، نظرًا إلى المبيح، وإن فعل، أمكن أن يصادف المحرم، فكان الترك أقرب إلى السلامة. وكذلك عكس ذلك، إذا تعارض [الموجب والمبيح]، فعلى تقدير الإقدام، فلا حرج في المبيح، وعلى تقدير الانكفاف، يمكن أن يكون الشيء واجبًا، فتفوت المكلف مصلحة الفعل، فيكون الاحتياط على هذا أولى. قال الإمام: (مسألة: (١٤٣/ ب) إذا تعارض لفظان [يتضمن] أحدهما

стр. 2713

النفي، ويتضمن الآخر الإثبات) إلى آخرها. قال الشيخ: هذا الكلام صحيح، إلا أن المذهب الأول في الصورة التي نقل فيها خبرًا يتضمن النفي، فالصحيح كما ذكر الإمام التعارض، ويصح للفريق الآخر التمسك في الترجيح بالاعتضاد بالبراءة الأصلية، وفي الترجيح بها نظر، فالصواب التعارض. قال الإمام: (مسألة: إذا تعارض ظاهران أو نصان، وأحدهما يوافق

стр. 2714

المعروف المعتاد) إلى آخرها. قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام بالغ في ترجيح الألفاظ: النصوص منها والظواهر، ومن أحاط بها وأحكم أصولها، لم يخف عليه مدار الكلام فيما يرد عليه من أمثالها. قال الإمام ﵀: (باب في ترجيح الأقيسة) إلى قوله ([وإنما حدثت هذه الأمور يعد انقراض عصر الصحابة]). قال الشيخ: الكلام في ترجيح الأقيسة، يترتب على معرفتها أفرادًا، وبيان حقيقة كل نوع منها، حتى إذا عرفت المفردات، نظر بعد ذلك في ترجيح بعضها على بعض. فالقياس على نوعين: مقطوع به ومظنون، فأما المقطوع به، فلا ترتيب فيه، إذ لا يتصور الترتيب في العلم وطرقه. والمظنون ثلاثة أقسام: قياس

стр. 2715

المعنى، وقياس الدلالة، وقياس الشبه. وقد تقدم الكلام، هل قياس الدلالة قسم برأسه، أو هو دائر بين المعنى والشبه؟ واضطرب قول الإمام فيه، (١٨٤/ أ) فقال قبل هذا: إنه ليس [قسمًا] [مستقلًا، وجعله في هذا المكان قسمًا] مستقلًا بنفسه. فأما المطرد والمنعكس، فمن أبواب الشبه بلا ريب. وإذا عُرفت المفردات، قال هو: أول رتب الأقيسة المظنونة: قياس المعنى، ثم قياس الدلالة، ثم قياس الشبه. وقد تقدم بيان كل نوع

стр. 2716

منها. وهذا الذي ذكره هو في غالب الأمر، وإلا فلا يتأتى تقديم كل معنى على كل شبه، ولا كل نوع من أنواع الدلالة على جميع الأشباه. [وهذا] قد تقدم الإرشاد إليه. وسيأتي تقديم كثير من الأشباه على أقيسة معنوية. فإذا خرج الكلام عن التناقض، قلنا: إنما أراد بما ذكره الغالب دون التعميم. وقد قال هو أيضًا: إن بعض أنواع قياس الدلالة يقع في أقسام قياس المعنى، فكيف يصح إذا كان هذا يقع في أقسام قياس المعنى، أن يتأخر في الرتبة عن قياس المعنى؟ هذا محال. ومنه أيضًا ما يرجح إلى الشبه، فكيف يتقدم ما هو من الشبه على نوع قياس الشبه؟ هذا إنما يتصور على رأي من يعده

стр. 2717

أصلًا مستقلًا بنفسه. والصحيح عندنا في قياس الدلالة خلاف هذا، وهو أنه يرجع إلى الاستدلال بالثمرات، إما على المثمر، وإما على ثمرة أخرى. وإذا كان كذلك، نظر إلى قوة الدلالة وضعفها. هذا تحقيق القول فيه. ومن وجوه النظر الشرعي، التمسك بالاستدلال المرسل، وقد تقدم بيانه وتحقيقه، ووجه التمسك به، والشرط الذي يعتبر فيه، فلا نعيده. [وقول الإمام]: [وشرطه]: ألا يناقض أصلًا من أصول الشريعة. وهذا صحيح لا بد منه، وهل يكتفى بذلك، أو لا بد من زيادة؟ الإمام يقول لا بد من زيادة، وهي [القرب] من قواعد الشريعة، بيان مداناتها. وقد قدمنا أنه لا يقدر على إبداء جهة المداناة، فإن الحدود التي أتى بها تتضمن إثبات التعلق بكل مصلحة إذا لم تكن منقوضة. وقد مر تحقيق [الإلزام] فيما سبق من الكلام. وهو قد أضاف إلى مالك [رحمة الله عليه] فيما سبق القول بذلك،

стр. 2718

ثم منع في هذا المكان من كون (١٤٤/ أ) ذلك مذهب مالك، وقال: من ظن ذلك بمالك فقد أخطأ. لا وجه لهذا إلا تناقض القول، وعدم التحقيق في النقل الأول. وكذلك عدم الإحاطة عندنا بمعنى مذهبه في النقل الثاني. والذي يدل على انه استرسل في القول بالمصالح، أنه قال ها هنا: إذا وجدنا أصلًا واستنبطنا منه معنى مناسبًا، [فيكفي] في الضبط فيه، استناده إلى أصل متفق على الحكم فيه. وقال في الذي سبق في ضبط المعنى الذي يجوز التمسك به استدلالًا: كل معنى لو ربط (١٨٤/ ب) به حكم في أصل لجرى واستد. فإذا ربط الحكم به من غير وجدان أصل، فهو استدلال مقبول. فهذا عين الاسترسال في الاستدلال. وأما ما أضافه إلى مالك ها هنا، وهو أنه لم يعتبر مطلق المصالح، فلسنا نظن ذلك بمالك، والصحيح عندنا من مذهبه اتباع [مطلق] المصالح، إذا

стр. 2719

رجعت إلى حفظ مصادر [الشريعة] في الأديان والنفوس والنسل والمال والعرض، بشرط أن لا يناقض شيئًا من قواعد الشريعة. وأما قوله: إنه لم يعتبر مطلق المصالح، وإنما أسند معانيه إلى أقضية الصحابة، ولم يظن بهم افتتاح أمر. فهذا عندنا على وجهين: الأول- أن يكون القضاء من واحد من الصحابة أو عدد يسير منهم. والآخر- أن يكون ذلك هو الأمر الغالب، والعمل المشهور المستمر من أكثرهم. فهذا عندنا يتبع، ويدل على أنه شرع ثابت. ولهذا يقول هو وغيره في أخبار نقلت على خلاف عمل أهل المدينة: "ليس العمل عليه"، يريد أن استمرار الأعمال أقوى في النفوس من أخبار الآحاد. وقد قدمنا هذا فيما سبق.

стр. 2720

فأما المصير إلى وجوب الرجوع إلى قول واحد من الصحابة مطلقًا، فلا يقوله مالك بحال. ولهذا يقول في بعض قضاء عمر: "ليس العمل عليه". قال ﵀: "ليس [العمل] في القراءة في المغرب: بـ ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾. وإن روي ذلك عن بعض الصحابة. ولا [على [حديث عمر في ترك القراءة. وكذلك قال: ليس العمل على ما جاء عن عمر في غير موضع. وقال: ومن قرأ بما يذكر من قراءة ابن مسعود في الصلاة أعاد أبدًا. وإنما خص مالك عمله بالعمل من الكل أو الجماهير، ولأنهم أعلم بالسنة، والناسخ والمنسوخ من غيرهم. وهذا قد سبق الكلام عليه، فلا نعيده. فهذا هو الذي زعم الإمام أن مالكًا انحل فيه.

стр. 2721

ثم عقب ذلك بكلام عجيب، فقال: وكذلك كل واقعة ربط بها مالك أصلًا من أصوله، فإنه لم يفهم تلك القضية على حقها. وذكر مثال عمر في حق خالد [وعمرو]، وبنى عليه أن مالكًا جوز المصادرة بأخذ المال تأديبًا. وهذا لا يقوله مالك مطلقًا. نعم، نقل أصحابه جواز العقوبة بأخذ المال اليسير، وتلقوه من كونه قال: إذا شيب اللبن بالماء على وجه التدليس، أريق أدبًا لصاحبه. قالوا: فهذا تجويز التأديب بإضاعة المال، ولكنه منوط عندهم بصفة القلة. وكذلك إذا اشترى المسلم من ذمي خمرًا، أهريقت على المسلم، وتصدق بالثمن على الذمي أدبًا له. هذا منصوص لا شك فيه. وأما تأويل الإمام فعل عمر على أنه وقف على حقيقة ما [أخذاه] من

стр. 2722

بيت (١١٤/ أ) المال، فقد بينا أن ذلك بعيد في الاعتياد (١٨٥/ أ). وما عذره في إراقة اللبن [المشوب]، وفي تغريم حاطب مثلي قيمة الناقة التي انتحرها غلمانه للبراء بن عازب؟ هل لذلك [سر] سوى التأديب؟ وأما تجويزه القتل للسياسة في حق من لا يجب القتل عليه، فهذا باطل لا شك فيه. وإذا جرى سبب القتل، فلا تهويل لقتل الثلث لاستبقاء الثلثين. وأما كون مالك ﵀ لم يظن بالصحابة افتتاح الأمر، فما أحسن هذا الظن. وقوله: الأخبار انقسمت إلى ما [نقلت] إلينا صريحًا، وإلى ما فهمناها ضمنًا، هذا يقوله مالك فيما إذا وجدت أخبار على مخالفة سنن [مشتهرة]، وأعمال مستقرة. ويقول مالك: ما كان ذلك إلا [لأنهم] ثبت عندهم ما يمنع من ذلك. وهو كلام صحيح.

стр. 2723

[وإن] حملت أعمالهم على المخالفة، لا يصح، بل قال الإمام أشد من هذا، وهو أنه لو روى الراوي خبرًا وعمل بخلافه، لأشعر ذلك بكونه متروكًا عنده. فإذا كان هذا حاله عند ترك الواحد له، فما القول إذا تركه جل الصحابة، واستمروا على تركه؟ لم يبق إلا أن يقال: فاعلهم لم يعلموا السنة فيه. وهذا بعيد [أن] تشيع سنة رسول الله ﷺ في الكوفة والبصرة، وتندرس بالمدينة على قرب عهد، وكثرة العلماء، ودوام الاقتداء، وكمال البحث عن السنة، والتبري بالكلية عن البدع. وهذا أيضًا قد حققناه فيما سبق. [وقول الإمام]: والمرجع عندنا إلى الأخبار وأقضية الصحابة محمولة عليها، وعند مالك الأعمال هي المتبعة، والأخبار مردودة إليها، فهذا وجه انفصال أحد المذهبين [عن] الثاني. يعني بهذا أن جميع العلماء طلبوا الأصول للاستدلال، ولكن تعيين الأصل هو الذي وقع فيه النزاع على زعمه.

стр. 2724

وأما قوله: كل معنى لو اطرد جر طرده حكمًا بديعًا لم يعهد [مثله] في الزمن السابق، فيدل خروج أثره عن النظير على خروج معناه عن كونه معتبر النظر. هذا كلام صحيح، ونحن لا ننكره، وحاصله راجع إلى أن المعاني المنقوضة لا يجوز التمسك بها. وقد شرطنا في اتباع المعنى أن لا يناقض أصلًا بحال. فهذا لا نزاع فيه. وعلى الجملة فالذي يصح عندنا في القول بالاستدلال المرسل، أنه لا فرق بين مذهب مالك والشافعي والإمام فيه، وشرط الجميع فيه أن لا يناقض. واكتفوا بكون المعنى سديدًا مطردًا، وجوزوا التعلق ابتداء بكل معنى يجوز أن يعلل به حكم ثابت، واكتفوا في تعليل الحكم الثابت بالمعنى المخيل المناسب، فلا يبقى بعد هذا للاختلاف معنى. والله الموفق للصواب. قال الإمام: (١٨٥/ ب) (فإذا تجدد العهد بما ذكرناه، فنحن نرسم بعد

стр. 2725

ذلك) إلى قوله (فليفهم الفاهم مواقع التعبد). قال الشيخ: هذا المثال الذي اختاره الإمام [مثال] حسن، وقد أتى فيه بغاية ما يكون من البيان، إذ حفظ الدماء أظهر معاني الشريعة، إذ الأموال [بذلة] حقيرة بالإضافة إليها، فلذلك وقعت قاعدة القصاص في أعلى درجات المناسبات. وقد تواطأ عليها [أهل] الجاهلية، وأقرها الإسلام، ولم تخل شريعة من الشرائع من تحريم ذلك (١٤٥/ أ)، وعن إيجاب الزاجر عنه. ولما اتفقت الشرائع على ذلك، واستمر العقلاء عليه أيضًا، أشعر ذلك بكونه ضروريًّا عند الجميع. ولذلك قال علماء الشريعة: كل مسلك يطرق إلى الدماء الهرج من غير معاناة شاقة ولا عسر، فهو مردود. وهذا يمثل بالقول

стр. 2726

في القتل بالمثقل، إذ القصد بالقتل بهذه الآلات ليس عسيرًا ولا نادرًا، فنفي القصاص فيه يفسد قاعدة الدماء، وهو مضاد لهذه القاعدة، التي هي أهم قواعد الشريعة وأحقها بالحفظ والرعاية. وقد منع أبو حنيفة القصاص بالمثقل، وتارة يقول إنه ليس آلة القود، بناء على تعبد في الآلة، وتارة يقول: [إن] لم يقصد القتل به، فهو كالخطأ. أما مناكرة العمد فيه، فضعيف في العقل، فإن من جملة صوره أن يقع القطع بالقصد إلى القتل، وهو بمثابة ما لو أحرقه بالنار، حتى صار رمادًا، أو طحنه طحنًا بحجر الرحى، أو ما يجري مجرى هذا. ولكنه تخيل تخيلًا رديئًا فقال: لما كان القصد أمرًا خفيًّا، أعرض الشرع عنه، وناطه بأمر واضح، وهو القتل بالمدد، الذي هو آلة القتل غالبًا، [ولذلك] اتخذت المحددات آلة للحرب دون المثقلات. وهذا الذي قاله خطأ من وجهين:

стр. 2727

أحدهما- أنا نكتفي بالمظنة، إقامة لها مقام المعنى، فإذا قطعنا بوجود المعنى، كيف يتأتى الإعراض عنه عند القطع به، ويترتب الأمر على ظن وجوده؟ هذا أمر ظاهر البطلان. الوجه الثاني- أن من المثقلات ما هو آلة القتل في الاعتياد، كزير الحديد من الدبابيس وغيرها، فكيف يصح أن يقال إن المثقل ليس آلة القتل مطلقًا؟ ثم صغير المثقل قد يقال فيه ذلك، قال ﷺ : "ألا في قتيل عمد الخطأ، قتيل السوط والعصا، مائة من الإبل". وأما قوله: وإن ادعى الخصم تعبدًا في الآلة، كان ذلك في حكم العبث. فهذا من الإمام كلام حسن، ونحن نوضحه، فنقول: لما تقرر بناء القاعدة على أعظم المصالح، واشتمالها على أبلغ المناسبات، بالنظر إلى حفظ

стр. 2728

النفوس، التي هي أهم الأمور، لم يتصور (١٨٦/ أ) مع هذا التقدير إثبات ما ينافيه بحال، قال الله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾. إشارة إلى أنه شرع القصاص [لكف] الظلمة عن القتل، حذرًا من القتل. ولذلك كانت العرب تقول: القتل [أنفى] للقتل. فإذا أثبت الخصم تعبدًا في الآلة يضاد هذه المعاني الضرورية، عُلم بالقطع بطلان ذلك، إذ كيف يتصور نفي ما عُلم ثبوته؟ ومواقع التعبدات عند العلماء، إما أن تشتمل على معان خفية، لا تنتبه لها عقول البشر، وهذا هو الأمر الظاهر منها، فيظهر للعلماء ما اتضح منها، أو تثبت الشريعة أمورًا مشتملة على أسرار تكميلية للقاعدة، تضيق عقول البشر عن الاطلاع على أسرارها، فكيف يتصور إثبات تتمة تناقض أصل القاعدة؟ وإذا تضمن ما يثبت نفي الأصل، فكيف تثبت معه التتمة؟ هذا محال. وإن قلنا إن التعبدات ليس فيها معانٍ على حال، إلا أنها لا تكون مناقضة، لما عُلم من الشريعة ثبوته، والاعتناء بحصوله، وقد قطعنا بأن

стр. 2729

المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس، فإذا صرنا إلى تعبد في الآلة (١٤٥/ ب)، حتى لا يقع القصاص إلا إذا وجدت تلك الآلة، عُدل إلى الآلة الأخرى، فلا يثبت القصاص بحال. فتبطل القاعدة على القطع. فعلى العالم أن يعرف الموضع الذي يجري فيه التعبد، من الموضع الذي لا يجري فيه. قال الإمام: (وإن تمسك [الخصوم] بصورة في العكس) إلى قوله (ونضرب لهذا مثالًا آخر قياسيًّا). قال الشيخ: معنى قوله: إذا تمسك [الخصم] بصورة في العكس، يريد بذلك أنه يقول: لما وجب القتل بصغير المحدد وكبيره، فينبغي أن ينعكس هذا في المثقل، فلا يجب بكبيره، كما لم يجب بصغيره. وصغير المثقل [مما اختلف فيه الناس]، [فالمشهور] من مذهب

стр. 2730

مالك [﵀]: أنه يجب القود بصغير المثقل، كما يجب بكبيره. فعلى هذا لا يتوجه الإلزام بحال، إذ استوى القسمان في ثبوت القصاص. والقول الآخر لمالك إسقاط القصاص بصغير المثقل. وقد [مال] [بعض أصحاب الشافعي] إلى إسقاط القصاص بصغير المحدد، كالضرب بالإبرة. وعلى هذا [أيضًا] لا يتوجه الإلزام إذ حصل الاستواء في الآلتين جميعًا. وأما المذهب الظاهر لأصحاب الشافعي، [فالفرق].

стр. 2731

وسبب ترتب القصاص على صغير المحدد، انه لما كان الجرح فيه غرر من جهة السريان، ناط الشرع القصاص بمطلقه، توكيدًا لأمر العصمة، فكيف يترتب على هذا (١٨٦/ ب) سقوط القصاص عن كبير المثقل، وهو على مناقضة مقصود القاعدة؟ فهذا هو فساد الاعتبار، على ما مضى تقريره. فالمصير إلى هذا، ميل عن الحق قطعًا. وليس الكلام في هذه المرتبة واقعًا في محال الظنون. قال الإمام: ([فنقول]: الغرض من شهادة الشهود) إلى قوله (ولو طلبنا مثال ذلك، وجدنا منه الكثير). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام في

стр. 2732

هذا المثال، واضح أيضًا، والتقدير فيه كما ذكره. والذي حمل أبا حنيفة على تخيله، أن البينة إنما تقام على المنكر، قال ﵇: "البينة على المدعي". وأما المقر، فلا تقام البينة عليه. وإذا أقر، فليس هذا موضع إقامة البينة. ومذهبه أنه لا يقام الحد في الزنا إلا بالإقرار أربع مرات. فالإقرار الواحد أبطل إقامة البينة، ولم يقم الحد، انتظارًا لبقية الإقرار. وهذا وجه مذهبه على الجملة. ونحن نقول: إنما لم تقم على المقر بينة، لأجل الاستغناء عنها، وعدم الحاجة إليها. ولو أقر من يمتنع إقراره بإتلاف أو غيره، لم نستغن عن إقامة البينة، كإقرار المحجور عليه، والعبد، والمديان عند التفليس. فإذًا هذا الإقرار، لا ينفع عنده في إقامة الحد، فيصح إقامة البينة. فهذا وجه الرد عليه. ولكن لا يبلغ عندي هذا المثال في الظهور والقطع ببطلان مذهب الخصم مبلغ المثال الأول. وجهة الفرق أن المثال الأول، الأمر فيه [ينبني] على محض المعنى، ولم يتصور فيه تعبدًا أصلًا. وقد ظهر في هذا المثال الالتفات إلى التعبدات في غير موضع:

стр. 2733

منها: أنه لا تقبل شهادة البينة إلا على [زنية] واحدة، فلو عينوا أماكن عديدة، لم يثبت الحد، وإن شهد الأربعة (١٤٦/ أ) على كونه زانيًا. ومنها: أنه يشترط البصر في هذه الشهادة، ولو حصل العلم للشهود بالإحساس باليد، لم يترتب الحد. فلما تطرقت التعبدات في [الباب]، أمكن أن يتعبد الشرع بسقوط البينة عند وجود الإقرار، ثم ينتظر تمام الإقرار. هذا وجه يطرق إلى المسألة بعض الإمكان، وإن كان مظنونًا، [فهو في أعلى مراتب الظنون]. قال الإمام: (والمرتبة الثانية: [تشتمل] على قياس معتضد بالأصل) إلى قوله (وهو منشأ الشبهات، على ما نوضحه، إن شاء الله تعالى). قال

стр. 2734

الشيخ: قد بينا أن شرع القصاص [أمر] مضطر إليه، لا يتصور خلو شرع أريد به صلاح الخلق. وإذا [تقرر] ذلك، فكل مسلك يطرق إلى الدماء الهرج، فلا بد من حسمه، ووضع الزاجر عنه. والاشتراك في القتل مما يكثر، فلو لم يشرع القود فيه، لانخرم (١٨٧/ أ) أصل القاعدة. هذا هو الأصل الذي به الاعتبار، وإليه المرجوع. فعلى هذا يقتل [المشتركون]. هذا تقرير كلام الأئمة، وفيه عندنا نظر، وذلك أن الشرع راعى هذه المصلحة في شرعية القصاص، ومعناه المماثلة، وكل واحد من الشركاء ليس بقاتل، فكيف يقتل غير القاتل، [بناء] على هذه القاعدة؟ [فلو] كان كذلك، نظرًا لمطلق الزجر، لصح أن يقتل القاطع، إذ ذلك آكد في الكف عن

стр. 2735

الأطراف. فالشريعة إذا ناطت حكمًا بعلة، ربط الحكم بمثل تلك العلة. أما أن يناط بخلاف تلك العلة، ولا بما يشتمل على معناها، فهذا باطل لا شك فيه. هذا وجه غرض هذه المسألة، وهو الذي حمل بعض المعتبرين على أن قال: هذا خارج عن القياس. ولعمري إنه كذلك من هذا الوجه. ولكن تقرير وجوب قتل المشركين أن نقول: هذا الأمر الذي لا يقبل الانقسام، إذا حصل اشتراك فيه، فقد يصح أن يقصد الشرع إلى اتحاد المشترك فيه، فيقدر لأجل تعذر القسمة، استقلال لكل واحد. ويصح أن يلتفت إلى عدد المشتركين، حتى يثبت التبعيض لعدد الشركاء. وهذا النوع من المسائل غامض، وهو دائر بين أصلين: أحدهما- الاتحاد من الجانبين، كما إذا قتل الواحد الواحد. والثاني- التعدد من الجانبين، كما إذا قتل كل واحد واحدًا. أما إذا اشترك القاتلون واتحد المقتول، فهذا لا تتحقق مماثلته لكل واحد من الأصلين، فينظر إلى ما تقتضيه المصلحة في الإلحاق.
следующие страницы →