Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
وسبب ترتب القصاص على صغير المحدد، انه لما كان الجرح فيه غرر من جهة السريان، ناط الشرع القصاص بمطلقه، توكيدًا لأمر العصمة، فكيف يترتب على هذا (١٨٦/ ب) سقوط القصاص عن كبير المثقل، وهو على مناقضة مقصود القاعدة؟ فهذا هو فساد الاعتبار، على ما مضى تقريره. فالمصير إلى هذا، ميل عن الحق قطعًا. وليس الكلام في هذه المرتبة واقعًا في محال الظنون.
قال الإمام: ([فنقول]: الغرض من شهادة الشهود) إلى قوله (ولو طلبنا مثال ذلك، وجدنا منه الكثير). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام في
стр. 2732
هذا المثال، واضح أيضًا، والتقدير فيه كما ذكره. والذي حمل أبا حنيفة على تخيله، أن البينة إنما تقام على المنكر، قال ﵇: "البينة على المدعي". وأما المقر، فلا تقام البينة عليه. وإذا أقر، فليس هذا موضع إقامة البينة. ومذهبه أنه لا يقام الحد في الزنا إلا بالإقرار أربع مرات. فالإقرار الواحد أبطل إقامة البينة، ولم يقم الحد، انتظارًا لبقية الإقرار. وهذا وجه مذهبه على الجملة.
ونحن نقول: إنما لم تقم على المقر بينة، لأجل الاستغناء عنها، وعدم الحاجة إليها. ولو أقر من يمتنع إقراره بإتلاف أو غيره، لم نستغن عن إقامة البينة، كإقرار المحجور عليه، والعبد، والمديان عند التفليس. فإذًا هذا الإقرار، لا ينفع عنده في إقامة الحد، فيصح إقامة البينة.
فهذا وجه الرد عليه. ولكن لا يبلغ عندي هذا المثال في الظهور والقطع ببطلان مذهب الخصم مبلغ المثال الأول. وجهة الفرق أن المثال الأول، الأمر فيه [ينبني] على محض المعنى، ولم يتصور فيه تعبدًا أصلًا. وقد ظهر في هذا المثال الالتفات إلى التعبدات في غير موضع:
стр. 2733
منها: أنه لا تقبل شهادة البينة إلا على [زنية] واحدة، فلو عينوا أماكن عديدة، لم يثبت الحد، وإن شهد الأربعة (١٤٦/ أ) على كونه زانيًا.
ومنها: أنه يشترط البصر في هذه الشهادة، ولو حصل العلم للشهود بالإحساس باليد، لم يترتب الحد. فلما تطرقت التعبدات في [الباب]، أمكن أن يتعبد الشرع بسقوط البينة عند وجود الإقرار، ثم ينتظر تمام الإقرار. هذا وجه يطرق إلى المسألة بعض الإمكان، وإن كان مظنونًا، [فهو في أعلى مراتب الظنون].
قال الإمام: (والمرتبة الثانية: [تشتمل] على قياس معتضد بالأصل) إلى قوله (وهو منشأ الشبهات، على ما نوضحه، إن شاء الله تعالى). قال
стр. 2734
الشيخ: قد بينا أن شرع القصاص [أمر] مضطر إليه، لا يتصور خلو شرع أريد به صلاح الخلق. وإذا [تقرر] ذلك، فكل مسلك يطرق إلى الدماء الهرج، فلا بد من حسمه، ووضع الزاجر عنه. والاشتراك في القتل مما يكثر، فلو لم يشرع القود فيه، لانخرم (١٨٧/ أ) أصل القاعدة. هذا هو الأصل الذي به الاعتبار، وإليه المرجوع. فعلى هذا يقتل [المشتركون].
هذا تقرير كلام الأئمة، وفيه عندنا نظر، وذلك أن الشرع راعى هذه المصلحة في شرعية القصاص، ومعناه المماثلة، وكل واحد من الشركاء ليس بقاتل، فكيف يقتل غير القاتل، [بناء] على هذه القاعدة؟ [فلو] كان كذلك، نظرًا لمطلق الزجر، لصح أن يقتل القاطع، إذ ذلك آكد في الكف عن
стр. 2735
الأطراف. فالشريعة إذا ناطت حكمًا بعلة، ربط الحكم بمثل تلك العلة. أما أن يناط بخلاف تلك العلة، ولا بما يشتمل على معناها، فهذا باطل لا شك فيه. هذا وجه غرض هذه المسألة، وهو الذي حمل بعض المعتبرين على أن قال: هذا خارج عن القياس.
ولعمري إنه كذلك من هذا الوجه. ولكن تقرير وجوب قتل المشركين أن نقول: هذا الأمر الذي لا يقبل الانقسام، إذا حصل اشتراك فيه، فقد يصح أن يقصد الشرع إلى اتحاد المشترك فيه، فيقدر لأجل تعذر القسمة، استقلال لكل واحد. ويصح أن يلتفت إلى عدد المشتركين، حتى يثبت التبعيض لعدد الشركاء. وهذا النوع من المسائل غامض، وهو دائر بين أصلين:
أحدهما- الاتحاد من الجانبين، كما إذا قتل الواحد الواحد.
والثاني- التعدد من الجانبين، كما إذا قتل كل واحد واحدًا. أما إذا اشترك القاتلون واتحد المقتول، فهذا لا تتحقق مماثلته لكل واحد من الأصلين، فينظر إلى ما تقتضيه المصلحة في الإلحاق.
стр. 2736
أما إذا كان القتل خطأ، فلا التفات إلى جانب عدد الشركاء، حتى يكون الثابت دية واحدة، إذ المال لا يثبت عقوبة ولا زاجرًا، وإنما أثبت قليلًا. ولا عهد في الشريعة بإتلاف شيء يغرم المتلف أمثاله.
أما في جانب العمد، فلا التفات إلى تعدد الشركاء، لمنع القود والجراح جميعًا، وذلك مبطل للقاعدة قطعًا. وتعين واحد للقود باطل [من وجهين]:
أحدهما- أن العصمة لا تتحقق معه، لأن كل واحد يجوز أن يكون هو المعفو عنه.
الثاني- أن السبب الذي منعنا من قتل الجميع، موجود في قتل الواحد، فإن استقل دارئًا للقصاص من الجميع، استقل دارئًا في حق المعين. فهذا أيضًا يمنع (١٤٦/ ب) من قتل واحد بالقرعة.
وقول الإمام: إن المشتركين يقتلون بحكم قاعدة القصاص، يريد بذلك أنا لم نشرع القتل لأجل صيانة عضو، بل لصيانة النفس، فبهذا يفارق. هذا ما ألزمناه من أنه لا يشرع القتل إلا في مقابلة القتل، زجرًا عنه.
وقد قررنا أن مقتضى القاعدة الالتفات في العمد إلى جهة (١٨٧/ ب) الاتحاد، حتى يقدر كل واحد قاتلًا، وأفضى درء القتل إلى الهرج الظاهر. وإن
стр. 2737
كان القتل بالمثقل أسهل من الاشتراك، فيتطرق قرب من وجه، إذ الواحد في غالب الأمر يستقل بالواحد، فقد تعادلا، إذ تطرق إلى كل واحد يسر من وجه، وعسر من آخر، مع أن القياس أيضًا ليس على مضاهاة الأعواض. فلما خرج أصله عن قياس الأعواض هذا الخروج، احتمل فيه هذا التفاوت. ألا ترى أنه لما غلب في الخطأ أمر الأعواض، ثبت فيه التوزيع؟
وأما قول القائل: إن الجاني معصوم، فإذا تطرق إلى السبب هذا الاحتمال، بقيت العصمة.
[وقول] الإمام: فلا نظر إلى الحرمة، مع كونه يسعى فيما يبطل حرمته، ويسقط عصمته من غير شبهة. وأما قوله: يسعى فيما يبطل حرمته، فهو محل النزاع، ودليله ما ذكرناه.
وأما قوله: ومنشأ الشبهات ما يقدر للجاني عذرًا، هذا الكلام في نهاية
стр. 2738
الإجمال، والمطلوب [معرفة] ما يقدر عذرًا. والذي صار إليه الفقهاء أن الشبهات تنشأ من أحد أمرين:
إما وجدان صورة المبيح، كالعقود الفاسدة في البيع والنكاح وغيره. فإن المشتري إذا اشترى شراء فاسدًا، فوطئ واستولد، سقط الحد، والتحق الولد، بناء على الشبهة الحاصلة من العقد الفاسد، الذي هو صورة المبيح.
وقد تنشأ الشبهة من اختلاف العلماء، [ولذلك قال مالك في النكاح الفاسد: إن ما اختلف الناس في إجازته وفسخه، فالفسخ فيه بطلاق، نظرًا إلى اختلاف العلماء]. [فكان ذلك] شبهة منعت من الفسخ، ولكن بناء الشبهات على مطلق الاختلاف، لا سبيل إليه. ولذلك أن مالكًا ﵀ يحد الحنفي إذا شرب النبيذ. ولا يلتفت إلى هذا الاختلاف، وإن قال ﵇: "ادرءوا الحدود بالشبهات". والفرق بين اختلاف ينشأ منه شبهة، وبين
стр. 2739
اختلاف لا ينشأ منه شبهة، غامض، وإنما يرجع هذا إلى قوة الاختلاف عند الناظر وقوة دليله، وإمكان أن يكون الصواب معه، ولكل مسألة ذوق، وكثير من المسائل يقضي مالك فيها بفساد العقود، ويمتنع من الفسخ بعد الوقوع، نظرًا لقوة الخلاف.
قال الإمام: (فإذا تمهدت القاعدة [نفرض] هذه [الرتبة]) إلى قوله (ولكنه يقع في مجاري الظنون). قال الشيخ: أما المصير إلى بطلان القصاص على الإطلاق، فلا ذاهب إليه، وأما تفويض الخيرة إلى الولي، ففيه
стр. 2740
بعض الصون، ولكنه لا يبلغ مبلغ شرع القصاص على الجميع، إذ كل واحد من المشتركين يتوقع سلامته، فلا يقوى الزاجر في حقه. على أن المحذور الذي يلزم (١٤٧/ أ) في قتل (١٨٨/ أ) الجميع، هو لازم في الواحد. وإذا تحقق الاستواء، فإما أن يكون هذا عذرًا، فلا يقتل واحد منهم، وهذا إذا قيل به، تبطل القاعدة، وإما أن لا يكون عذرًا، [فيستوي بالإضافة إلى الكل.
فأما أن يكون عذرًا في حق بعضهم، ولا يكون عذرًا] في حق البعض، مع تحقق الاستواء، فباطل من جهة القياس، إلا أن يثبت في ذلك تعبد، فيصار إليه. ومالك يقول هذا فيما إذا كان القصاص يفتقر في الثبوت إلى قسامة، وهو إذا ثبت الموت على جماعة أنهم قتلوا عمدًا، ويكمل السبب بالقسامة، فإنهم إنما يقسمون ويقتلون واحدًا من الجماعة، ولا سبيل غلى قتل الجميع. قال مالك ﵀: "لم يقتل بالقسامة إلا واحد منذ كان الإسلام إلى اليوم". وهذا فهم من الحديث، وهو قوله ﵇: "تحلفون خمسين يمينًا على رجل من يهود فيسلم إليكم". هذا معنى الحديث. فانظر [لحكم] الشرع كيف [جعل]
стр. 2741
الاشتراك في القتل على ثلاث درجات:
إحداها _أنه نزل المشتركين منزلة الواحد، حتى أوجب القصاص على الجميع.
وتارة التفت إلى التعدد، وحكم بالتقسيط، وهو في الموضع الذي يجب فيه المال دون الدم.
وفي موضع، وهو الذي افتقر السبب [فيه] إلى [نفس] التكميل، لم يقتل الجميع، [و] تعذر التقسيط، وأفضى الإسقاط إلى إبطال الدماء، وتوسط الأمر، أو قتل واحد، وفيه أصل الزجر دون كماله، لأجل نقصان السبب، والافتقار إلى القسامة.
وصورة رابعة: وهو أن يكون القتل على جهة شبه العمد، ويمنع القصاص على قول، [وتؤخذ] الدية مغلظة، فها هنا يجب الغرم على القاتلين في أموالهم، وتعدد الواجب بتعدد القاتلين، وكأنه واقع في أبواب العمد، الذي نزل فيه الشركاء منزلة [المنفردين]، ولكن منع مانع من القود، فرجعنا إلى قيم النفوس القاتلة، يعني بذلك الديات المغلظة. هذا كلام الفقهاء في تفاصيل أنواع
стр. 2742
القتل العمد منه، والخطأ، وشبه العمد، والشركاء المنفردين.
وأما إلحاق الطرف بالنفس عند تحقق العمد، فواضح، [والتحرير] فيه ما ذكر، والتقدير أن الشرع شرع القتل عصمة للأطراف، ونزل الشركاء في النفس على جهة العدوان كالمنفردين، لما ذكرناه من [حكمة] الصون.
قال الإمام: ([وأما السبب في خروج هذا القياس عن كونه معلومًا]) إلى قوله ([امتناع] المعارضة المحوجة إلى الترجيح). قال الشيخ: الوجوه التي ذكرها الإمام مانعة من حصول العلم، ضعيفة كلها، ولكنها _وإن (٨٨/ ب) كانت ضعيفة_ فقد يحيك في النفس بسببها احتمال، والاحتمال _وإن بعد_ يمنع العلم.
أما الأول: وهو أن الطرف إذا أفضى إلى النفس، وجب القود، وهو ممكن، فيقدر ذلك وازعًا، من حيث الجملة. ولسنا في النفس نتوقع أمرًا يفضي
стр. 2743
إليه القتل، حتى يكون توقع ذلك الأمر مانعًا من الإقدام على القتل. فلما لم يوجد وازع آخر عن النفس، شرع القود فيها، وليس الطرف كذلك. وهذا لو كان أمرًا ملتفتًا إليه، لسقط القود في الطرف رأسًا.
هذا جوابه. ويصح للخصم أن يقول: قد بينا الاشتراك من وجه تنزيله منزلة الانفراد (١٤٧/ ب). ومن وجه آخر يلتفت فيه إلى الاشتراك، كما ذكرناه في الاشتراك في النفس عمدًا وخطًا. وإذا كان فيه انقسام، فليرجح تنزيله منزلة الانفراد، عندما تشتد الضرورة إليه، وهو النفس، إذ لا يتوقع زاجر آخر.
ويلتفت إلى جانب الاشتراك في الطرف، لتوقع الزاجر الذي ذكرناه. وهذا كلام بين، لو ورد الشرع به، لصح تعليله بما ذكرناه، ولم يسلك به مسلك التعبدات بحال. فلأجل ذلك، امتنع هذا الإلحاق أن يكون معلومًا.
وأما الوجه الثاني: وهو أن المعنى منقوض بما إذا تمايز فعل كل واحد منهما عن الثاني، فإن التمالؤ على إتلاف الطرف ثابت ولا قصاص.
[وقول] الإمام: هذا سؤال واقع، ورآه أنه مبطل للقاعدة في قصاص الأطراف للنقض الحاصل. وقد صح فيه منع على ما يعرفه الفقهاء، ولم ينقدح
стр. 2744
له عنه جواب. وهذا [أمر عجيب] أن يبقى متمسكًا بالمعنى، ولم ينقدح له عن النقض جواب أصلًا. وهل هذا إلا عين التحكم، ومحض التقليد، وإلزام الخصم [الانقياد] إلى معنى نقضه الملزم؟ فإذا لم يف هو بطرد علته، فكيف يلزم خصمه ذلك؟
ولكن الجواب [الحق] عن هذا الإلزام، وهو أنا نقدر ها هنا قاعدة كثيرة [الفائدة، عظيمة الجدوى]، وذلك أنه إذا ربط الشرع حكمًا بمعنى، فلا سبيل إلى ربط ذلك الحكم بغير ذلك المعنى، على وجهة القياس. وقد قررنا أن القصاص في النفس لا يكون إلا عند إتلاف النفس، والقطع في مقابلة القطع، فلا يشرع القتل زاجرًا عن القطع، ولا القطع زاجرًا عن الجرح. وهذا باطل في الشريعة، وليس قصاصًا على حال. فإذا تحقق هذا، فنحن إنما
стр. 2745
[قتلنا] المشتركين عند عسر التمييز، ذهابًا منا إلى الإعراض عن عدد القاتلين، والتفاتًا منا إلى أن الجناية لا تقبل التعدد. فما ظهرت (١٨٩/ أ) هذه الجهة، أمكن أن يتنزل الشركاء على الوجه المخصوص منزلة الواحد.
أما إذا تعددت الجهات، وتميزت الأفعال، فليس الحاصل من كل واحد منهما إلا جرح، فكيف يتفق أن يشرع القطع زاجرًا عن الجرح؟ فلا يكون الذي ورد نقضًا بحال. والمناقضة الحاقة إنما تكون على تقدير تساوي المسألتين في الاشتراك في المعنى المعتمد عليه، ويصير ما ألزمه الخصم، بمنزلة ما لو تمالأ على قطع يديه، ولكن تولى كل واحد منهما قطع يد بانفراده، فإنه لا يتصور أن يقال تقطع أيديهما جميعًا. وكذلك القول في إتلاف العينين على التمالؤ.
فليفهم المنتهي إلى هذا المقام هذا السر، فهو من الأسرار التي يقل على وجه الأرض من يتنبه لها. وبهذا يعلم الإنسان دقة نظر الأولين، وما خصهم الله به من الوقوف على حكم الشريعة.
стр. 2746
فأما الوجه الثالث: فهو أن الطرف [مما] يقبل القسمة، فيتصور الخصم وقوعه من المشركين على حكم التمييز. وهذا غلط بين، وكيف يتصور ترك الأمر المعلوم، بناء على أنه يمكن أن يقع على خلاف ذلك؟ فهذا الوجه هو أردأ الوجوه الثلاثة. ولكن على الجملة، القياس ها هنا في أعلى درجات الظنون.
قال الإمام: (فإن عارضوا القصاص في الطرف بقطع السرقة) إلى قوله (لو قطع جان يدًا واحدة بدفعات، استوجب القصاص [عند الإبانة]). قال الشيخ: وجه الإلزام: أن أبا حنيفة والشافعي ﵄ قالا: إذا وقع الاشتراك في سرقة (١٤٨/ أ) نصاب، لم يثبت القطع. وإذا وقع الاشتراك في إتلاف النفس، وجب القود على الجميع. واختلفا إذا وقع الاشتراك في الطرف، فقال أبو حنيفة: لا يقطع الجميع، كما لو اشتركوا في سرقة النصاب الموجب للقطع. [فالاشتراك في النصاب الموجب للقطع، كالاشتراك في قطع الطرف الموجب للقطع]. فورد الإلزام من هذه الجهة. فأراد الإمام أن يفرق بين
стр. 2747
البابين، لاختلاف حكمة القاعدتين، وأخذ يفرق من وجهين: أحدهما _من جهة المعاني والمناسبات، والثاني _من جهة الأحكام.
أما الفرق الناشئ من اختلاف المعاني، فهو أن القطع إنما شرع صونًا عن أخذ المال المحترم، أما المال التافه، ففي النفوس وازع عنه، فلا يفتقر إلى وازع آخر، وكل واحد من المشتركين على حصته المسروق، وهي تافهة، فلا حاجة إلى وضع الزاجر عن ذلك، بخلاف قطع الطرف، فإنه ليس فيه انقسام إلى التافه والنفيس، [كالمال]، إذ (١٨٩/ ب) ليس المقصود من القتل والقطع تملك شيء، وإنما المقصود الإتلاف، فلم يلزم حمل أحد البابين على الآخر. وهذا كلام بين على أصلهما.
فأما الفرق الثاني من جهة الأحكام، فهو ما صوره فيما إذا سرق نصابًا بدفعات، وهو في كل دفعة يهتك حرزًا، فإنه لا يقطع، ولو أبان اليد بدفعات، وجب القود. مقصوده بهذا الكلام، تباعد البابين، وأنهما بنيا في الشرع على
стр. 2748
تفاوت، فلا يلزم حمل أحدهما على الثاني. هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
وأما مالك [﵀]، فلا يقول ذلك، ويقول: إن كان الشيء المسروق مما يفتقر [فيه] إلى معاونة، كثقله، ولا يستقل الواحد به، يقطعون، وإن كثر عددهم، ولم يحصل لكل واحد منهم إلا الشيء اليسير. وإن كان المسروق مما يستقل أحدهم بسرقته، والمسروق نصاب واحد، فلا قطع على واحد منهم. هذا تفصيل عجيب، وهو راجع إلى ما قررناه من أن الشركة على الفعل الواحد، الذي لا انقسام فيه، فيها اتحاد من وجه، نظرًا إلى اتحاد متعلق الأفعال، وفيها تعدد من وجه، نظرًا إلى تعدد الأفعال، فإن دعت الحاجة إلى الالتفات إلى جهة الاتحاد، أعرض عن عدد الفاعلين، وإن لم تدع الحاجة إلى ذلك، أعرض عن اتحاد الفعل. وقد بينا هذا فيما يتعلق بقتل العمد والخطأ. فكذلك إن لم تدع ضرورة إلى التمالؤ عند خفة المسروق. [والتفتنا إلى تعدد الأفعال، إذ لا حاجة للمعاونة. وإن ثقل الشيء المسروق، التفتنا إلى اتحاد المسروق]، دفعًا للمعاونة في أخذه. هذا تفصيل مالك [رحمه
стр. 2749
الله]، وهو بالغ حسن. والشاهد له حصول الإطباق على التفصيل في قتل العمد والخطأ، فلينتبه لهذا الكلام، فإنه من نفائس الكلام.
وأما إذا سرق نصابًا بدفعات، ففيه تفصيل عندنا، وهو أنه إذا كان الفعل في حكم المتحد، نظرًا إلى العادة، فالقطع واجب. وصورته: ما إذا نقل قمحًا من مخزن، في مكيل مرارًا كثيرة، في فور واحد، حتى كمل نصابًا، فإنه يقطع، إذ الفعل يعد في العادة فعلًا واحدًا، وهذا يناظر ما إذا قطع اليد بدفعات.
أما إذا انفصل الأخذ الثاني عن الأخذ الأول، بحيث يقدر سرقة جديدة، فلا قطع. وصورته في قطع الطرف: ما إذا قطع بعض يده، واندمل الجرح، وبقي بعض اليد على السلامة مع الاندمال فهذا يقتص منه بمقدار ما قطع خاصة، ثم إذا قطع شيئًا آخر، صبر عليه أيضًا، حتى يبلغ الاندمال، إذ لا قصاص عندنا إلا بعد الاندمال، ثم يقتص منه [أيضًا] بمقدار ما قطع. فهي في الحقيقة جراحات (١٩٠/ أ) اقتص منها، ووقعت الإبانة ضمنًا. فلا فرق عندنا بين السرقة والقطع في القصاص (١٤٨/ ب).
стр. 2750
قال الإمام: (ويتعلق بالكلام في هذا القسم أم يتعين الاعتناء به) إلى قوله (في المنصوص عليه إلى القاعدة الكلية). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام، صحيح، والكلام فيه يتعلق بالأسباب. وقد قدمنا في ذلك قولًا بالغًا، ونحن الآن نذكر ما يتعلق بهذا الغرض.
اعلم أن القياس يجري على حقيقته، إذا عدي عن حكم الأصل إلى الفرع بعين جامع الأصل، وإذ ذاك تعقل حقيقة القياس. أما إذا عدي الحكم بغير جامع الأصل، بناء على وصف يقاربه، فهذا باطل قطعًا. فإن حقيقة القياس مفقودة، مع وجه آخر من الفساد.
أما بيان فقدان حقيقة القياس، فواضح، وذلك أن الجامع الذي ثبت له الحكم، غير موجود، والمعنى الآخر _وإن دانى_ فالأصل غير شاهد له. فإن استعمل ذلك المعنى، فليس له وجه إلا الاستدلال المرسل. أما على حد القياس فلا.
стр. 2751
الوجه الثاني: ما ذكره الإمام، وهو أن ذلك يؤدي إلى الانتشار وعدم الضبط. فإن المعنى الثاني إذا قارب الأول، ولم يكن مثله، أمكن أن يفعل ذلك في الثالث والرابع، فيفضي الأمر إلى أن يكون المعنى العاشر، إذا نسب إلى الأول، ولم يشبهه بحال. فإن الفروق الدقيقة إذا اجتمعت، ظهر أثرها. وهذا في التمثيل كمن التقط نواة ثم أخذ تشبهها، ثم أخذ أخرى تشبه الثانية، فكلما كثر العدد، بعد الشبه من الأول، فأفضى الأمر إلى اعتبار مصارح ليست مدانية للمصالح [السابقة] بحال.
وزعم الإمام أن مالكًا فعل مثل ذلك فانتشر مذهبه. ومن العجب انه ينسب إليه هذا الاعتبار، وهو ينفيه ويقول: إنما استنبط تلك المعاني من أقضية
стр. 2752
الصحابة، ولم يحط بمعناها. فحاصل هذا الكلام استنباط المعاني مما لا يصح أن يكون أصلًا، إذ لم يفهم المعنى على وجهه، فأين هذا مما نحن فيه من تقريب المعاني؟
ومثل الإمام هذا الثاني بقوله: إن القطع شرع صونًا للأموال، فإذا ألزمنا عليه صون الحرم عن مراودات دون الجماع، يريد أدناها على أخذ [نصاب]، لم يحتفل بهذا الإلزام. وكان الجواب: أنه ليس لنا وضع [الأحكام]، لكن إذا وضعها الشرع اتبعناها، وليس صون الحرم
стр. 2753
[صون] للمال، [ولا مماثل له]. فلم يكن للإلزام وروه بحال.
أما قوله: وقد تدنو المآخذ فيزل [الفطن]، إذا لم يكن متهذبًا دريًا (١٩٠/ ب) في مسالك الاجتهاد. يريد بذلك أنه عند التماثل في المصالح، فلا ريب في الإلحاق، وعند التباعد وإلزام صون الحرم على صون الأموال، لا إشكال في منع الاعتبار. وقد تدور بين الأصلين صور تقرب نسبتها إلى التماثل.
ومثاله: ما إذا نقب واحد، وسرق الآخر، فإنه لا قطع على واحد منهما، وإن تلف المال، لكن سبب ذلك أن السارق لم يأخذ المال إلا من مضيعة، إذ النقب هتك الحرز، وإذا شرع الشارع القطع في السرقة، وهي أخذ المال المحترم من حرز مثله، فليس لنا وضع القطع فيما ليس بسرقة. وهذا معنى
стр. 2754
واضح يقتضي منع القطع. ولم يوجد من الناقب إلا هتك الحرز، وهو ليس بسرقة، ولم يوجد من الآخر إلا المال من غير حرز، وهذا أيضًا ليس بسرقة. وكما يقدر أن يوضع القطع زاجرًا عن الغصب والخلس، لفقدان حقيقة السرقة، فكذلك ها هنا. وهذا الكلام واضح لا إشكال فيه.
وأما ما تخيله الإمام نقضًا على هذا، فهو ما إذا استند النقب والأخذ إلى واحد، فإن القطع واجب. والذي تخيله أن النقب أيضًا في هذه الصورة (١٤٩/ أ) أخرج المال عن كونه في حرز، فما أقدم السارق عليه إلا وهو في مضيعة. وهذا الذي قاله ضعيف، فإن الفعل ها هنا يعد واحدًا منسوبًا إلى السارق، والسرقة تكون على وجوه:
منها: مالا حاجة فيها إلى هتك الحرز، وهو ما إذا سهل عليه الأخذ، والحرز باق بحاله.
ومنها: ما لا يتأتى له السرقة فيه إلا بهتك الحرز. ولما كان الفعل في وقت واحد، منسوبًا إلى فاعل واحد، مقصودًا به أخذ المال، صار هذا [اقتضاء] أخذ المال من حرزه، فوجب القطع فيه، بخلاف الصورة الأولى عند تباين الفعلين من الفاعلين على ما قررناه.
стр. 2755
فلما صعب الأمر على الإمام، أضرب عن الجواب عن السؤال، وعدل إلى مقتضى الأصول، وقال: ولا يلتزم الأصولي الذب عن كل مذهب. والذي قاله صحيح، ووظيفة الأصولي تقرير القواعد، فأما تحقيق الأمثلة، فشأن المجتهد، والكمال أن يشتمل الكتاب على جميع الأطراف.
وأما قوله: إن المعلل إذا قيد تعليله بقيد لا يناسب، لا على الاستقلال، ولا على الانضمام، فذلك التقييد باطل، إلا في مثل هذه المحال. يعني أنه إذا قيد المعنى بمحله، وقال: وجب القطع صيانة للمال. فإذا قيل له: قولك المال لا معنى له. قيل: شرع القطع صيانة للمحرم، حتى يلزم صون الحرم. وهذا يطرد في جملة مسائل الشريعة.
стр. 2756
قال الإمام ﵀: (فإن قيل: إذا قسمتم [الطرف في حق الاشتراك] على النفس) إلى قوله (في المرتبة (١٩١/ أ) الثانية من قياس المعنى). قال الشيخ ﵁: لما قرر الإمام أن المعاني إذا اختلفت أيسر اختلاف، وتباينت الأحكام أقل تباين، كان ذلك مانعًا من القياس. وهذا القول صحيح، وكذلك قوله: وقد يدنو المأخذ، يريد: فيستحيل التماثل حتى يعم الحكم، وهو أيضًا باطل. قيل له: فالقطع غير القتل، وإنما ثبت أن الاشتراك يتنزل منزلة الانفراد، بالإضافة إلى القتل، فإذا عديتم القضية إلى القطع، فهل تنسبون إلى المحذور الذي ذكرتموه من تجاوز حد القياس؟ أجاب عن ذلك بأن قال: إن كان ذلك [مجاوزة]، فلا قياس إذًا، وأخذ يبين استواء القتل والقطع في [نظر] الشرع. وإذا تحقق التماثل، صار ذلك بمثابة تحريم النبيذ، اعتبارًا بتحريم الخمر، فيثبت التماثل لا التقارب. قال: ساوى الطرف النفس في وجوب القصاص على المنفرد، وثبت أن الاشتراك في غير الصون لا يسقط القصاص
стр. 2757
عن الشركاء، فاعتبرنا الاشتراك في الطرف بالاشتراك في النفس، بعد أن ثبت عندنا أن قصد الشارع إلى حفظهما على وتيرة واحدة. وهذا غاية القياس في هذا النوع.
وأما قوله: إن أسد المذاهب في القول بالقياس الحق مذهب الشافعي. فهذا منه دعوى من غير عضد ببرهان. وقد بينا مأخذ مالك في المسائل التي تقدمت، ونبهنا على دقة نظره، وعلمه بتفاصيل الشرع وأبوابه، والتفاته إلى تعدد الجهات، وترتب الأحكام على ما تقتضيه قوة الشوائب.
وأما ما استشكله الإمام من قتل تارك الصلاة، وقوله: إنه لم يرد فيه نص، فليس الأمر على ما قال، بل فيه نص من الكتاب والسنة وإجماع ضمني عن الصحابة ﵃.
أما الكتاب: فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿[فاقتلوا] المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد﴾. فأمر بقتلهم على
стр. 2758
هذا الوجه من التضييق، ثم شرط في رفع ذلك ثلاثة شروط، فقال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم﴾. فإنما أمر بالكف عنهم عند اجتماع هذه الأمور. (١٤٩/ ب)
فإن قال الخصم: هذا تعلق بالمفهوم، أي مفهوم أنهم إذا لم يفعلوها، فلا يخلوا عنهم. قلنا: ليس الأمر كذلك، فإنه أمرنا بالقتل، وضيق قيه، ثم جعل السبب في الترك فعل هذه الأمور، فإذا لم يفعلوها، قتلوا بمقتضى اللفظ، لا بقضية المفهوم.
وأما السنة: [فقول النبي ﷺ ]: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، (١٩١/ ب) عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على [الله] ". كيف وقد جاء: "من ترك الصلاة فقد كفر"؟ وما كان أصحاب رسول الله ﷺ يكفرون بذنب إلا بترك الصلاة". وهو الظاهر من قول عمر ﵁: " [نعم]، ولا حظ في
стр. 2759
الإسلام لمن ترك الصلاة". إلا أنا لا نقول بذلك على الإطلاق، إذ تارك الصلاة عندنا إما أن يكون معترفًا بالوجوب، أو منكرًا له، فإن كان منكرًا له، فهو كافر، من جهة أنه جحد أمرًا معلومًا في الشريعة. وقد بينا في كتاب الإجماع الوجه في تكفير من ذهب إلى ذلك. فإن كان معترفًا بالوجوب، فليس بكافر عند مالك وجماهير أصحابه. وذهب [ابن حبيب] من أصحابنا إلى أنه كافر. وهذا لا نختاره.
فأما الإجماع: الضمني [الدال] على [قتل] تارك الصلاة، فقول أبي بكر [الصديق]﵁ في قتال ما نعني الزكاة، لما خولف في ذلك فقال:
стр. 2760
"والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال". هذا يدل على أن قتل تارك الصلاة كان مفروغًا منه عندهم، ولذلك جعله أبو بكر أصلًا، ورجع المسلمون إلى موافقته فيه. سلم أن تارك الصلاة، لم يقتل إلا بالقياس؟
وأما قوله: وإن [قنع] من قصر نظره باعتبار المأمور به بالمنهي عنه، فهذا طريق سلكه بعض الفقهاء، وذلك أنه قال: مطلوب الشريعة انقسم قسمين: فمنه ما طلب فعله، ومنه ما طلب تركه، ثم أعلى المنهيات الكفر بالله تعالى، ودونه في الرتبة إتلاف النفوس، فإنها تلي الكفر بالله تعالى في الدرجة، ولذلك كان "أول ما يقضى فيه بين الخلائق الدماء". وأعلى المأمورات الإيمان بالله تعالى، ودونه الصلاة، فإنها ثانية الإيمان، ولذلك كان "أول ما يسأل عنه من عمل العبد الصلاة".
وإذا انتهض القتل داعيًا إلى تحصيل أعظم المأمورات، فلينتهض داعيًا إلى ما يليه في الرتبة، وهي الصلاة. وهذا كلام فيه نوع من المناسبة، ولكنه لا يتجاسر بمثل هذا الأمر الكلي على إتلاف النفوس. فالصواب التمسك
стр. 2761
بالتوقيف، على حسب ما قررناه. [وهو كلام حسن بالغ]. والله الموفق للصواب.
قال الإمام ﵀: ([المرتبة] الثالثة: نمثلها بالقول في المكره على القتل) إلى قول (ولو ذهبنا نستقصي هذه المسائل لطال الكلام). (١٩٢/ أ) قال الشيخ ﵁: المذاهب في المكره كما ذكرها، ولمالك ﵀ مذهب رابع، مركب من مذهب زفر والشافعي، فإنه يقول: إن كان المكره ممن ينقاد له في الاعتياد، كالسيد بالإضافة إلى عبده، والسلطان في رعيته، قتلا
стр. 2762
جميعًا، كما يقول الشافعي. وإن كان على غير ذلك، قتل المكره دون المكره، كما يقول زفر. وقد حققنا فيما تقدم أن القتل شرع زاجرًا عن القتل. فعلى هذا الأصل ينبغي أن يدور النظر.
وإذا كان كذلك، كان أوضح المذاهب مذهب زفر، والمصير إلى تنزيل المكره منزلة الآلة باطل شرعًا وعرفًا. أما الشرع، فبالنظر إلى بقاء التكليف واستمراره، ولو كان آلة، لسقط التكليف. وأما بالنظر إلى العرف، فإنه قادر من الامتناع (١٥٠/ أ) عن الإقدام، وإن كان في ذلك إتلاف نفسه. والمباشرة تغلب السبب، إذا أمكن أن يناط الحكم بها.
стр. 2763
هذا وجه تقرير هذا المذهب. ولكن في المصير إليه خرم أصل الباب، فإن المكره إذا حمل بالسيف على القتل، فإنه يقدم عليه غالبًا، للخلاص من سيف المكره. وشرعية القود عليه في مستقبل الزمان، لا ينتهض دارئًا وكافًا في الحال.
فإن قيل: [قد] قلتم: إن شرعية القود، توجب انكفافًا وإحجامًا، فليكن كذلك ها هنا. قلنا: لا نراه يستقل في هذا المكان، لأجل كونه يقتل في الحال، على تقدير الامتناع، ولم يلزم من استقلاله بالانكفاف هناك، أن يستقل كافًا ها هنا. وهذا واضح، فمن هذه الجهة، لم يكن في شرع القود على المكره
стр. 2764
على انفراده، تحقيق مقصود العصمة. فإذا ما حصل إتلاف النفس بإكراه المكره وإقدام المكره، فحسن لذلك تنزيلهما منزلة الشريكين. وهذا لعمري أقرب إلى مقصود الصون، وإبقاءً لإتلاف النفوس.
فإن قيل: فهذا ينقض ما قررتموه من أنه لا يقتل إلا قاتل، وتكلفتم في المشتركين الالتفات إلى اتحاد المجني عليه، وقدرتم كل واحد جانيًا على الكمال، حتى يستقيم لكم نقل الحكم إلى هذا المحل، مرتبًا على معناه، وأنتم لا يمكنكم في هذا المقام أن تجعلوا المكره شريكًا في النفس على حال. قلنا: هو شريك شركة معنوية، يدل على ذلك أنه إنما حصل إهلاك النفس بفعلهما جميعًا، ولو انفرد كل واحد منهما، لم يقع القتل. هذا وجه مذهب الشافعي، وفيه فقه، على [ما مهدناه] من تغليب أمر الصون في القاعدة.
فإن قيل: فما وجه تفرقة مالك ﵀ حتى اختار في صورة مذهب
стр. 2765
[الشافعي]، وفي صورة مذهب [زفر]؟ قلنا: الذي يظهر لنا في ذلك _والعلم عند الله_ أنه بنى الأمر على قضية ظاهرة، فيما يعتاد (١٩٢/ ب) فيه الإكراه، ومن يكون له الإكراه من الناس، وأعرض عن الأمر الخفي. إذ يكون للمقدم على القتل قدرة على الانكفاف، ولكنه لم يستعمل قدرته رغبة له في إتلاف النفوس، فكأنه لم يتحقق [عنده] أنه مكره. فيرجع فقه مذهبه إلى [فقه] مذهب الشافعي. ولكن الشافعي نظر إلى صورة الإكراه، ونظر مالك إلى الإكراه الظاهر في العادات. وهذا كلام حسن في هذا النوع.
أما ما يتعلق بقتل شهود الزنا، إذا رجعوا بعد إقامة الحد، فلا قصاص عليهم عند مالك ﵀. لأن القوم لم يقتلوا، ولم يكرهوا على القتل. وقد قلنا: إنه لا يقتل إلا قاتل، أو من أقيم مقام القاتل، كالشركاء. [وبينا]
стр. 2766
وجه تنزيل المكره والمكره منزلة الشريكين، وقلنا إنه [إن لم] يقتلا جميعًا، لم تتحقق عصمة الدماء. أما المكره فإنه [يقدم] لاستعمال خلاص نفسه. أما المكره فإنه يقدم على الإكراه، ليشفي غيظه من عدوه.
والمعنى الذي لأجله أقدم المكره على القتل، لا يوجد في حق القاضي، لأن الباعث هناك الخلاص من سيف المكره ناجزًا. وهل يكون الخوف من عذاب الله يتنزل منزلة الإقدام، حذرًا من الهلاك في الحال؟ أما في الاعتبار، فلا يتنزل منزلته في حق الأكثرين. وقد يتفق أن يوجد في بعض الخواص هذا المعنى، ولكن إدارة الأحكام على مثل هذه النوادر، بعيدة في الشرع، لا جرم كانت مسألة في محل الاجتهاد. واختيارنا ألا قصاص على شهود الزنا إذا رجعوا.
[وأما شهود القصاص إذا رجعوا]، فإن فرض مع ذلك رجوع المدعي، فلا إشكال في سقوط القصاص عن الشهود، وإن فرض تمادي المدعي على
стр. 2767
دعوى الاستحقاق، فهذا في توجه القصاص على الشهود، أضعف من شهود الزنا إذا رجعوا. فمن أسقط القصاص عن أولئك (١٥٠/ ب)، فهؤلاء أولى بالإسقاط. وأما القاضي، فلا خيرة له شرعًا. فهذا بيان هذه المراتب، وكيفية تدرج النظر فيها. أما نحن، فلا تتوجه هذه المسائل علينا، لأنا لا نرى قتل الشهود. وأما من ذهب إلى قتلهم، فهو يحوم على إلحاقهم بالمكره. والفرق على ما قررناه بين. والله الموفق للصواب.
قال الإمام ﵀: (ولم يوجب الشافعي عقوبة في هذا المساق) إلى قوله ([ما ذكرناه] من قواعد الشريعة). قال الشيخ: أما قوله: لم يوجب الشافعي عقوبة في هذا المساق، أبعد من إيجابه حد الزنا [على] المرأة إذا نكلت عن لعان الزوج. هذا يريد به أن المرتبة التي قبل هذه، [كان
стр. 2768
الكلام فيها] على تحقيق القتل الموجب للقتل (١٩٣/ أ) في الشركاء، والمكرِه والمكرَه وشهود الزنا والقصاص، فالذي قيل، يحقق الاشتراك في الدم، إما حسًا وإما معنى. ومن نفى القتل، لم يتحقق عنده اشتراك أصلا، [وكما أن] ذلك المعنى روعي في القتل، كذلك حد الزنا عنده ينبغي أن يترتب على الزنا، وذلك يكون بالبينة تارة، وبالاعتراف أخرى.
فأما إقامة الحد بناءً على مجرد دعوى المدعي، فخارج عن القانون. فنقول: هذه المرأة حدت حد الزنا، ولم يثبت أنها زانية أصلًا. ثم أراد أن يبين وجه من قال بذلك، فقال: هذا يشبه أيمان المدعين في القسامة، فإنه قول استند إلى قول المدعي. [فيقول: ] قد وجد لذلك نظير.
وأخذ يعترض على هذا بأن قال: المعنى لا يقتضيه، ولولا الخبر، لما اقتضاه المعنى بحال. ثم قال: واللعان أبعد من القسامة، إذ تلك يشترط فيها
стр. 2769
استناد الأيمان إلى اللوث، وهذا لا يشترط في اللعان، فيتعذر الإلحاق. فإذا بطل أن يكون ذلك قياسًا، قلنا بعده مستندان:
أحدهما- أنه لا يجد بدًا من الخروج عن قوانين الحجج. معناه: أنه إذا توجهت اليمين، ثم ردت على الخصم [فنكل] [عنها]، [ترتب] [عليه] [القيام] بمقتضى ما نكل عنه، ويصير نكوله بمثابة الإقرار. بيانه: أنه إذا أقام رجل شاهدًا على حق، وتوجهت عليه اليمني، فنكل عنها وردها على خصمه، فإن حلف برئ، وإن نكل غرم، ولا ترد اليمين على الأول، فيصير امتناع المرأة من اليمين نكول، بعد توجه اليمين، فتتنزل منزلة المقر. هذا معنى قولنا: أنا لا نجد بدًا من الخروج عن قوانين الحجج.
الأمر الثاني- أن المسلط على القتل قوله تعالى: ﴿ويدرؤ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله﴾. فالدارئ إنما يكون بعد جريان السبب، فإذا لم يكن دارئ، تعين عمل السبب.
стр. 2770
وما ذكره أصحاب أبي حنيفة من أن المراد بالعذاب الحبس، بعيد، فإن الحبس ليس مقتضى هذه الدعوى التي ادعاها الزوج، مع أنه لم يجر للحبس ذكر أصلًا. هذا معنى قوله: إن حمل العذاب على الحبس بعيد. وهذا الكلام ظاهر جدًا، ولا أدري بماذا رده الإمام. ومعنى القرآن: أن الكذب يخرج الزوج عن كونه صادقًا بيمينها. كما أنه لو قذف الزوج ولم يلاعن، لثبت في حقه حكم القذف. فالأمر في هذا دائر بين [بعد] أيمانهما جميعًا، فلا يصدق واحد منهما على الآخر، وبين نكول أحدهما، فيصدق خصمه عليه. هذا هو المفهوم من القرآن. والله الموفق للصواب.
وأما قوله: إن من عجيب الأمر أن اختلف قوله في القتل بأيمان القسامة، ولم يختلف (١٩٣/ ب) قوله في وجوب الحد على المرأة إذا نكلت عن اللعان. [مع] قوله: من جهة أن أيمان القسامة جاءت في الغرم.
следующие страницы →