Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
وجه تنزيل المكره والمكره منزلة الشريكين، وقلنا إنه [إن لم] يقتلا جميعًا، لم تتحقق عصمة الدماء. أما المكره فإنه [يقدم] لاستعمال خلاص نفسه. أما المكره فإنه يقدم على الإكراه، ليشفي غيظه من عدوه.
والمعنى الذي لأجله أقدم المكره على القتل، لا يوجد في حق القاضي، لأن الباعث هناك الخلاص من سيف المكره ناجزًا. وهل يكون الخوف من عذاب الله يتنزل منزلة الإقدام، حذرًا من الهلاك في الحال؟ أما في الاعتبار، فلا يتنزل منزلته في حق الأكثرين. وقد يتفق أن يوجد في بعض الخواص هذا المعنى، ولكن إدارة الأحكام على مثل هذه النوادر، بعيدة في الشرع، لا جرم كانت مسألة في محل الاجتهاد. واختيارنا ألا قصاص على شهود الزنا إذا رجعوا.
[وأما شهود القصاص إذا رجعوا]، فإن فرض مع ذلك رجوع المدعي، فلا إشكال في سقوط القصاص عن الشهود، وإن فرض تمادي المدعي على
стр. 2767
دعوى الاستحقاق، فهذا في توجه القصاص على الشهود، أضعف من شهود الزنا إذا رجعوا. فمن أسقط القصاص عن أولئك (١٥٠/ ب)، فهؤلاء أولى بالإسقاط. وأما القاضي، فلا خيرة له شرعًا. فهذا بيان هذه المراتب، وكيفية تدرج النظر فيها. أما نحن، فلا تتوجه هذه المسائل علينا، لأنا لا نرى قتل الشهود. وأما من ذهب إلى قتلهم، فهو يحوم على إلحاقهم بالمكره. والفرق على ما قررناه بين. والله الموفق للصواب.
قال الإمام ﵀: (ولم يوجب الشافعي عقوبة في هذا المساق) إلى قوله ([ما ذكرناه] من قواعد الشريعة). قال الشيخ: أما قوله: لم يوجب الشافعي عقوبة في هذا المساق، أبعد من إيجابه حد الزنا [على] المرأة إذا نكلت عن لعان الزوج. هذا يريد به أن المرتبة التي قبل هذه، [كان
стр. 2768
الكلام فيها] على تحقيق القتل الموجب للقتل (١٩٣/ أ) في الشركاء، والمكرِه والمكرَه وشهود الزنا والقصاص، فالذي قيل، يحقق الاشتراك في الدم، إما حسًا وإما معنى. ومن نفى القتل، لم يتحقق عنده اشتراك أصلا، [وكما أن] ذلك المعنى روعي في القتل، كذلك حد الزنا عنده ينبغي أن يترتب على الزنا، وذلك يكون بالبينة تارة، وبالاعتراف أخرى.
فأما إقامة الحد بناءً على مجرد دعوى المدعي، فخارج عن القانون. فنقول: هذه المرأة حدت حد الزنا، ولم يثبت أنها زانية أصلًا. ثم أراد أن يبين وجه من قال بذلك، فقال: هذا يشبه أيمان المدعين في القسامة، فإنه قول استند إلى قول المدعي. [فيقول: ] قد وجد لذلك نظير.
وأخذ يعترض على هذا بأن قال: المعنى لا يقتضيه، ولولا الخبر، لما اقتضاه المعنى بحال. ثم قال: واللعان أبعد من القسامة، إذ تلك يشترط فيها
стр. 2769
استناد الأيمان إلى اللوث، وهذا لا يشترط في اللعان، فيتعذر الإلحاق. فإذا بطل أن يكون ذلك قياسًا، قلنا بعده مستندان:
أحدهما- أنه لا يجد بدًا من الخروج عن قوانين الحجج. معناه: أنه إذا توجهت اليمين، ثم ردت على الخصم [فنكل] [عنها]، [ترتب] [عليه] [القيام] بمقتضى ما نكل عنه، ويصير نكوله بمثابة الإقرار. بيانه: أنه إذا أقام رجل شاهدًا على حق، وتوجهت عليه اليمني، فنكل عنها وردها على خصمه، فإن حلف برئ، وإن نكل غرم، ولا ترد اليمين على الأول، فيصير امتناع المرأة من اليمين نكول، بعد توجه اليمين، فتتنزل منزلة المقر. هذا معنى قولنا: أنا لا نجد بدًا من الخروج عن قوانين الحجج.
الأمر الثاني- أن المسلط على القتل قوله تعالى: ﴿ويدرؤ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله﴾. فالدارئ إنما يكون بعد جريان السبب، فإذا لم يكن دارئ، تعين عمل السبب.
стр. 2770
وما ذكره أصحاب أبي حنيفة من أن المراد بالعذاب الحبس، بعيد، فإن الحبس ليس مقتضى هذه الدعوى التي ادعاها الزوج، مع أنه لم يجر للحبس ذكر أصلًا. هذا معنى قوله: إن حمل العذاب على الحبس بعيد. وهذا الكلام ظاهر جدًا، ولا أدري بماذا رده الإمام. ومعنى القرآن: أن الكذب يخرج الزوج عن كونه صادقًا بيمينها. كما أنه لو قذف الزوج ولم يلاعن، لثبت في حقه حكم القذف. فالأمر في هذا دائر بين [بعد] أيمانهما جميعًا، فلا يصدق واحد منهما على الآخر، وبين نكول أحدهما، فيصدق خصمه عليه. هذا هو المفهوم من القرآن. والله الموفق للصواب.
وأما قوله: إن من عجيب الأمر أن اختلف قوله في القتل بأيمان القسامة، ولم يختلف (١٩٣/ ب) قوله في وجوب الحد على المرأة إذا نكلت عن اللعان. [مع] قوله: من جهة أن أيمان القسامة جاءت في الغرم.
стр. 2771
[كما] جاء في بعض طرق الحديث: "تحلفون خمسين يمينًا (١٥١/ أ) وتستحقون دم صاحبكم". وفي حديث آخر: "تحلفون على رجل من يهود ويسلم إليكم برمته". فالمفهوم من قوله: تستحقون دم صاحبكم، أي حق الدم، ونحن نقول: المراد بصاحبكم، أي قاتل وليكم، فيتفق مع الحديثين.
قال الإمام ﵀: (ونحن [نختتم] بكلام بدع [يقضي الفطن
стр. 2772
العجب منه]) إلى قوله (ولهذا وقع في [المرتبة] الثانية). قال الشيخ: أما مجال قياس الأشباه، فهو عند انحسام المعاني المستقيمة، فيرد الأمر إلى التشبيه. ثم لما كان قياس المعنى ينقسم إلى المعلوم والمظنون، [فكذلك] قياس الشبه. هذا قوله. وفيه نظر، وذلك أن قياس الشبه هو الذي يعتمد فيه على جامع غير مخيل، والذي مثل به المعلوم، هو قياس يعتمد فيه على نفي الفارق. فإن سمي هذا قياس شبه، فليس هو على ذوق الأشباه، التي عين فيها جامع لم تظهر مناسبته.
وإنما عد هذا من مسالك الأشباه، من جهة صحة الجمع، مع عدم
стр. 2773
الاطلاع على المعنى المخيل المناسب، وفيه خلاف. أعني: إذا انتهى هذا إلى حد العلم، هل يسمى قياسًا أم لا؟ وقد بينا الوجه في الاختلاف في ذلك.
وأما اختيار الإمام، فضعيف جدًا، لأنه إذا كان في اللفظ إشعار بحكم الفرع، فلا معنى لعد هذا من القياس بحال. وليس هذا محل اختلاف، وإنما الاختلاف في التشبيه بعد الاتفاق على عدم دلالة اللفظ، وهو كإلحاق صب البول في الماء بالبول فيه.
فأما ما مثل به هذا القسم من إلحاق عرق الكلب بلعابه في التعبد، ثم في
стр. 2774
العدد والتقدير، فليس عندنا معلومًا ولا مظنونًا، والحكم مختص بولوغ الكلب، حتى لو وقع لعابه في الماء من غير ولوغ، فلا غسل على المكلف فيه. هذا هو الذي يقتضيه قول مالك [﵀]، وإن لم أره نصًا، ولكن النص عنه: أنه لو ولغ في اللبن والطعام، فالصحيح أن الغسل واجب، وإنما يجب في الولوغ في الماء على الخصوص. فإذا كان [هو] لا يوجب الغسل في الولوغ في بعض الأواني، فما قوله إذا وقع اللعاب من غير ولوغ؟
أما العرق، فلا خلاف فيه عندنا أنه لا يجب فيه غسل. والسبب في هذا كله أن الكلب طاهر العين، وإنما ضيق الشرع في الأمر بغسل الإناء من ولوغه خمسًا، لدواعي العرب عن المخالطة. وهذا يظهر في الولوغ دون العرق. والله أعلم.
стр. 2775
وأما قوله: إذا زال العلم، وكان الشبه شرطيًا (١٩٤/ أ)، فهو الشبه المعروف، وهو على ثلاث رتب عنده:
المرتبة الأولى: التي تقرب من العلم، إلحاق الزبيب بالتمر في الربا، وأبعد منه قليلًا بحيث لا يخرج عن الرتبة، إلحاق الأرز بالحنطة، والشعير بالذرة، فقد يظهر بينهما فرق، وإن كان خفيًا. قال الإمام [﵀] في إلحاق الزبيب بالتمر: فلا أراه قاطعًا، لأن التمر قوت عام غالب، فقد يرى الشرع فيه استصلاحًا، ولم يبلغنا أن أمة من الأمم كانت تجتزئ بالزبيب. فكلامه الأول يدل على أن إلحاق الأرز بالبر أقرب، وهو خلاف ما ها هنا.
وأما إلحاق الوضوء بالتيمم، فهو لا يبلغ هذا المبلغ. وما يقوله الخصم، له وقع في النفس، من جهة ما قررناه قبل هذا، من فهم مقصود الوضوء في تحصيل التنظيف. ولهذا اختلف قول مالك في اشتراط النية في الوضوء.
стр. 2776
ولكن لما غلب في الباب التعبد، ظهر أن القصد غرض العقبى. وإذا كان كذلك (١٥١/ ب)، لزم اشتراط النية. ولهذا قال الشافعي [﵀]: طهارتان فكيف تفترقان؟ يشير إلى ما قررناه من اتحاد الغرض، وثبوت التعبد في الطريق.
وقد قدمنا قبل هذا أن جميع ما طلب من الخلق فعله، إنما طلب لمصلحتهم، إما في الدنيا أو في الآخرة. وأمور الدنيا أغراض ناجزة تحصل، سواء قصد المكلف امتثالًا أم لا، كرد الغصوب والودائع.
فأما إذا لم يظهر غرض ناجز، لاح من مقصود الشريعة ربط ما لا غرض له ناجزًا بصلاح في العقبى، وهو الثواب.
وقد جاء الشرع بأنه إنما يحصل غالبًا إذا قصد التعبد به. قال ﵇: "الأعمال بالنيات". وفي حديث آخر: "لا عمل إلا بنية". فإذا ثبت
стр. 2777
[طهر] [لا] غرض فيه، افتقر إلى النية فيه، ثم ظهر [طهر] آخر كذلك ظهر فيه، وقع التشبيه في الافتقار إلى النية المحضة غرض العقبى، ولم يكن معلومًا، للاختلاف الواقع بين الطهرين في أحكام وشرائط.
قال الإمام ﵀: (وإلحاق المطعومات التي لا تتقدر بكيل أو وزن طريقة التشبيه عندنا). وهذا عجيب من كلامه في أول كتاب القياس، فإنه اختار هناك الجنوح إلى التعبد، وإثبات الربا في المطعومات بالنص. وزعم هو أن شرط الاعتماد على الشبه المتعلق بالمقصود دعاء الضرورة إلى التعليل. وقد قال هو في هذا الموضع في تقرير جهة الشبه: إذا اضطررنا إليه لإجماع القائسين. عد ذلك من مسالك الأشباه، وقد منع [هو أيضًا] فيما تقدم دعاء الضرورة. وقد يعتذر عن الإلزام الأول باختلاف القول (١٩٤/ ب) في
стр. 2778
الرأي، فيكون هناك رأي الجنوح إلى التعبد، ورأى [هنا] التمسك بالقياس والاعتبار. أما اشتراط دعاء الضرورة، فلا عذر له فيه. فإنه هناك قد بين أن الضرورة لم تدع بطريق النقل، فإنه قال هناك كلامًا صحيحًا: أن ابن عباس أنكر تحريم الربا في المطعومات، أعني ربا الفضل، فكيف يدعي الإجماع على التعليل مع الاختلاف في الحكم؟
وقال جماعة من القائسين بالتحريم في المحل المخصوص، متمسكين بالنص لا بالتعليل. فهذا تناقض بين في النقل. وهو شيء يشكك الناظر فيما ينقله، لحصول هذا الاضطراب الشديد.
قال: وإذا ظهر اعتبار المقصود، ظهر وقع التشبيه. والمقصود من هذه الأشباه أن تؤكل، وليس المقصود منها أن تكال وتوزن. وهذا الذي قاله بين، لو ظهر الاضطرار إلى الاعتبار، فإن التمسك بالوصف الأخص أولى، لاسيما إذا كان العام يظهر فيه ذوق الطرديات، كالكيل والوزن، فذلك معنى ما قدمناه
стр. 2779
من ظهور [النقض] المعنوي له.
وإذا كان التعلق بالمقصود أقرب، فالقوت أخص من الطعم، ولكنه زعم أن النص على الملح منع من ذلك. وهذا ليس من أبواب النقض، وإنما هو إلزام العكس، وهو غير لازم، إذا لم يسلم اتحاد العلة.
وإن لم يكن الملح مقتاتًا، فهو مصلح للقوت، على جهة المشاركة، بحيث لا يسهل الانتفاع بهذه المقتاتات على الدوام إلا بالملح، ولو لم يوجد الملح لاشتد لحرق الضرر بالخلق، فيصح أن يكون أدرج الملح معها لافتقارها إليه. فهذا هو التنبيه على سر المرتبة، وهي [المرتبة] الأخيرة من أبواب الأشباه.
قال الإمام ﵀: (فإن قيل: هل ترون الشبه الخلقي) في قوله (في الجواهر المعدنية [في الزكاة] طرد عندنا). قال الشيخ ﵁: الوصف الشبهي هو وصف لا تظهر مناسبته، ولكن يمكن أن يكون مشتملًا على مصلحة خفية، لا يحيط [الخلق] بحقيقتها. فإذا أمكن أن يكون الوصف المعقول متضمنًا لها، كالطعم مثلُا، أو الشرعي، ككون الطهارة حكمية، صح أن يكون
стр. 2780
الوصف الخلقي متضمنًا لها، كالمثل (١٥٢/ أ) في جزاء الصيد، فإن المماثلة جعلها الشرع معتبرة المتلفات. [أما عدم] المثليات بأمثالها، فمن أبواب المعاني، إذ ذلك يرجع إلى قيم المتلفات.
واعتبار أبي حنيفة الانطباع والانضراب في وجوب الزكاة، لا يلوح منه معنى فقهي، ولا يقدر على تقدير اشتماله على المصلحة. فإن قيم الزكاة من حيث الجملة تتعلق بالأموال النامية. والنمو في الأموال، يكون تارة بزيادتها في أنفسها، كالزكاة الثابتة [في] الحيوانات، وما أنبتت الأرض.
والقسم الثاني: ما يكون نموه بالأرباح، [وهي النقود]، فإنها المعدودة (١٩٥/ أ) في العرف أثمانًا، فيها الأرباح، وبها تقوم المتلفات.
وأما الانطباع والانضراب، فيرجع ذلك إلى اختلاف طباع الأجسام على حكم الاعتياد، فلا ربط بينه وبين وجوب الزكاة بحال.
стр. 2781
قال الإمام ﵀: (ومن أبواب الشبه ما يتعارض فيه المعنى والشبه) إلى قوله (فالحزم ألا يضطرب فيه بالخطو الوساع). قال الشيخ: ذكر في هذه الأمثلة تعارض المعنى والشبه المعتبر، وقد قدم في بعض الشبه على المعنى. وليس النظر في هذه الأمثلة من فن الأصول إلا في وجه واحد، وهو أنه قد [تقدم] أن أخر وقدم في بعضهما معنى على الشبه رتبة للمعاني تعد لاستفتاح الأشباه، وبين هو ذلك بأن قال: الجامع بالمعنى المناسب مشابه على الحقيقة، ومعه زيادة معنى يصح التمسك به دون الأصل، على القول بالاستدلال. فلهذا قضي بأن جملة المعاني مقدمة على الأشباه، وأتى ها هنا بتفصيل، وهذا التفصيل يقضي على ذلك المطلق.
стр. 2782
ولكن الصواب عندنا البقاء على الإطلاق الأول، وأن لا يقدم الشبه على المعنى بحال. فإن إثبات الشبه أولًا عسير، والحكم به مختلف فيه، والتحريم على أمر عيني بعيد خفي، فكيف يترك الواضح [المضبوط] لمثل هذا؟ هذا هو نظر الأصول. وسنتكلم على الأمثلة بما ينبغي.
المثال الأول: اختلف الفقهاء في قيمة العبد إذا قتل خطأ، هل تحمله العاقلة؟ فمالك ﵀ يرى أنها لا تحمل، وغيره يقول: تحمله العاقلة اعتبارًا بدية الحر. وإنما قلنا إن العاقلة لا تحملها، تمسكُا بالنص والمعنى. أما النص: فقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. وأما المعنى فهو أن المتلف أحق بالغرم من غيره، اعتبارًا بسائر المتلفات.
وهذا معنى واضح، مجمع على اعتباره. والشبه يقتضي الضرب على العاقلة، وهو أنه يفرض قتل العبد على الجهات التي يفرض عليها قتل الحر.
стр. 2783
ولكن هذا شبه ضعيف.
وقد صار كثير من الناس، منهم الإمام، فيما سبق، إلى أن ضرب العقل على العاقلة تعبد محض، ولا معنى لقصد التساعد في الحمل. وإذا كان الشبه ضعيفًا، لم يقف للمعنى القوي، على أنه أيضًا لا يصح التشبيه عندنا، فإن السبب في حمل العاقلة العقل، الحذر من الإجحاف بسبب كثرة الحمل في الحر، إذ جميع ما يتلف منه يشتق الغرم فيه غالبًا. [ألا ترى أن مالكًا ﵀ يقول: إن قلة الجناية لا تحملها العاقلة. وإذا كان سبب الحمل كثرة الغرم، فلا خفاء في أن ذلك يختص بالحر غالبًا]. أما العبيد فالظاهر أن قيمتهم لا تبلغ مبلغ الإجحاف، ولا نظر إلى القادر. فلهذا اخترنا ألا تحمل العاقلة [العبد]. وهذا هو مذهبنا ومذهب الشافعي.
стр. 2784
وأما المثال الآخر: (١٩٥/ ب) وهو تقدير أروش العبيد بالسبب الذي تتقد ربه أطراف الأحرار. والذي يقتضيه المعنى ألا تقدير، والذي يقتضيه الشبه التقدير، اعتبارًا بالحر. وإنما قلنا إن القياس المعنوي يقتضي نفي التقدير، فلأن العبد مال يضمن بأقصى قيمته، ولذلك لو أنه تلف وقيمته تزيد على الألف، لوجب القضاء بأقصى القيم. فهو كالبهائم وسائر الأموال.
وإذا كان كذلك، وجب أن يضمن ما نقص منه، وهو قياس جلي. وذهب الشافعي إلى التقدير، اعتبارًا بالحر في تقدير الأروش. وقد ساعد هو على أنه لا تتقدر قيمة العبد، وإن (١٥٢/ ب) تقدرت دية الحر. وهذا الفرق أيضًا يضعف [التشبيه، ولكنه قال: الشرع قدر للحر إذا قتل بدلًا، وتشبيه أطرافه إلى جملته بشبه، لا تهتدي إليها العقول. وأضر ب عن] تقدير قيمة العبيد، رجوعًا إلى العرف. ونحن نعلم أن عنى يد العبد من جملته، كغنى يد الحر من جملته، فليكن هذا منسوبًا إلى القيمة، كما كان الطرف في الحر منسوبًا إلى
стр. 2785
الدية. ونحن نقول: إنما قدر الشرع أطراف الأحرار، احترامًا وتعظيمًا، كما فعل في النفوس. ولا يلزم مثل ذلك في أطراف العبيد، لتسليط القيمة على الأصل، فالأطراف بذلك أولى.
فإن قيل: فقد أثبت الشرع في الأحرار حكومات، ولم يقدرها، وردها إلى التقويم، فما باله لم يفعل ذلك في الأطراف؟ قلنا: للأطراف من الاحترام ما ليس للجراح، مع أن الجراح لا ينضبط أمرها، ولا يقدر شينها ونقصها، إذ بعضها سهل يسير، وبعضها صعب يشين، فكان الرد إلى التقويم أولى. هذا مذهب مالك ﵀، ولكنه ورد عليه في الباب اعتراض شديدـ، وهو أنه قدر من جراح العبد أربعة جراح: المأمومة والجائفة والمنقلة والموضحة، فجعل فيها نسبتها من القيمة، نسبتها في الأحرار من الدية. وهذا في معنى النقض عليه [إلا] أن يجد عنده عذرًا. وسيأتي ذلك، إن شاء الله تعالى.
стр. 2786
والسبب في التقدير في هذه الجراح بالإضافة إلى العبيد، [أن] الشرع قدر أروش أطراف الأحرار، إثباتًا للتعظيم، ولم يقدر الجراح، لما ذكرناه، وقدر في الأحرار هذه الجراح الأربعة، لأنها مخطرات، وإذا برئن لم يكن فيهن نقص بحال، ولم ير الشرع إهمال أمرها، لعظم خطرها، وشدة غررها فقدرها. فهذا [هو] السبب في الرد إلى الدية.
وهن أيضًا مخطرات مستقلات في حق العبيد، فوجب التقدير ردًا إلى القيم. هذا هو السبب في تقدير هذه الجراحات (١٩٦/ أ)، شدة غررها، وكونها إذا برئت لا يظهر فيها نقص بحال. وهذا الوصف يفارق الأطراف. وإذا كان الحكم معللًا بوصفين، لم يتوجه النقض على أحدهما.
стр. 2787
وإما إلزام تقدير أطراف البهائم، فنحن قد اخترنا ألا نقدر أطراف العبيد، فكيف بأطراف البهائم؟ وقد أجاب المقدرون بجواب سديد، فقالوا: لسنا نتحقق أنها تقع منها موقع أطراف الأحرار من الأحرار، بخلاف أطراف العبيد، فإنا نقطع باستواء [النسبة].
لكن الشأن كله في تخيل السبب الذي قدرت به أطراف الأحرار. فنحن نرى أنها قدرت [بالسبب الذي تقدرت به] النفوس، وغيرنا يرى أنها قدرت، لأن النسبة إلى الجملة نسبة النصف. وهذا يكاد يكون معلوم البطلان، إذ يتفق قطع إحدى اليدين وإحدى الرجلين، وإحدى العينين، وإحدى الأذنين، وإحدى الخصيتين، وكل واحد من زوج في الإنسان، فيغرم الجاني ديات، وهو لو أتلف الجملة، لم يكن عليه إلا دية واحدة، اقتضى ذلك أن التقدير لم يكن لهذا، وإنما هو تعبد من الله تعالى، إثباتًا لكمال الحرية.
قال الإمام ﵀: (ومما يعده الفطن قريبًا مما نحن فيه) إلى قوله (وهو السر وكشف الغطاء). قال الشيخ: هذا مثال واضح في تقابل المعاني
стр. 2788
والأشباه، فالمعنى يقتضي عدم ضرب القليل والكثير، فقد ضرب بالإجماع، وأما القليل، ففيه نزاع.
وتحرير الدليل أن نقول: بذل الجنابة على الحر على وجه الخطأ، فوجب أن تحمله العاقلة، اعتبارًا بالكثير. وهذا وجه من الشبه لائح. ويقول مالك ﵀: متلف فوجب أن يختص بالغرم، قياسًا على سائر الأموال. وهذا معنى مخيل، ولكنه منقوض بتحمل العاقلة العقل على الجملة، فإن ضم إلى التعليل عدم الإجحاف، وعكس قيدًا في محل الحمل، بطل بحصة آحاد (١٥٣/ أ) الشركاء، مع [تناهيها] في القلة. وهذا مثال من أشق الأمثلة وأصعبها في الجواب. ولأجل وجدان هذا المثال، زعم الإمام أن هذا يكاد أن يكون معلومًا.
ولكن طريق الانفصال عن السؤال، أن العقل مضروب على العاقلة، مساعدة وتخفيفًا عن الجاني، فلا يناسب ذلك أن يثبت على وجه يديم الخصومة، ويوجب التردد إلى الحكام في كل الأحوال. فهذا يناظر إيجاب الزكاة على الأغنياء، مواساة للفقراء. فما خف من الجراح، لا يشق حملها، ويكثر وقوعها، فلم تدع الحاجة إلى وجوب حمل فيها، مع ما يفضي إليه الأمر
стр. 2789
من شدة دوام الخصومة على العاقلة، فاستغنى في (١٩٦/ ب) الجراح القليلة عن الحمل لما ذكرناه.
وأما حمل حصة أحد الشركاء، فالجناية قد وقعت بصفة الكثرة، والأمور التي لا تقع إلا نادرة، فصادفت محل الحمل وكثرة العواقل، كاتساع عاقلة القاتل في الواحد، فلم يكن ذلك موجبًا ترك الجمل، نظرًا إلى كثرة الجناية. فهذا هو الفرق بين حصة آحاد الشركاء، وبين كون الجرح يسيرًا. وهذه أسرار غامضة في الشريعة ومآخذ خفية. والله يوفق من يشاء من عباده.
قال الإمام ﵀: (فإن قيل: [إذا] تعلق الناظر بوجه من الشبه) إلى قوله ([فهذه معاقد الأشباه، ثم] لا حاجة إلى تكلف الميز بينها وبين
стр. 2790
الطرد). قال الشيخ ﵁: أما مصيره إلى أن بعض الأشباه تخيل فيها معان جميلة دون بعضها، فهذا لا يسلمه القاضي وأصحابه، بل يقولون: كل شبهة لابد أن تشتمل على مصلحة خفية لا يطلع عليها. ولهذا قال في حد الشبه: إنه
стр. 2791
الذي يوهم الاجتماع في مخيل. وأما الشبه الراجع إلى المقصود عنده، فإنه لا يشتمل على معان خفية، ولكن يرجع الحكم إلى حصر أوصاف المحل. وشرط الاعتماد عليه عنده، دعاء الضرورة إليه.
وأما قوله: ثم ينتصب عليه شاهدان:
أحدهما- من قبيل اختلاف الحكم بتعدد المقصود واتحاده. وقد كنا بينا ذلك فيما سبق، وذلك أنه اتحد المقصود عند اتحاد الجنس، حرم
стр. 2792
التفاضل. وإن اختلف المقصود باختلاف الجنس، جاز. أرشد إلى أن سبب الاختلاف، هو المناط، وهو الطعم. ومالك يقول ذلك أيضًا بالإضافة إلى القوت.
стр. 2793
الثاني- قوله: "لا تبيعوا الطعام [بالطعام] ". يشير بذلك إلى الإيماء المتلقي من لفظ الطعم. وهذا لا يصح على قوله: إن المشتق إذا لم يحل، حل محل القلب.
قال الإمام: (فإن قيل: المعلوم الذي سمي [قياسًا] في معنى الأصل) إلى قوله (فليفهم الفاهم هذه المنازل. والترتيب بعد ذلك كله). قال الشيخ: اعلم إنما يعلم التفات الشرع إلى أوصاف لم تظهر مناسبتها، من النظر في عادة ما يشرع في موارده ومصادره.
стр. 2794
أما المناسب، فأمر ذوقي وقضاء مصلحي يطلع عليه، [وإن] قدر عدم ورود الشرائع. وإنما تطلب الشرائع لبيان الاعتبار دون ذوق المصلحة. وإذا كان كذلك، فالأوصاف التي لا تظهر مناسبتها [هي] أوصاف علم إعراض
стр. 2795
الشريعة عنها، كما علم الإعراض عن الفرق بين صب البول في الماء والبول فيه. وهذا يمثل [في المناسب.
وأما إدراك الإعراض في غير المناسب، فكما يعلم الإعراض عن الذكورة (١٩٧/ أ) والأنوثة في باب سراية العتق، وكذلك في باب] تشطير الحد، علم ذلك باستقراء [الشريعة]. [كما علم الإعراض عن الألوان والطول والقصر في جميع الأحكام. فاستقراء الشرع] هو الذي يعرف مقصوده بما أضرب عنه والتفت إليه. وكذلك القول في كونه أعرابيًا فيما يتعلق بكفارة
стр. 2796
الوقاع. وأمثلة ذلك كثيرة.
فإن قيل: فقد جاءت الشريعة (١٥٣/ ب) بالفرق بين الأمثال. وغاية هذا الكلام يرجع إلى تحقيق التماثل. وأما القطع بأن حكم المتماثلات واحد، فلا سبيل إلى القطع به. أجاب الإمام عن هذا بجواب سديد، فقال: لما قرر الشرع هذه القاعدة على الوجه المذكور، لزم في حكم البيان إذا أراد [الاقتطاع] أن ينص عليه، وإلا وقع التمثيل، كما قال لأبي بردة: "تجزئك ولا تجزئ عن أحد بعدك". فهذا يعرف قصد الشرع إلى التعميم في الأحكام.
قال الإمام ﵀: ([والترتيب بعد ذلك كله) إلى قوله (وهو
стр. 2797
[دون] [الرتبة] الثالثة). قال الشيخ]: هذا الكلام واضح على مقصوده، والكلام على تحقيق المراتب قد تقدم، فلا معنى لإعادته.
قال الإمام ﵀: (ونحن [نختتم] هذا [الفصل] بمسألة
стр. 2798
يتعارض فيها [شبهان]) إلى قوله (وهو حق [المستمع] في النكاح). قال الشيخ ﵁: الذي تقدم للإمام قبل هذا، خلاف هذا، وذلك أن القاضي أتى بهذا المثال بعينه في تعارض الأشباه. فأنكر الإمام هذا، وقال: هذا من قبيل المعاني، فإن كل واحد من المتكلمين في المسألة منخرط في سلك المعنى المناسب. [قال]: والإخالات على رتب ودرجات. قال: فإنها معان
стр. 2799
يبدو أنها تكاد تتعارض، وإنما تعب [المجتهدون] فيها في الترجيح. ثم رجع في هذا المكان إلى أنها من الأشباه. وهذا هو الصحيح، ولا تظهر مناسبته على ذوق المناسبات، [بمقتضى] كون العبد مالكًا، ولا [يقتضي] ذلك. ولكنا نقول: ملك الشرع الحر، إما تشريفًا، وإما لسر اطلع عليه. ولم يملك البهيمة. والعبد آدمي كالحر، ومال كالفرس. وكل شبه يقتضي حكمًا خلاف حكم الآخر، فأي الشبهين كان أغلب، فهو المقدم.
وقد قدم أبو المعالي ها هنا كونه مملوكًا، إذ هو يرجع إلى الحكم.
стр. 2800
وهذا ترجيح ضعيف. وقد قدم غيره كونه آدميًا، بناءً على هذا الوجه [الشاذ]. إذ لا يتصور زوال الإنسانية، ويتصور زوال الرق، والأقرب الملك، نظرًا إلى تصور الحاجة، وثبوت الإيالة والسياسة، وصحة القيام على [المملوكات]. وهذا هو الذي يظن أنه سبب ملك الحر، وقد دل عليه ظاهر النص، حيث قال ﵇: "من باع عبدًا وله مال". (١٩٧/ ب)
قال الإمام ﵀: (فإن قيل: والسيد إذا ملك عبده، فالحق لا يعدوهما) إلى قوله ([ولا خلى] الشرع وحكمه). قال الشيخ: هذا
стр. 2801
الاعتراض إنما يتوجه على الشافعي، الذي يقول أنه لا يملك. أما نحن إذا قلنا إن العبد يملك، فلا يتوجه علينا هذا الكلام. ووجه الإلزام أنه امتنع كونه مالكًا لحق السيد، فلا يتوجه علينا هذا الكلام. ووجه الإلزام أنه إذا امتنع كونه مالكًا لحق السيد، وجب أن يملك، لزوال حقه بإذنه. [فأجاب] الإمام عن هذا بأن قال: هذا إنما يلزم من رآه أهلًا للملك، وإنما امتنع عليه لحق السيد.
أما من ذهب إلى أنه لا يتهيأ للملك بحال، للرق الثابت فيه، فإذن السيد [لم] يخرجه عن كونه رقيقًا متصرفًا فيه. فلم يجامعه التمليك، كما لم يجامعه [إلزام] الملك. يريد بذلك أنه لا يتصور أن يملك ملكًا لازمًا يتعذر على السيد التصرف فيه. فلو كان يسقط حقه، للزم ملكه، ولا ذاهب إليه. فيرى أنه لا يملك، لبقاء الرق فيه. [فإن ضعف الرق] بثبوت الكتابة، تصور له ملك بحسبه. والملك الذي يتصور له بحسبه، ملك يتصرف فيه بأنواع المعاوضات [والتسببات] دون إتلاف، إذ هو اللائق بحال المكاتب، إذ هو [مطالب] [بأداء] النجوم. فلو لم يسلط على الكسب، لم يحصل مقصود الكتابة. فهذا هو تمام المراد في هذه المراتب.
стр. 2802
قال الإمام ﵀: (فصل - المرتبة الأولى من قياس المعنى) [ إلى قوله (فلينظر الناظر في جريان الحقائق في هذه المضايق]). قال الشيخ: (١٥٤/ أ) أراد الإمام بهذا الكلام أن يبين أن الأشباه تترتب ترتب المعاني منسوبة إلى أصول معلومة، فيقع التفاوت بالإضافة إلى القرب من الدرجة المعلومة والبعد عنها. فما قرب من المرتبة المعلومة قدم، وما بعد عنها أخر. وهذا الكلام صحيح، وجعل كل رتبة من رتب المعاني في مقابلتها رتبة من
стр. 2803
رتب الأشباه. إلا أنه [إنما] [أدخل] ها هنا [ضمنًا] من رتب المعاني ما ثبت بإيماء الشرع، ولم يطلع على وجه مناسبته، ولم يذكره في المراتب السابقة، وجعله ها هنا يناظر الأشباه ما يضطر إليه من طلب المقاصد.
стр. 2804
وأما ما يتعلق بتقديم المعاني على الأشباه، أو تقديم بعض الأشباه على بعض المعاني، فقد تكلما عليه، وكان اللازم على مقتضى تقديره، ألا بحكم بتقديم شيء من الشبه على شيء من المعنى، ولا يعكس ذلك أيضًا. بل كان مقتضى طريقه أن يقدم ما قرب من القاعدة العلمية على ما بعد. وكذلك يلزم هذا في تقديم بعض الأشباه على بعض المعاني.
وبيانه: هو أنه إذا (١٩٨/ أ) كان شبه المعنى [بالنسبة] إلى قاعدته يقع بين رتبتين مثلًا، [وكانت] نسبة الشبه إلى قاعدته معلومة يقع ثاني رتبة، فلا وجه لتقديم المعنى الواقع بعد رتبتين على الشبه الواقع بعد رتبة. هذا هو اللائق بهذا الطريق، وهو لا يقول هذا، ولا غيره أيضًا يقوله. فدل على أن هذه النسبة والموازنة غير صحيحة.
стр. 2805
وأما ترجيحه الشبه المقتضي "ضرب القليل" على المعنى، فقد بينا لترك الضرب وجهًا سديدًا.
وأما مصيره إلى نفي التقدير في أطراف العبيد، وترجيحه المعنى، من جهة أن من [يوجب] ما [ينقص] [فيطرده] معنى، [فلا] ينتقض [عليه] [بحال]. فهذا عندنا لا يصح، [لأنا] قد بينا أن بعض جراحات [العبد] مقدرة، ولا يلتفت إلى ما نقص منها، فكلام المعنيين منقوض عندنا. إلا أن يكون بنى الأمر على مذهب مالك. وأما مالك، فالأمران عنده سواء.
قال الإمام ﵀: (فصل - أحدث المتأخرون لقبًا لباب من أبواب القياس) إلى قوله (هذا المسلك يلتحق بأقيسه المعاني). قال الشيخ: هذا
следующие страницы →