← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

القياسين ويستند العمل إلى مذهب الصحابي، أو يكون القياس الذي عضده قول الصحابي مقدمًا؟ وإن قلنا: إنه لا يكون حجة، وقد اختلفوا في كونه مرجحًا، ذهب القاضي ﵀ إلى أنه لا يقع به ترجيح، وقوله كقول غيره. قال: ولا يقوى دليل بمصير مجتهد إليه. وقول القاضي أصح الأقوال في نظر الأصول. وفرَّق الشافعي بين أن يكون الصحابي ممن (٢٠٧/ أ) شهد له الشرع بمزية الدرك في ذلك الفن أم لا. فإن لم يشهد له الشرع، كان قوله كقول غيره من العلماء، وإن شهد له، فمذهبه يرجح القياس الذي عضده. والصواب عندنا أيضًا أن هذا لا يعول عليه إذا فرع القول على أن كل مجتهد مصيب. وبيانه: لو ثبت تفاوت بين الدليلين عند الناظر، وكان الصحابي قد أخذ بدليل ضعيف، لم يصح للمجتهد الذي ثبت عنده ضعف مأخذه أن يصير إليه، بناء على أن الشارع شهد له بمزية العلم في ذلك الفن.

стр. 2872

والسبب في ذلك أن هذه الشهادة تفيد غلبة الظن من حيث الجملة في أن قوله صواب. فإذا كان النظر الخاص في عين المسألة يوجب ضعف دليله، فكيف يترك الأمر الخاص لأمر جلي؟ فإن مقصوده من المحل المخصوص، أنه لا تبقى غلبة الظن بقوة مأخذه مع ظهور القوة في خلافه. وإذا امتنع أن يصير إلى قوله عندما يثبت عنده ضعف مأخذه، فكذلك إذا غلب على الظن الاستواء. فالمصير إلى التقديم يقتضي حصول غلبة ظنٍّ بقوة ما يصير إليه من الدليل، والنظر الخاص يقتضي غلبة ظن التسوية. فلا وجه لترك الاستواء المظنون من الجهة الخاصة. هذا هو الجاري على قول من يقول كل مجتهد مصيب. أما من يقول المصيب واحد، فلا يبعد أن يرجِّح بقول الصحابي. إذ هذا القائل لم يظن الاستواء بحال، إذ الأمر ملتبس عليه، والاستواء عنده مفقود. وقد لا يصير إلى تقديم ما صار إليه الصحابة، لأنه قد تبين بالبحث الخاص أن الجهات الظاهرة ليس فيها ما يقتضي تقديمًا، فيغلب على ظنه بسببها أن المرجِّح سلك في الترجيح غير مسلكه، فيجوز ألا يترجح عنده أحد السببين بمصير الصحابي إليه. هذا محل احتمال. والظاهر عندي على هذا الأصل الترجيح بمذهب الصحابي. ولعل الشافعي ﵀ إنما بنى الترجيح على ذلك، وهو الظن به. وما ذكره الإمام من تلك الرتب، أمور مستغنى عنها عندنا. وبيانه: أن

стр. 2873

تلك الأخبار تدل على مزية العلم، وتمام الفهم والمعرفة بأحكام الشرع. وهذا عندنا يثبت للصحابة على العموم، بالإضافة إلى من بعدهم من الناس. والصواب أنه متى لم يظهر للمجتهد دليل الترجيح في أحد الدليلين، وصادف قول صاحبٍ على وفق أحدهما أن يرجِّح به. نعم، تلك الشهادات يظهر أثرها إذا اختلف الصحابة فيما بينهم، واستوت عند المجتهد مآخذهم، فقد ترجَّح بعض المآخذ على بعض بهذه الشهادة، وإذا رُجِّح بالشهادة، فقد قدمنا قبل هذا أنه إذا تحققت المعارضة، كان الخاص مقدمًا على العام. وهذا (٢٠٧/ ب) من هذا القبيل. وما ذكره الشافعي من الترجيح يرجع إلى هذا [التقدير] من طلب خصوص الشهادة وعمومها. فإن الشهادة لعلي أعم من الشهادة لزيد، إذ الحلال والحرام يكون في المواريث وغيرها، والشهادة لزيد في الفرائض أخص الشهادات، فإذا عارض قول علي قول معاذ في الحلال والحرام، قدِّم قول معاذ، وإذا عارض قول معاذ في الفرائض قول زيد، قدم قول زيد فيها. وإذا عارض قول معاذ قول علي في القضاء في غير الفرائض، قدم قول علي. وإذا عارض قول معاذ في الحلال والحرام قول زيد في غير الفرائض، قدم قول معاذ. فعلى هذا [التقدير] تجري هذه المراتب. والله تعالى الموفق بعونه وحسن توفيقه وتأييده. ثم قال: (فإن قيل: فإذا اعتضد مذهب أبي بكر وعمر) إلى قوله (كقول

стр. 2874

زيد في الفرائض). فنقول: وهذا كله قد قدمناه فلا نعيده. ثم قال: (مسألة: إذا تعارضت علتان وإحداهما مستندة إلى أصل مجمع عليه) إلى آخرها. فنقول: الترجيح واقع في مثل ذلك، فلا إشكال، والسبب فيه أن الأصل الشاهد للعلة إذا علم ثبوته، فقد قويت شهادته. وإذا كان مظنون الثبوت، فشهادته مرتبة على ثبوته، وثبوته مظنون. وما يتطرق

стр. 2875

إليه الظن من وجهين، فهو أضعف مما إذا كانت إحدى الجهتين معلومة. ولكن هذا بشرط تساوي العلتين في الدلالة، وإلا فلا يبعد أن يكون أحد المعنيين أقوى في نفسه، بأن يكون من قبيل الضرورية أو الحاجية، فيكون أصله مختلفًا فيه، ولكنه ثابت بخبر واحد نص، أو مستند إلى عموم، والمعنى الآخر ضعيف من أبواب المناسب الإقناعي، ولكنه مستنبط من أصل مجمع عليه، فلا بُعد في

стр. 2876

أن يترجح المعنى القوي على المعنى الضعيف. فهذا تفصيلٌ لابد منه في هذا المكان. ثم قال: (وإذا [تعارضت] علتان وإحداهما ذات وصف واحد) إلى قوله (ويعود الكلام إلى القول في تعليل الحكم بعلتين). فنقول: أما القول بالترجيح بكثرة الفروع، فقد تقدم الكلام عليه، وحققنا القول فيه. وأما كون الاجتهاد يقل، فهذا باطل، فإنه لابد للمجتهد من النظر في الوصف الذي يجوز اعتماده، والذي لا يجوز، فإن أسقط معتبرًا كان غالطًا، وإن اعتبر ساقطًا، فكذلك أيضًا.

стр. 2877

وأما المصير إلى أن ذات الوصف [الواحد] أكثر فروعًا مطلقًا، فغلط، وقد تكون ذات الوصف قاصرة، لا فرع (٢٠٨/ أ) لها، وتكون ذات الوصفين متعدية. وهذا كالتعليل بالنقدية، فهي قاصرة. وعلل أبو حنيفة بالوصف والجنسية، وإن كانت علته مركبة متعدية. وأما قول الإمام ﵁: إن العلتين إذا استنبطتا من أصل واحد، وإحداهما ذات وصف والأخرى ذات وصفين، فإذ ذاك تكون ذات الوصف أكثر فروعًا. فليس الأمر كذلك أيضًا مطلقًا، بل يفتقر إلى أن يقال: إذا كان أحد

стр. 2878

الوصفين في العلة المركبة هو العلة المستقلة عند الآخر، فإذ ذاك تكون ذات الوصف أكثر فروعًا. ووجهه أن من يرى الوصف الواحد علة يرتب الحكم عليه متى وجده، فالآخر ينتظر التكميل، فالأول يحكم في محل لا يحكم الآخر فيه، فتكثر فروعه على هذا الرأي. ثم قال: (ونحن نقول وقد انتهى الكلام إلى هذا الحد) إلى قوله (وإلا فلا

стр. 2879

ريب أن الشافعي رأى في القديم الاقتصار على الطعم فاسدًا). فنقول: صوَّر الإمام المسألة فيما إذا كان أحد الوصفين في العلة المركبة هو العلة الأخرى، فقال: إذا اقتصر أحد الفريقين على الوصف الواحد، فلينظر إلى الوصف الثاني، فإن استقل الأول دونه، فالثاني فضلةٌ مستغنىً عنها، لا أثر لها، فيجب الإعراض عنه. وإن تعذر الاقتصار على الوصف الأول، وجب ضمُّ الثاني إليه، ولا يكون هذا من مواقع الترجيح، فإن الترجيح إنما يكون بعد ثبوت الاستقلال لكل علة. فلا يصلح هذا التمثيل. نعم، يصلح للمثال ما إذا استنبط أحدهما وصفًا على حياله، وصلح لإضافة الحكم إليه، واستنبط الآخر وصفين سواه يصلحان للتعليل بهما على حكم الترتيب. فهذا موضع نظر، ولا يلزم على هذا [التقدير] أن يكون

стр. 2880

الوصف الواحد أكثر فروعًا، فتخرج المسألة عن ذوقها، نظرًا من أصحابنا إلى ترتيب الترجيح على كثرة الفروع، لما بيناه من عدم اللزوم. وأما ما مثَّلوه من قول الشافعي ﵁ في القديم بضم [النقدية] إلى الطعم. وقوله الجديد بالإعراض عن [النقدية]، فالأمر على ما قاله الإمام من إبطال الترجيح، لأنه رأى في القديم الاقتصار على الطعم باطلًا، لا باعتبار ترجيح، ورأى في الجديد وجوب الاقتصار عليه، وأنه لا يجوز ضم التقدير إليه بكل علة في زمان يعرض صاحبها عن الأخرى. فليس هذا من مواقع الترجيح بحال. وأما ما يتعلق بقلة الاجتهاد وكثرته، فقد تكلمنا عليه، ونقحنا القول فيه. ثم قال: (مسألة: إذا تضمنت إحدى العلتين نفيًا والأخرى إثباتًا) إلى

стр. 2881

آخرها. فنقول: أما إذا صرنا إلى (٢٠٨/ ب) ما يقوله الإمام من أن نفي الحكم حكم، فالأمر واضح في أنه لا ترجَّح واحدة من العلتين على الأخرى. وإن بنينا على ما نختاره من أن نفي الحكم ليس بحكم، فها هنا موضع احتمال، إذ يقال إن نفي الحكم ليس قضية شرعية حتى يستند إلى علة شرعية، فكيف تكون العلة

стр. 2882

مقتضية غير حكم؟ وكأنه قال في التحقيق يرجع إلى أنها غير مقتضية. فهذا أمر ينبغي أن ينتبه له ويتأنَّى فيه. والله تعالى الموفق للصواب. ثم قال: (مسألة: إذا تقابلت علتان إحداهما حكم، والأخرى أمر ثابت

стр. 2883

محسوس) إلى آخرها. فنقول: التفصيل الذي ذكره الإمام هو الذي يرفع الإشكال، ويتبين منه للمحصِّل التحصيل. وإذا تحقق القطع من جهتين، فلا ترجيح بحال. وقد بينا أنه لا يصح أن يكون علمٌ أوضح من علم. ثم قال: (مسألة: إذا كانت إحدى العلتين تعم الأحوال) إلى آخرها. فنقول: الذي ذكره الإمام ﵀ ها هنا، صحيح. وهذا الذي قاله هؤلاء القوم:

стр. 2884

إن كونه منتفعًا به، لا يتناول [الجرو]، كلام ضعيف، والمراد أن يكون المبيع من جنس ما ينتفع به. وليس المعنى كونه منتفعًا به ناجزًا، ولكن كونه سببًا للانتفاع في بعض الأحوال، يناسب جواز البيع في الحال. وأكثر المبيعات لا يتأتى الانتفاع بها حالة بيعها، بل ينظر زمان الانتفاع بها. نعم،

стр. 2885

[المثال يصلح لهذا]. مسألة: من قال العبد يملك لكونه آدميًّا ، إذا قوبلت علته بعلة من منع ملكه، نظرًا منه لكونه مالًا، فإن هذه العلة يمكن زوالها، فلا تعم جميع أحواله، بخلاف العلة الأولى. والصحيح أنه لا ينشأ من مثل هذا ترجيح، فإنه إنما يطلب تأثير العلة عند وجودها. أما إذا عدمت، فكيف يطلب حكمها؟ فليس استمرار تلك بالذي يوجب قوة فيها. وأما قول الإمام: إن التعلق بالنجاسة في منع البيع واقع في أبواب الأشباه. فقد كنا قلنا إنه واقع في آخر رتبة من رتب المعاني، وتأثير الانتفاع في جواز الابتياع من أوضح المعاني. ولكن قال الإمام: إنه منقوض إذا بنينا أنه ينتفع بها ويمتنع بيعها كأم الولد. ولكن الصحيح أن المنتفع به لا يمتنع بيعه إلا لمعارض. وقد قلنا إن تخلف الحكم لمعارض، لا يوجب بطلان العلة. هذا تمام ما ذكره الإمام في كتاب الترجيح. وبالله التوفيق، لا رب غيره، وهو حسبنا ونعم الوكيل (٢٠٩/ أ). ثم قال الإمام: ([كتاب] النسخ) إلى قوله (ثم نذكر بعد نجاز

стр. 2886

تفاوضهم ما هو الحق [المبين] عندنا). فنقول: النسخ في اللغة معناه: الرفع، كما ذكر، وقد يطلق بإزاء نسخ الكتاب، وهو مشترك بيتهما، والفرض ها هنا النسخ بمعنى الرفع، وليس المراد بمعنى نسخ الكتاب. ونحن

стр. 2887

نحرر العبارات في [حدِّه] على حسب اختلاف الناس في فهم معناه. قال أبو حامد: [نحرر كلام القاضي الذي رأى النسخ بمعنى الرفع، وحدَّه] بأنه: الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجهٍ لولاه لكان ثابتًا به، مع تراخيه عنه. قال: وإنما آثرنا لفظ «الخطاب» على لفظ النص، ليكون شاملًا للفظ والفحوى والمفهوم وكل دليل، فإنه يجوز النسخ بجميع ذلك. وإنما قيدنا الحد بالخطاب «المتقدم»، لأن ابتداء إيجاب العبادات في الشرع مزيلٌ حكم العقل من براءة الذمة، فلا يسمى نسخًا، لأنه لم يُزِل حكمَ خطابٍ.

стр. 2888

وإنما قيدنا «بارتفاع الحكم»، ولم نخصص بارتفاع الأمر والنهي، ليعم جميع أنواع الحكم من الندب والإباحة والكراهة. فجميع ذلك قد ينسخ. وإنما قلنا: «لولاه لكان الحكم ثابتًا»، لأن حقيقة النسخ الرفع، فلو لم يكن ثابتًا، لم يكن هذا رفعًا، لأنه إذا ورد أمرٌ بعبادة مؤقتة، وأمرٌ بعبادة أخرى بعد تصرُّم ذلك الوقت، لا يكون ذلك نسخًا. وإذا قال: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، ثم قال في الليل: لا تصوموا، لا يكون ذلك نسخًا، بل الرافع ما لا يرتفع الحكم لولاه. وإنما قلنا: «مع تراخيه»، لأنه لو اتصل به، لكان بيانًا وإتمامًا لمعنى الكلام، وتقديرًا له بمدة أو شرط، وإنما يكون رافعًا إذا ورد بعد أن يكون ورد الحكم واستقر وورد الخطاب، بحيث يدوم لولا الناسخ. هذا حدُّه وتقييده، والتنبيه على سر التقييد. وهذا الذي قاله غير صحيح من حيث الجملة، وفيه ألفاظ مستغنى عنها. وأما كونه غير صحيح، فإنه يختار أن النسخ يرجع إلى الرفع، وعليه أورد الحد، والذي ذكره ليس هو رفع الحكم، فإنه قال: النسخ هو الخطاب الدال، والخطاب الدال ليس هو الرفع، ولذلك قال: الدال على ارتفاع الحكم، فيصير الرفع يستند إلى الخطاب الدال، لأن الخطاب الدال هو الرفع. ففَهْمُ لفظ حدِّه يبطله.

стр. 2889

ولو أضربنا عن هذه المؤاخذة، فالعبارات التي ذكرها طويلة، فإنه لما قال: هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا، لا يحتاج مع هذا إلى أن يقول: «مع (٢٠٩/ ب) تراخيه عنه»، بل نفس قوله: «الدال على ارتفاع الحكم الثابت»، يتضمن أن يكون مؤخَّرًا عنه، فإنه لو اتصل به، لكان تمامًا وتقييدًا، لا رافعًا ناسخًا. فالصواب إذًا على هذا المعنى أن يقال: النسخ هو: رفع الحكم الشرعي بخطاب. أما قولنا: هو رفع الحكم، فلأنا نختار ذلك في حد النسخ. وأما قولنا: الشرعي، فلأن رفع حكم براءة الذمة بإيجاب العبادات ابتداء، أو شرعية الأحكام المزيلة عن براءة الذمة، لا يكون نسخًا، ولذلك افتقرنا إلى أن نقول: رفع الحكم الشرعي بخطاب، احترازًا عما إذا ارتفع الحكم بأعذار من نوم أو غفلة أو نسيان، فإن الحكم يرتفع، ولا يكون نسخًا إذا لم يرتفع بخطاب.

стр. 2890

وأما الفقهاء فالحد هو الذي ذكره الإمام عنهم. واختلفت عبارات المعتزلة فيه، فقالوا ما ذكره الإمام عنهم، وربما أبدلوا لفظ الحكم وقالوا: على أن مثل الحكم الثابت زائل في المستقبل، وهذا هو الصحيح على أصولهم، لأن الحكم الأول لا يزول ولا يتبدل ولا يسقط، وإنما مِثْله هو الذي يتعرض لذلك، لأنه لو لم يرد الناسخ، لتجدد مثل الحكم الأول، فورود النسخ يمنع التجدد. وإنما صار المعتزلة إلى ذلك، لأن الحكم قول، والأقوال عندهم لا تبقى، فلابد من تجددها. وأيضًا فإنهم وإن صاروا إلى بقاء الأقوال، إلا أنهم لا يصح عندهم النسخ بمعنى الرفع بخال، إذ الأمر عندهم يتبع الصفات، إما الذاتية أو التابعة للحدوث، وهي مستمرة ثابتة، لا تتبدل ولا تزول، فاستحال أن يرجع النسخ عندهم إلى الرفع. ومذاهب الفقهاء قريبة من مذاهبهم، لا على مقتضى أصولهم، ولكن لأنهم لم يعقلوا الرفع لكلام الله تعالى، فرجعوا إلى ما يتعقل بالبيان، وإزالة ما كان المكلف يظن دوامه. فلفظ الإزالة تجوُّز، وإنما هو بيان محض.

стр. 2891

ثم قال: (قال القاضي: إذا كان النسخ يرجع إلى البيان) إلى قوله (فإنا نفتتح بعده سؤالًا موجهًا على القاضي ينكشف به وجه الحق). فنقول: إلزام القاضي صحيح، والذين يذهبون إلى أن النسخ يرجع إلى البيان أنكروا النسخ بمعنى الرفع لا شك فيه، ولو كانت الألفاظ متعرضة لِلَازِمه بطريق العموم، لما توقف أحدٌ على التخصيص، فكيف يرد النسخ إلى تخصيص الزمان مع كون اللفظ لم يتعرض له بحال؟ ولو تعرضت الألفاظ لِلَازِمه، لصح تخصيصها عند الجميع قطعًا. فكيف يكون التعرض الضمني يزيد ويربي على التعرض المصرح

стр. 2892

به؟ فهذا يدل دلالة واضحة (٢١٠/ أ) على أنه لم يسلك بالنسخ مسلك تخصيص الأزمنة بحال. وكذلك اشتراط الصحابة القطع في النسخ، وامتناعهم من نسخ القاطع بالمظنون، يدل دلالة قاطعة على أنهم لم يسلكوا مسلك البيان والتخصيص. وما ذكره الإمام لا يصح أن يكون عذرًا، فإنهم لو اعترفوا بأن الأمر غير معلوم، والثبوت غير محقق، وإنما هو أمر مظنون أو ملتبس، فكيف كان يصح منهم اشتراط القطع في البيان مع أن الظواهر المصرح بها لا يشترط في بيانها قواطع؟ هذا لو فعل، لكان ظاهر التناقض، والصحابة ﵃ مبرؤون من ذلك، فيدل اشتراطهم القاطع في الرافع، على أنهم علموا ثبوت الحكم وطلبوا أن يكون القاطع لتخلفه قاطعًا. هذا هو الصحيح عندنا. وقد وجه على قول

стр. 2893

القاضي أن النسخ بمعنى الرفع أسئلة: منها: ما ذكره الإمام، وهو أنه قال: (إذا أثبت الله حكمًا على المكلفين، فمعناه تعلق قوله الأزلي [به] في حق المكلف) إلى قوله (والعبارة عن هذا المقصود: أن النسخ هو اللفظ الدال على ظهور انتفاء شرط دوام الحكم الأول). السؤال الثاني: أن الرفع لا حقيقة له، فإنه إما أن يرد على ثابت أو على منتف، والثابت لا سبيل إلى رفعه، والمنتفي لا حاجة إلى رفعه.

стр. 2894

[السؤال] الثالث: كيف يتصور الرفع في الكلام القديم، وهو لا يقبل التغيير. الرابع: إن الذي أمر به لابد أن يريد وجوده، فلو نهى عنه، للزم أن يكون مريدًا عدمه، فيكون الشيء الواحد في الوقت الواحد، مرادَ الوجود والعدم جميعًا.

стр. 2895

الخامس: أنه إذا أمر به اقتضى ذلك حسنه، فلو نهى عنه، لاقتضى ذلك قبحه، فيكون حسنًا قبيحًا. السادس: أنه يدل على البَدّاء وانكشاف ما لم يكن منكشفًا. هذه شبه الذاهبين إلى استحالة النسخ بمعنى الرفع، وأغمضها ما تمسك به الإمام. فالجواب عنه، وهو الأول، أنا نقول: المعنى بثبوت الحكم على التأبيد، أنا نريد به أنه تعلق بفعل العبد ما دام حيًّا مثلًا، وكذلك ثبت الحكم الذي يرد النسخ عليه، ولا يلزم من تعلق الحكم بصوم سنة مثلًا، دوام هذا التكليف، بل يصح أن يبقى مستمرًا، ويصح رفعه بالنسخ. ومثاله: أنه إذا قال: وكلتك ببيع داري غدًا، فهو يعلم التوكيل في الحال، ولا يخالجه في ذلك شك بحال. ولو حلف على ذلك، لكان بارًا، ولو حلف على نقيضه، لكان حانثًا. وإذا قيل له هل تستمر وكيلًا حتى تفعل؟ لم يعلم ذلك، وجوز عزله أو (٢١٠/ ب) موته، ففرْقٌ بين علم الثبوت وعلم الدوام، وهما قضيتان متعددتان. ولذلك أنا نعلم ثبوت الباري سبحانه وصفاته، ونعلم ثبوت الجواهر والأعراض، ثم نقطع باستمرار شيء من هذه الموجودات، وهو

стр. 2896

الباري سبحانه. ويجوز نفي شيء منها، وهي الجواهر، وتخيل بقاء الأعراض، فلم يلزم من علم الثبوت علم الدوام بحال. وإنما وجه الإمام هذا الكلام من حيث أنه لم يقف على الفرق بين الثبوت والدوام. وهذا هو سر المسألة وغاية مقصودها. فمن وُفِّق لدركه، فقد أحاط بحقيقة المسألة. وجميع ما أورده إنما أورده على اتحاد الجهة. وألزم القاضي أن الله تعالى إذا علم دوام الحكم، كيف يتصور مع ذلك ارتفاعه في حق الجميع؟ هذا محال لا ريب فيه، ولو كان الأمر على ما فهم وتخيل، لكان مستحيلًا كما زعم. ولكنا نقول: علم الله تعالى أنه خاطب الخلق بصوم عشر سنين مثلًا، وقد علم أن هذا التكليف لا يستمر، فلم يمنع ذلك من ثبوت التكليف، ثم الحكم بقطعه ورفعه عن المكلفين. فهكذا ينبغي أن يفهم حقيقة هذه المسألة. ولا

стр. 2897

يبقى بعد هذا التقرير في المسألة غموض. وأما السؤال الثاني: وهو عدم عقلية الرفع، بأنا لسنا نعني بالرفع إزالةً وتبديلًا، ونقلًا من موضع إلى موضع، فإن ذلك غير معقول في المعاني لاسيما في الكلام القديم، ولكنا نعني بذلك أن العبد كان مكلفًا بصوم يوم الخميس مثلًا، فلما ورد النسخ لم يبق مكلفًا به، ويصير هذا بمثابة العزل الطارئ على الوكيل، فإنه قبل العزل كان وكيلًا، ولما عُزل انقطع التوكيل، وكذلك النسخ. وهذا بعينه هو الجواب عن قولهم: كيف [يرفع] القديم؟ وكيف يقبل التبديل؟ ولو كان تبديل الأحكام مستحيلًا باعتبار الكلام القديم، لكان إثبات الأحكام ابتداءً يستحيل، إذ القديم لا يقبل التبديل، وليس المراد [بتجديد]

стр. 2898

الأحكام بغير القديم، وإنما المراد بذلك صيرورة العبد مكلفًا بعد أن لم يكن مكلفًا، كصيرورته مراد الوجود بعد أن كان مراد العدم. فهذه العبارات واردة على المتعلِّقات لا على المتعلَّقات. وكذلك القول في البصر والسمع، فالصفات كلها تجري مجرى واحدًا. وقد ساعدت المعتزلة على صيرورة العبد مقدورًا بعد أن لم يكن مقدورًا، مع كونهم يقولون إن الله تعالى قادر لنفسه أزلًا. وأما ما يتعلق بالمصلحة والمفسدة والإرادة والكراهية، فهذه أصول المعتزلة، وقد (٢١١/ أ) أشرنا فيما تقدم إلى إبطال جميعها. وأما قولهم: إن ذلك يفضي إلى البداء، فغلطٌ، والإمام يتكلم عليه فيما يعد. ويبقى للقوم سؤال واحد، وهو جدير أن يجعل سؤالًا شائعًا، وهو أنهم قالوا: هذا يفضي إلى أن يكون الشيء الواحد على الوجه الواحد مأمورًا به منهيًا عنه، فإن الله تعالى عندكم آمر في الأزل، وكذلك هو ناهٍ في الأزل، فيكون قائلًا في الأزل: صوم عاشوراء مثلًا واجب، صوم عاشوراء غير واجب. وهذا كلام متناقض، وجمعٌ بين الضدين. وهذا السؤال أصعب مما وجه الإمام،

стр. 2899

وفي الجواب عنه طرق: أحدها- أن من أصحابنا من يقول: لا يكون الكلام أمرًا ونهيًا إلا بعد توجهه على المخاطب، وإذا كان كذلك، فنحن نقول: نشترط في النسخ التراخي، فلابد من تقديم زمان الورود، فلا يكون أمرًا نهيًا في وقت واحد، بل في وقتين. وهذا القول ضعيف عندنا، والله تعالى آمر في الأزل عند المحققين. وقد أكثر الأصوليون في الجواب على هذا السؤال بأجوبة تطول. حاصلها راجع إلى [تحايلهم] على إبداء تعدد الجهات، حتى لا يكون آمرًا على الوجه الذي كان ناهيًا. والصحيح عندنا خلاف ما ذهبوا إليه. وقد تبين من مذهبنا جواز تكليف ما لا يطاق عقلًا، وإنما منعنا بعض أنواعه سمعًا. والذي منعناه من جهة السمع أصناف، حاصلها راجع إلى أمور لا يتصور المكلف بها قصد الطاعة، ونخرج عن المطالب المعروفة من جهة العادة. فعلى هذا لو سمع المكلف الأمر والنهي معًا، لم يتصور منه فعل إقدام ولا إحجام، وإذا سمعها في وقتين، جرى الأمر على ما ألف من التكليف عند العقلاء. وقد كنا قدمنا في مسألة الأمر بالشرط ما يرشد إلى هذا الكلام، فإن

стр. 2900

تعليق الفعل على الشرط الذي يعلم المكلف انتفاءه، ويصح إذا لم يكن المكلف عالمًا بذلك، لتصور قصد الإقدام والإحجام. فهذا هو الجواب، والله المستعان. ثم قال: (فإن قيل: لا فرق بين هذا الاختيار ومذهب الفقهاء) إلى قوله (مع [بناء] الأمر على امتناع تكليف ما لا يطاق). فنقول: هذا الكلام الذي ذكره هو الذي قدمنا تحقيقه، وبينا غفلة الإمام عن سر المسألة.

стр. 2901

وأما ما ذكره ها هنا من تقدير شرط لا يتضمنه الكلام الأول، فهذا لا يصح على الإطلاق، ولو أضمرت الشروط، لاستحال أن يعلم مدلول

стр. 2902

النصوص، ولا يتصور أن يعلم صدق صادق، ولا كذب كاذب، ولا أفضى عقدٌ إلى اللزوم. وأهل اللغة لا يجوِّزون إضمار ما يمنع دلالة (٢١١/ ب) الألفاظ على الإطلاقـ فكيف يصح هذا، وهو قد أنكر إضمار الاستثناء، وأنكر ما أضيف إلى ابن عباس من جواز فصله، وتمسكه بمثل ما تمسكنا به؟ وقد جعل منكرو فصل الاستثناء مسألة الشرط أصلًا.

стр. 2903

ثم قال: (منعت اليهود النسخ) إلى آخر المسألة. فنقول: الأمر على ما

стр. 2904

ذكره الإمام في أدلة [الجواز] من جهة العقل، وفي إثبات الوقوع، نظرًا إلى قيام المعجزات، وإخبار النبي بخلاف ما أثبته النبي الأول من الأحكام. وإذا

стр. 2905

ثبت الوقوع، لزم ثبوت الجواز. ولكن هذا الكلام كله عندي إنما يصح على القول بأن النسخ رفع. أما إذا رجع النسخ إلى البيان لمقتضى ألفاظٍ ظاهرة، فلا يتصور أن يذهب ذو عقل إلى

стр. 2906

استحالة ذلك. وكيف ينكر أن تشتمل شريعة ثابتة على أمر لم تتعرض له الشريعة الأولى؟ فهذا الذي نصب الإمام الدليل عليه، [والاشتغال] بإثبات جوازه، لا يترتب على قاعدته بحال. ثم قال: (مسألة مترجمة: بالنسخ قبل الفعل) إلى قوله (حتى يؤجروا على صدق نياتهم ويوفوا ما لا يستقلون به في علم الله تعالى). فنقول: أما خلل الترجمة فبيِّن، لأن قولهم: هل يجوز النسخ قبل الفعل؟ يفهم منه أنه يصح النسخ بعد الفعل، وهذا غير صحيح، ولا نسخ أبدًا إلا قبل الفعل، سواء قيل إن النسخ رفعٌ أو بيان. فإذا ورد [أمر] بعبادة، فهل يجوز النسخ قبل دخول

стр. 2907

وقت تلك العبادة؟ منعت المعتزلة ذلك، وبنوا مذهبهم على ما حققناه من أن الحكم الثابت لا يرفع بحال، للجهات التي تقدم ذكرها. فإذًا إنما يكون النسخ مانعًا مثل الحكم الثابت من الورود. هذا مستند القوم في الاستحالة. وإذا بينا أن الرفع للحكم الثابت معقول، بطل ما أسندوا إليه الاستحالة. وأما الإمام فقد ظهر من كلامه تناقض في هذه المسألة، فإنه قال في أولها: إن النسخ راجع إلى إظهار انتفاء شرط بقاء الحكم، فإن الحكم الموجه

стр. 2908

مشروط بأن لا ينسخ، فإذا ثبت النسخ قبل انقضاء زمان يمتنع الفعل، بانَ أنه لا حكم أصلًا. فأول الكلام يقتضي أن النسخ يمنع بقاء الحكم، وهذا هو الصحيح، وآخره يقتضي أن يتعين أنه لا حكم أصلًا. والمصير إلى نفي بقاء ما لا ثبوت له باطل، فإن النظر في البقاء ثبوتًا وعدمًا بشرط الاعتراف بالثبوت. ثم قال: ويجوز أن يقع في أحكام الغيب أن يخاطبوا ويقبلوا ثم يرفع عنهم حكم التكليف. وهذا الذي صار إليه ها هنا من رفع الحكم هو الذي اخترناه (٢١٢/ أ)، فهو لا يتخلص من المصير إليه بحال. وسبب الغلط عندي أنه لم يقدر على الفرق بين الثبوت والدوام، فلما لم يتحقق هذا عنده اضطربت المسألة عليه. ولو لم يكن في كتابنا إلا كشف هذه الدقيقة، لكان حريًّا أن يغتبط به، فلم أرَ لأحدٍ من الأصوليين تحريرًا لأمرٍ على هذا التحقيق. ولله الحمد على ما أنعم به، فإنه المنعم على من يشاء من

стр. 2909

عباده. وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: (ثم استدل أصحابنا في تجويز النسخ قبل الفعل) إلى قوله (فهذا منتهى [المراد] في ذلك). فنقول: الآية دالة قاطعة على صحة النسخ، وهو رفع الحكم قبل التمكن من الامتثال، فإن إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه كان مأمورًا بذبح ولده، ولم يقصِّر، ورفع ذلك عنه، ورُدَّ إلى الفداء. والقرآن بقيوده يحصِّل علمًا بذلك. لأن ولده فهم الأمر حيث قال: ﴿افعل ما

стр. 2910

تؤمر﴾ وسمَّاه الله بلاءً مبينًا، وشرع الفداء. فهذه القرائن والقيود تحصِّل علمًا بالمطلوب. وقد طاشت عقول المعتزلة لهذه الآية، وتخبطوا في الجواب، وطلبوا الخلاص من وجوه: أحدها- أنهم قالوا: كان ذلك منامًا لا وحيًا. الثاني- قالوا: كان مأمورًا، ولكن بالتلِّ للجبين وإمرار السكين. الثالث- إنه كان مأمورًا بالذبح، ولكن قَلَبَ الله عنقه حديدًا، ففات التكليف، للاستحالة الحاصلة. الرابع- إنه كان يذبح ويلتحم. الخامس- إنهم قالوا: توهم إبراهيم لأمر، ولم يكن مأمورًا. وهذه الوجوه كلها باطلة.
следующие страницы →