Полный текст (2 928 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
الذاهبين إلى إثبات كلام النفس أزلا. وليس للباري من كونه خالقا حكم حقيقي. ومعنى كونه خالقا: (٦٢/ب) وقوع الخلق بقدرته.
وإذا سلم القلانسي للشيخ أن الكلام قديم، فكونه آمرا، من حقيقته النفسية وصفته الأزلية. ويستحيل ثبوت الموصوف مع فقدان وصفه النفسي.
ووجه آخر: وهو أنه لم يثبت كونه آمرا في الأزل، لم يثبت كونه آمرا فيما لا يزال، لتجدد الحقائق وصفات النفوس، وذلك غير معقول.
وأيضا فإنه يقتضي تجدد حوادث قائمة بالقديم، وذلك مستحيل. ويلزم
стр. 527
منه أيضا أن تكون الصفة ليست كلاما، ويتجدد كونها كلاما، وذلك غير معقول. وهذه وجوه قطعية في إبطال ما صار إليه، إن لم يرد النزاع إلى اللفظ.
وأما المسلك الأول للأصحاب: فإن الرسول في حكم من يبتدئ أمرا، إلى آخره. فكلام ضعيف، واعتراض الإمام عليه صحيح. وتحقيق سقوطه: أن الأمر لا يتصور قيامه بنفسه، فإنه من جملة المعاني. وإذا كان كذلك، فكيف يتصور أمرا لا آمر له، وهو بمثابة علم لا عالم به، وقدرة لا قادر بها، وذلك غير معقول. والإجماع أيضا على منعه. فكيف يسوغ الاستشهاد بممتنع وفاقا؟ وأدلة العقول تمتنع منه أيضا، كما قررناه. والرسول ليس مستقلا بأمر، وإنما هو مبلغ أمر الله تعالى. وإذا تم التبليغ، لم يؤثر موت المبلغ، ومن
стр. 528
له الأمر حي، (٣٣/أ) لم يزل ولا يزال.
وأما المسلك الثاني لهم: وهو أن المأمور به، وهو الفعل، لا يمتنع أن يكون معدوما. العبارة فيها قصور، فإنه يوجب أن لا يتوجه الأمر إلا بمعدوم، إما عقلا عند من أحال تكليف المحال عقلا، أو شرعا عندنا. فلا بد إذا من تعلق الأمر بالمعدوم. وقيل يبقى مستمرا حتى يدخل الفعل الوجود، أو ينقطع تعلق الفعل حالة الوجود. كما سيأتي بيانه بعد هذا. وهذا لا يصح التمسك به، فإن مقصود الطلب تحصيل ما ليس حاصلا، ولو كان حاصلا، لم
стр. 529
يطلب، فأين هذا من توجه الأمر على المعدوم، وتحقيق الطلب في حقه؟
لكن المعتزلة إذا ذهبت إلى تجدد الأمر، وامتناع بقائه، فقد التزموا أنه لا أمر لله في زماننا [هذا] متوجه على عباده. وهذا أشد وأشنع من المصير إلى كون الباري تعالى [ليس] آمرا في الأزل، فإن هذا منع للشرائع أن تكون متوجهة علينا في الحال، ومخالفة لإجماع المسلمين، فإن الأمة مجمعة على أن أوامر الله تعالى متوجهة علينا في زماننا.
وقوله في تقرير طريقة الشيخ: (إنه لا يمتنع قيام الأمر [بالنفس] مع غيبة المأمور). كلام صحيح. ولو بقي ذلك الطلب حتى يحصل المأمور،
стр. 530
لارتبط به، ولكنه لا يتصور بقاؤه لكونه عرضا. والواحد منا يتبينه في حق مأموره، فإنه يقول القائل: إذا لقيت فلانا فقل له: إني أمرته أن يفعل كذا، وإذا فعل، يقال فيه: امتثل، وإذا بعد التبليغ، يقال: إنه خالف، ويستحق التأديب. وهذا مقطوع به عند العقلاء، وعليه يبنون أوامرهم ونواهيهم، وجاحد ذلك مخالف للعقلاء في مطالبهم. وإذا لم يبعد ذلك في كلامنا، فهو المعني بكلام (٦٣/أ) النفس. والذي قلناه في حق الغائب، لا يختص به، بل يقوم بذات الأب طلب تعليم العلم من الولد الذي سيوجد، ويقول لوصيه: إذا بلغ الولد، فعرفه أني أمرته بكذا. وإذا فعل ذلك، يقال: أطاع أباه، وامتثل أمره، وإن كان الأب الآن معدوما، والولد كان وقت أمر الأب معدوما. هذا معقول عند العقلاء.
وقوله: ([فلست أرى] ذلك أمرا حاقا، [وإنما يقدر الأمر] لو كان، كيف يكون؟ ). ليس كما قال، فإنه كان تقدير أمر، لم يكن بعد ذلك، إذ
стр. 531
لم يتجدد له غيره، ولا كان الولد أو الغائب ممتثلا أمره عند بلوغه.
وقوله: (وغرض المسألة إثبات الأمر أزلا، من غير مأمور، لا محاولة إثبات [المنفي] مأمورا). هو كما قال: وإذا صح قيام الأمر بالنفس من غير مأمور، ارتفع السؤال.
وما ذكره من أن: (من ظن أن المعدوم مأمور، فقد خرج عن حد المعقول). هو كما قال. ولا يتصور أن يكون المعدوم- وهو في نحض- مدعوا بأمر، ولا مصروفا بزجر، (فلا شك أن الوجود شرط في كون المأمور مأمورا).
стр. 532
وقوله: (٣٣/ب) (وإذا لاح ذلك، بقي النظر في أمر بلا مأمور، وهذا [معضل] [أزب]). أشار إلى صعوبة الكلام، ثم صرح بالاستحالة.
فقوله: (الأمر [من الصفات] المتعقلة [بالنفس]، وفرض متعلق لا متعلق له محال). [هذا] تصريح بتجدد الأمر، بلا ريب، وقدم الكلام يمنع من هذا، فلا يتصور أن يكون الأمر متجددا، والكلام قديما، لما رددناه به على القلانسي. ثم هذا الإشكال لا يختص بالأمر، فإذا أحال الإمام متعلقا لا
стр. 533
متعلق له، لزمه أن يحيل القدرة في الأزل، أو كونه قادرا.
وقد اعترفت المعتزلة بكونه قادرا أزلا. وإن كان قادرا حكما متعلقا، ولا فرق بين أن يكون المعلق حكما أو صفة، وكذلك الإرادة عندنا والرؤية. فليس يستمر للإمام ما ذكره، إلا بنفي الصفات والأحكام في الأزل، ثم يحكم بتجددها فيما لا يزال. كما ذكره في قضية الأمر. وإذا حكم بأن الباري تعالى ليس قادرا في الأزل، استحال أن يكون قادرا فيما لا يزال، لأنه لا يكون قادرا إلا بقدرة متجددة، ويستحيل القدرة إلا بسبق قدرة أخرى، وكذلك القول إلى ما لا يتناهى، وذلك محال. فوجب بهذا التقدير إثبات الصفات في الأزل من غير تجديد، ورجوع التجدد والطريان إلى المتعلقات.
стр. 534
ولله تعالى رؤية قائمة به، وهو بها راءٍ. وليس المراد بكونه رائيا، أنه رأى المعدوم، وإنما كان باعتبار قيام الرؤية به، فإذا وجد الموجود، كان مرئيا بتلك الرؤية. وكذلك القول في السمع، فهو سميع في الأزل، باعتبار قيام السمع به، فإذا وجدت الأصوات، كان سامعا لها بسمعه القديم، وكذلك جميع صفاته إلا العلم، فإن العلم لا يخصص بوجود وعدم، وكذلك الخبر الذي هو من الكلام.
والأصل الذي إليه المرجوع، وجوب القدم لله سبحانه وصفاته، واستحالة الجواز والتجدد في ذلك. وإنما غمض هذا على الخلق بالنظر إلى معانيهم،
стр. 535
فإنها متجددة غير باقية. فلو تقدمت الرؤية في حقنا على (٦٣/ب) المرئي، لعدمت ولم تتعلق بشيء. ولا تصلح أيضا للتعلق، فتخرج عن كونها رؤية. فلما استقر هذا في أوصاف الخلق، شق عليهم فهمه بالإضافة إلى صفات الله .
وإذا دل الدليل على قدم الذات والصفات، واستحال التجدد على كل حال، لم يلتفت لعمل الوهم في اشتراط الاقتران. والله الموفق للصواب بحوله وقوته.
قال الإمام: (مسألة: ذهب الأصوليون من أصحاب أبي الحسن ﵁ إلى أن الفعل في حال الحدوث مأمور به) إلى قوله (فهذا وجه هذه المسألة إن
стр. 536
اتجه). قال الشيخ: (٣٤/أ) المسألة مبنية على الاستطاعة، كما ذكره الإمام. وهذا على رأي من يحيل تكليف المحال. فأما مجوزه، فلا يشترط من جهة العقل شيئا من ذلك، وإن كان يمنع من التكليف وقوعا فيما لا يعقل. ومذهب المعتزلة أن القدرة الحادثة لا تقارن حدوث [المقدور]،
стр. 537
بل تتقدم عليه بزمان، فتتعلق في الزمان الأول، ويقع المقدور في الزمان الثاني. وإنما حملهم على ذلك أنهم قالوا: سبيل القادر على الشيء أن يكون قادرا على تركه، وحالة الحدوث لا يكون قادرا على الترك، فلا يكون قادرا على ترك الفعل. وقد نقضوا هذا بالمقيد المربوط، فإنهم قد حكموا بأنه قادر، وإن لم يكن متمكنا من
стр. 538
الترك. وطريق الرد عليهم باستحالة بقاء الأعراض كلها. ودليله أنها لو بقيت لاستحال عدمها، وقد عدمت، فيستحيل بقاؤها، فإنها لو بقيتن لبقيت بنفسها، وصفة النفس لا يتصور تبدلها. وقد ساعدت المعتزلة على استحالة بقاء الأعراض، كالأصوات وغيرها. وأيضا فإنا نقول لهم: إذا كانت القدرة لا تتعلق بالمقدور حالة حدوثه، بل كانت القدرة غير مرتبطة به، لم يكن الفعل واقعا بها، بل يصح عند المعتزلة أن تتقدم في حال وجود المقدور، فكيف تكون مؤثرة وهي معدومة؟
وقوله: (لا حاصل لتلقي حكم تعلق الأمر من القدرة) إلى آخره. كلام [ضعيف]، فإن أبا الحسن إذا [جوز] تعلق الأمر بما [لا] يصح أن يكون مقدورا، فكيف لا يجوز أن يكون الأمر متعلق بالمقدور؟ نعم، إنما يكون هذا الكلام قادحا لو كان أبو الحسن يمنع تعلق الأمر بمقدور، فحينئذ يكون الدليل منقوضا.
стр. 539
وقوله: (فإن القاعد في حال العقود مأمور بالقيام على رأي أهل الإسلام). وهو على ما قال، ولكنه نقضه في المسألة التي بعد هذه، وفي مسألة النسخ، فإنه ذهب فيهما جميعا إلى أنه لا يعلم توجه التكليف تحقيقا، ومنعه من ذلك الموت أو النسخ. فإذا أجمع المسلمون على كونه مأمورا بالقيام، وجب أن يكون عالما به، إذ الإجماع دليل قاطع.
وقوله: (ولو تنزلنا على اقتران القدرة بالمقدور، فيستحيل مع ذلك كونه مأمورا به). اقتصر على دعوى الاستحالة من غير برهان أكثر من قوله: (فإن
стр. 540
اقتران القدرة الحادثة بالمقدور معناه أنه بها وقع). وهذا ليس ببرهان، وما المانع من تعلقهما جميعا- أعني الأمر والقدرة؟ ولا يزال (٦٤/أ) الأمر متعلقا مستمرا حتى ينقطع تعلق القدرة، هذا لا مانع يمنع منه.
وأما قوله: (لم يشترط أبو الحسن اقتران القدرة بالمقدور، بالنظر إلى خصوصية القدرة، وإنما كان كذلك من جهة كونها عرضا). فهو كلام صحيح. (٣٤/ب)
قال الإمام [﵀]: (وإن تفطن ذكي لوجه الحق، خطر له في معارضة ذلك) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: ما ذكره من أن القدرة لا توجب المقدور لعينها، كلام صعب، إن عم به القول في القدرة القديمة والحادثة، فإن القدرة توقع المقدور لعينها، ولكن لو لم تكن كذلك، لاستحال أن توقعه، إذ الصفة لا توصف بغير الأوصاف النفسية.
وقوله: (لو أوجبت لعينها، لكان العالم أزليا). هذه شبهة ابن
стр. 541
سينا في إثبات قدم العالم، فإنه قال: إما أن يرجع العالم إلى نفس الذات، أو يرجع إلى صفة الذات، فإن رجع إلى الذات، لزم أن يكون قديما، وإن رجع إلى صفة، على ما يقوله أهل الإسلام، فالصفة قديمة، فيجب أن يكو قديما. وجوابنا أن نقول: يقع العالم بالقدرة القديمة عند إرادة الموقع، فإذا قال: الإرادة أيضا قديمة، فلم تأخر المراد؟ قلنا: معقول الإرادة أن يفعل أو يترك على حسب ما يريد من غير تحتيم. فالعلم عندنا يقع بالقدرة من غير زيادة. ولزوم القدرة باطل بما قررناه في الافتقار في التخصيص إلى الإرادة.
وقوله: (ومن أنصف من نفسه، علم أن معنى القدرة: التمكن من الفعل، وهذا إنما يعقل قبل الفعل). هذا عين مذهب المعتزلة في صحة تقديم القدرة
стр. 542
على المقدور. وقد بينا بطلان ذلك. وقد بينا بطلان ذلك. وأما التمكن المدرك قبل الفعل، فذل يرجع إلى غلبة العادة في تسيير بعض الأفعال دون بعض. وكم من توهم ذلك، ثم منع منن العمل وقت الحاجة.
وقوله: (لو قدرنا اقتران القدرة بالمقدور، فيستحيل مع ذلك كونه مأمورا به، فإن الأمر طلب، فكيف يطلب كائن ويقتضي حاصل؟ ). أما أبو الحسن، فيجوز ذلك كله عقلا. وإنما يبقى النظر في [مواقعه] شرعا، والتكليف يستمر
стр. 543
حتى يمتثله المكلف، أو يفوت التمكن. ومقتضى ما قاله الإمام أن لا تتصور طاعة من أحد من الخلق، فإنه لما كان مأمورا، لم يكن فاعلا، ولما كان فاعلا، لم يكن مأمورا على حال. والعبد عند شروعه في الفعل، إنما يقصد طاعة الله تعالى بفعله. ولو علم سقوط الطلب المتعلق بالفعل، لم يتصور أن يقصد إلى الطاعة به، وتصير حالة الفعل- على هذا الرأي- مضادة للتكليف، كما تكون حالة ورود النسخ مضادة لبقاء الطلب. فكما لا يتصور حالة ورود المنع أن يطيع بالفعل، فكذلك لا يتصور حالة سقوط التكليف أن يكون مطيعا بالفعل. فهذا باطل قطعا من جهة الشريعة، فإن مقتضاه أن أحدا لم يطع ربه بفعل يفعله.
قال الإمام: (مسألة: ذهب أصحابنا (٣٥/أ) إلى أن المخاطب إذا خص بالخطاب) إلى قوله (ونحن الآن نأخذ في النواهي، إن شاء الله تعالى). قال
стр. 544
الشيخ: قوله: إنما منعت المعتزلة أن يعلم، لأنه جاهل ببقاء الإمكان له إلى وقت التكليف. فهذا غير صحيح، فإن المعتزلة مجمعون على أن الواحد منا إذا أمر غلامه أو مأموره بفعل من الأفعال، فهو يعلم قيام الأمر به، وتعلقه بمأموره، والمأمور يعلم ذلك من أمره، مستندا إلى قرائن أحواله، (٦٤/ب) ولا يخالجه ريب في أمره المتعلق به، وهو لا يعلم بقاء الإمكان له إلى حين امتثاله.
فلو كان علم الإمكان شرطا في حصول العلم بالطلب، لم يعلم على حال والأمر بخلافه، والمذهب على نقيضه.
وقوله: (الجاهل بالشرط جاهل بالمشروط). كلام صحيح، لكن هل
стр. 545
الإمكان شرط في توجه التكليف، أو شرط في حصول الفعل المكلف به؟ فإن كان شرطا في التكليف، فممنوع بأدلة سبقت قبل هذا. وإن كان شرطا في الإيقاع، فهو كذلك، ولا يمنع جهله التكليف، كما ذكرنا في حق الشاهد.
وأما مسلك القاضي الأول، فهو صحيح. وقد نقله الإمام في المسألة المتقدمة، فإنه قال: (القاعد في حال القعود مأمور بقيام باتفاق أهل الإسلام). والإجماع دليل، فمن ثبت عنده الإجماع على الحكم، كيف لا
стр. 546
يعلمه؟ ولا يصح أن يقال: إنما ذكره الإمام حكاية عن أبي الحسن، فإنه أورده محتجا عليه في أنه لا ربط بين القدرة والتكليف، ولذلك أنه قال: (ولا قدرة له عند أبي الحسن). فلم يتمسك أبو الحسن إلا بعين ما نقله هو. وكيف لا يعلم المكلف توجه الحكم عليه قبل الشروع فيه، وهو [لا] يشرع فيه إلا بنية؟ والنية [قصد] يتبع العلم، فلو لم يعلم لم يقصد. هذا تقرير القاضي،
стр. 547
وهو جارٍ على أصله في أن كل مجتهد مصيب، وأنه إذا [انتهضت] الأمارات، حصل العلم بالحكم. أما نحن إذا بنينا على أن المصيب واحد، لم نشترط في نية العبادة العلم بوجوبها، بل يكتفي بالظن في ذلك.
وأما المسلك الثاني للقاضي، وهو الذي بنى النسخ عليه، أن الحكم يثبت قطعان ثم يرتفع بالنسخ. فالكلام فيه طويل. وسيأتي مقررا في كتاب (النسخ). إن شاء الله تعالى.
وقوله: (فلا يتوجه القطع بتوجه التكليف، إلا مع القطع بالإمكان، أو مع اعتقاد التكليف من غير إمكان. وهذه قسمة بديهية لا يتصور مزيد عليها). ونحن قررنا أن الإمكان شرط في إيقاع الفعل، وليس شرطا في توجه التكليف، فإن التكليف يتحقق من غير أن يعلم المكلف تمكنه (٣٥/ب) من
стр. 548
الفعل في مستقبل الزمان. هذا تمام كلام الإمام، واعتراضه والرد عليه.
وللمسألة عندي طريق آخر، ليس هو شيئا من هذا، وذلك أنا نقول: إنما يتصور أن يعلم المأمور كونه مأمورا قبل التمكن من الامتثال، إذا تصور أن يؤمر قبل ذلك. فإن العلم يتبع المعلوم على ما هو به، فإذا تصور أن يؤمر قبل التمكن، أمكن أن يعلم ذلك، إذا نصب له عليه دليل، وإنما يكون مأمورا، إذا توجه الأمر عليه.
وهل يصح أن [يتوجه] الأمر عليه قبل أن يعلم تمكنه من الفعل المكلف [به]؟ وقد بينا أن ذلك يتصور، وبينا ثبوته في حقوق البشر وأوامرهم مع عبيدهم. ولو اتفق أن يكون مستحيلا، لما تصور شاهدا وغائبا. فإذا قال السيد لعبده: صم غدا، فقد أوجب وألزم في الحال صوم الغد، وإن كان الإيقاع مشروطا ببقاء العبد إلى الغد. فقد تنجز التكليف، وتحقق الخطاب، وإن لم يكن الفعل في الحال، ولا علم إمكانه في الغد، لاحتمال طريان موت أو عجز.
стр. 549
فلما ثبت ذلك في الشاهد، أطبقت المعتزلة على أن الأمر بالشرط أمر في الحال، لكن يشترط أن تكون عاقبة الشرط ملتبسة على الآمر (٦٥/أ) الطالب.
أما إذا كانت منكشفة له، لم يكن أمر بشرط في حقه، بل إن كان عالما بالثبوت، فأمر مؤقت، وإن كان عالما بالانتفاء، فلا أمر على حال. وإنما حملهم على ذلك أصلان:
أحدهما- أن الشرط هو الذي يمكن أن يكون، وأن لا يكون، أما ما يتحقق ثبوته أو نفيه، فلا يصلح للشرطية.
الثاني- أن الأمر مريدا للفعل الذي علق طلبه على الشرط. فإن من قال لعبده: صم إن صعدت السماء، لم يرد صومه بحال. فلما تقرر ذلك عند القوم، قالوا: لا يتصور الأمر بالشرط في حق الله ، لعلمه بعواقب الأمور، ولامتناع الإرادة في الفعل. وأما نحن،
فلا نقول باقتران الأمر بالإرادة. وقد تقدم الدليل على ذلك، فيصح أن يأمر، وإن لم يكن مريدا للمأمور به. هذا حرف المسألة بين الفريقين.
ونحن نقول: متى كان الشرط منكشفا [للمأمور]، فالأمر على ما قالوه، لامتناع مقصد التكليف، من تجريد الرغبات، وانتفاء الابتلاء والامتحان. هذا
стр. 550
عندنا ممتنع، باعتبار الواقع لا المعقول. فإذا اشتبهت عاقبة الأمر على المطلوب منه، صح أن يكلف، كما فعل في حق إبراهيم ﵇، وقد سماه الله تعالى مبينا.
والمعتزلة بنت ما قررناه من أصولها، وزادوا وجها آخر، فقالوا: (٣٦/أ) إذا كان الأمر بالشرط مشروطا بجهله، فليكن ذلك في حق الآمر، إذا هو الذي قام به الأمر، فالمؤثر فيه صفة، لا صفة غيره.
وقد قدمنا نحن من أصولنا ما [يحقق] وقوع التكليف بما لا يقدر المكلف عليه، وبينا ذلك بيانا شافيا، وحققنا أن العاصي غير قادر على الطاعة، ولا يخرجه ذلك عن كونه مأمورا منهيا. ولكن لما أمكن تحريك الرغبات في الاعتياد، والصوارف بالنهي، صح التكليف. ويكتفي في حق المكلف بأن لا يعلم عجزه عن الفعل. فأما أن يشترط علمه بالإمكان وقت العمل فلا. وهذا هو الثابت في الشرائع، فإن أحدا من المكلفين لا يعلم وقوع الفعل الذي يكلف به قبل وقوعه في جريان العادة، بل يتحقق التكيف علما، وإن أمكن الاخترام قبل ذلك. وإن جاء الاخترام أو العجز أو النسخ، لم يتبين أنه لم يكن مأمورا، بل نقول: أمر ثم انقطع التكليف عنه.
стр. 551
وعلى هذا قضى مالك ﵁ بأن المرأة لو أفطرت في أول النهار، ثم حاضت في آخره في رمضان، لوجبت عليها الكفارة، لأنها أفسدت الصوم المأمور به على الحقيقة. وليس طريان الحيض يبين سقوط التكيف بصوم اليوم من أوله، بل يقطعه بعد توجهه.
فإن قيل: فلو علمت المرأة بقول نبي صادق أنها تحيض في أثناء النهار، فهل تتمكن من الإفطار، من [جهة] أن صوم بعض اليوم غير مأمور به، وهي لا تستطيع صوم الجميع؟ قلنا: يجب عليها الصيام في الحال، فإن المرخص للإفطار لم يوجد بعد، والميسور لا يسقط بالمعسور. نعم. لو علمت أنها لا تتمكن من صوم اليوم بوجه، بالإخبار أنها تحيض قبل الفجر، لم يتأت منها اعتقاد الوجوب في هذه الصورة، لفوات مقصد التكليف [من الابتلاء] والعزم، والاهتمام بالعمل. هذا تقرير الكلام على المذهبين جميعا. والله المستعان وعليه أتوكل وإليه أنيب. (٦٥/ب)
قال الإمام [﵀]: (القول في النواهي: النهي من أقسام الكلام
стр. 552
القائم بالنفس، وهو في اقتضاء الانكفاف عن المنهي عنه) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: قوله: القول في النواهي . وإيراد الجميع على هذه الصيغة، هو بمثابة قوله: الأوامر. والكلام على المفرد والجمع، واشتراك الاسم على ما سبقن فلا نعيده. وقد رد النهي في هذا المكان إلى طلب الانكفاف، لا إلى نفي المنفي عنه، فإن الكف: فعل يدخل تحت المقدور، والنفي ليس بمقدور. على حسب ما سبق، فلا نعيده.
قال الإمام: (مسألة: ذهب المحققون إلى أن الصيغة المطلقة في النهي) (٣٦/ب) إلى قوله (وأبو هاشم لا يسلم ذلك ولا أمثاله، ولا هو ممن يروعه
стр. 553
[التهويل]). قال الشيخ: الكلام مع أبي هاشم في موضعين: أحدهما- في تصور الطاعة في الأرض المغصوبة وامتناع ذلك.
والثاني- وإذا لم نتصور الطاعة، فهل يبقى الأمر متوجها على المكلف، أم ينقطع عنه؟ أما البحث العقلي، فقد اتفق عليه القاضي وأبو هاشم. وأما الأمر الشرعي، وهو أن الأمر يبقى مستمرا أو ينقطع؟ فإن الظاهر ما قاله أبو
стр. 554
هاشم، من أن الفعل إذا خرج عن كونه طاعة، وبقي العمل قائما، وجب الامتثال، تلقيا من الخطاب. هذا ظاهر إلا أن يقوم دليل على سقوط الطلب. [والمسائل التي أوردت نقوضا عليه] لازمة بغير إشكال، ولا قدرة له على منع جميعها بحال.
стр. 555
وقول الإمام: (إنه لا يسلمها ولا شيئا منها، وليس هو ممن يروعه التهويل). تنويه من الإمام بقول خارق [الإجماع]، فإنه [إذا] ذهب إلى بطلان صلاة من توجه عليه قضاء دين، لم يختص ذلك ببطلان الصلاة، بل يتعدى إلى النكاح والبيع [وغيرهما]، [وكذلك لا يختص الأمر بقضاء الدين، بل التحلل من الحقوق التي يجب التنصل منها، كالغيبة وغيرها]، وجميع ما يتعلق بحقوق العباد. فيفضي ذلك إلى بطلان أعمال أكثر الخلق من صلاة وصوم وزكاة وحج وبيع وشراء وإعتاق، إلى غير ذلك من التصرفات التي
стр. 556
هي ضروريات الخلق. وهذا معلوم بطلانه من أدلة الشريعة علما ضروريا.
وأما ما تمسك به من البحث العقلي في اتحاد الفعل فالرد عليه هو والقاضي يأتي في آخر المسألة، إن شاء الله تعالى.
قال الإمام: (ومما ألزمه القاضي من هذا الفن أنه قال: المصلي في حال غفلاته، ليس قائما بحقيقة العبادة) إلى قوله (فهذا م كلام المعترضين).
قال الشيخ: إلزام القاضي صحيح، وعذر الإمام ضعيف، والانفصال [عما] ذكره غير متجه.
وبيان تقرير الالتزام أن أبا هاشم اعتمد على بقاء الأمر متوجها على من لم يمتثل، ورأى أن المصلي في الدار المغصوبة غير ممتثل- على زعمه- فيبقى الأمر متوجها.
стр. 557
قال القاضي: إنما يكو الفعل امتثالا، إذا كان الطلب متوجها، وإذا سقط تعلق الطلب بالفعل، كيف يتصور أن يكون امتثالا، وهو غير مطلوب، والغفلة حالة استمرار التكليف؟ فإذا صح أن يكون هذا الفعل مسقطا للخطاب، وإن لم يكن طاعة، لم يبعد أيضا في مسألة المصلي في الدار المغصوبة أن يسقط التكليف، وإن لم يكن مطيعا.
والفرق بأن المصلي في الدار المغصوبة (٦٦/أ) عاص بفعله، والغافل غير مكلف في حال غفلته، لا يقدح فيما قرراه. فإن أبا هاشم إنما اعتمد في بقاء التكليف مستمرا على كون الفاعل غير مطيع (٣٧/أ)، فإنه قال: إن المعصية لا يتصور أن تكو طاعة، وكذلك الفعل في [حال] الغفلة لا يتصور أن يكون طاعة، إذ لا تكليف. هذا هو التحقيق.
стр. 558
وقول الإمام: (وإنما غائلة [كلام] أبي هاشم، أن المعصية لا يصلح أن تكون مأمورا بها على جهة العبادة، ولا على جهة أخرى). ومثله يطرد في الفعل في حال الغفلة من غير إشكال.
قال الإمام [﵀]: (وأما القاضي فقد سلك مسلكا آخر،
стр. 559
[وسلم] أن الصلاة في الدار المغصوبة) إلى قوله (ممن يدعي وفاق الماضي على إسقاط الأمر بسبب معصية). قال الشيخ: أما كون القاضي سلم أن الصلاة الواقعة في الأرض المغصوبة ليست طاعة. فسيأتي وجه الرد عليه. [وأما تمسكه] بالإجماع على سقوط القضاء، فلم يقل في ذلك إجماع مصرح به.
وقول الإمام: (هذا حائد عن التحصيل). وقوله: (فإن الأعذار التي تسقط التكليف محصورة، والمصير إلى سقوط التكليف بسبب معصية مع التمكن، لا أصل له في الشريعة). كلام كله ضعيف، ومن ساعده على انحصار الأعذار فيما تخيله؟
стр. 560
وقوله: (السقوط في هذه الصورة لا أصل له). إن أراد أنه لا أصل له يشبهه بقياس عليه، [فقد] سلم ذلك. وإن أراد أنه لا دليل عليه، فالقاضي قد ادعى الإجماع في ذلك، فلا يبقى إلا المطالبة بتحقيق نقل الإجماع. وهذا لعمري نقله [صعب]، وطريقه مشكل، ولا يصح إجماع على التواتر، وإن قدرنا نقل الآحاد، صارت المسألة ظنية، وخرجت عن نظر الأصول.
وقد ذهب أبو حامد إلى أنها قطعية واحتج بأن: من أبطل أخذه من دليل العقل، وهو مقطوع به. ومن [صحح]، أخذه من الإجماع، وهو أيضا مقطوع به. فكأنه يقول: انعقد الإجماع على أنها قطعية، وإنما يبقى النظر في [تعيين] [مأخذه] لا طريقه.
والإجماع لم ينقله القاضي صريحا، وإنما تلقاه بمسلك استنباطي على
стр. 561
زعمه. فقال: (لم يأمر أئمة السلف الغصاب بإعادة الصلوات التي أقاموها في الأراضي المغصوبة). ورد عليه الإمام بقوله: (قد كان في السلف متعمقون في [الفتوى] يأمرون بالقضاء بدون ما فرضه القاضي). وهذا الرد ضعيف، [وكأنه] راجع إلى نقل الإجماع بطريق القياس، إذ معنى الكلام: إذا كانوا يأمرون بالقضاء بدونه، فكيف لا يأمرون بالقضاء بهذا؟ وهذا لا يتصور أن يرد به على من نقل الإجماع. نعم، يطالب بتقرير صحة النقل. فأما وجه الإمام، فلا يتوجه.
والطريق الذي أسند إليه القاضي الإجماع، لا يصلح عندي للثبوت، فإنه قال: لم يأمر أئمة السلف الغصاب بإعادة الصلوات، وهذا يحتمل [أمورا] كثيرة، إما أن يكونوا أمروا ولم يتفق نقله تواترا، فإن هذا ليس من الأمور العظيمة التي تتوفر (٣٧/ب) الدواعي على نقلها على مرور [الآماد] وتمادي الزمان، فمن أي يحصل العلم بأنهم لم يأمروا بجملتهم حتى يكون
стр. 562
ذلك إجماعا على سقوط القضاء؟
وقد يمكن أن يكون بعضهم يرى القضاء، ولا يرى المسألة قطعية، ولم يستفت فيها، واكتفى بجواب غيره، أو ما أراد أن يرد على المجتهد في محل الاجتهاد، أو لعل جميع العلماء ما اطلعوا على المصلي في الأرض المغصوبة من الأمراء بعد التوبة. وهذه احتمالات كثيرة تمنع من العلم بإضرابهم (٦٦/ب) عن الأمر بالقضاء.
وههنا مسألة عظيمة ستأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الإجماع، وهي أن الأمة، هل [عصمت] عن [المعصية] على الإطلاق، أو عصمت عن الخطأ في الأحكام؟ فإذا قلنا: إنها لم تعصم إلا عن الخطأ في الأحكام، وهو اختيار القاضي أبي بكر، فغاية ما فيه لو ثبت النقل عن جميعهم أنهم لم يأمروا بالقضاء، فهل قضوا مع ذلك ببراءة الذمة وسقوط المطالبة، واقتصروا على الإضراب، فيكون ذلك من باب تعاطي الفعل، لا من أبواب الفتوى؟ وإن صرنا- وهو الصحيح- إلى العصمة على الإطلاق، فتبقى الاحتمالات السابقة، فيفوت العلم بسببها.
стр. 563
وقوله: (ثم إن صح عندهم ما ذكره) إلى آخره. كلام ضعيف، مبني على تحريف، فإذا كان الإمام لم يثبت عنده الإجماع على عدم الأمر بالقضاء، كيف يتفق أن يرتب على ذلك نقل الإجماع على أن الموقع صلاة مجزئة؟ فهذا محل غفلة، إلا أن يصدق القاضي في نقل الإجماع، ثم يزعم أنهم أفتوا بكونها صحيحة، فيكون هذا ضدا لما نقله من الخلاف أولا. فإنه قال: (وتقدير الإجماع مع ظهور خلاف السلف عسر).
وقوله: (فلا ينبغي أن يجريه في عين [ما نقله]). القاضي لم ينقل أن الموقع صلاة حتى يكون قد [أجرى] المنقول، ولكنه أخذ من الإجماع سقوط القضاء، وتلقي من العقل استحالة كون الموقع طاعة، هذا طريقه
стр. 564
قال الإمام: (فإذا لاح بطلان هذه الوجوه، فقد حان أن نذكر طريق التحقيق، ونبوح بالسر والغرض) إلى قوله (وهذا في [نهاية] الوضوح). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذا المكان كلام حسن، وهو رأي الفقهاء. وحاصله راجع إلى تعدد الجهات، وإقامتها مقام متعدد الذوات، وينظر في ذلك إلى غرض الطالب فقد يطلب الشيء من جهة، وينهي عنه من جهة، ولكن يشترط في ذلك أمران: أحدهما- بيان تعدد الجهات. والثاني- صحة الانفصال.
أما إذا تعددت الجهات، ولم يمكن الفصل، استحال تعلق الأمر بجهة والنهي بأخرى، وكذلك يقال في الفعلين المتلازمين. وقد بينا ذلك في مسألة
стр. 565
غسل الوجه، وأنه لو منع أخذ أطراف في الرأس، كان (٣٨/أ) ذلك يجر إلى تكليف ما لا يطاق.
فعلينا الآن أن نبين تعدد الجهات، وإمكان الانفصال، فنقول: الناهي عن الغصب إنما نهى عنه باعتبار معقول، وهو وضع اليد العادية على ملك الغير، وقد يكون الإنسان عاصيا، وإن لم يكن في المكان بالكلية، فضلا عن أن يكون مصليا، فإذا لم ينه عن الغضب باعتبار حركة أو سكون، فهذه جهة معقولة، غير متوقفة على تخيير في البقعة المغصوبة أو غير ذلك.
وقد يأمر بالصلاة من لا يخطر بباله تخير مكان مخصوص لها، وإن كانت الصلاة لا تقع إلا في مكان. لكن هذا من ضرورة الوجود، لا من مقصود الطلب، فليس من ضرورة مصادفتها للبقعة المغصوبة أو مباينتها لها، ولا تتوقف عقليه [إحداهما] على تصور الأخرى.
وإن كان كذلك، فقد قررنا فيما قدمنا أنه يجب فهم الخطاب قبل الشروع
следующие страницы →