Полный текст (2 928 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
زعمه. فقال: (لم يأمر أئمة السلف الغصاب بإعادة الصلوات التي أقاموها في الأراضي المغصوبة). ورد عليه الإمام بقوله: (قد كان في السلف متعمقون في [الفتوى] يأمرون بالقضاء بدون ما فرضه القاضي). وهذا الرد ضعيف، [وكأنه] راجع إلى نقل الإجماع بطريق القياس، إذ معنى الكلام: إذا كانوا يأمرون بالقضاء بدونه، فكيف لا يأمرون بالقضاء بهذا؟ وهذا لا يتصور أن يرد به على من نقل الإجماع. نعم، يطالب بتقرير صحة النقل. فأما وجه الإمام، فلا يتوجه.
والطريق الذي أسند إليه القاضي الإجماع، لا يصلح عندي للثبوت، فإنه قال: لم يأمر أئمة السلف الغصاب بإعادة الصلوات، وهذا يحتمل [أمورا] كثيرة، إما أن يكونوا أمروا ولم يتفق نقله تواترا، فإن هذا ليس من الأمور العظيمة التي تتوفر (٣٧/ب) الدواعي على نقلها على مرور [الآماد] وتمادي الزمان، فمن أي يحصل العلم بأنهم لم يأمروا بجملتهم حتى يكون
стр. 562
ذلك إجماعا على سقوط القضاء؟
وقد يمكن أن يكون بعضهم يرى القضاء، ولا يرى المسألة قطعية، ولم يستفت فيها، واكتفى بجواب غيره، أو ما أراد أن يرد على المجتهد في محل الاجتهاد، أو لعل جميع العلماء ما اطلعوا على المصلي في الأرض المغصوبة من الأمراء بعد التوبة. وهذه احتمالات كثيرة تمنع من العلم بإضرابهم (٦٦/ب) عن الأمر بالقضاء.
وههنا مسألة عظيمة ستأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الإجماع، وهي أن الأمة، هل [عصمت] عن [المعصية] على الإطلاق، أو عصمت عن الخطأ في الأحكام؟ فإذا قلنا: إنها لم تعصم إلا عن الخطأ في الأحكام، وهو اختيار القاضي أبي بكر، فغاية ما فيه لو ثبت النقل عن جميعهم أنهم لم يأمروا بالقضاء، فهل قضوا مع ذلك ببراءة الذمة وسقوط المطالبة، واقتصروا على الإضراب، فيكون ذلك من باب تعاطي الفعل، لا من أبواب الفتوى؟ وإن صرنا- وهو الصحيح- إلى العصمة على الإطلاق، فتبقى الاحتمالات السابقة، فيفوت العلم بسببها.
стр. 563
وقوله: (ثم إن صح عندهم ما ذكره) إلى آخره. كلام ضعيف، مبني على تحريف، فإذا كان الإمام لم يثبت عنده الإجماع على عدم الأمر بالقضاء، كيف يتفق أن يرتب على ذلك نقل الإجماع على أن الموقع صلاة مجزئة؟ فهذا محل غفلة، إلا أن يصدق القاضي في نقل الإجماع، ثم يزعم أنهم أفتوا بكونها صحيحة، فيكون هذا ضدا لما نقله من الخلاف أولا. فإنه قال: (وتقدير الإجماع مع ظهور خلاف السلف عسر).
وقوله: (فلا ينبغي أن يجريه في عين [ما نقله]). القاضي لم ينقل أن الموقع صلاة حتى يكون قد [أجرى] المنقول، ولكنه أخذ من الإجماع سقوط القضاء، وتلقي من العقل استحالة كون الموقع طاعة، هذا طريقه
стр. 564
قال الإمام: (فإذا لاح بطلان هذه الوجوه، فقد حان أن نذكر طريق التحقيق، ونبوح بالسر والغرض) إلى قوله (وهذا في [نهاية] الوضوح). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذا المكان كلام حسن، وهو رأي الفقهاء. وحاصله راجع إلى تعدد الجهات، وإقامتها مقام متعدد الذوات، وينظر في ذلك إلى غرض الطالب فقد يطلب الشيء من جهة، وينهي عنه من جهة، ولكن يشترط في ذلك أمران: أحدهما- بيان تعدد الجهات. والثاني- صحة الانفصال.
أما إذا تعددت الجهات، ولم يمكن الفصل، استحال تعلق الأمر بجهة والنهي بأخرى، وكذلك يقال في الفعلين المتلازمين. وقد بينا ذلك في مسألة
стр. 565
غسل الوجه، وأنه لو منع أخذ أطراف في الرأس، كان (٣٨/أ) ذلك يجر إلى تكليف ما لا يطاق.
فعلينا الآن أن نبين تعدد الجهات، وإمكان الانفصال، فنقول: الناهي عن الغصب إنما نهى عنه باعتبار معقول، وهو وضع اليد العادية على ملك الغير، وقد يكون الإنسان عاصيا، وإن لم يكن في المكان بالكلية، فضلا عن أن يكون مصليا، فإذا لم ينه عن الغضب باعتبار حركة أو سكون، فهذه جهة معقولة، غير متوقفة على تخيير في البقعة المغصوبة أو غير ذلك.
وقد يأمر بالصلاة من لا يخطر بباله تخير مكان مخصوص لها، وإن كانت الصلاة لا تقع إلا في مكان. لكن هذا من ضرورة الوجود، لا من مقصود الطلب، فليس من ضرورة مصادفتها للبقعة المغصوبة أو مباينتها لها، ولا تتوقف عقليه [إحداهما] على تصور الأخرى.
وإن كان كذلك، فقد قررنا فيما قدمنا أنه يجب فهم الخطاب قبل الشروع
стр. 566
في العمل. فإذا فهم الخطاب على حقيقته، نسب الحاصل إلى ما فهم. فإذا وجد موافقا له، قضي بكونه امتثالا. فليفهم أولا معنى قوله (صل)، فإذا أحيط به فهما، نسبت الصلاة الواقعة في (٦٧/أ) الأرض المغصوبة إلى الطلب السابق، [ووجب] القضاء بالامتثال. وليفهم [أولا] النهي عن الغصب،
стр. 567
ثم ينسب الفعل الواقع في الأرض المغصوبة إليه، فتصح النسبة، فيقضى عليه من هذه الجهة بكونه معصية، لا باعتبار خصوصية الصلاة.
والمثال المذكور فيه مزيد بيان، وتمام إيضاح، وهو: إذا أمره بالخياطة ونهاه عن دخول الدار مطلقا، فهو يفهم طلب الخياطة أولا، ويفهم النهي عن دخول الدار أيضا، فإذا خاط في تلك الدار، فقد أتى بالمطلوب، لأن معقول الخياطة قد حصل، والمخالفة بالدخول قد تحققت، ولا شك أن طلب الخياطة لا تعلق [له] بمكان مخصوص، بل تعلقه بالخياطة في تلك الدار، كتعلقه بها في غيرها. وهذا واضح.
ومعنى قول الإمام: (وليس للفعل من نسبة الخطاب إليه صفة، حتى يقال يتصف بكونه حسنا، باعتبار تعلق الأمر به، وينصف بكونه قبيحا، باعتبار تعلق النهي به). والأمر على ما قال الإمام من: (أن الفعل لا [يكتسب] من
стр. 568
تعلق الحكم به صفة). ولو صرنا إلى صبوت الصفات، لم يتناقض، إذا صح تعدد الجهات، وتنزيلها منزلة تعدد الذوات. وسيأتي هذا في مسألة السجود بين يدي الصنم.
وقوله: (وما ذكرناه وما لم نذكره [تضبطه] الآن [أقسام] ثلاثة: [الأول]: وهو أنه لا يتصور أن يجتمع الأمر والنهي على فعل واحد من وجه
стр. 569
واحد، بل هما يتعاقبان [ويتضادان]. [والثاني]: وهو أن يرد أمر بفعل، ثم يرد [نهي] عن إيقاع ذلك المأمور به على وجه، فهذا يتضمن إلحاق شرط (٣٨/ب) بالأمر الأول [ويكون] الإتيان به مع تفويت شرطه منهيا، كما لو باشر النهي عنه). هذا القسم مما اختلف الناس فيه. فذهب الشافعي ومالك إلى ما قاله الإمام من بطلان العمل عند [فوات] الوصف المطلوب. وخالف في ذلك أبو حنيفة، وزعم أن ذلك يتضمن فساد الوصف [لا انتفاء] الأصل. واقتصر الإمام على ذكر الحكم ولم يذكر الخلاف ولا الدليل.
стр. 570
وهذه المسألة غامضة جدا، ولنصورها أولا، فنقول: إذا قال الله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾. ثم نهى عن الطواف مع الحدث، أو أمر بالبيع ونهى عن إيقاعه مشتملا على زيادة في العوض في الربويات، وأمر بالصيام ونهى عن إيقاعه يوم النحر، وشرع الطلاق ونهى عن إيقاعه في حالة الحيض، فيقال: الصوم من حيث أنه صوم مشروع، ومن حيث وقوعه يوم النحر غير مشروع، وكذلك الطواف مشروع بقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾. ولكن من جهة وقوعه مع الحدث غير مشروع، إلى بقية الأقسام. فالفساد عندنا يرجع إلى الأصل. وأبو حنيفة جعل هذا درجة بين الممنوع بأصله ووصفهن وبين المشروع بهما جميعا، ولهذا قضى بصحة صوم يوم النحر، ووقوعه طاعة، وإن [كان] المكلف عاصيا، وحيث أبطل صلاة المحدث
стр. 571
دون طوافه. وزعم أن الدليل قد دل على الشرطية، لا من جهة النهي عن الوصف، فقال: قال ﷺ : (لا صلاة إلا بطهور). والشافعي ومالك حين نفذ الطلاق في الحيض، بينا انصراف النهي عن الطلاق ووصفه، الذي [هو] أمر يجاوره، وهو تطويل العدة، أو لحوق الندم عند الشك في الولد.
وفي المسألة نظران يتعلق أحدهما بالأمر المعقول، وهو أنه هل (٦٧/ب) يتصور النهي عن الوصف مع بقاء الأصل مطلوبا، أو كل نهي رجع غلى الوصف [رجع] إلى الأصل؟ فإن كان كذلك، استحال أن يقضى بالطاعة والمعصية جميعا مع اتحاد الجهة، إذ من المحال أن يقول: أمرتك بالخياطة وأنهاك عنها. ويصح أن يقال: اجمع بين المطلوب والمكروه، إذ دخول الدار أمر زائد على الخياطة. كما سبق تقريره. وإذا قال: آمرك بالخياطة وأنهاك عن
стр. 572
إيقاعها وقت الزوال، فهل يقال: جمع بين المكروه والمطلوب، أو ما أتى بالمطلوب؟ فالصحيح عندنا أنه ما أتى بالمطلوب. والدليل عليه أن إيقاع الخياطة هو عين الخياطة، وليس إيقاع الخياطة زائدا عليها. ولو قال: آمرك بالخياطة وأنهاك عنها وقت الزوال، تضمن ذلك تخصيص الطلب الأول ببعض الأوقات، إذ لو كانت مطلوبة في كل وقت، لأفضى أن تكون الخياطة مطلوبة وقت الزوال، ومنهيا عنها في ذلك (٣٩/أ) الوقت، وذلك محال.
ومن زعم أن الخياطة مطلوبة، فلا بد أن يبين للنهي مصرفا آخر، يمكن انفصاله عن الخياطة، وذلك غير ممكن. وكذلك إذا قال: ﴿وأحل الله البيع﴾ مطلقا، ثم نهى عن البيع المشتمل على الزيادة في الربويات، اقتضى ذلك تخصيصا وتقييدا في الخطاب الأول، فيكون البيع المشتمل على الزيادة ليس بمشروع على حال. فإن الشيء لا يصح أن يكون مشروعا ممنوعا، فيفتقر- على
стр. 573
رأيهم- إلى أن يبين أن بيع الربا مندرج تحت آية الحل، ومندرج تحت آية التحريم، وذلك متناقض لا شك فيه.
وأما النظر الثاني: وهو أن مطلق النهي، هل ينصرف إلى العين، أو إلى الوصف، أو إلى المجاور؟ وسنتكلم عليه بعد هذا، إن شاء الله تعالى.
قال الإمام [﵀]: (فإذا [تبين] ما ذكرناه، انعطفنا بعده على القول في الصلاة في الدار المغصوبة. وقلنا: لم يثبت النهي عن الكون في الدار المغصوبة) إلى قوله (لم تصح، كما لا تصح صلاة المحدث، لما صح النهي عن الصلاة مع الحدث). قال الشيخ: قوله: لم يثبت النهي عن الكون في الدار المغصوبة، باعتبار مقصد الصلاة. فقد تقدم الكلام عليه.
стр. 574
وقوله: (وإن [ورد] نهي مقصود عن الصلاة في [البقعة] المغصوبة، فلا تصح). قصد [بهذا]، [أنه] قد يرد النهي عن الصلاة في مكان، ولكن يقوم الدليل على أن النهي لم يكن لأجل نفس الصلاة، بل لأمر يجاورها، فلا يمنع ذلك صحتها. وهذا بمثابة النهي عن الصلاة في المواضع السبعة. وكذلك النهي عن البيع وقت النداء يوم الجمعة. فالحكم في صحة الصلاة في بعض الصور [يكون] عندما يقوم الدليل على الصرف عن الأصل [إلى الوصف]. ولكن [ما] يقتضي مطلق النهي، هل يتناول الذات حتى
стр. 575
يقوم الدليل على الانصراف إلى جهة أخرى، ويكون منصرفا حتى يفتقر إلى دليل المباشرة؟ فالذي ذهب إليه الجماهير أن الطاهرة مباشرة النهي لعين المنهي عنه، حتى يقوم دليل على خلاف ذلك.
وإنما أخذ هذا من قضائهما بأن النهي تضمن صحة المنهي عنه، وأنه استدل بالنهي عن صوم يوم النحر على صحة صومه، وأنه لو استحال انعقاده، لما نهي عنه، إذ المحال لا ينهى عنه، فإنه مندفع بنفسه، إذ لا يقال للأعمى: لا تبصر، كما لا يقال له: أبصر. وقالوا: إن النهي عن الزنا يدل على انعقاده. وهذا فاسد، بل النهي لا يدل إلا على طلب الترك. فأما أن يدل على كون الشيء مثمرا إن وقع، فهذا (٦٨/أ) محال.
وحجتهم في هذا من حيث الجملة، بعد التقرير الأول، هو امتناع النهي عن المحال، وطلب الإمكان في الأمر والنهي جميعا. وهذا مسلم. قالوا:
стр. 576
والشرع قد تصرف في (٣٩/ ب) الأسماء، فيكون اسم البيع للبيع الشرعي. وهذا كم قررناه أولا، لأنه يجب فهم مدلول الأسماء، ثم ينسب إليها الأمر والنهي، ولا تتغير النسبة بالنظر إلى تعلق الأمر والنهي.
قالوا: وإذا كان كذلك، صار معنى الكلام: نهيتكم عن البيع الشرعي، والبيع الشرعي هو المستجمع لشرائط الصحة. وإذا كان كذلك، تعذر فساده والنهي عنه، ولزم من ذلك أن يكون الكلام مؤولا ولا منصرفا إلى جهة غير جهة البيع. وهذا باطل قطعا، فإنه صرف اللفظ عن مدلوله، ورده إلى جهة غير مذكورة، مع ادعاء أن هذا ظاهر اللفظ، وهذا محال. فيجب تنزيل اللفظ على ظاهره إلا أن يدل دليل على خلافه. هذا هو طريق التحقيق في مقتضى العقل واللغة والشرع. والله المستعان.
قال الإمام: (فهذا تمام المقصود في المقدمة الموعودة، [والآن يرجع بنا الكلام] إلى القول في أن النهي عن الشيء يدل على الفساد) إلى قوله
стр. 577
([وهذا] بلاغ كامل). قال الشيخ: ينبغي أن يفهم معنى الفساد والصحة أولا، ثم ينظر في النهي، هل يتضمن الفساد أم لا؟ فيعبر عن الصحيح: بما أثمر الثمرة المقصودة منه، ويعبر بالفساد: عما تخلفت عنه ثمرته. والفاسد مرادف للباطل عندنا. وعند أبي حنيفة الفاسد: عبارة عن الممنوع بوصفه، المشروع بأصله، كصوم يوم النحر، والباطل: عبارة عما لم يشرع أصله. ورتب على ذلك أن البيع الفاسد ينقل الملك نقلا خبيثا مستحقا للنقض،
стр. 578
بخلاف بيع الخمر، فإنه لا يفيد [شيئا [أصلا، وكذلك بيع الخمر، بخلاف الربا، فإنه قال: يصح إذا سقطت الزيادة. وكذلك البيع بشرط خيار طويل يزيد عنده ثلاثة أيام. قال: إذا سقط اليوم الرابع قبل حلوله، صح البيع.
فإذا تبين ذلك، فقد اختلف الناس في النهي، هل يدل على الفساد وتخلف الثمرات أم لا؟ فقال قائلون: إنه يدل. وقال آخرون: لا يدل. وفرق آخرون بين ما نهي عنه لعينه أو لوصفه.
стр. 579
والصحيح عندنا التفصيل. وهو أن ينظر إلى ثمرة السبب ومقصوده، هل ثمرته الثواب؟ [أو] [المدح] شرعا؟ أو براءة الذمة وسقوط القضاء؟ أو ثمرته ترجع إلى حصول أملاك، واستباحة فروج، وما يرجع إلى فوائد العقود؟ فإن كانت الثمرة من الجنس الأول، فالنهي يقتضي تخلفها، فينبغي أن يقتضي فسادا، إذ لا يصلح أن يكون الفعل حراما طاعة، [أو] منهيا عنه امتثالا، أو مذموما على فعله ممدوحا، أو معاقبا عليه مثابا، هذا متناقض لا إشكال فيه، فيكون النهي في هذا الصنف يدل على الفساد إلا أن يتبين انصراف النهي عن ذات العمل ووصفه إلى أمر يجاوره ويلازمه، فلا يقتضي ذلك فسادا، لكون العمل على الحقيقة غير منهي عنه.
وأما ما يتعلق بالعقود (٤٠/ أ)، فهذا محل غامض. وقد صار كثير من المتكلمين والفقهاء إلى أنه لا يدل على الفساد، وقالوا: تخلف الثمرات عند كون الفعل منهيا عنه، إما أن يكون لتناقض من جهة العقل، [أو من جهة اللغة،
стр. 580
أو من جهة تقدير (٦٨/ب) الشريعة. لا يصح أن يقال تناقض من جهة العقل] أن يكون البيع إذا وقع منهيا عنه [مفيدا] للملك، فإنه يجوز من جهة العقل أن نقول: هذا البيع محرم لعينه، ولكن إذا وقع أفاد الملك للفريقين.
وكذلك نقول: ينهى الأب أن يطأ جارية الابن، لكنه إن وطئ واستولد [تم] الملك، والتحق الولد. فليس في ذلك مناقضة عقلية. وكذلك لا يتناقض من جهة اللغة، فإنه يصح للعربي أن يقول مثل ذلك. على أن الأحكام الشرعية لا تترتب على اللسان ولابد، وإنما هذه أمور ترجع إلى وضع الشرع، فله وضعها كيف يشاء. فإن كان يقضي فسادا، فلابد [و] أن يسند هذا إلى الشرع، وإذا ورد الشرع به، تلقى بالقبول. وذلك إما أن يكون نقلا صريحا أو استنباطا. أما الإجماع فمفقود، والنقل الصريح: إما تواترا أو آحادا، ولم يثبت شيء من ذلك. فلزم منع الإطلاق بأن النهي يدل على الفساد في هذه الأسباب. وهذا كلام قوي، والإمام لم يدل على ذلك، ولم يتعرض لما قررناه. وإنما قال: (نحن إنما نعني بالفساد: الحيد عن سنن
стр. 581
الامتثال). وهذا كلام ضعيف، لأن هذا لا يطرد في العقود المشروعة على جهة الإذن دون الطلب، كالبيع والإجارة وغيرهما.
وإذا كان هو إنما يريد بالفساد تحقيق المخالفة، وخروج الفعل عن كونه امتثالا، لم ينازع فيه، ولكن لا يحصل منه غرضه في كل الأبواب. فإن هذا إنما يجري في العبادات دون المعاملات. [وهو] [سيتكلم] بعد على أن البيع الفاسد لا ينقل الملك، ويحيل الدليل [على] هذا المكان. وهذا لا ينتفع به على حال.
وإذ تحقق ما قلناه، فالصحيح من مذهب مالك أن النهي يدل على الفساد. وتقريره هو أن هذه العقود ورد الشرع بها تحصيلا لمصالح الخلق منها، لما علم في ذلك من لطف واستصلاح. فإذا ورد النهي عنها، فقد منع من الإقدام عليها، فقد علم أن لا مصلحة له فيها، أو مفسدتها [تربو] على مصلحتها. فلو أفادت المقصود عند الإقدام عليها، كان ذلك محركا للنفوس لتعاطيها، ومفسدتها الراجحة تمنع من الإقدام عليها، فيتناقض من قبل الشارع
стр. 582
الصارف والباعث، وحكم الشرع على خلاف ذلك. قال المغيرة من أصحاب مالك في النكاح الفاسد: إنه لا يحل المبتوتة، قال: ولا يكون ما حرم الله تعالى طريقا إلى ما أحل. يشير إلى ما قررناه.
ويظهر من كلام الشافعي أنه سلك بالعقود مسلك العبادات. ولهذا إنما تفيد إذا جرت على وفق الشرع، نظرا إلى ما تمهد فيها من الشروط، وقيدت به من القيود، ومنع الخلق من كثير مما يرضون به، فلما تمهدت هذا التمهيد، أشبهت العبادات، فيكون انتقال الأملاك متوقفا على جريان عقود مشروعة. ولهذا منع من انعقاد النكاح بلفظ (٤٠/أ) الهبة، إلى غير ذلك من مسائله. ولقد بنى على هذا أنه عد أبواب الخيار والأجل من الرخص.
فإذا تحقق ذلك، فكلام الإمام خارج عن كلام الفريقين، لأنه عمم القول بأن النهي يدل على الفساد، وخصص الدليل يكون المنهي عنه لا يكون امتثالا. وهذا إنما يجري في العبادات دون المعاملات.
стр. 583
قال الإمام: (مسألة: مما يتعلق بالمناهي (٦٩/أ) الرد على الكعبي في مصيره إلى أنه لا مباح في الشريعة) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: ما ذهب إليه من ر مباح في الشريعة، له مأخذان:
أحدهما- وهو الصحيح عنده- أن المباح به، ولكنه دون الندب، كما أن المندوب مأمور به، ولكنه دون الواجب. وهذا بناه على أن المباح حسن، ويصح أن يطلبه الطالب [لحسنه]. هذا هو الطريق الذي اعتمده الكعبي في الفتوى. وهذا الذي قاله غير معقول، فإن هذا المطلوب: إما أن يترجح فعله على تركه، أو لا يترجح، فإن لم يترجح، فهو المباح بعينه، وإن ترجح، فلا يخلو: أن يلحق الذم بتركه على وجه ما أو لا يلحق، فإن لحق الذم
стр. 584
بتركه على وجه ما، فهو الواجب، وإلا فهو المندوب. ومن تخيل مرتبة في الطلب بعد هاتين، فلا عقل له بوجه.
وأما الطريق الثاني- وهو أن المباح يقع تركا لمحظور، فيقع من هذه الجهة واجبا. فهذا يمنع من أن يكون التخيير ثابتا في الشرع على حال، وهو فاسد لأدلة:
أحدها- أنه يفضي إلى تناقض، فإنه قد يترك بالفعل واجبا وحراما، قليكن حراما واجبا، ويمنع أيضا من إثبات المندوب والمكروه، فترجع الأحكام إلى قسمين، ثم يتأتى التناقض في القسمين، فإذا تعاطى محرما، فقد ينكف به عن حرام آخر، فليكن واجبا من جهة انكفافه به عن محرم، وليكن حراما. وكذلك يقال في الواجب، فإنه قد يترك بفعله واجبا.
стр. 585
وأيضا فإن هذا مخالف لإجماع الأمة، فإن المباحات مقصودة منتحاة [بقصد] الإباحة، وليست مقصودة بإيجاب. وما قررناه في مسألة الصلاة في دار المغصوبة من الالتفاف إلى المقاصد يبين هذا كله. فلا ينبغي أن تقع الالغفلة عن مقصد الطالبين في مطالبتهم.
стр. 586
قال الإمام: (مسألة: المكروه لا يدخل تحت الأمر المطلق عند المحققين) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: الأمر على ما ذكره الإمام من حيث أن المكروه مطلوب تركه، فكيف يندرج تحت الأمر الذي هو طلب الفعل؟ والجمع بين طلب الفعل وطلب الترك في فعل واحد من وجه واحد متناقض.
فإذا تحقق ذلك، وجب أن يكون المأمور بفعل إذا فعله على وجه، كره الشرع إيقاعه عليه ألا يكون ذلك الفعل امتثالا، ولا يكون الفاعل ممتثلا. هذا
стр. 587
لا إشكال فيه. وينعطف من كراهية (٤١/ أ) الإيقاع على هذا الوجه قيد على الأمر المطلق. وهذا بمثابة ما مثله في القسم الثاني في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة. وكما قررناه فيما إذا أمر بالطواف ونهى عن إيقاعه مع الحدث. وإذا تقرر أن الوضوء المنكس مكروه عند الشرع، فلا يصح أن يكون مأمورا به بحال، ويكون قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾. الآية، يتضمن وضوءا ليس هو المنكس، فلا يبقى للآية محمل إلى الوضوء المرتب.
стр. 588
وقول الإمام: (إنه لا يمتنع الإجزاء مع الحكم بالكراهة، ومن تتبع قواعد الشريعة ألفي من ذلك أمثلة تفوق الحصر). وليس الأمر على ما قاله بوجه. بل يستحيل أن يكون المكروه طاعة على حال. فكيف يصح اجتماع الحكمين وهما متضادان؟ نعم، إن تعددت الوجوه، أمكن ذلك. كما قررناه
стр. 589
في الوجوب والتحريم في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة.
والسر في ذلك (٦٩/ ب) أن الأحكام الخمسة متضادة، لا يصح اجتماعها، ولا اجتماع اثنين منها بحال. نعم، إن تعددت الجهات، وأمكن الفصل، صح التعدد. ومسألة الوضوء المنكس لم يكن [مكروها] من جهة كونه تنكيسا، وإنما كانت الكراهة بالنظر إلى مخالفة السلف الصالح، لا من جهة خصوصية التنكيس. فليفرض الأمر الأول عاما شاملا للمنكس والمرتب، من غير تعرض [لصفة] مخصوصة. كما قلنا في الصلاة في الأرض المغصوبة. فإنه لم يتعرض لمكان مخصوص [لما كان] الأمر
стр. 590
مرسلا في تناول الصلاة، وقعت في تلك البقعة أو غيرها، ثم نهى عن غصب، لا باعتبار صلاة ولا غيرها. كذلك أمر بالوضوء، ونهى عن مخالفة السلف الصالح، أو نهى عن (وقوع العمل على وجه يخالف في صحته جماعة من حملة الشريعة، من غير عسر ولا عذر في ارتياد الموافقة). وهذا كلام واضح.
قال الإمام: (مسألة: من توسط أرضا مغصوبة على علم، فهو معتد، مأمور بالخروج) إلى قوله ([وكذلك] الذاهب إلى صوب الخروج ممتثل في وجه، عاص [ببقائه] من وجه). قال الشيخ: ما ذكره الإمام صحيح،
стр. 591
وإذا تحقق الامتثال من كل وجه، استحالت المعصية. ولله حكم على هذا المتوسط، فإذا أمره بالخروج، وحرم عليه المكث، ولم يتوجب واجب آخر، وفعل ما طلب منه من كل وجه، فكيف يتصور أن يكون عاصيا؟ وذهاب أبي هاشم إلى (أنه إلى الانفصال عاص). وهو مقتضى قواعده الفاسدة، إذ تصرف التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح، [والقبيح] لا يصح أن يكون مطلوبا.
стр. 592
ولكن أوقعه في ذلك أمر عظيم، وهو تكليف ما لا يطاق، فإنه قال: لو خرج عصى، وحرم عليه الشيء وضده جميعا. وهذا أشد من القول في الصلاة في الدار المغصوبة. فإذا قلنا هناك: الواجب الصلاة، والمحرم الغصب. وهاهنا الواجب الخروج، وهو تصرف في ملك الغير، فكيف يصح أن (٤١/ ب) يكون واجبا محرما؟ ونحن نقول: ليس التصرف في ملك الغير حراما لصفة وهو عليها، وإنما حرم بتحريم الشرع. وهذا التصرف واجب، فلا يصح أن يكون معصية، فيؤمر بالخروج، لأنه تقليل الضرر، وفي المكث تكثيره، وأيسر الضررين يصار إليه، فرارا من ضرر أشد منه. ولذلك أنه لو على إتلاف ملك الغير، وجب أو جاز.
وقول الإمام في الغاصب: (إذا ندم وتاب، وأتى بنوبته على شرطها، فإن
стр. 593
ما يتعلق بحق الله تعالى يتنجز سقوطه، إما مقطوعا به على رأي، أو مظنونا على رأي). هذه المسألة تتعلق بالكلام على التوبة وأحكامها وهي كثيرة، وإنما تتكلم هاهنا على حكم واحد، وهو كونها [مكفرة لما سبق من الذنوب. فا] لتوبة بهذا الاعتبار تنقسم قسمين: أحدهما- توبة عن الكفر. والثاني- توبة عن الذنوب سواه.
فأما التوبة عن الكفر، فمجمع على أنها تجب ما قبلها، وهذا مقطوع به.
وأما التوبة [عما] سواه، فلا يخلو: إما أن تكون توبة عن قتل المؤمن متعمدا، أو غير ذلك، فإن كانت توبة عن القتل، فأكثر أهل العلم يقول: هي [مفيدة]. وذهب بعض العلماء إلى أن القاتل لا توبة له، وهو ضعيف. وقد قال النبي ﷺ : (التوبة تجب ما قبلها). (٧٠/أ)
والقسم الثاني من هذا القسم: التوبة عن الذنوب سوى القتل، فقد قال قائلون: إنها تجب قطعا، وقال آخرون: إنها تجب ظنا. والصحيح عندنا
стр. 594
القطع بالمحو، ومستندنا انعقاد الإجماع على المحو، وإن اختلفوا في القطع والظن، فمن قال: إنها غير ماحية، فقد خرق الإجماع. وهذا سيأتي له مزيد تقرير في كتاب الإجماع، وفيه نبين أنه إذا اتفقت الأمة على قولين، لم يجز إحداث قول ثالث.
فإن قيل: فبعض الأمة ظانة، فكيف ينتج القطع مستندا إلى قولها، والقائل لم يقطع؟ قلنا: يلزم من هذا إذا اتفقت الأمة على قول مظنون، أن لا يكون حجة. وهذا يأتي تقريره. ونحن إنما نختار أن الإجماع حجة على كل حال، فظن بعضهم لا يزيد على ظن جميعهم.
وأما قول الإمام: (وأما ما يتعلق [بمطالبة] الآدمي، فالتوبة [لا تنجيه] إلى آخره. فقد تقدم الكلام على ذلك. وقول الإمام هو قول
стр. 595
أبي هاشم حرفا حرفا، وهو يرى استمرار المعصية إلى وصول المال لربه، كما يرى أبو هاشم المعصية إلى انفصاله من البقعة المغصوبة. والرد عليه كالرد عليه.
وقوله: (وهذا يلتفت [عليه] الصلاة في الدار المغصوبة، وأنها تقع امتثالا من وجه، وغصبا واعتداء من وجه). فقد تقدم الكلام على الفرق بين المسألتين. ثم إن الإمام حكم بأن الأمر يتناول الصلاة، فهو مأمور بها على التحقيق، والنهي يتناول الغصب، وهو منهي عنه، وذلك (٤٢/ أ) الكلام
стр. 596
صحيح، جار على الأصول. وهذه المسألة [متعددة] الجهات كتعددها هناك، فينبغي أن [يقول: ] إن النهي متوجه عليه [مع] الأمر، فلم افتقر إلى أن يقول العصيان مستمر، والنهي متوجه؟ فقد اعترف بالفرق بين المسألتين.
قال الإمام: (فإن قيل: إدامة حكم العصيان عليه [من] ارتكابه نهيا) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: أما السؤال الذي وجهه الإمام على نفسه،
стр. 597
فلازم، ولم يحصل عنه انفصال. وقد مر في ذلك ما فيه كفاية وبلاغ. ومسألة أبي هاشم التي ألقاها، تخرج عليها، والنظر إلى أرجح الضررين يدفعه، وإن قدر استواء الضرر في المقام الأول والانتقال، ففي هذه الصورة تردد. فقال قائلون: يتخير، لاستواء الأعمال.
وقال قائلون: يمكث، لأن الانتقال فعل مبتدأ، خلاف اللبث، فإنه لا يفتقر إلى استعمال قدرة. وهذا ضعيف، لأن مكثه اختياري كانتقاله، فلا فصل. ويحتمل أن يقال: لا حكم لله، ولا يبعد خلو واقعة عن الحكم، وهذه المسألة ليست منصوصة، ولا نظير لها في المنصوصات. ومذهب الإمام في
стр. 598
هذه سقوط التكليف عن صاحب الواقعة، مع استمرار حكم سخط الله عليه. أما استمرار السخط مع سقوط التكليف، فقد تقدم الكلام عليه.
فأما قوله: (إن التكليف ساقط). فعجب، مع كونه يقول: لا تخلو واقعة عن الحكم. وقد سأل أبو حامد الغزالي الإمام أبا المعالي عن هذا، فقال له: كيف تقول: لا حكم وأنت ترى أنه لا تخلو واقعة عن حكم؟ فقال: حكم
стр. 599
الله أن لا حكم. قال أبو حامد: فقلت له: لا أفهم هذا. وهذا أدب حسن منه، وتعظيم المشايخ. والقول بأن حكم الله أن لا حكم متناقض، وجمع بين النفي والإثبات. (لا حكم) نفي عام (٧٠/ ب)، كيف يتصور ثبوت الحكم مع نفيه على العموم؟ وقولنا: حكم الله، أي: حكم لله تعلق بفعل المكلف، فكيف يصير هذا عبارة عن عدم تعلق الخطاب بفعل المكلف؟ هذا لا يهم، لا لعجز السامع عن الفهم، بل لكونه غير مفهوم في نفسه.
وأما المسألة الأخرى: (وهو المواقع النازع مع أول الفجر، وتفرقته بين أن يكون تعمد أو لم يتعمد). فكلام ضعيف، وفرق لا يصح، وذلك أن مدار
стр. 600
المسألة على حرف، وهو النزع، هل هو وطء [أم] لا؟ فإن كان وطأ، فإنه يبطل صوم النازع عند مقارنة الفجر، سواء كان متعمدا لذلك، أو غير متعمد، فإن لم يكن النزع وطأ، فلا يفسد الصوم، سواء كان تعمد أو لم يتعمد. وهذا الذي يقوله مالك والشافعي. فالتفصيل لا وجه له. والله أعلم.
قال الأمام: (مسألة: السجود بين يدي الصنم مع قصد التقرب إليه محرم) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: (٤٢/ب) الأمر على ما ذكره من كون السجود بين يدي الصنم، تعظيما له، محرم بلا إشكال، والمحرم لا يكون طاعة بوجه، إذا اتحد الوجه، ولكن للواحد أربعة أحوال: إما أن يتحد الجنس [وتختلف الأنواع، وإما] أن يتحد النوع وتتعدد الصور، وإما أن تتحد الصورة وتتعدد الوجوه.
следующие страницы →