← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

صحيح، جار على الأصول. وهذه المسألة [متعددة] الجهات كتعددها هناك، فينبغي أن [يقول: ] إن النهي متوجه عليه [مع] الأمر، فلم افتقر إلى أن يقول العصيان مستمر، والنهي متوجه؟ فقد اعترف بالفرق بين المسألتين. قال الإمام: (فإن قيل: إدامة حكم العصيان عليه [من] ارتكابه نهيا) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: أما السؤال الذي وجهه الإمام على نفسه،

стр. 597

فلازم، ولم يحصل عنه انفصال. وقد مر في ذلك ما فيه كفاية وبلاغ. ومسألة أبي هاشم التي ألقاها، تخرج عليها، والنظر إلى أرجح الضررين يدفعه، وإن قدر استواء الضرر في المقام الأول والانتقال، ففي هذه الصورة تردد. فقال قائلون: يتخير، لاستواء الأعمال. وقال قائلون: يمكث، لأن الانتقال فعل مبتدأ، خلاف اللبث، فإنه لا يفتقر إلى استعمال قدرة. وهذا ضعيف، لأن مكثه اختياري كانتقاله، فلا فصل. ويحتمل أن يقال: لا حكم لله، ولا يبعد خلو واقعة عن الحكم، وهذه المسألة ليست منصوصة، ولا نظير لها في المنصوصات. ومذهب الإمام في

стр. 598

هذه سقوط التكليف عن صاحب الواقعة، مع استمرار حكم سخط الله عليه. أما استمرار السخط مع سقوط التكليف، فقد تقدم الكلام عليه. فأما قوله: (إن التكليف ساقط). فعجب، مع كونه يقول: لا تخلو واقعة عن الحكم. وقد سأل أبو حامد الغزالي الإمام أبا المعالي عن هذا، فقال له: كيف تقول: لا حكم وأنت ترى أنه لا تخلو واقعة عن حكم؟ فقال: حكم

стр. 599

الله أن لا حكم. قال أبو حامد: فقلت له: لا أفهم هذا. وهذا أدب حسن منه، وتعظيم المشايخ. والقول بأن حكم الله أن لا حكم متناقض، وجمع بين النفي والإثبات. (لا حكم) نفي عام (٧٠/ ب)، كيف يتصور ثبوت الحكم مع نفيه على العموم؟ وقولنا: حكم الله، أي: حكم لله تعلق بفعل المكلف، فكيف يصير هذا عبارة عن عدم تعلق الخطاب بفعل المكلف؟ هذا لا يهم، لا لعجز السامع عن الفهم، بل لكونه غير مفهوم في نفسه. وأما المسألة الأخرى: (وهو المواقع النازع مع أول الفجر، وتفرقته بين أن يكون تعمد أو لم يتعمد). فكلام ضعيف، وفرق لا يصح، وذلك أن مدار

стр. 600

المسألة على حرف، وهو النزع، هل هو وطء [أم] لا؟ فإن كان وطأ، فإنه يبطل صوم النازع عند مقارنة الفجر، سواء كان متعمدا لذلك، أو غير متعمد، فإن لم يكن النزع وطأ، فلا يفسد الصوم، سواء كان تعمد أو لم يتعمد. وهذا الذي يقوله مالك والشافعي. فالتفصيل لا وجه له. والله أعلم. قال الأمام: (مسألة: السجود بين يدي الصنم مع قصد التقرب إليه محرم) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: (٤٢/ب) الأمر على ما ذكره من كون السجود بين يدي الصنم، تعظيما له، محرم بلا إشكال، والمحرم لا يكون طاعة بوجه، إذا اتحد الوجه، ولكن للواحد أربعة أحوال: إما أن يتحد الجنس [وتختلف الأنواع، وإما] أن يتحد النوع وتتعدد الصور، وإما أن تتحد الصورة وتتعدد الوجوه.

стр. 601

أما اتحاد الجنس، فلا يمتنع باتفاق، لاختلاف الأحكام باعتبار اختلاف الأنواع، وهذا كإيجاب الصلاة، وتحريم [الربا]، وإن اشتركا في كونهما فعلين اختياريين. وأما اتحاد الوجه، فيمنع تعدد الأحكام عند من يحيل تكليف المحال. وأما اتحاد العين، فيمنع التعدد عند أبي هاشم والقاضي، نظرا إلى اتحاد الفعل. وقد تقدم الكلام عليه في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة. وأما اتحاد النوع، فلا يمنع عند علماء الشريعة، وجعله أبو هاشم كاتحاد العين. وهذا هو الذي يقتضيه أصله؛ فإن الأحكام تتبع الصفات، التي هي الحسن والقبح. وهذه الصفات تلحق في الوجود عند الاشتراك في حقيقة النوع، إذ لا يتعدد إلا الصور، فلا يصلح أن يتبع الحسن صورة، ولا يتبع مثلها، كما لا يصح أن يتحيز أحد الجوهرين دون الثاني. هذا أصله. ونحن نرد عليه بوجوه: أحدهما- منازعته في الأصل الذي بنى عليه مذهبه. الثاني- إلزام النقض عليه، فإنه قد حكم بأن القتل يحسن تارة، ويقبح أخرى، وحقيقته لا تختلف. فلئن قال: اختلف الأمر باختلاف سبق الجناية

стр. 602

ولحوق العوض. قلنا: هذا لا يوجب اختلاف صفة القتل. ثم إن ساغ ذلك، ساغ أيضا أن يختلف وصف السجود بحسب اختلاف الإضافة، كما يجب صوم رمضان، ويحرم صوم يوم العيد. الثالث- أنه لم تحكم بأن صفته الحسن؟ وبم تنكرون على من يزعم أن صفته القبح؟ وإنما [يطيع] الساجد لله بالقصد. فلئن قال: أمر الله بالسجود له. قلنا: ونهى عن السجود للصنم. بل النهي هو السابق. الرابع-انعقاد الإجماع على أن الساجد للصنم عاص بفعله وقصده جميعا. الخامس- أن هذا (يوجب الخروج الأفعال الظاهرة عن كونها قربا أو محرمات، وإنما يرجع الأمر إلى التعظيم والاستهانة. وهذا خروج عظيم عن الدين).

стр. 603

قال الإمام: (مسألة: إذا اتصلت صيغة (لا) في النفي بجنس من الأجناس، فقد اضطرب فيها رأي أصحاب الأصول) إلى قوله (ورد معنى اللفظ (٧١/ أ) إلى الحكم). قال الشيخ: (لا) إذا دخلت على اسم منكور، إنما تكون لنفي الجنس، إذا كان الاسم معها مبنيا على الفتح، أما إذا وقع الاسم بعدها معربا، فإنها لا تقتضي نفي الجنس. هكذا ذكر أئمة العربية. وظاهر كلام الأصوليين أنهم اكتفوا بالتنكير مع النفي. وقد تقدم تقرير هذا فيما سبق. وقول الإمام: (إن النفي لا اختصاص [له]، إنما [انضم] للنكرة،

стр. 604

فاقتضى اجتماعهما (٤٣/ أ) استغلاقا). والمصير إلى دعوى [الاجتماع] [بناء] على تعمد التمسك، إذ هو يتضمن نفي الصوم حسا ووجودا. وليس الأمر كذلك، فلم يدر ما المراد به بعد ذلك. وهذا يرجع إلى أصل، وهو أن الأسامي الشرعية، [هل] بقيت ظاهرة على الوضع اللغوي؟ وإنما تصرف إلى غيرها بدليل، وإذا صير إلى ذلك، فقد

стр. 605

تقرر إجراء اللفظ على ظاهره، ويرد عليه بوجهين: أحدهما: أن القرينة من الرسول ﵇ ترشد إلى أنه إنما قصد نفي الحكم، دون التعرض للحس نفيا وإثباتا. وهذا مقطوع به. والثاني: أنا قد بينا فيما تقدم أن اللفظ إذا دار بين معناه اللغوي ومعناه الشرعي، فالظاهر هو الجريان على الوضع الشرعي، إذ هو غالب عرف الاستعمال. وأما قول الإمام: (أنا إذا تحققنا وقوع الجنس الذي ذكروه، فقد اضطررنا إلى أن الرسول لم يرده). وهذا ليس ردا عليهم، بل هو عين ما قدروه، وهو يثبت كونه مجملا، إذ تعذر حمله على ظاهره، ولم يعرف مراد الناطق به.

стр. 606

قال الإمام: (قيل: هذا [تشكك] في صدق الرواة. [قيل]: المسألة في اللفظ المقطوع به جارية، كقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾، وغيره). قال الشيخ: معنى الكلام: أن القوم [كأنهم] صاروا إلى تقرير اللفظ على الوضع اللغوي، فلا يصح نفي ما هو موجود من الصادق، فلا يكون صادقا. ولكن هذا الطريق لا يفضي إلى التشكك في الرواة، بل يفضي إلى التكذيب. وقول الإمام: (المسألة في اللفظ به جارية). يبطل هذا الكلام، إذ لا سبيل إلى الشك في الصدق فيه. قال الإمام: (وذهب نازلون عن هذه المرتبة إلى صرف دعوى الإجمال

стр. 607

إلى تردد اللفظة بين نفي الجواز ونفي الكمال) إلى قوله (والرسول ﵇[تعرض] لنفي الصوم). قال الشيخ: إنما صار القاضي إلى الإجمال، لأنه نفى الأسماء الشرعية. والذي دل ظاهر اللفظ على نفيه موجود، فافتقر إلى التقدير وتعدد المقدر. ولننبه هاهنا على أصل، وهو إن تعدد مدلول اللفظ من جهة الحقيقة، واستوت النسبة، لزم الإجمال. وإن [تفاوتت]، ثبت الظهور، باعتبار الراجح، وكان الوجه الآخر خفيا، فإن دل دليل على وجوب الرد إلى جهة الاحتمال، فلا يخلو: إما أن يتحد، أو يتعدد على تساو، أو تفاوت. فإن اتحدت الجهة، صار اللفظ نصا في جهة احتماله عندما يتعذر على وجه مقطوع به حمله على جهة ظهوره. وهذا كقوله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾.

стр. 608

وإن تعددت جهة الاحتمال واستوت، لزم الإجمال بين الجهات، كما لزم الإجمال في اللفظ المشترك. وإن تفاوتت النسبة، كان اللفظ ظاهرا في الاحتمال اللغوي (٤٥/ب) عند قيام الدليل الدال على منع التمسك بالظاهر، ولا يصار إلى الآخر إلا بدليل، وهذا كالعام (٧١/ب) إذا خصص، فإن الاحتمالات في الرد على أحد الأبعاض متعددة، ولكن الظاهر في عرف الشريعة تناول ما دون المخرج. وكذلك قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾. فإنه لما استحال تعلق الأحكام بالأعيان، لزم الرد إلى بعض الأفعال، ولكن عرف أهل اللغة في مثل هذا متعين. فإن قال القائل: إذا قال حرمت عليك الطعام، أراد أكله، وإذا قال: حرمت امرأة، أراد وطأها. وقد ذهبت المعتزلة إلى أنه مجمل، وليس الأمر كما قالوا، لأن عرف الاستعمال يعرفنا المضمر، كصريح النطق في

стр. 609

مسألة (لا صيام)، [لما تعذر نفي الصوم حسا، وجب] الرد إلى الحكم، وهو متعدد، لدوران الأمر بين الجواز والكمال. فلئن قال قائل: [ما] المانع من نفيها جميعا؟ فنقول: إنما وجب التقدير ضرورة طلب فائدة الخطاب، والفائدة تحصل بنفي أحدهما، فلا ضرورة تلجئ إلى نفي الثاني، ولا معنى للتحكم بالتعيين. ووجه يمنع نفيهما جميعا، سنذكره في آخر المسألة. قال الإمام: ([فالمذهب] المختار: أن اللفظ ظاهر في نفي الجواز، مجاز في نفي الكمال، كما سنوضح مراتب التأويلات ومناصبها في كتاب التأويلات، إن شاء الله). قال الشيخ: هذا إنما يصح للإمام إذا أثبت الأسامي

стр. 610

الشرعية، ويبين أن الغالب في الشرع إطلاق الألفاظ على المعنى الشرعي، وهو لم يدل على هذا فيما سبق، وإنما قرر أن الشرع تصرف، وجعل للألفاظ مفهوما آخر. وقد تقدم كلامنا على هذا. فإذا ثبت عليه عرف الشرع، صار معنى الكلام: لا صوم شرعي، والذي ليس بكامل صوم شرعي، فيجب على مقتضى ذلك، أن ينتفي الأجزاء، ويصير نفي الكمال تأويلا، وهذا كلام صحيح. قال الإمام: (وذهب جماهير الفقهاء إلى أن اللفظ عامة تتناول نفي الوجود ونفي الحكم) إلى قوله (فكيف يفهم معه [نفي الحكم]؟ ). قال الشيخ: تردد الناس في اللفظ المجمل، كالمشترك إذا دخل عليه حرف نفي، هل يكون مشتركا في الأجناس، كما كان مشتركا في الآحاد عند الإثبات؟ فلا يعرف أي جنس نفي، فيتوقف في الأجناس؟ أو يكون ذلك يتضمن نفي الأجناس كلها؟ كما إذا قال: لا تمس النساء- إذا صرنا إلى أن المس يتناول المس باليد والوقاع- أو نقول: دخل النفي على واحد مشترك، فانتقل الواحد لأجل النفي، فصار جنسا، فيثبت الاشتراك باعتبار الأجناس؟ فمذهب هؤلاء القوم أن المشترك عام، وهو اختيار القاضي والشافعي.

стр. 611

وستأتي المسألة (٤٦/ أ) بعد هذا. فعلى هذا يكون اللفظ يتناول الوجود والحكم، ثم يعلم أن الوجود غير مراد، فكان ذلك تخصيصا بمسلك الحس وقضية العقل. ومعنى قول الإمام: (لأن العموم إنما يتناول [مسميين] يتصور اجتماعهما في النفي). وهذا كلام صحيح، وذلك أن العموم إنما وضع للاختصار، وللغنية عن تكرار اللفظ، فيكون معنى الكلام: لا وجود، ولا حكم. وهذا الكلام على هذا الوجه فاسد، فإنه إذا نفى الوجود، لم يتصور ثبوت حكم، حتى يفتقر إلى نفيه، (٧٢/ أ) وكذلك لا يتصور أن ينفي ذات زيد، ثم يفتقر إلى نفي علمه، مع تحقق نفي الذات.

стр. 612

قال الإمام: (وذهب ذاهبون من الفقهاء إلى أن الوجود غير معني [بالنفي] إلى قوله (واستبان ظهور] اللفظ في نفي الجواز، وكونه مؤولا في نفي الكمال).قال الشيخ: هذا كلام واضح، وتقريره قد سبق. وفي هذا الموضع وجه آخر ذكره الإمام بعد، وهو أن نفي الكمال متضمن ثبوت الجواز، فعندما نقول ينفي الكمال، فقد أثبتنا الجواز، وقد نفيناه في تلك الحال، وهو محال. قال الإمام: (فصل- قد اشتمل [ما جرى] في أحكام الأوامر والنواهي)

стр. 613

إلى قوله (إذ لو لم يكن كذلك، لكن الوعيد خلفا تعالى الله عنه). قال الشيخ: اختلف الناس، هل يصح العفو في الوعيد؟ فذهب أكثر المتكلمين إلى أن ذلك غير جائز، وأن اللفظ الذي دل على الوعيد، إما أن يكون نصا، وإما أن يكون ظاهرا، فإذا لم يعرف، تبينا التخصيص، والتخصيص: بيان لا رفع. فتبين أنه لم يكن في جملة ما اندرج تحت اللفظ. وإن كان نصا، فهو يدل على ما في النفس دلالة مقطوعة بها، وكلام النفس على وفق العلم، وإذا علم الله تعالى أنه يعاقب شخصا، فلا يتصور العفو عنه، لئلا ينقلب العلم جهلا، ويصير القول خلفا، والله تعالى متقدس عن الأمرين. وذهب ذاهبون إلى أنه يجوز العفو في الوعيد، ولا يجوز المنع عند الوعد، ويقولون: إن أهل اللغة لا يعدون العفو من باب الخلف، وينشدون قول الشاعر: [وإني وإن] أوعدته [أو] وعدته ... لمخلف إيعادي [ومنجز] موعدي

стр. 614

وهذا كلام ضعيف، ولا محمل لذلك عندي إلا وجه واحد؛ وهو أن يكون واضع اللغة جعل لفظ الوعيد محتملا إضمار الشريط، ولم يجعل لفظ الوعد كذلك، فيكون معنى الكلام عند الوعيد: أعاقبك إن شئت. ولم يروا ذلك من باب الوعد. وهذا حسن بالإضافة إلى مكارم الأخلاق، فإن لم يكن الأمر كذلك، فهو فاسد قطعا، وخلف في الكلام الأزلي، وبداء صراح، وذلك على الله تعالى محال. وقد صار الإمام فيما سبق إلى هذا الحد، عندما تكلم القاضي على معنى الواجب وقال: (لو أوجب الله تعالى شيئا، لوجب، وإن لم يتوعد بعقاب على (٤٦/ ب) تركه) من غير وعيد على الترك، لما كان للحكم بالوجوب معنى

стр. 615

معقول في حقوقنا). فقد التزم هناك أن عقلية الواجب [تتوقف] على التقييد بالوعيد. قال الإمام: (وقال قائلون: الواجب: ما يخاف المكلف العقاب على تركه) إلى قوله (وقد لا يكون كذلك). قال الشيخ: ويفسد أيضا بالواجب

стр. 616

الذي لا يعرفه المرء واجبا، فإنه لا يخاف العقاب على تركه، ولا يخرجه ذلك عن كونه واجبا فلم يجمع الحد، ولم يمنع. قال الإمام: (فالمرضي في معنى الواجب: أنه الفعل المقتضي من الشارع الذي يلام تاركا شرعا) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: قوله: وإنما [قلنا]: المقتضي من الشارع، لأنه معنى الإيجاب. كلام ضعيف، لأنه إذا كان الاقتضاء هو الإيجاب، لزم (٧٢/ب) أن يكون المندوب واجبا، لأنه مقتضي، بلا خلاف، ولم يكن أيضا لقوله: (الذي يذم تاركا شرعا). فائدة جديدة، لأنه قال ذلك لينفصل عن المندوب. فإذا كان لفظ الاقتضاء ينبئ عن الوجوب، فلا دخول في ذلك للمندوب. ويفتقر إلى معرفة اللوم الذي يريده الأصوليون، وليس المراد به التوبيخ من قبلنا، ولا إطلاق ألسنة [باللعنة] في ذلك، فإن ذلك حرام، وإنما أرادوا به أنه منسوب إلى المعصية شرعا. وقد زال أبو حامد في هذا المكان، واعتقد أن اللوم من قبلنا، فقال: هذا الحد يبطل بمعاصي الأنبياء، فإنه قد دل على وقوعها

стр. 617

منهم، [ولم] نؤمر بإهانتهم وذمهم، والمعصية محققة ولا لوم. وهذا ضعيف، وليس ما ذكره هو المراد، بل لا يجوز لنا أيضا في حق غيرهم. وإنما المراد ما ذكرناه من النسبة إلى المعصية شرعا. وقول الإمام: (هو الذي [يذم] تاركه شرعا).جار على أصله، فإنه التزم في الواجب الموسع الذي يضبط آخر وقته أنه إذا مات في وسطه ولم يفعل، كان آثما. أما نحن فلا نرتضي بذلك، على حسب ما قررناه. فنفتقر إلى أن نزيد (بوجه ما). وقد بيناه فيما سبق. وأما انفصاله عن السؤال (بأنه لا وجوب على من لا يعلم الوجوب). فيبطل من وجهين: أحدهما- أنه قد أفسد هذا على نفسه فيما سبق، فإنه قال في مسألة

стр. 618

وجوب النظر: (لا يشترط في وجوب الشيء علم المكلف بوجوبه عليه). الثاني- أن الذي ذكره: أنه لا وجوب على من لم يعلم الوجوب، باطل بأدلة سمعية قطعية، وقد قال الله تعالى: ﴿[الذين] ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾. وقال تعالى: ﴿وإن الظن لا يغني من (٤٧/أ) الحق شيئا﴾. وقال: ﴿[يومئذ] خاشعة. عاملة ناصبة. تصلى نارا حامية﴾. وقواطع السمع دلت على تعذيب الكفار، وإن كانوا يجهلون وجوب الإيمان، فلا يصح القول بأنه: لا وجوب على من لا يعلم الوجوب بحال. وإنما ينقل هذا المذهب عن الجاحظ والعنبري. وسيأتي الرد عليهما في كتاب

стр. 619

الترجيح، إن شاء الله تعالى. وكان الإمام قد قال: (ونحن نذكر حقيقة كل حكم من هذه الأحكام). أعني الوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة. ولم يذكر حد شيء منها، وإنما حد الأفعال التي تعلقت بها الأحكام. وهذا غلط بين، وذلك بمثابة من تعرض لحد العلم فقال في حده: المعلوم ما كشفه العلم. فليس هذا [حدا] للعلم بحال. [وإنما الأحكام الخمسة هي التي ذكرناها آنفا]. أما الواجب والمحظور والمباح والمكروه والمندوب، فهي الأفعال التي تعلقت بها الأحكام. فإن قيل: فما الصحيح عندكم في حد الوجوب الذي هو الحكم على الحقيقة؟ قلنا: الوجوب هو القول المقتضي حصول الفعل على وجه يكون المخالف مذموما بوجه ما. قال الإمام: (مسألة: اضطرب الأصوليون في معنى المكروه) إلى آخر

стр. 620

المسألة. قال الشيخ: المكروه أيضا: هو الفعل الذي تعلقت به الكراهة. والكراهة: هي القول المقتضي ترك الفعل، بحيث يمدح التارك، ولا يذم الفاعل. هذا حد الحكم. ولنتكلم ها هنا على وضع باعتبار اللغة والشريعة.

стр. 621

أما من جهة اللغة، فالكراهة ضد الإرادة. (٧٣/أ) وترجع إلى صوارف تصرف عن الفعل، وليس المراد بها ذلك عند علماء الشريعة، بل تطلق الكراهة في حق الله تعالى على معنيين: أحدهما- يرجع إلى الإرادة، وعليه نزل قوله تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم﴾. والمراد: أراد [التثبيط]، فمنعهم الانبعاث، فسميت

стр. 622

إرادة الضد كراهة، باعتبار ضده. وإنما قلنا ذلك، لأن الباري سبحانه واحد، [فلا يصح] أن تقوم به المتضادات. وهي إذا أطلقت في الأحكام، مختلف فيها عند الأصوليين؛ فقد يطلق المكروه على المحظور، فيقال للمحرم مكروه، فكثيرا ما يقول الشافعي: أكره كذا، وهو يريد تحريمه. وكذلك يقول مالك أيضا. الثاني: وهو المشهور- ما نهي عنه نهي تنزيه، وهذا هو الذي حددناه. الثالث: ترك الأولى، كترك الصلاة، لا لنهي [ورد] عنها، ولكن

стр. 623

لكثرة ثواب الفعل. فعلى هذا يصح أن يقال: ترك استيعاب الزمان على حسب الإمكان بالنوافل مكروه. الرابع: ما وقعت الشبهة في تحريمه، كلحم السبع ويسير النبيذ، وهذا أضعفها، فإن من أراده اجتهاده إلى أنه حرام، فهو حرام عليه، ومن أداه (٤٧/ب) [اجتهاده] إلى الحل، فلا معنى للكراهة في حقه. وهذا متجه على قول من يقول كل مجتهد مصيب. أما من قال المصيب واحد، فقد يقول بالكراهية إذا بقي في نفسه حزازة من كلام الخصم. وليس في مسائل الفقه مسألة أصعب من القضاء بالكراهة، لأجل مخالفة الخصم، ولاسيما إذا كان المجتهد يرى الحل، وغيره يرى التحريم. فإذا ذهب إلى الكراهة، فقد خالف الدليلين جميعا، وإن كان القولان متفقا عليهما، كان المصير إلى الكراهة خرقا للإجماع. ثم الذي يتأتى في هذا المكان التوقف عن

стр. 624

الفعل، وإن كان يغلب على ظنه الحل، لاحتمال التحريم. أما حمل غيره عليه أو الفتوى بالكراهة، فلا وجه [له عندي]. قال الإمام: ([مسألة: تجمع] محامل الصيغ التي يقال [لها] صيغ

стр. 625

[الأوامر]. أما [المطلق] فقد سبق الكلام في محمله، وإنما تتعدد المحامل بالقيود، ونحن نذكر منها جملا تشارف الاستيعاب). وهذا الذي ذكروه واضح، لا يفتقر إلى أكثر من هذا.

стр. 626

وقد ترد بمعنى التعجيز، كقوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾. وقوله تعالى: ﴿قل كونوا حجارة أو حديدا﴾. وترد بمعنى التحكيم والتفويض، كقوله تعالى: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾. ثم صيغة الأمر من جميع مل ذكرناه، ما يقتضي الإيجاب، وفيما يقتضي الندب خلاف، كما تقدم. واللوجوه الباقية ليست من معاني الأمر. وأما صيغة النهي إذا تقيدت، فإنها ترد على وجوه على مناقضة الأمر، لا يعسر على الباحث طلبها. ومطلقها للحظر، [والمقيد] منها يرد على وجوه: منها التنزيه، ومنها الوعيد، ومنها الدعاء، كقوله تعالى: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾. ومنها: الإرشاد، كقوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾. ومنها: بيان العاقبة، كقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن (٦٤/ب) الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا [بل أحياء]﴾. وترد بمعنى التحقير والتقليل، كقوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم [أزواجا منهم]﴾. وترد بمعنى إثبات اليأس، كقوله تعالى: ﴿لا تعتذروا اليوم﴾.

стр. 627

قال الإمام: ([كتاب] العموم والخصوص. قال المحققون من أئمتنا: العام والخاص قولان قائمان بالنفس كالأمر والنهي، والعبارات تراجم [عنها]) إلى قوله (ونعود الآن إلى المقصود اللائق بما نحن فيه). قال الشيخ: مذهب أهل السنة أن الكلام: هو القائم بالنفس، والعبارات تراجم. على ما سبق في كتاب الأوامر. والطريق في إثباته واحد. وما تخيله الإمام مشكلا، فهو أنه قال: (الاقتضاء يجده العاقل من نفسه ضرورة، ويترجم بالعبارة). على ما سبق متضحا. فلا معنى للإعادة.

стр. 628

قال: (وأما العموم والخصوص، فما أراها كذلك في الوضوح). إذ ليس في العموم اقتضاء، والذي نقرر به العموم: (كل ما ثبت العلم به، ففي النفس كلام عنه، والعلم محيط بمعنى الجميع، وفي النفس فكر به، وحديث عنه). ومعنى ذلك أن الإنسان يعلم الجميع، ولا ينفك (٧٣/ب) عن كلام النفس. وقد تقدم بيان ذلك في المقدمة أن العالم لا يخلو عن النظر النفسي. وقوله: (وليعلم طالب هذا الشأن أن معظم ما يحسبه من لم يعظم حظه في الحقائق علما فهو فكر). وإنما كان كذلك، من جهة أن الإنسان إذا علم أمرا، أخبر عنه، وأعلم به غيره. وما أخبر عنه، إلا من جهة قوله معلوما. فإن كلام النفس خبر عن المعلوم، لا خبر عن العلم. والذي يحقق ذلك أن من صار إلى أن العلم يقوم بالعالم ولا يعلمه، يستحيل منه في حالته تلك أن يخبر عنه،

стр. 629

مع كونه لا يعلمه، ونحن نقول: كل من قام به العلم لابد أن يعلمه، فيكون معلوما (٤٨/أ) فيخبر عنه، من جهة كونه معلوما له. وقوله: (ومن دقيق ما يتعلق بمدارك العقول، أن فكر النفس متعلقة بالمعلومات والمعتقدات). يريد بذلك إثبات الاختلاف بين كلام النفس وبين العلم، ف'ن العلم لا يتعلق بالمعتقدات، وكلام النفس يتعلق بها. وقوله: (ولا تنطق النفس بالعلم الحق). الظاهر فيه أنه لا يصح الخبر عن العلم، باعتبار كونه علما، بل باعتبار كونه معلوما. وقوله: (ومهما ظن ذو الفكر أنه ناطق بالعلم، فهو [متخيل] العلم معلوما). كلام محتمل، فإن أراد به لا ينطق بالعلم بوجه، فهذا محال، إذ

стр. 630

يتضمن ذلك أن العلم لا يعلم. وإن أراد به لا يخبر عنه باعتبار كونه معلوما، فهذا صحيح. وقوله: ([وهذا الذي] اختلج [في عقول المتكلمين وطيش] أحلامهم حتى اضطربوا في أن العلم بالشيء، هل هو علم بأنه علم به؟ وهذا الذي اختبطوا فيه اضطراب منهم في فكر النفس، لا في العلم نفسه). فيقول: إن العالم لا ينفك عن اقتران كلام النفس، فقد يظن التلازم [و] الاتحاد، وقد لا يظن ذلك، فيقع الاضطراب لذلك. وقوله: (فنعود الآن إلى المقصود [و] اللائق بما نحن فيه). لم يتكلم الأصوليون على العموم والخصوص، إلا باعتبار الألفاظ اللغوية، إذ هي

стр. 631

الأدلة، وهم إنما يتكلمون على أدلة الأحكام، التي هي الكتاب والسنة، وهي ألفاظ لغوية، فلذلك قال: نعود إلى المقصود، [و] اللائق بما نحن فيه. قال الإمام: (اختلف الأصوليون في صيغة العموم اختلافهم في صيغة

стр. 632

الأمر والنهي) إلى قوله (وما يقع منكرا منفيا، فهو كذلك [أيضا يتعين] القطع بوضع العرب إياه للعموم [كقولك]: لم أر رجلا). قال الشيخ: مذاهب

стр. 633

الناس كما نقلها الإمام، وطرق الواقفية، على حسب ما مضى في صيغة الأمر، ومذاهبهم في الاشتراك والالتباس كذلك، بلا مزيد. وإنما تنازع الناس فيما ذكره في قسم واحد. وهو [ظرف] الزمان، [كقوله]: متى جئتني أكرمتك، هل يتضمن ذلك كل زمان أو يتضمن ذلك زمانا مطلقا؟ حتى إذا جاءه وأكرمه، لم يبق عليه عهدة من الخطاب؟ فظاهر كلام الأصوليين أنه يعم جميع الأزمنة، والفقهاء لا يرون هذا، وإنما يقولون: يتضمن إكراما واحدا، في أي

стр. 634

زمان كان. قال مالك: إذا قال: متى دخلت الدار، فأنت طالق، فإنها لا تطلق عليه إلا طلقة واحدة، بخلاف قوله: كلما دخلت، فأنت طالق، فإنها تطلق متى دخلت. وهذا ظاهر، وكأنه قال: إن دخلت الدار (٧٤/أ) فأنت طالق. [وأتى بها] يشير إلى أنه لا يختص بعينه بزمان مخصوص. [وأما] قوله: (وما يقع منكرا ومنفيا). ونحن بينا أن سيبويه وغيره من أئمة العربية أن ذلك إنما يكون على تقدير بناء النكرة (٤٨/ب) مع النفي على الفتح. فأما إذا جاءت معرفة، فلا يفهم منها العموم. والمسألة نقلية محضة، وأهل اللغة بذلك أقعد. وأما قوله: (واسم مبهم يختص بما لا يعقل [في رأي]. فهذا إنما هو فيما إذا كانت بمعنى (الذي) فهي التي [فيها] نزاع أهل اللغة، كقوله:

стр. 635

عرفت ما عندك، أي الذي عندك. ومذهب سيبويه أنها تعم من يعقل وما لا يعقل. وأما إذا وقع شرطا، فليس من هذا القبيل، فإن الشرط يستدعي الفعل، ولا يدخل على الأسماء على حال. قال الإمام: (وأما صيغ الجموع، فلو قسمناها على مراسم صناعة النحو، لأطلنا أنفاسنا، ولكنا نذكر مراسم على قدر مسيس الحاجة) إلى قوله (ثم لم يفصلوا الجمع إلى جمع القلة وإلى جمع الكثرة). قال الشيخ: ما ذكره ينقسم إلى ما ليس للأصول به تعلق بوجه، كالقول في علامات الإعراب، واختصاصها بهذه الحروف، واختلاف أحوالها رفعا ونصبا، وامتناع جمع بعضها جمع سلامة. هذا محض إدخال علم النحو في الأصول، ولكنه اقتصر على ذكر الأحكام دون العلل والأسباب. ونحن بعون الله وتوفيقه [نتوجه] ما ذكره على شرط أئمة العربية. فالجمع كما ذكر ينقسم إلى جمع سلامة وجمع تكسير، ومعنى كونه جمع سلامة: أنه يسلم فيها بناء الواحد، كقولك: زيد، ثم تقول: الزيدون، فقد سلم بناء الواحد. يقال فيه إنه الجمع الذي على حد التثنية. وإذا قلنا: موسيان وعيسيان وعصوان، فبناء الواحد مقدر، ولكنه على غير الإفراد، ولما جاءت
следующие страницы →