Полный текст (2 928 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
ذلك، والذي (٦١/ب) تخيله هؤلاء وهم [وزلل]، [وذلك أنه] لا يخفى [على من] [شدا] طرفا من العربية [أن] قول القائل: [مسلمان]، [مبني على قول القائل: مسلم]، وقول القائل: [مسلمون] مبني على قوله: مسلم [ومسلمين]. وهذه التقاسيم أظهر [من] أن يحتاج [في] إثباتها إلى تكلف وإطناب. ثم [ميزت] العرب [باب] الإناث) [إلى
стр. 737
قوله] (فلا شك في تناولها [لهما] كالناس والقوم [وما أشبههما]). قال الشيخ [أيده الله]: لا خلاف بين أهل العربية والأصول أن جمع المذكر السالم لا يتناول عند إطلاقه الإناث بحال، وقد قال الله تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات﴾ [الآية]. وهذا مقطوع به
стр. 738
على كل حال. ولم يذهب من ذهب من الأصوليين إلى أنه يتناول [الجنسين]، لأجل المنازعة في ذلك، ولا المناكرة فيه، ولكنه لما كثر في أحكام الشرع أن حكم [الذكور] والإناث واحد، وصار ذلك غالباً، [كان] تقدير هذه العادة الغالبة، تبين أن الشرع لا يقصد قصر الأحكام على الذكور، ولو ثبت بصريح اللفظ القصر على الذكور، لتعدي الحكم، بناء على القياس، إلا أن يثبت التخصيص [مقصودًا] بالقصر.
وإذا كان الحكم يتعدى، [بناء على القياس]، فإنما يصار إلى القياس، بنا على قصور اللفظ عن التناول. والحكم ههنا يصح استناده إلى اللفظ، وإن كان بطريق المجاز. ولا خلاف أن قول الله : ﴿يأيها الذين امنوا﴾.
стр. 739
لا يختص بالذكور، فهذا مستند الأصوليين الذاهبين إلى تناول [الجنسين]. ولكن هذا أيضًا غير مطرد، فإنه قد ثبتت أحكام للذكور دون الإناث، وللإناث دون الذكور، ولكن الغلبة في جانب المساواة. وإذا حكمنا بتناول اللفظ للذكور والإناث، فهل نقول: اجتمع في اللفظ موجب الحقيقة والمجاز، أو يكون تناولها جميعًا [مجازًا]؟ هذا مما يختلف فيه، وقياس مذهب القاضي (٨٦/ب) أن يكون مجازًا [صرفًا]، وقياس قول الإمام أنه اجتمع في اللفظ موجب الحقيقة والمجاز. وسيأتي لهذا مزيد تقرير في العام إذا تطرق إليه التخصيص.
قال الإمام: ([مسألة]: (من) من الألفاظ المبهمة، [وهي] إحدى
стр. 740
صيغ العموم [في اقتضاء الاستغراق، إذا وقع شرطًا، ويتناول الذكور والإناث]) [إلى قوله] (في قضية من القضايا). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من كون [) من)] الشرطية غير مختصة بذكور وإناث، وجمع ووحدان. الأمر على ما ذكره، لا خلاف عند أئمة العربية في ذلك.
стр. 741
ويثبت ذلك من (٦٢/أ) إبهام [الشرط] وعدم اختصاصه. إلا أنه [إن] كان مستند أصحاب أبي حنيفة ما ذكره من صورة جمع الذكور فيها على خلاف صورة [جمع] الإناث. فمتضمن هذا الطريق أن لا يتناول أيضًا جمع الذكور، نظرًا إلى أفراده، فلا يكون متناولًا واحدًا من الذكور، كالنكرة في الإثبات. وهذا لا يذهب إليه أحد، فلا يصح أن يكون هذا مستند القوم. نعم، إن التفت إلى [أن] لفظه لفظ الذكور، ثم يتمسك في التعميم بالإبهام، فهذا قد يكون وجهًا، وإن كان مريبا. أما التقرير الأول، فلا يتخيل له وجه بحال.
والذي يحقق أن لفظه لفظ الذكور، عود الضمير عليه في قوله:
стр. 742
(من بدل دينه فاقتلوه). وكذلك قوله: (من أحيا أرضا ميتة فهي له). وأما قول الشاعر، ففيه شذوذ من أوجه:
أحدها- أنه استعمل اللفظة في الخبر دون الحكاية، وهي لا تستعمل إلا في الحكاية بالزيادة.
والثاني- أنه أثبت الزيادة في الوصل، وهي لا تثبت إلا في الوقف.
الثالث- أنه حرك، وهي لا تستعمل إلا ساكنة.
فلا التفات إلى [هذه الجهات] من الشذوذ].
стр. 743
قال الإمام: (ثم للعرب مذهبان [سائغان]: [فمنهم من يكني عن معنى (من)، ومنهم من يرد الكناية إلى [اللفظ]]) إلى قوله ([والقانون المتفق عليه ما ذكرناه]). قال الشيخ: (من) [منفردة] اللفظ معناها
стр. 744
معنى الجمع في كثرة [التناول]، فيجوز رد الكناية إلى اللفظ تارة، وإلى المعنى أخرى، وكذلك القول في التذكير والتأنيث. وقد قرئ قوله تعالى: ﴿ومن يقنت﴾. و﴾ [من] تقنت﴾. واتفقوا على قوله: ﴿وتعمل صلحًا﴾.
وأما [قوله]: [إنهم] اعتبروا [بالبيت]، فقد بينا أنه لا يصلح أن يكون ذلك مستندًا.
وقوله أيضًا: (إن بعض العرب يقول .. ). ليس كما قال، وإنما [تقول] [العرب] للواحد من [الذكور]: [منه]، بشرط أن يكون
стр. 745
نكرة، هو في حال الوقف، فإذا صار إلى [الدرج]، أسقط العلامة.
وقوله بعد ذلك: (إنه من شواذ اللغة). [إن أراد] أنه لا يستعمل إلا في هذا المكان، فصحيح، وإن [أراد] أن شاذ في باب الحكاية للنكرات، فليس كذلك، فلا شي في حكايات [النكرات] إلا هذا.
وقوله: (إن ما ذكروه-[إن ساغ]-[فالأفصح] غيره). لا وجه له، فإنه لا طريق في حكايات [النكرات] إلا هو، فكيف يصح أن يكون الأفصح غيره؟ وإن أراد ما ذكره أصحاب أبي حنيفة من الاختصاص بالذكور، فليس [ذلك] لغة العرب بحال.
стр. 746
قال الإمام: (مسألة: اختلف الأصوليون في دخول المخاطب تحت الخطاب [في مثل القائل لمأموره: ) إلى آخر المسألة] . قال الشيخ:
стр. 747
هذا قول [بعض] الأصوليين، إلا أن أهل اللغة يفرقون بين (٨٧/أ) ألفاظ الحضور وبين ألفاظ الغيبة، فجعلوا للحضور الضمائر: كأنا وأنت ونحن، وما أشبه ذلك، وجعلوا الأسماء الظاهرة كلا للغيبة، وكذلك بعض المبهمات، ك (من). والذي يدل على صحة ذلك، لحوق علامة الغيبة الفعل، كقولك: زيد يفعل، وعمر يقوم، ولا تقول: زيد تقوم، [والتاء] علامة الخطاب في [المذكر]. وإذا كان كذلك، فقوله: من دخل الدار فله درهم، هذا كلام لا يتناول إلا الغائب. فكون القائل يكون داخلا تحته [مع] كونه مخاطبا متعذر،
стр. 748
إلا أن يعرض عن قضية الحضور والغيبة، ويلتفت إلى كونه داخلا. وهذا ضعيف، فإنه لو قال: من دخلها من جنس سماه، لم يتناول الخطاب غيره من الداخلين. وهذا أمر يفتقر إلى دليل، وليس ظاهر الخطاب يدل عليه، إلا أن يثبت أن واضع اللغة جعل ألفاظ الغيبة العامة تتناول المخاطب، وهذا لم يثبت.
فالظاهر عندي ما قالته الطائفة [الثانية] من الأصوليين.
стр. 749
قال الإمام: (٦٣/ب) ([مسألة: إذا ورد] خطاب مطلق في الكتاب [يشمل الأمة] بصيغة تصلح في الوضع للرسول ﵇ -) [إلى آخر المسألة]. قال الشيخ: الأمر [على] ما ذكره من شمول اللفظ من جهة
стр. 750
اللسان، وقبول الرسول الحكم، ومصير المحققين إليه. ومعنى كلام من ذهب إلى أنه غير داخل، أنه على خصائص، لم يرد أنه ثبت [له أحكام] يخالف فيها [الأمة] فقط، بل ترجع تلك الخصائص إلى تشريف وتعظيم لا توجد في حق غيره.
وأما الأحكام التي [تثبت] للمسافرين من دون المقيمين، والحيض [من] دون الطاهرات، فليس ذلك لمقتضى التشريف، لا جرم اشترك الجنس
стр. 751
في ذلك، [واللائق] بخطاب الإكرام [أن] لا يندرج [المكرم] مع عموم المخاطبين، وإن اتفق أن يكون هذا، فليس ذلك بضربة لازم، بل إن فعل ذلك، فإنه حسن، وقد قال الله تعالى: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار﴾. وقال الله تعالى: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء﴾. فخصه بالخطاب [وإن] أراد الأمة، وكذلك قال الله تعالى: ﴿يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾. فخض بالخطاب وذكرت الأمة [بعده]. هذا نهاية التشريف والتكريم، فلما قاله القوم وجه بين، وليس [يرجع] [إلى]
стр. 752
محض ثبوت أحكام امتاز بها عن الأمة، كما ذهب إليه الإمام.
والذي رد به الإمام على الحليمي والصيرفي، كلام بين، فإن الأمر بالتبليغ ثابت في جميع (٦٤/أ) آي القرآن، إما [مصرحًا به]، أو مقدرًا، والقائل هو الله ، ولم يؤمر الرسول بأن يقول: [إن القرآن ليس إليه وضعه، ولو كان المراد الأمر بأن يقول]، لأسقط [) قل)] من التلاوة
стр. 753
وابتدأ: يا [أيها]، فهذا خيال باطل، لاشك فيه، والقائل هو الله تعالى، وليس للرسول إلا التبليغ، والخطاب العام لا يغيره أمر بالتبيلغ.
قال الإمام: (مسألة: إذا وردت صيغة مختصة [في وضع اللسان برسول الله ﷺ ] إلى قوله (في طرد اعتقاد المشاركة) . قال الشيخ: الأمر على ما (٨٧/ب) ذكره الإمام [من] قصور اللفظ، من جهة وضع اللسان، ولكن يبقى النظر فيما استقر الشرع عليه. والصحيح أنه واحد من المكلفين، يطرد عليه ما اطرد على الخلق إلا ما ثبتت الخاصية فيه. كاختصاصه بصفي
стр. 754
المغنم، وتزويج تسع، وإسقاط فرض القسمة بين الزوجات عند بعض العلماء. فهذا [لا] سبيل إلى المشاركة فيه.
فإذا الأصول باعتبار غرضنا تنقسم: إلى أصل ظهرت المساواة فيه [بيننا] وبينه، فهذا [إذا] استقر فيه حكم له، ساويناه فيه. ولما (رأى ابن
стр. 755
عمر رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلا بيت المقدس، مستدبرا الكعبة لحاجت). استدل بذلك على عدم تحريم الاستقبال إذا كان في بناء. وكذلك ما يتعلق بالوضوء والغسل والصلاة [والبيع] وغيره. هذا مقطوع به.
[الأصل] [الثاني]: [أن تظهر] الخاصية في غير القضية، فهذا لا سبيل إلى التمسك به بالكلية، كتزويج تسع، ووجوب قيام الليل عند بعض الناس. وكذلك تفرقته بينه وبينهم في الوصال.
стр. 756
الثالث: أن يكون [الحكم] في قاعدة ظهرت فيها الخواص، ولكن لم تثبت الخاصية في الحكم المعين، فهل يقع الاقتصار عليه، أو يحكم بتعدية الحكم إلى غيره؟ هذا في محل النظر. [فقد] يقال: إن خاصيته في القاعدة في القليل منها، والكثير جرى فيه على المساواة، فيقضى بالمساواة إلى كثرة الأحكام التي ساوى الأمة فيها. وقد يقال: [يقع] الاقتصار [لاقتضاء] الصيغة التخصيص، والعلم بخصائص الرسول في القاعدة.
والأغلب [على الظن] الالتفات إلى الكثرة في الاقتصار والمجاوزة. فهذا يقضى [فيه] بالقياس، نظرا منا إلى أكثر الأحكام المعللة. وإن أمكن الاستثناء والتعبد، فلا تكون الأمور النادرة مانعة لنا من إجراء الأمر على الغالب
стр. 757
في مسائل الظنون. هذا هو الظاهر عندنا [في] هذه القاعدة.
قال الإمام: (ومما يتعين [له التنبيه] [الآن إلى أن يجيء تقريره في باب (التأويلات) أن كل ظهور متلقى من وضع اللسان]) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: قول الإمام: (إنه نظر أن الصحابة كان يحتج بعضهم على بعض بالآيات الواردة في حق الرسول ﷺ . وقال: (لا أقطع بهذا منهم في اعتقادهم طرد المشاركة). ورتب على ذلك أنه (لا يتمسك بهذا النوع من غلبة الظن). يقول: إنه لا يعمل في الأصول بشيء مظنون، إلا إذا انعقد عليه إجماع أو نص عن الرسول ﷺ . وهذا الأصل فيه تنازع كثير، ولم
стр. 758
[يف] الإمام [بطرده] في [ذلك]، وقد قال هو: إنه إذا نقل الإجماع على ألسنة الآحاد، تُلقي منه العمل، ونُزِّل منزلة أخبار الآحاد الثابتة عن الرسول [ ﷺ ]. لأولم ينعقد على تنزيله منزلة أخبار الآحاد إجماع]، إذ العلماء في ذلك مختلفون.
وكذلك يقول القاضي في قياس الشبه: إنه باطل. وقال: لا أخطيء من
стр. 759
قبله، وسلك به مسلك مسائل الإجماع، وإن كان الكلام في نوع من أنواع الأقيسة. وكذلك قال الإمام في كتاب الأخبار: ([إن أخبارًا كانت] تنقل عن الصحابة، فيعمل بها قوم ويردها آخرون. وكانوا ينزلون ذلك منزلة مسائل الظنون). وهذا هو الصحيح عندنا. وإذا ظن الإنسان إجماع الأمة بناء على نقل [العدل] أو غيره (٨٨/أ)، فكيف يتفق له ترك الحكم وهو يظن ثبوته؟ هذا هو الأصل، إلا في مواضع منعت الشريعة من العمل [بها]، وإن كانت غلبة الظن حاصلة، نظرًا للتعبُّد، كما في أبواب الشهادات.
ومن عجيب الأمر أنه إذا ظفر بالفعل منقولًا عن الرسول [ ﷺ ]، [استند الفعل إليه قطعًا، لأنه ثبت] عند من سيرة الصحابة أنهم كانوا يعتقدون المشاركة في الفعل. [وإنما] يصير الفعل دليلًا (٦٢/ب) في حقه وفي حق غيره، لكونه مشروعًا [له]، وثبوت اعتقاد المشاركة بيننا وبينه، فإذا صودف دليل الحكم، كيف تنقطع المشاركة التي ثبتت عندما لا يوجد سوى الفعل؟ هذا ظاهر في التناقض.
وقد يعتذر له بعذر ضعيف، فيقال: إذا ثبت الفعل، أمكن أن يكون
стр. 760
الدليل الذي دله على الحكم مسترسلًا، يتناوله وغيره، فاعتقدت المشاركة لإمكان ذلك، وأما الخطاب المختص به، فلا يمكن اعتقاد الاسترسال فيه. وهذا ضعيف، وما استدل القوم بالفعل إلا لاعتقادهم المشاركة في التكليف.
فإذًا الصحيح عندنا أن نتمسك بفعله المطلق، وبالخطاب المختص، إذا انتفت الأدلة الدالة على أنه من خاصيته. وكذلك فهمت الأمة أن الرسول ﷺ والناس في التكاليف شرع، وقد قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي).
وقال (خذوا عني مناسككم). وقال للذي سأل عن القبلة للصائم بأنه يفعله، ولم يقنع المستفتي بذلك وطلب صريح الفتوى، [فقال ﷺ ]: إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله [ ] وأعلمكم بما أتقي).
واستدل العلماء على جواز التخيير للزوجات بتخيير رسول ﷺ نساءه. ولما ذهب بعض الناس [إلى] أن بنفس التخيير تطلق المخيرة، ردت عائشة ﵂ على ذلك القائل، وقالت: (قد خير رسول الله ﷺ أزواجه
стр. 761
فاخترنه، فلم يعد ذلك طلاقًا). وإن كان التخيير ورد فيه خطاب مختص بالرسول ﷺ . وهو أيضًا في قاعدة ظهرت [منها] خصائصه، ولم يمنعهم ذلك من اعتقاد المشاركة في الحكم.
فإذًا الصواب ثبوت الاشتراك على الإطلاق في المنقول، وفي الخطاب المختص، إلا أن يدل دليل على أنه خاصية. وبالله التوفيق.
قال الإمام: (مسألة: إذا [خصص] رسول الله ﷺ واحدًا من أمته بخطاب) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: إذا خُص واحد من الأمة.
стр. 762
بخطاب، فالمسألة من جهة اللغة واضحة في الاختصاص. وإن تعدى الحكم عنه إلى غيره، فإنما يكون [ذلك على] تقدير مساواة المحكوم فيه لغيره، ولم يثبت كون المحكوم فيه مختصًا بذلك الحكم، وإن ثبت اختصاصه [به]، فلا سبيل إلى أن يتجاوزه الحكم، كما قال [ ﷺ ] لأبي بردة بن نيار: (تجزئك ولا تجزئ عن [أحد] بعدك). وقال في شأن مكة: (إنما أحلت
стр. 763
لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها ليوم خلق [الله] السموات والأرض).
وكذلك قبول شهادة خزيمة وحده. فإذا ثبتت الخاصية، اقتصر الحكم.
стр. 764
فإن قيل: إذا وجد في الشريعة التسوية بين المخاطب وغيره، ووجد اختصاصه بالحكم دون سواه، فكيف السبيل إلى التعميم مع ثبوت الانقسام؟ قلنا: لما قرر (٨٨/ب) الشرع أن الحكم على الواحد حكم على الجماعة، وقرر التسوية في الأحكام إلا في محل الخصائص، مع كونه ﷺ كان لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، وهو يعلم أنه لما قرر تلك الأدلة، فالنا (٦٣/أ) يعممون الأحكام، على حسب ما قرره [لهم]، فلو كان الحكم يختص، لنبَّه على اختصاص المخاطب به، [كما قال] في حق أبي بردة [بن نيار]. هذا هو المعروف من الشريعة، لكن لا يثبت تعميم [الحكم] إلا بعد تحقيق المساواة بين المخاطب وغيره. وهذا يفتقر إلى تمام بحث وكشف عما يمكن أن يكون له [أثر] في الحكم.
قال الإمام: (مسألة: إذا ورد خطاب الشارع على سبب مخصوص
стр. 765
وسؤال عن واقعة معينة) إلى قوله ([وهذا كافٍ في [مسلك] الكلام على هذه الآية]). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذه المسألة مع التمسك بعموم اللفظ دون خصوص السبب واضح، لا إشكال فيه.
وينبغي أن ننبه على أصل ترجع إليه مسائل كثيرة، وهو أنه لما تقرر أن التمسك بالعموم لازم في مسائل الظنون، فلابد [من التمسك به، ولا سبيل]
стр. 766
إلى تعطيله من غير معارض، [إذ] المعارض هو المناقض، بحيث لا يتأتى التمسك بالدليل على وجهه، والمعارض يدافعه.
[وأما] إذا كان الوارد على الدليل لا يعارضه، فكيف يسوغ ترك دلالته من غير (٦٤/ب) [معارض]؟ ويتبين انتفا المعارضة بالتمكن من التمسك بالدليل والاعتراف بصحة ما أورد عليه، فيتبين بذلك [أن لا] معارضة. إذ المتعارضان متضادان، ومن المحال اجتماع المتضادات. ويصح في هذه المسألة أن يعترف بخصوصية السؤال، وتحصيل جوابه، مع تمسكنا بعموم اللفظ فيما وراء ذلك، فلما تصور هذا، بطل التضاد.
وقول القائل: إنه [إنما] قصد جواب السؤال خاصة، غير مسلم. نعم، قصد جواب السؤال من غير إشكال، فأما الاقتصار عليه، فهو محل النزاع، واللفظ ظاهره دال، فلا معنى لترك دلالته بالوهم الصرف. وإن أمكن تخصيصه بالسؤال، أمكن أن تخصيصه بالسؤال، أمكن أن يقصد ابتداء التأسيس. وإذا لم يترجح أحدهما على الآخر، وجب التمسك باللفظ ومقتضاه العموم.
стр. 767
وأما معنى كلام الشافعي على الآية، [فإنه] قال: حرمت الكفار ما أحل الله، وأحلوا ما حرم الله، فكانوا على المضادة والمحاداة، فجات الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حرام إلا ما [أحللتموه]، نازلا منزلة قول القائل [لمن] يقول له: [لا] تأكل اليوم حلاوة، فقال: ما أكلت اليوم إلا حلاوة. والغرض المضادة، لا النفي والإثبات على الحقيقة، فكأنه تعالى قال: لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم و [الخنزير]، وما أهل لغير الله به، ولم [يقصد] [حل] ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل.
وأما قوله: (ولولا سبق الشافعي [إلى] ذلك، [لما] كنا
стр. 768
نستجيز مخالفة مالك فيما ذكره الله تعالى). وقوله: (ومسألة الخلاف فيما إذا كان كلام الشارع مستقلا). ترجمة المسألة ترشد إلى ذلك، فإنها
стр. 769
مترجمة: بورود العام على [سبب] خاص. [وأما] إذا كان الجواب لا يفرض له رتبة الاستقلال، لو قدر الابتداء [به]، فليس موضع خلاف، بل إنما يصير خلافا [في المستقبل] بارتباطه بالسؤال، فينتظم منهما جميعا كلام.
стр. 770
وقوله: ([وما] ذكره (٨٩/أ) الشافعي من الكلام على الآية، فهو في غاية الحسن، ولولا [ما عهدناه]، لكانت الآية نصا). هذا عندنا غلط، [وليست] الآية نصا على حال. وتوهمه النص فيها، من جهة ما اشتملت عليه من نفي وإثبات، فاللفظ نص في النفي والإثبات جميعا. وهذا لا نزاع فيه، وإنما الكلام في عموم ما اشتمل النفي عليه في قوله: ﴿لا أجد في ما أوحى إلى محرمًا [على طاعم يطعمه]﴾. والنكرة في النفي إحدى صيغ العموم. وقد تقدم أن المذهب الصحيح أن الألفاظ ظواهر في الاستغراق على الشروط التي تقدمت. فهي وإن كانت نصا في [أصل] النفي، إلا أنها ظاهرة في عموم النفي.
стр. 771
[وقوله]: (ولم يدع أحد من حملة علوم القرآن النسخ فيها). ليس كما قال، بل للعلماء في هذه الآية مذاهب: [منهم] من يقول: [إنها منسوخة، ومنهم من يقول إنها مخصوصة، ومنهم من يقول: ] إنها مقرة على ما دل عليه ظاهرها، ومنهم من يقول: إنها مقرة، لكن ألحق بهذه [الأشياء] غيرها. وكأن هذا القائل سلك مسلك الخبر، أي: لا محرم ذلك الوقت إلا ما اشتملت عليه الآية، ثم تجددت بعد ذلك أحكام. فدعوى الإجماع على نفي النسخ [باطلة].
وقوله بعد ذلك: (وأنا أقول: مقتضى هذا السياق الذي هو
стр. 772
[متمسك] إمام دار الهجرة مالك يقتضي تحليل الحشرات والقاذورات والعذرات). غفلة عن مقتضى (٦٥/أ) الآية، [ووضع اللغة العربية. أما مقتضى الآية]، فإنها لا تتضمن الحل، وإنما تضمنت نفي التحريم. فلو قال: مقتضى ما ذكره نفي تحريم هذه الأشياء، لأمكن قبوله. أم كونه يقول يقتضي تحليلها، فغلط وما إدخال العذرات في هذا الباب، فهو [خطأٌ] بين من الملزم، فإن أهل اللغة يطلقون الطعم على غير ما ذكره هذا الإنسان، ولما أطلق لفظ (طاعم)، أشعر ذلك بطعام، فليس العذرة مما يطلق عليه طعام بحال.
وأما كونه يدعي على السلف القطع بالتحريم، فيا لله ويا للمسلمين، [أيكون] الإمام أعرف من مالك بمواضع إجماع الصحابة واختلافهم، مع قرب عصره ومحل ولادته وتربيته، ودوام اشتغال بالبحث عن أحوالهم وأقوالهم؟ هذا والله محال. [غير] أنه قد نقل عن القوم خلاف ما ذكره، (سئل ابن عباس عن الحشرات، فأفتى بحلها، وتلا الآية).
стр. 773
ثم إنه اقتصر في نسبة مالك [﵀] إلى خرق الإجماع على التمسك بعادة الصحابة، ولم ينقل في ذلك شيئا أصلا، غير أنه قال: قطع السلف بالتحريم فيه).
ثم قال: ([ورُبَّ] شيء لما استقر عنده من مذهبه ومذهب أصحاب تحريم هذه الأشياء، قضي بأن [الآية] كذلك عند الصحابة. [وهذا] نقل إجماع بطريق القياس [على مذهبه]، وهذا [فيه] نهاية التمويه والإلباس.
وسننبه في هذا المكان على أمر ينبغي أن يعتني بحفظه، وذلك أن الأمور
стр. 774
التي تعلم من أحوال الماضين، فيها ما كان لعادة فيها تصرف، [وقضي بأن] من تقدم كانوا يأكلون ويشربون ويفرحون ويحزنون، ولا ينفك عصرهم من مائل إلى الشهوات، وراكن إلى اللذات والراحات، لا جرم لا يخلو عصر من الأعصار عن ذلك. نعم، قد يتفق أن [يقل] في قوم، ويكثر في آخرين، كل ذلك [نظرًا] منا إلى العوائد، وتلقي الأحكام منها، فهذا [هو] (٨٩/ب) الذي [يُقْضَى] على أهل الأعصار [الخيالية] فيه، تمسكًا بالعادات، والأمن من انخراقها، وكذلك القول في عيافة الطبع المستقذرات، وميل النفوس إلى الثناء، ونفرتها عن الذم. كل ذلك العادة وأهلها [فيه] على التداني.
وأما ما يرجع إلى الأحكام الشرعية، فمن أين يلزم إذا ظن قوم شيئا، وليسوا [من] أهل الإجماع، أن يكون ظن الأولين بجملتهم على ما ظنه البعض في هذه الأعصار؟ ولو صير إلى التمسك بالعوائد، فما صح أن يختلف أهل هذا العصر [فيه، صح أن يختلف فيه أهل العصر] الأول، ولم ينقل عن الأولين تحريم الحشرات بحال.
стр. 775
نقل أبو داود: (أن ابن عمر كرهها، وأبى ذلك البحر، يعني ابن عباس). ثم أطلق لسانه في مالك ﵀، ونسبه إلى [استيطاء مركب العقوق]. فيا ليت شعري ما الذي عنه بكونه عاقا؟ هل عقه؟ فهو بحمد الله غير ملتفت إلى أصحاب هذه المقالة [حتى يعقهم]، إذ هو [مجتهد] [يعمل] بما أراه لله تعالى، أم عق صاحب الشريعة؟ وهذا هو الذي أراده صاح الكتاب، لأنه نسبه إلى جحد الأدلة القاطعة. ومعاذ لله أن يكون الأمر كذلك، وما ينبغي أن تطلق الألسنة في الأئمة على هذا الوجه، فإن هذا يقبح (٦٥/ب) من العوام فيما بينهم.
﵀ ورضوانه على القاضي أبي بكر حيث يحسن العبارة في الرد على الشافعي، فإنه [لما قال] قال الشافعي: ([مراسيل] [ابن
следующие страницы →