Полный текст (2 928 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وقد ذهب القاضي في بعض مقالاته إلى أن اتحاد الصفات [لا يتلقى] من العقل، (٩٢/ب) وإنما هو متلقى من الإجماع. وهذا فيه نظر. وقد وجه عليه أنه، كيف يدعي الإجماع على [نفي] تعدد العلم، ومن الأمة من لا يثبت أصل العلم للقديم؟ فكيف يدعي الإجماع على اتحاده؟ [أجاب] القاضي عن هذا بأن قال: أجمعت على نفي علم ثان قديم، فلا ذاهب من الأمة [إلى] إثباته، وأصل العلم دلت الأدلة العقلية على ثبوته. [هذه طريقته]، والذي قاله صحيح، وفي أدلة العقل غنية وبلاغ.
стр. 807
قال الإمام: (مسألة: إذا اشتمل الكلام على جمل، واستعقب الجملة الأخيرة استثناء) [ إلى قوله] (وفصل الجمل إجمالا ووقفا). قال الشيخ: اختلف الأصوليون في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب، وأثبت الإمام تفصيلا، فتصير المذاهب على هذا أربعة: ما في الكتاب، ومذهب ثالث،
стр. 808
وهو مذهب الواقفية.
أما أصحاب الشمول، فقد ذهبوا إلى ما ذكره، محتجين بما قرره [لهم]، وبأمرين آخرين:
أحدهما- أنهم قالوا: الاستثناء كالشرط والصفة، والشرط اللاحق، والصفة أيضًا اللاحقة ترجع إلى الجميع، فينبغي أن يكون الاستثناء كذلك.
стр. 809
والجواب عنه: أن هذا قياس في اللغة، واللغة تثبت نقلا لا قياسا. كما سبق.
الثاني- أن [لا نسلم] رجوع الصفة والشرط إلى الجميع، بل [يختص] عند المخصص، أو [يتوقف] فيه عند الواقف. نعم، سلم ذلك بعض أصحاب أبي حنيفة، وهو صعب على القوم، [ولكن] يمكن أن يكون مستندهم من حيث الجملة أن الشرط له صدر الكلام وإن تأخر. ولهذا يقدر
стр. 810
في [قولك]: أكرمك إن جاء زيد، معناه: إن جاء زيد أكرمتك. هذا هو التقدير عند أهل اللسان. [فإن] كان كذلك، فالشرط متقدم في الحقيقة، والاستثناء [مؤخر]. وهذا الكلام [فيه ضعف]، فإنا لا ننازع في أن الشرط يجب تقديمه، [و] لكن على أي جملة؟ هل على الجمل كلها، أو على الأخيرة منها؟ فلا يرجع الأمر إلا إلى الدعوى.
وقالوا أيضًا: [تكرير] الاستثناء عقيب كل جملة قبيح، [وعيُّ]
стр. 811
[من] القول، [لا] سبيل إلى النطق به في الكلام الفصيح. وهذا فاسد لا خفاء بفساده.
وقولهم: إنه قبيح، لا يسلم الواقف [قبحه]، بل يقول: [لا تحصل] [العبارة] إلا به. ثم [لو قدر] أنه قبيح، فمن أين يتحقق أن المتكلم قصد الجميع، [مع] صحة صرف الاستثناء إلى الأخير، وقصره عليه؟
стр. 812
وأما المخصصة فقد تمسكوا باستقلال الجمل، وأن الآخذ في الجملة الثانية معرض [عن] الأولى، [فلا يرجع الاستثناء إليها، وهذا باطل من وجهين:
أحدهما- أنه لا نسلم انه معرض عن الأولى]، إلا بتقدير الاقتصار عليها، [وأما] إذا كان في [مساق] كلامه، لم يسكت عليه، ولا اقتصر، فمن أين يتحقق إضرابه [عن الأولى]؟ ويحقق هذا أيضًا اعترافهم برجوع الشرط والصفة إلى الجميع.
стр. 813
وأما الواقفية فقد قالوا: (٦٩/أ) إذا بطل كلام المعممين، ووضح تحكم المخصصين، لم يبق سوى الوقف. ويسلكون في هذه المسألة مسلكهم في بطلان كون الأمر له صيغة، وهل للعموم صيغة؟ والكل على [حدِّ] واحد، فيما يتعلق بالقياس ووضع اللغات.
ولكن سلك القوم [مسلكا] عظيما في هذه المسألة. وذلك أن القاضي وأصحابه يقولون: إنه يصح أن ينفصل الاستثناء عن الجملة الأخيرة، فتبقى الجملة على (٩٣/أ) إطلاقها، ويرجع الاستثناء على ما قبلها. وهذا بعيد عن وضع اللغة بالكلية، [فهلا] جعلت الجمل كلها كجملة واحدة، لأجل
стр. 814
) الواو) المشتركة، ولا حكم [لكل جملة] [بالاستقلال] والتقاطع؟ فهذا مذهب غريب جدا.
وأما [مذهب] الإمام، فلم يبن على وضع اللغة، وإنما [بني كرمه] على قضية فقهية في تباين المقاصد [ومقاربتها]. [والظاهر] [عندنا] أيضًا خلاف ما ذهب إليه، والجمل [بالتشريك] [بالواو] في معنى الجملة الواحدة. هذا هو الظاهر في العطف، إلا أن تكون (الواو) للابتداء فتنفصل الجملة [الثانية] عن الأولى، وقد قال الله تعالى: ﴿لنبين لكم ونقر
стр. 815
في الأرحام ما نشاء﴾. وقال: ﴿فإن يشا الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق﴾. [وإذا﴾ ترددنا في العطف [والاستئناف]، حكمنا بأن الاستثناء ينعطف على الجملة الأخيرة، لاتصاله بها. وتوقفنا [عن] انعطافه على ما سبق. هذا هو الذي يصح عندنا. والله الموفق للصواب.
وقد [استدل] القاضي في صحة صرفه عن الأخيرة إلى غيرها بقوله تعالى: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لأتبعتم الشيطان إلا قليلًا﴾. قال: لا يصح أن يرجع هذا الاستثناء إلى الجملة الأخيرة، فإن من لا يصبه فضل الله، لابد أن يتبع الشيطان، فلزم صرفه إلى ما تقدم من الجمل، وهي قوله: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ إلا قليلًا ممن قصر في النظر، ولم يستوعب الفكر، ولم يكمل
стр. 816
[السبر]، فيظن أنه من أهل الاستنباط، وليس منهم. وهذا الذي قاله ممكن، ويمكن خلافه.
والتقدير عندنا: ولولا فضل الله عليكم ببعثة محمد ﷺ لاتبعتم الشيطان، إلا قليلًا ممن من الله عليه بالإسلام والتوحيد، كقس بن ساعدة، وأويس القرني. هذا [عندنا أولى] مما ذكره القاضي.
ومحط المسألة اللغة. والذي ذكرناه نقطع به، ولكنه يظهر من كلام أئمة العربية في التشريك بالواو.
قال الإمام: ([وما آية القذف]، فإنها خارجة عن القسمين جميعًا،
стр. 817
[على] ما [سنوضحه] الآن) [إلى قوله] (مع استمساكنا بالحق [اليقين] في مأخذ الأصول). (٦٩/ب) قال الشيخ: ما ذكره الإمام في معنى [الآية] أمر عجيب، وتفسير غريب، وكون (الواو) من حروف التعليل، مما لم يقله أحد من أئمة العربية.
وللتعليل حروف صراح وظواهر [وإيماءات]. فصرائحه معروفة، [كاللام] و) كي) [و) لأجل)] و (من أجل) و) بأن ذلك). [وللإماءة] [صور] كثيرة، [و) الفاء) من جملتها]، كقوله: (سها فسجد)،
стр. 818
(وزنى ماعز فرجمه رسول الله ﷺ . [ومنها] ترتيب الحكم على الأسماء المشتقة، إما مطلقًا، وإما بشرط المناسبة، إلى غير ذلك من [كلمات الإيماء] [والتنبيه].
وأما عد [) الواو)] من هذا الباب، فلم يصر إليه [فيما] عرفناه من الأصوليين [والنحويين أحد]. وقد عد الناس محامل (الواو)، وهي إما أن تكون عاطفة أو للابتداء. [وكونه] يقول: ([فصار] كأنه قال: لأنهم
стр. 819
فاسقون). هذا [إبداء] إمكان من غير استدلال. بل نقول: الجمل [مستقلة] بأنفسها.
وقوله: ([فإن] الشهادة في [هذه] المحال [بالفسق] (٩٣/ب) ترد). لا يسلم له ذلك، بل يصح أن يكون رد الشهادة زيادة عقوبة في حقه، حتى يعذب بالعذاب الحسَّى، وهو الحد، والعذاب المعنوي، وهو سلب منصب الشهادة، ويكون فاسقًا [بذلك]، وأما الحد، فلا ينعطف الاستثناء عليه، لأنه تعلق به حق المقذوف من أن تظهر راءته بحده له، فيصير من حقوق الآدميين التي لا تؤثر التوبة فيها. ولا خلاف بين الناس أن حقوق الآدميين لا تسقطها التوبة، بل لابد من التنصل من مظالم العباد، وذلك من جملة التوبة.
стр. 820
وهل تسقط التوبة [الحدود] أم لا؟ مع اتفاقهم [على] أنها تسقط الآثام المختصة بالله [سبحانه]. ذهب مالك [﵁] إلى أن التوبة لا تسقط الحدود، وهو أحد قولي الشافعي، والقول الآخر للشافعي أنها مسقطة. وهم متفقون على أن التوبة تسقط [حد] الحرابة، بقول الله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فأعلموا أن الله غفور رحيم﴾. والشافعي جعل هذا أصلا، وقاس عليه في أحد قوليه. ومالك تمسك بالخبر الصحيح: [رجم] رسول الله ﷺ الغامدية، وقال في حقها: (لقد تابت توبة (٧٠/أ)
стр. 821
لو تابها أهل بلدة لوسعتهم). وفي حديث آخر: (وهل وجدت أفضل [من] أن جادت بنفسها). وهذا تصريح بكمال التوبة مع إقامة الحد. وكذلك سائر الحدود، إلا حد الحرابة. وسبب خروجه عن قاعدة الحدود: شدة الشوكة، وعظيم المفسدة، بما تعاطوه من المغالبة، فجعل ذلك لاستنزالهم عن شوكتهم، كما فعل ذلك في الحربي. [فثبت بهذا] أن التوبة لا تتعدى إلى الحد بالوجهين المذكورين.
[وأما رد] الشهادة، فليس من أبواب الحدود، وإنما هو [زيادة سلب منصب، لتتحقق الصيانة عن الإقدام على القذف]. فصح أن تؤثر التوبة فيه.
قال الإمام: (فإن قيل: إذا حبس على فرق وطوائف، [وعقب الجملة] الأخيرة استثناء، فبم تفتون؟ ) إلى قوله (على جميع المذكورين).
стр. 822
قال الشيخ: ما ذكره الإمام واضح، [وقد] يقول [قائل]: إن الأولين [قد] ثبت في حقهم الأخذ بالقول الأول، وإنما نحن على تردد في انعطاف الاستثناء المخرج، ولا يمنع بالشك والاحتمال. وللقائل أن يقول: إنما [يثبت] استحقاق الأولين على تقدير السكوت، فأما إذا لم يتفق السكوت عليهم، فنحن [نتردد] في الاستحقاق. هذا هو الظاهر في ذلك.
قال الإمام [﵀]: (مسألة: إذا استغرق الاستثناء الجميع كان باطلا [ولغوا] إلى آخر المسألة . قال الشيخ: قد قدمت أن مذهب
стр. 823
القاضي في الاستثناء هو مذهب البصريين من النحويين، وهم [ذوو] التحقيق في فن العربية، وإليهم المرجوع في فهم اللغة، لاسيما الخليل بن أحمد، والنضر بن شميل وسيبويه، وهم متفقون على ذلك. ولكن لم أظفر لهم بدليل واضح يدل على هذا الحكم، إلا أن يكون النقل عندهم [ثابتا]، فهذا إذا كان كذلك، فمسلم، وإن لم يثبت النقل، فلم يبق إلا الاستقراء، والاستقراء ثابت في اللغة أنه لن يستثن النصف، بل إنما يأتي الاستثناء على طريق الاستدراك [للقليل]، بالإضافة إلى الكثير. (٩٤/أ).
هذا هو المنقول، وهو الثابت في الكتاب، قال الله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾. وقال: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون (٧٣) إلا
стр. 824
إبليس﴾. وقال: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون (٨٨) إلا من أتى الله بقلب سليم﴾.
وهذا عدد قليل بالإضافة إلى غيره، فيجب الاقتصار على المسموع، ونمنع الزيادة، بناء على القياس، لامتناع القياس في اللغة.
وقد صار إلى مذهب القاضي من الفقهاء عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك، وأكثر الفقهاء على خلاف ذلك، [ويجوزون] الاستثناء مطلقا. أما من يراعي المقاصد، فكرمه [واضح]، وأما من يراعي ظواهر اللغة، ويقتصر عليها، فيضعف كلامه [بما] قررناه. والظاهر عندي من جهة اللغة الوقوف على المسموع. والله المستعان.
стр. 825
قال الإمام: (مسألة: ذكر الفقهاء اختلاف الشافعي وأبي حنيفة) [إلى قوله (يضاهي ذلك]). قال الشيخ: [الاستثناء من غير الجنس يسمى الاستثناء المنقطع، وهو ثابت في اللغة والقرآن العزيز، قال الله تعالى: ﴿فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾. وقال: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون (٧٣) إلا إبليس﴾. وقال: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾. والمرحوم ليس بعاصم، ولكنه معصوم.
стр. 826
واختلف الناس بعد ذلك، هل الاستثناء [حقيقة] أم لا؟ واختلف فيه قول القاضي، والظاهر من كلام أهل العربية أنه استثناء حقيقة، بل لا وجه فيه إلا الاستثناء. وقد تقدم أن جانب النظر باطل فيه. وأما حقيقة الشيء، فيجوز أن يكون المراد به ههنا انعطاف الكلام على خلاف جهته، من نفي إثبات، أو من إثبات إلى نفي، فيسمى ذلك استثناء، وإن لم يكن فيه حقيقة الإخراج.
فإن قيل: فينبغي إذا نطق الإنسان بجملة إثباتية أو سلبية، ثم نطق بضها، أن يكون مستثنيا، وليس الأمر كذلك. قلنا: قد بينا أن الاستثناء يعد جزءا من الكلام الأول، ولا يقدر جملة مستقلة بحال، فإذا جيء به على الجملة [الثانية]، لم يكن استثناء، إذ خرج عن كونه جزءا. هذا هو الظاهر.
وأما إذا قال: عندي ألف درهم إلا ثوبا، فالظاهر ما قاله أبو حنيفة، إذ الاستثناء من غير الجنس غير [منقض] للكلام الأول، فبقي على ما كان عليه. وإذا قال الشافعي: يقبل ذلك، وينقص من المقر به مقدار القيمة، فهذا عدول عن الظاهر بالكلية.
стр. 827
وقول الإمام: (فإن صح في [مسائل] الظنون التعبير بالثوب عن قيمته، فالقيمة هي المستثناة إذًا، إذ هي المجانسة). فكلام] غير صحيح، ولا سبيل أبدا إلى أن يجعل الثوب [عبارة] عن القيمة.
وإنما يكون هذا من باب حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، كما [قررناه] في أبواب المجاز، وهي كقوله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾. فليس نقول: إن القرية عبارة عن الأهل، ولكن المراد: اسأل أهل القرية.
هذا النوع من المجاز يفتقر إلى استعمال، فإنا قد قررنا أن هذا مقصور على السماع، فيقال: سل الطلل، والربع، والمنازل، والدار، ولا يقال: سل
стр. 828
[البساط] والكوز، ويراد به صاحبه، فإذ تقرر ذلك، امتنع هذا النوع من التجوز، [لعدم] سماعه. [ولكن] [أبا حنيفة] نقض [قوله] [بتجويز] استثناء (٩٤/ب) المكيل من الموزون، والموزون من المكيل. وهذا لعمري نقض بين، والتعلق بالمناقضات غير مفيد، فيما يتعلق بالحقائق، إلا على جهات تقدم ذكرها، وسيأتي لها مزيد تحقيق في باب النقض.
стр. 829
وأما مالك ﵀، فقد سلك بالمعاوضات في الاستثناء من غر الجنس مسلكا آخر، فقال: إذا قال الرجل: بعتك هذه السلعة بدينار إلا قفيز حنطة، كان القفيز مبيعا من السلعة. وهذا عجيب، فلم يلغ الاستثناء [بخروجه] عن الجنس، كما قال أبو حنيفة، ولم يجعله منقصًا، ردًا إلى التأويل الذي ذكره الشافعي، ولكنه في التحقيق راجع إلى قول الشافعي، [ولكنه] زاد زيادة من وجه آخر.
[وبيان] رجوعه إلى طريق الشافعي: أنه يقول: لما قال: (بدينار إلا قفيز حنطة) وأورد لفظة الاستثناء على الدينار، اقتضى ذلك تنقيصًا من جهة مقصد المتكلم، [فإنه] لم يجعل الدينار بكماله ثمنًا للسلعة، وأبقى منه مقدرًا يقابل القفيز، [فكأنه] قال: ذلك البعض من الدينار يجعل عوضًا للقفيز. فمن هذه الجهة يكونان مبيعين. وإنما فعل ذلك، لأنه [لو] استثنى
стр. 830
من الدينار قيمة القفيز للإسقاط، للزم أن يكون (٧١/أ) البيع فاسدا في السلعة. [فإذا] جعلت ذلك ثمنًا للقفيز، لم يضر الجهل بما ينوب كل واحد من القفيز والسلعة، لما كان المالك واحدًا.
[فهذا] [وجه] هذا المذهب، وهو لعمري يمشي على أصل مالك، في أنه لا يراعي مناسبة الألفاظ، من جهة اللغة في صحة العقود، إذا فهم المقصود. وإنما يعسر الأمر على الشافعي، الذي يشترط مناسبة الألفاظ. هذه نهاية الكلام على الاستثناء وفصوله.
قال الإمام: (فصل- قد ذكرنا ما يتعلق بالأصول من [حكم] الاستثناء) إلى قوله (وأمثلة ذلك تكثر). قال الشيخ: أما التخصيص فهو:
стр. 831
الإفراد في اللغة، من غير قصر على الذكر، يقال: خص المطر بني فلان، وخصه الله تعالى بأمر من فضله. ولكن غلب [في] عرف الأصوليين [إطلاقه على] ما يتعلق بالذكر. وهل يكون العموم والخصوص من عوارض الألفاظ، أو يرجعان إلى الكلام، [لا إلى] الألفاظ؟ وقد تقدم [من] كلام الأئمة أن العام والخاص قولان قائمان بالنفس.
وقال أبو حامد: إنهما من عوارض الألفاظ. وما يظن به إنكار كلام
стр. 832
النفس، [وإنما] الظن به أنه أراد الصيغ، لانتشار الكلام [عليها]، والحاجة إلى معرفة وضع اللغة فيها.
وقول الإمام: (إن اللفظ باعتبار العموم والخصوص ينقسم ثلاثة أقسام: إما خاص مطلقًا، كزيد، وهذا الرجل، وإما عام مطلقًا، كالمعلوم والمذكور، وإما [خاص] من وجه، [وعام] من وجه، كالزَّيدَيْن [والزَّيدِين]). كلام صحيح، والمراد بالمذكور: ما يصح تعلق الذكر به، [أو ما] هو مذكور لله . [وإذا] [أريد] ذلك، لم يتصور وجود لفظ أعم من هذا [بوجه]. ولهذا [كان] هذا النحو من الألفاظ لا يتصور التجوز فيه بحال. [إذ] كيف يتصور أن يكون مجازًا فيما هو حقيقة فيه؟ وقد اعترض أبو حامد
стр. 833
على هذا، وقال: المذكور لا يتناول المسكوت عنه، والمعلوم لا يتناول المجهول. قال: ومن هذه الجهة يمكن أن يقال: ليس [يوجد] في الألفاظ عام مطلقًا. وقد (٩٥/أ) بينا نحن المراد الإطلاق، وأن المراد به: إما ما يصح أن يكون مذكورًا، او كونه مذكورًا لله [ ].
قال الإمام: (ثم ذكر [أرباب الأصول] طرفًا [في] الفرق بين التخصيص والاستثناء) إلى قوله (والازدياد بعد البيان لا يفيد). قال الشيخ: [ما ذكره] الإمام هو حقيقة الفرق، [فإن] الاستثناء يعد
стр. 834
جزءًا، والتخصيص بيان ودليل، ولا يشترط [المقارنة] في الأدلة، ولا القصر أيضًا على الألفاظ، ولا يشترط القاطع في المبين، ولا ورود البيان على النص. وإذا كان الاستثناء [جزءًا]، اقتصر على اللفظ واشترط الاتصال. [وهما] يشتركان في امتناع الاستغراق، فلا يصح أن (٧١/ب) يكون استثناء [مستغرقا]، ولا التخصيص مسقطًا.
[وقول] الإمام: (إن الاستثناء مع المستثنى [منه] في حكم الواحد [المسوق] لما يبقى بعد الاستثناء). كلام فيه إشكال، وذلك أن
стр. 835
[الأصوليين] اختلفوا في قول القائل: عشرة إلا خمسة، هل هذا اللفظ عبارة عن خمسة، [أو العشرة] عبارة عن العشرة والخمسة للخمسة، و) إلا) للنفي بعد الثبوت؟
ذهب القاضي [﵀] إلى أن اللفظ [بجملته] عبارة [عما] بقي بعد الاستثناء. قال: ويكون الكلام بسبب الزيادة شيئا آخر، موضوعًا لشيء
стр. 836
آخر، كما تقول: زيد، فيكون للواحد، فتزيد (الواو) و) النون) فيصير للجمع. وقصد [بهذا] أن يفرق بين التخصيص بدليل متصل أو منفصل، فإن كان بدليل متصل، [كان] الباقي حقيقة، وإن كان بدليل منفصل، تناول اللفظ الباقي مجازًا. وكذلك قال في الاستثناء: [إن الكلام] بجملته يصير عبارة عن أمر آخر. [وذهب] غيره من الأصوليين إلى خلاف هذا، [وأن العشرة للعشرة، والخمسة للخمسة]، كما ذكرناه. ويظهر مذهب [القاضي] من وجهين:
أحدهما- أنه لو كان الأمر كذلك، للزم أن يكون العربي الذي لا يعرف الحساب إذا قال: عشرة إلا ثلاثة [أن] لا يفهم المدلول من لغته، وهذا غير صحيح.
стр. 837
الثاني- أن الله تعالى إذا قال: ﴿فلبث فيهم ألف سنة [إلا خمسين عامًا]﴾. فكلام السنين على وفق العلم، والله تعالى إنما علم لبثه تسع مائة وخمسين [عامً]، فجعل هذا عبارة عن ذلك. قال القاضي: فقد وضعت العرب لتسع مائة وخمسين عبارتين: إحداهما- ألف سنة [إلا خمسين]. والأخرى- تسع مائة وخمسين. [والذي] ذكره القاضي ظاهر، والفقهاء مجمعون على [أنه] [إذا] قال له: عندي عشرة إلا درهما، [لم يقر] إلا بتسعة. ولا يقال: أقر بعشرة ثم رفع درهما منها، [هذا لا يصح]. ولكن
стр. 838
إطباق أهل اللسان يظهر منه خلاف هذا، فإنهم يقولون: الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، وحدوه: بأنه [المخرج] من الكلام ما لولاه لكان داخلا فيه.
فهذا كلام أهل العربية بجملتهم، ففيه إثبات ونفي. ولو كان عبارة عن [تسعة]، [أعني] في قوله: (عشرة إلا درهما)، لم يكن فيه إثبات ونفي، ولهذا قال الإمام في هذا المكان: (إن المستثنى مع المستثنى عنه في حكم الكلام [المسوق] لما يبقى بعد الاستثناء). ولم يقل هو كلام واحد، وإنما قال: في حكم الكلام الواحد، يعني باعتبار ما يلزم من الإقرار، [وما] يستقر في النفس من حال المخبر عنه.
والمسألة غامضة باعتبار اختلاف هذه [الجهات]. [والذي] يصح عندنا فيها الطريق الثاني، ومعنى قوله: له عندي عشرة إلا درهما، معناه: عشرة تنقص درهما، وكذلك الجواب عن الآية وهي قول: ﴿ألف سنةٍ إلا خمسين
стр. 839
(٩٥/ب) عامًا﴾. معناه: ألف سنة ناقصة خمسين [عاما، ولا نقول: ألف سنة إلا خمسين]، عبارة عن [واحدة] عن تسع مائة [وخمسين]. هذا هو الذب نراه في ذلك.
قال الإمام: ([وليعلم] [الناظر] أن ما (٧٢/أ) نذكره في العموم
стр. 840
والخصوص إنما يختص بالأسماء دون الفعال والحروف) إلى آخر المسألة. قال الشيخ [أيده الله]: قوله: [إن ما] [نذكره] في العموم والخصوص. لا يريد أنه لا يثبت عموم الألفاظ، [لأنه] قد تقدم إثبات كلام النفس. وإنما [يعني] ههنا أنا إنما نتكلم على الصيغ الدالة على العموم والخصوص.
وإذا تكلمنا في الألفاظ في هذه المواضع، فقد [تقدم] أن الكلمات اللغوية تنحصر في ثلاثة أقسام: أسماء وأفعال وحروف، أما الحروف فكما ذكر، ليس لها معان في [نفسها]، وعموم المعنى بعد ثبوته، وكذلك خصوصه، وأما الأفعال، فلا يلحقها معنى التعميم، ولا التخصيص على
стр. 841
حدهم، [فإنهم] قالوا: [العموم] الشمول، والعام: هو الذي يتناول مسميين فصاعدًا، [يجوز] إفراد كل واحد منهما عن الآخر. والخاص: هو اللفظ الذي ينبئ عن أمر يجوز إدراجه مع غيره تحت لفظ آخر. [وإنما] المشكل عدم عموم [الفعل] وخصوصه.
وتمسك الإمام في أنه لا يتصف بالخصوص، لأنه لا يقبل التثنية والجمع. وهذا يستدل به من يقول إنه خاص، ولكنه لما قال: إن الخصوص
стр. 842
لا يتصور إلا حيث يمكن [التعميم]، [لزم أن يكون الفعل غير خاص، ولكن من أين يلزم أن لا يثبت الخصوص إلا حيث يمكن العموم]؟ [هذه] دعوى محضة، ولكن نحن إنما نعني [في] هذا المكان بالفعل (الفعل الصناعي)، نحو (قام) و) قعد)، وهذا إنما جيء به على الحقيقة للإشعار بزمان الحدث، والإرشاد إلى [مضيه] [أو] حلوله [أو] استقباله، ففهم مقصوده يمنع من شموله، إذ لا مقصود إلا الإرشاد إلى أحد هذه الأزمان، فلا يتحقق فيه شمول المسميات. إذ لا دلالة له على أصل المسميات، فكيف يكون عاما أو خاصا فيها، ولا دلالة عليها؟
قال الإمام: (مسألة: لا يمتنع ورود اللفظ العام مع استئخار المخصص عنه إلى وقت الحاجة) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: هذه المسألة بعينها
стр. 843
تقدمت، وأدلتها سبقت. والذي أراده الإمام في هذا المكان غير مفيد،
стр. 844
وذلك أن الذين اشترطوا اقتران البيان، لم يشترطوا إلا اقتران الدليل المخصص، ولم [يلتزموا] أن يكون ذلك الدليل أوضح الأدلة، بل اشترطوا أن يكون الدليل غير متأخر فقط.
وقوله: (لو بين ذلك بالنص، [كان] أحرى. [وقد] يقول القائل: قد يتطرق إلى الألفاظ الاحتمال، [وأدلة] العقول لا تقبل ذلك بحال).
стр. 845
[وحاصل] كلام الإمام [أن] البيان بالقول أصلح، ومن اوجب الصلاح لم يوجب الأصلح، فالذي قاله غير لازم للقول بحال. [فالاجتزاء] بما سبق هو الأصل في المسألة. وقد كنا بينا أن أدل الأدلة على الجواز العقلي الوقوع السمعي، ونحن نعلم ضرورة أن الآيات العامة، كالزكاة والسرقة، وحل البيع والنكاح، وغيره من قواعد الشريعة كثيرة مسائلها، وأشكال شروطها، وما يعتبر فيها، مما يستحيل أن يبين وقت الورود. وهذا معلوم بالضرورة والبديهة، وفيه [أبلغ] حجة، [وأوضح] دليل. (٧٢/ب).
следующие страницы →