← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ولقد اختلفوا فيمن حلف: [أن لا] يبيع، فباع الخمر، هل يحنث [أو لا يحنث]؟ فذهب قوم إلى أنه يُسمَّى بيعًا، وأنه يحنث. وقال قائلون: لا يحنث، إذ ليس ببيع، والبيع هو البيع الشرعي. وقال مالك ﵀: يحنث إن باعها (٧٥/ب)، وإن حلف ليبيعن، لم يبر ببيعها. وهذا القول صعب، لأنه لم يتمسك بالإطلاق اللغوي، ولا [نزل] الأمر على البيع الشرعي. ولكنه بناه [على] أصله، [من الاحتياط] فيما يتعلق بالبر والحنث في الأيمان، فلا يبر إلا بما لا إشكال فيه، ويحنث عند إمكان الحنث احتياطًا. وكذلك جرى له فيمن حلف

стр. 877

ليأكلن هذا الرغيف، لم يبر إلا بأكل جميعه، وإن حلف أنه لا يأكله، حنث [بأكل اليسير منه]. و [اعتمد أصحابه في ذلك طريقين: أحدهما]- أنه إذا حلف ليأكلنه، فكل جزء محلوف على إيقاع الكل فيه، [فإذا] حلف أن لا يأكله، فكل جزء محلوف على أنه لا يوقع فيه أكلًا. وقال قائلون: إنما بنى الأمر فيهما جميعًا على الاحتياط، [برًا] وحنثًا. ونظير هذا أن الله تعالى لما حرم ما نكح الآباء من النساء، حرمت من وطئها الأب على ابنه وطئًا صحيحًا أو فاسدًا، وكذلك بالعقد دون الوطء. ولما قال الله تعالى في المطلقة ثلاثًا: ﴿فلا تحل له﴾. أي للزوج المطلق﴾ حتى تنكح زوجًا غيره﴾، لم يحلها مجرد العقد دون الوطء، فإنه قال ﵇ فيها:

стр. 878

(لا حتى تذوق العسيلة). فاشترط عند الحل كمال الوطء، ولم يشترط ذلك في التحريم. هذا [توجيه] ما قاله مالك ﵀. وإذا قلنا: إن الشرع ليس له تصرف في لفظ البيع، [وأنه] باقٍ على أصل الوضع اللغوي، فقد امتنع إبقاؤه على ظاهره بلا شك، فإن الله تعالى [قد] حرم بيوعا، منها بيع الربا، فقد استثنى [مجهولا]، فإن الربا: الزيادة، ولا تحرم كل زيادة. ولكن هل ينعكس هذا الإجمال على جميع ما تضمنه (٩٩/أ) أول المقال حتى يكون بمثابة قوله: ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾؟ أو ينعكس الإجمال على بعضه دون بعض، حتى يكون كقول القائل: أكرم الناس إلا رجلا من بني تميم أعينه لك؟ هذا موضع اختلاف الإمام والشافعي. ورأى الشافعي أنه من القبيل الأول، وقال الإمام: بل من الثاني. وحجته أن الربا: الزيادة، ولا تحرم

стр. 879

[كل] زيادة، [فإذا] وقع البيع غير مشتمل على زيادة، فهو مندرج تحت الظاهر، ولم يرجع إليه إجمال بحال. ولمذهبه وجه بين. ومعتمد القول الآخر: أن الزيادة في الشرع لا ترجع إلى المحسوسة، اقتصارا عليها، فإنه قد حرم في بيع الطعام بالطعام الأجل، وإن اختلف الجنس، وعُدَّ ذلك من أبواب الربا. فإذا كانت الزيادة، [فقد] تكون حسية، وقد تكون معنوية فالله تعالى أعلم بها. ويدل على صحة هذا القول (أن النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية تلاها على المنبر، وحرم التجارة في الخمر). ويظن من التلاوة والتحريم عقيبها الاستدلال. وليس لكون بيع الخمر محرما، بنا على الربا الحسي، بل [لأنه] أخذ الثمن زيادة بلا مقابل، فيصح بهذا أن يكون كل بيع لا مقابل للعوض، أو المعوض فيه، من أبواب الربا، وله وجه بين. فعلى هذا ينعكس الإجمال على [أول] المقال. قال الإمام: (فأما [المحكم والمتشابه]) إلى (٧٦/أ) قوله

стр. 880

(والمتشابه: [هو] المجمل، وقد سبق معناه). قال الشيخ: الكلام في المحكم والمتشابه، [إما] أن يرجع إلى أصل وضع اللغة، [وإما] أن يكون على ما قصده الله [تعالى] في كتابه. فأما ما يتعلق منه بالكتاب، فيرجع إلى علم التفسير. [والمحكم] في اللغة: هو المتقن، [ومنه قوله تعالى: ﴿منه ءايات محكمات﴾]، أي منه آيات [متقنات] مبينات مفصلات، ﴾ وأخر متشابهات﴾، أي يشبه بعضه بعضا. هذا هو الاشتقاق من حيث

стр. 881

اللغة. واختلف علماء التفسير في المراد بهما في القرآن: فقال قتادة والربيع [والضحاك] والسدي: المحكم: الناسخ الذي يعمل به،

стр. 882

والمتشابه: المنسوخ الذي [يؤمن] به، ولا يعمل به. و [هي رواية عطية عن ابن عباس]. وروي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: (محكمات القرآن: ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما [يؤمن] به ويعمل به. ومتشابهه: منسوخه، ومقدمه، ومؤخره، [وأمثاله]، وأقسامه، وما [يؤمن] به، ولا [يعمل] به). وروي عن ابن عباس أيضًا في قوله [تعالى]: ﴿ءايات محكمات﴾.

стр. 883

قال: هي الثلاث الآيات في سورة الأنعام: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم .. ﴾ إلى آخر [الثلاث] الآيات. ونظيرها في سورة بني إسرائيل: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾. وقال مجاهد وعكرمة: المحكم: ما فيه من الحلال والحرام، وما سوى ذلك متشابه يصدق بعضه بعضا. وروي عن محمد بن جعفر بن الزبير أنه قال: المحكم: ما لا يحتمل من التأويل غير وجه واحد. والمتشابه: ما احتمل من التأويل أوجها. وهذا هو الذي اختاره الإمام. وقال ابن زيد: المحكم: ما ذكره الله تعالى في كتابه من قصص

стр. 884

الأنبياء، ففصله وبينه [لمحمد]﵇ وأمته، كما ذكر قصة نوح ﵇ في أربع وعشرين آية، وقصة هود ﵇ في [ثماني] آيات، وإبراهيم ﵇ في [ثماني] آيات، ولوط ﵇ في [ثماني] آيات، وشعيب ﵇ في ثلاث [عشرة] آية، وموسى ﵇ في آيات كثيرة، وذكر حديث رسول الله ﷺ في أربع وعشرين (٩٩/ب) آية. [والمتشابه: ] هو ما [اختلفت] فيه الألفاظ من [قصصهم] عند التكرار، كما قال [تعالى] في قصة نوح: ﴿قلنا [أحمل]﴾. وقال في

стр. 885

موضع آخر: ﴿(فأسلك] فيها﴾. وقال في ذكر موسى: ﴿فإذا هي حية تسعى﴾. وقال في [موضع] آخر: ﴿[فإذا هي] ثعبان مبين﴾. وقال بعضهم: المحكم: ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه. والمتشابه: ما ليس لأحد من العلماء [إلى] فهمه سبيل، [مما] استأثر الله تعالى بعلمه، [كالخبر] عن [وقت] خروج الدجال، ونزول عيسى ﵇، وطلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا ونحوها. وقال [ابن فاتخة]: المحكم: أوئل السور، منها يستخرج القرآن.﴾ آلم (١) ذلك الكتاب﴾ منها استخرجت البقرة، و﴾ آلم (١) الله .. ﴾

стр. 886

منها استخرجت آل عمران. وقال ابن كيسان: المحكمات: حججها واضحة، ودلائلها لائحة لمن سمعها إلى طلب معانيها. والمتشابه: (٧٦/ب) هو الذي يدرك علمه بالنظر، ولا يعرف العوام تفصيل الحق فيه من الباطل. وقال بعضهم: المحكم: ما اجتمع على تأويله. والمتشابه: [ما] ليس فيه بيان قاطع. وقال أبو عثمان: المحكم: فاتحة [الكتاب] التي لا تجزئ الصلاة [إلا] بها. وقال محمد بن الفضل: هي [سورة] الإخلاص، لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط. وقيل: المتشابه: [أمر] القدر. وهذا ضعيف، لأن أمر

стр. 887

القدر منكشف عند العلماء بأدلة العقول. واعلم أن القرآن كله محكم، بمعنى الإتقان والنظم، وحسن الترتيب، وثبوت الفصاحة والبلاغة، والانتهاء إلى أقصى درجات الجزالة. [ومتشابه] من وجه، أي يشبه بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا.﴾ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيًرا﴾. وقد روي [عن] ابن عباس أن المتشابه: حروف [التهجي] في أوائل السور. [وله] قصة مع حيي بن أخطب لم [أذكرها]. [هذه] أقاويل [أهل التفسير] من أهل العلم والسنة. وأما واصل بن عطاء ............................................

стр. 888

والأصم، فأهل بدعة وضلال، فلا معنى للاشتغال بنقل مذاهبهم في التفسير، فإنهم فسروا بناء على قواعد فاسدة. وأما إذا [جرى] الكلام في المحكم والمتشابه في غير القرآن، فالمحكم: المتقن، ويستحق اللفظ أن يكون متقنا بحسن نظمه ودلالته، وسواء كان ظاهرًا أو نصًا، إلا أنه إذا قطع بمعناه، كان أبلغ في بعده عن الاشتباه باعتبار المعنى. والمتشابه إما أن يرجع إلى المتلبس باعتبار معناه، أي اشتبهت نسبته إلى المعاني المتعددة التي لا تجتمع. ويصح أن يكون متشابها، أي مستوي النظم، حسن السياق. هذا معنى الفظ بالنظر إلى مطلق الوضع، وقد ذكرنا التفسير. [قال الإمام]: (فإن قيل: هل بقي في كتاب الله [ ] وقد استأثر

стр. 889

الله برسوله [ ﷺ ] [مجمل]؟ ) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: وجه الإمام [سؤالا]، [وهو] أنه هل بقي في القرآن مجمل؟ فأجاب باستحالة ذلك في التكاليف، وهذا جواب حسن، مفرع على وجوب [البيان] في الأحكام. وأما الكلام الثاني، فليس فيه جواب عن السؤال على الحقيقة، لأنه أجاب بأن ذلك جائز في العقل، ولم يرد سمع [قاطع] بنفيه، فلم يبق (٧٧/أ) سوى التجويز. [والسائل] إنما [سأل] عن الوقوع،

стр. 890

ولنتكلم نحن على الوقوع، وقد اختلف الناس فيه. فذهب ذاهبون إلى أنه لم يمت الرسول ﷺ وبقي في كتاب الله كلمة إلا [وقد فهم] معناها، [وجعلوا] في (١٠٠/أ) قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم﴾. (واو) العطف، ومعناه: أن الله تعالى يعلم تأويله، ويعلمه الراسخون في العلم، ومع علمهم يقولون: آمنا به. [وهذا قول مجاهد، والربيع، محمد بن جعفر بن الزبير. ويكون قوله: ﴿ويقولون ءامنا به﴾]، أي قائلين: آمنا به. واحتجوا بأن الله تعالى لم ينزل كتابه إلا ليعمل به، ويفهم معناه. قال الله تعالى: ﴿كتاب أنزلنه إليك مبارك ليدبروا ءايته﴾. وقال: ﴿[بلسانٍ] عربي

стр. 891

مبين﴾. والمبين: الظاهر. وقال: ﴿[بكتب] فصلنه على علم﴾. فوصف جميعه بالتفصيل والتبيين. وقال تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾. ولا يجوز أن يبين ما لم يعلم. وإذا جاز أن يعرفه الرسول، [فالرسول]﵇ لم يكتم من العلم عن الأمة شيئا من فهم كتاب ربه تعالى. ولأن المفسرين لم يتوقفوا عن شيء في القرآن لم يفسروه، ذهابًا منهم إلى [أنه] لا يعلم تأويله إلا الله. وكان ابن عباس يقول: (أنا ممن يعلم تأويله). وقال آخرون: (الواو) في قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم﴾ للاستئناف وتم الكلام، والقطع عند قوله [تعالى]: ﴿إلا الله﴾، [أي: ]﴾ وما يعلم تأويله إلا الله﴾، واستأنف﴾ والراسخون في العلم يقولون ءامنا [به]﴾.

стр. 892

[وهذا] قول عائشة [﵂] وعروة بن الزبير، ورواه طاووس عن ابن عباس. [واختار] الكسائي والفراء والفضل بن سلمة ومحمد بن جرير: أن الراسخين لا يعلمون تأويله، ولكنهم يؤمنون به. والآية راجعة -

стр. 893

على [هذا] التأويل- إلى العلم بمدة أجل الدنيا، ووقت القيامة وفناء الدنيا، ووقت طلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى [ابن مريم]﵇، وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، وعلم الروح ونحوها، مما استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه [أحدا] من خلقه. وهذا القول أشبه. وقد وقف الخلق عن معرفة أجل الساعة وغيرها. قال الله تعالى: ﴿ويسئلونك كأنك حفى عنها﴾. [والله تعالى أعلم]. قال الإمام: (مسألة: عموم الكتاب، هل [يخصص] بالخبر الناص الذي [ينقله] الآحاد) ؟ إلى آخر المسألة. قال الشيخ: اختلف الناس

стр. 894

في تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد على أربعة مذاهب: فقال بتقديم العموم قوم، وبتقديم الخبر قوم، وبتقابلهما والتوقف إلى دليل آخر قوم. وقال قوم: إن كان العموم مما تطرق [إليه] التخصيص بدليل قاطع، فالخبر أولى، لأنه قد ضعف بالتخصيص وصار مجازًا، وإلا فالعموم أولى، وإليه ذهب عيسى ابن أبان. [واحتجوا [بمسلكين: أحدهما- ما ذكره الإمام، وعليه أوجه من الكلام: [أحدها]: أن دخول الصورة التي تضمنها الخبر لا يقطع بدخولها تحت العموم، بل يستند إلى

стр. 895

ظهور صيغة العموم (٧٧/ب)، وقد أنكره الواقفية، وزعموا أنه [مجمل]، فكيف ينفع [كون] أصل العموم مقطوعا ب فيما لا يقطع بكونه مرادا بلفظ الكتاب؟ الثاني- أنه لو كان ثابتا قطعا، للزم تكذيب [الراوي] إذا رواه مخصصا، ولا شك في إمكان صدقه. فإن قيل: لو نقل النسخ، فصدقه أيضًا ممكن، ولا يقبل. قلنا: لا جرم لا يعلل بكون الآية مقطوعًا بها، لأن دوام [حكمها] إنما يقطع به، بشرط أن لا يرد ناسخ، فلا يبقى القطع مع وروده، لكن الإجماع منع من نسخ القرآن بخبر الواحد، [ولا مانع من التخصيص]. الثالث- أن براءة الذمة قبل ورود السمع [مقطوع] بها، ثم ترفع بخبر الواحد، [لأنها] مقطوع (١٠٠/ب) [بها]، بشرط أن لا يرد سمع مغير. وماء البحر مقطوع بطهارته، إذا جعل في كوز، لكن بشرط أن لا يخبر عدل

стр. 896

بوقوع نجاسة فيه. كذلك العموم ظاهر في الاستغراق، بشرط أن لا يرد خاص. الرابع- أن [وجوب] العمل بخبر الواحد مقطوع به بالإجماع، وإنما الاحتمال في صدق الراوي، ولا تكليف علينا في اعتقاد صدقه، فإن سفك الدم وتحليل البضع واجب بقول عدلين، مع أنا لا نقطع بصدقهما. المسلك الثاني [لهم]: قولهم: إن خبر الواحد، إما أن يكون نسخا، وإما أن يكون بيانا، فإن كان نسخًا، فلاشك في رده، وإن كان بيانًا، فمحال، إذ البيان ما يقترن بالمبين، ويلقيه الشارع إلى [عدد] التواتر، حتى تقوم الحجة به. [قلنا: ] [هو للبيان]، ولا يجب اقترانه، كما قدمناه. وأما كونه لابد أن يلقيه [لعدد] التواتر، فذلك غير لازم، وإنما يفتقر

стр. 897

إلى القاطع في رفع القاطع. وأما [ما] يظن دخوله تحت اللفظ، فلا يجب ذلك في. وأما من قدم الخبر، فقد ذكر الإمام حجتهم في ذلك، وهو أنهم استندوا إلى إجماع الصحابة على التقديم، فمنعوا نكاح المرأة على عمتها، وعلى خالتها، بما رواه أبو هريرة من النهي عن ذلك. [ورفعوا] عموم آية

стр. 898

الوصية بقوله: (لا وصية لوارث). وهذا الذي ذكروه من إجماع الصحابة غير مسلم، وقد ردت فاطمة [قول] أبي بكر [﵁] في منعها الميراث [حتى] روى عن النبي [ ﷺ ] أنه قال: (لا يقسم ورثتي دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي، فهو صدقة). وقوله: (إنهم كانوا يعملون بالخبر في تفسير مجملات القرآن). هذا مسلم، لأن المجمل لا يتلقى منه حكم، حتى يكون خبر الواحد يناقضه، بخلاف العموم، فإن الحكم ثابت، تلقيًا منه، قبل أن يروى الخبر. فهذا ضعيف. وقد [تمسك] هؤلاء [أيضًا]: بأنا إذا أعملنا خبر الواحد في

стр. 899

تخصيص عموم الكتاب، فقد جمعنا بين الدليلين، وإذا أعملنا العموم، عطلنا الخبر، ولا يجوز تعطيل الدليل مع إمكان إعماله بحال. وهذا وهم وزلل، وذلك أنهم إذا أعلموا الخبر، فقد أسقطوا عمل العموم في محل المعارضة، إذ التضاد حاصل، وإعمال المتضادين محال. فلو قدر على إعمال الدليلين، لم يجز التعطيل لأحدهما بوجه. والذي نختاره (٧٨/أ) في هذه المسألة العمل بخبر الواحد النص، [لا] لأن الإجماع [ينقله] في ذلك، ولكن لحصول غلبة الظن في الحكم الثابت على المكلف، [فإن] الأمر منحصر في أن يكون الحكم على مقتضى العموم، أو على مقتضى الخبر، [فإذا] أنحسم القطع، وبقي الأمر مناطًا بغلبة الظن، فإنا على بصيرة من أن سكون النفس إلى قول العدل أغلب، من سكونها إلى اندراج الصورة المخصصة تحت العموم، فإن غلبة الظن تقوى على

стр. 900

تقدير ضعف الاحتمال المقابل لها، ويقوى بضعف الظاهر. [والظن تطرق] إلى قول العدل، وتعذر القطع، بالنظر إلى احتمال الكذب عمدًا أو سهوًا. [فهذا هو الذي منع من القطع به، [والظن تطرق] إلى العموم باعتبار تطرق التخصيص إليه. وقل من العمومات ما بقي على عمومه. وقل من العدول من اطلع على كذبه سهوًا أو عمدًا]. فإذًا قد ضعف في جانب العدل الاحتمال المعارض للصدق، وقوي في جانب العموم وجدان التخصيص، فلا يخفى أن غلبة الظن بصدق الراوي، تزيد على غلبة الظن، باشتمال العموم على الصورة المعينة، لاسيما إذا كانت تلك الصورة نادرة قليلة، كميراث فاطمة، بالإضافة إلى آية المواريث. وكذلك مسألة [القاتل] (١٠١/أ) في المواريث أيضًا. ذا هو الصواب عندنا. [والله أعلم]. وهذا الكلام يأتي على تفصيل عيسى بن أبان الذي فرق بين أن يكون العموم [تطرق] إلي التخصيص [أم لا]. قال الإمام: (مسألة: اضطراب الناس في تخصيص عموم الكتاب

стр. 901

بالقياس على النحو المتقدم) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: اختلف الناس في تخصيص عموم الكتاب بالقياس على خمسة مذاب: فذهب قوم إلى تقديم العموم، وإلى تقديم القياس قوم، وإلى [تعارضهما] وطلب دليل آخر قوم، وفرق قوم بين أن يكون العموم مما تطرق إليه التخصيص، أو كان باقيًا على عمومه، فإن [تطرق] إليه التخصيص، قدم القياس عليه، وإلا قدم

стр. 902

العموم. وهذا قول عيسى بن أبان. وفرق قوم بين جلي القياس وخفيه، فقدموا الجلي، وأخروا الخفي. واحتج القائلون بتقديم العموم بثلاثة أوجه: أحدها- أن العموم أصل، والقياس فرع، فكيف يقدم الفرع على الأصل؟ وعليه سؤالان: أحدهما: أن هذا القياس ليس هو فرع العموم الذي عارضه، وإنما هو فرع أصل آخر. والنص قد يخصص العموم بلفظه، وقد يخصصه بمعقول لفظه. فإذا خصصنا بقياس الأرز على البر عموم قوله: ﴿وأحل الله لبيع وحرم الربوأ﴾، لم يخصص الأصل بفرعه، فإن الأرز فرع حديث البر، لا فرع [آية إحلال] البيع. الاعتراض الثاني: أنه يلزم منه إلا يخصص عموم القرآن بخبر الواحد، لأن خبر الواحد فرع. وهذا يتوجه على من اعترف بتخصيص العموم بخبر الواحد، وإن منعه مانع أثبتناه بما سبق. [والوجه الثاني] (٧٨/ب) لهم: أنهم ..............................

стр. 903

[قالوا]: إنما يطلب بالقياس [حكم] ما ليس منطوقا به، [فما هو منطوق به، كيف يطلب حكمه بالقياس؟ والجواب: أنه ليس منطوقا به] نطقا صريحا، بل [يظن] على بعد. فإذا ورد القياس مخصصا، لم يبق عليه ظن من دخول الصورة المعينة تحت العموم. فما خصه من خصه، وهو [معترف] باندراجه تحت [عموم] الكتاب بحال. فإن العموم إذا أريد به الخصوص، كان نطقا بذلك القدر، اقتصارا عليه. والدليل على لك: جواز تخصيص العموم بالعقل. ودليل العقل لا يجوز أن يخالف النص بحال. لأن الأدلة لا تتعارض. فإن قيل: فما أخرجه العقل، عرف أنه لم يدخل تحت العموم. قلنا: كذلك نقول: ما أخرجه القياس، يبين أنه لم يقصد بالعموم، ولا فرق. الوجه الثالث [لهم]: قالوا: إن رسول الله صلى الله علي وسلم قال لمعاذ: (بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ [قال]: بسنة رسول الله

стр. 904

[ ﷺ ]. قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي). فجعل الاجتهاد مؤخرًا، فكيف يقدم على الكتاب؟ الجواب: أن كونه مذكورًا في الكتاب، ينبني على كونه مرادًا بالعموم، وهو محل التردد، بعد ورود القياس. ثم أنه كان يلزم- لو لزم هذا [الترتيب]- أن يقدم عموم الكتاب على الخبر المتواتر، ولا خلاف في كونه لا يتقدم عليه. وكذلك كان يلزم أن يقدم العموم على القياس المعلوم على الأصل المعلوم الحكم، وهو خلاف الإجماع. [وللحديث معنى] خلاف هذا، [وهو أن المبدوء] بالنظر فيه الكتاب، لانضباطه وقلة انتشاره، فإذا ظفر بالحكم فيه، افتقر الناظر إلى تمام بحث عن نفي [معارضه] [وثبوته]، ولكن الغالب فقدان التعارض فيه، فجري الترتيب [منه]، بنا على هذا في الوجود. وسيأتي الكلام عليه

стр. 905

بأشبع من هذا، إن شاء الله في كتاب (١٠١/ب) الترجيح. واحتج القائلون بتقديم القياس بأمرين: أحدهما-[أنهم] قالوا: العموم يحتمل المجاز والخصوص، والاستعمال في غير ما وضع له، والقياس [لا] يحتمل شيئًا من ذلك، [ولأنه يخصص] العموم [بالنص] الخاص، مع إمكان كونه مجازًا [ومؤولًا]، [فالقياس] أولى. [والجواب: ] أن ما ذكروه تعدد ألفاظ لنوع من الإيهام، ليبينوا تعدد الاحتمالات المتطرقة إلى العموم، ويقولون: [إن] القياس لا يتطرق إليه إلا احتمال واحد، وهو احتمال المخالفة. وإذا بينا أن العبارات المتعددة ترجع إلى معنى واحد، وهو احتمال إرادة البعض، استوى الأمران. الوجه الثاني- أن نقول: ليس من ضرورة تعدد الاحتمالات في شيء وقلة الاحتمالات في غيره، أن يكون الذي قلت الاحتمالات فيه مقدما على الآخر،

стр. 906

فإنه [قد] تكثر الاحتمالات، ولكنها ضعيفة، ويتطرق إلى [الآخر] احتمال واحد، ولكنه قوي جدا، [فتكون قوته] تضاهي كثرة الاحتمالات في الشيء الآخر، وربما زادت عليه. وهذا بمثابة تعارض العدول، فقد يكون واحد (٧٩/أ) تزيد عدالته على عدالة جماعة سواء، فلا [التفات إلى] محض العدد دون الوقوف على الاستواء والتفاوت. على أن التحقيق يقتضي أنه لا يتطرق إلى العموم إلا احتمال واحد، والاحتمالات المتطرقة إلى القياس كثيرة جدا، فإنه يحتمل أن لا يكون الأصل معللا، [ولو كان معللا]، فيحتمل أن يكون [بغير العلة] التي جمع [بها] الجامع، وإن كان بها، [فيحتمل أن يكون أغفل قيدا أو وصفا، وإن لم يغفل]، فيحتمل أن يقع فرق خفي بين الأصل والفرع. فهذه الجهات كلها مختلفة على الحقيقة، فتقتضي تأخرا [عن] العموم الذي [لا] يتطرق إليه إلا احتمال واحد.

стр. 907

الحجة الثانية لهم: أنهم قالوا: العمل بالقياس جمع بين العموم والقياس جميعا، وإذا [دار الأمر] بين [احتمالين]، أحدهما يقتضي إسقاط دليل، والآخر يقتضي إعماله، وجب الأخذ بالأمر الذي يقتضي الإعمال. ووجه الرد [عليه] قد سبق في الكلام على معارضة العموم الخبر. وأما الذين ذهبوا إلى التوقف، وهو القاضي والإمام، فإنهم قالوا: إذا تطرق الظن إلى كل واحد من العموم والقياس، وبطل القطع في التقديم، فلابد من الوقف. وقد اعترض عليه: بأن الوقف خلال الإجماع، فإن الأمة على [فريقين]: فريق يقدم العموم، وفريق يقدم [القياس]. فمن صار إلى الوقف، فقد خالف الفريقين. أجاب القاضي: بأنهم لم يصرحوا بإبطال الوقف قطعا، ولم يجمعوا عليه، ولكن كل واحد رأى ترجيحا، والإجماع لا يثبت بمثل [ذلك]، كيف

стр. 908

ومن لا يقطع [ببطلان] [مذهب] مخالفة في ترجيح القياس، كيف يقطع [بخطئه] إن توقف؟ قال الشيخ: هذا الكلام ضعيف، فإن الأمة إذا اختلفت على قولين، فكل واحد لا يقطع بخطأ مخالفه، لكونه في محل الاجتهاد، ولكن إذا صار صائر إلى قول ثالث، قطع [بخطئه]، لأنه خرج عن القولين جميعا. [فنقول للقاضي]: ما هذا التوقف؟ أتوقف من التبس عليه الأمر، أم مصير منك إلى الاستواء وإبطال الترجيح؟ فإن قال: التبس على الراجح من المرجوح، [لم ينسب] إلى خرق إجماع، وإن حكم بالاستواء، وأبطل الترجيح، فقد خلف الفريقين جميعًا، كما [سيأتي] في مسألة: إحداث قول ثالث، في مسألة (اختلفت (١٠٢/أ) الأمة فيها على قولين). ثم نقول لمن صار إلى الوقف: لا يكفي في الوقف انتفاء القاطع في التقديم، حيث يثبت الاستواء في غلبة الظن، فيجب النظر في هذه المسألة إلى أسباب غلبة الظن، هل هي [مستوية] .................

стр. 909

[في] الجانبين، [أم] [ثبت] [التفاوت] في جانب؟ هذا أصل المسألة. والمفرق بين جلي القياس وخفيه، والمفرق بين كون العموم تطرق إليه التخصيص، [أو لم] يتطرق، تشوف إلى بيان تفاوت غلبة الظن بالقوة والضعف. وهذا أمر لا يتبين ضبطه باعتبار الآحاد. والصواب عندي في هذه المسألة: أن يرد المجتهد في ذلك إلى ما غلب على ظنه، فرب عموم ضعيف، والقياس الذي يقابله بالغ (٧٩/ب) قوي، [فالصواب] في [مثل هذه] الصورة الاعتماد على القياس، وقد يكون الأمر على العكس من ذلك، [أن] يكون العموم، مثلا مستندا إلى أدوات الشرط مع التوكيد، والقياس [من] أبواب الأشباه [أو المعاني] الضعيفة. فالحكم في هذه الصورة: أن يقدم [العموم]. وقد يضعف العموم، بأن لا يظهر منه قصد الاستغراق بكثرة المخصص منه، ولوروده مثلا على سبب

стр. 910

خاص، وأن يظهر منه قصد الفصل، كما في قوله: (فيما سقت السماء العشر). فإذا ورد (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر صدقة). كان القياس على هذا في اشتراط النصاب أقوى في الدلالة من التمسك بقوله: (فيما سقت السماء العشر). وقد تكون بعض [الصور] يقوى في [النفوس] اندراجها تحت العموم، ويضعف الظن في بعضها، ويشك في بعض، ويظن خروج البعض، فليس [كلها] يدخل تحت العموم، بالإضافة إلى غلبة الظن على حد واحد، وإن كانت [النسبة] من جهة اللفظ مستوية. [فلابد أن] ينظر المجتهد إلى آحاد المسائل نظرًا خاصًا، ولا يستمر في ذلك حكم عام أصلا. هذا هو الصحيح عندنا. والله أعلم. لكن في ترجمة المسألة إطلاق لابد من تفسيره، [وتبيين] محل الخلاف فيه، فإن بعض أنواع القياس [يجب] تقديمه على العموم بلا شك، وهو إذا كان الأصل الذي يستند إليه حكم الفرع مقطوعًا به، [وكانت] نسبة

стр. 911

الفرع إلى [الأصل] نسبة العلم، [كالقياس] الذي يسمى [في] معنى الأصل، والمنصوص [على] علته، مع [مصادفتهما] في [الفروع] من غير فارق قطعًا، فهذا النوع من القياس لا يتصور [الخلاف] في أنه مقدم، فيجب إخراج هذه الصورة عن ترجمة المسألة. الصورة [الثانية]: أن يكون الأصل إلي استند الفرع إليه ثابتا بأخبار الآحاد، ونسبة الفرع إليه أيضًا نسبة العلم، على النحو [المتقدم]. فهذا يجري مجرى أصله، وهو خبر الواحد. فإن فرض الكلام مع من يقدم الخبر على العموم، وجب أيضًا أن يقدم هذا القياس. ومن قدم العموم على الخبر، فكذلك يقول في قياسه المعلوم، ويتوقف أيضًا في هذا القياس المتوقف في العموم الذي عارضه خبر الواحد، وإنما يقوى الخلاف فيما إذا كان الأصل مقطوعا به، وكانت نسبة الفرع إليه ظنية. فهذه هي المسألة الأصولية على الحقيقة، [وكلامنا] فيها على حسب

стр. 912

ما سبق، وهذه هي الصورة الثالثة. الصورة الرابعة: أن يكون الأصل ثبت بخبر الواحد، ونسبة الفرع إليه غير معلومة، فهذه الصورة تضعف عن التي قبلها، من جهة أنه تطرق إليها الظن من جهتين: من جهة ثبوت حكم الأصل، ومن جهة ظن الإلحاق. ولا بعد في تقديم العموم في هذه (١٠٢/ب) الصورة، [فإنه] لما [تزايد] احتمال أن لا يكون الأصل ثابتًا، ضعف القياس. الصورة الخامسة: أن يكون حكم القياس استند إلى ظاهر عموم من الكتاب، وتكون نسبة الفرع إلى الأصل مظنونة أيضًا. فهذا في محل (٨٠/أ) الاجتهاد. [وأضعف] الصور [التي] لا ينبغي أن تقف [للعموم] على حال، أن يكون حكم الأصل ثبت بظاهر خبر الواحد، وكانت نسبة الفرع إلى [الأصل] مظنونة، فهذا يبعد المصير إلى تقديم القياس في هذه الصورة. بل الصحيح أن ظاهر خبر الواحد لا يقف لعموم الكتاب، [وإن خالف القاضي فيه. كما سيأتي في كتاب الترجيح. فإذا كنا نرى تقديم الكتاب على ظاهر خبر الواحد]، فكيف [بنا في] الفرع المقيس على الأصل الثابت بظاهر خبر الواحد، مع كون الإلحاق مظنونا؟ هذه تقاسيم [صور] معارضة القياس

стр. 913

العموم. وقد أطلق الأصوليون القول، ولم يفصلوا هذا التفصيل، ولابد منه في التحصيل. والله المستعان. [وقول] الإمام: (ثم يحصل [من] الوقف ما [يحاوله]) إلى نجاز المسألة. [فنقول: الواقف يمنع التمسك بالعموم، ولا يعمل القياس، فإسقاط العموم في محل المعارضة متفق عليه بين المخصص والواقف، والمخصص يدعو إلى العمل بالقياس، والواقف يأباه، وفيه يختلف المسلكان]. قال الإمام: (مسألة: تخصيص الخبر العام المتواتر بالقياس، أو

стр. 914

[بالخبر] الناص الذي [نقله] [الآحاد]، كتخصيص عموم الكتاب بهما) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: ذهاب الإمام [إلى] الوقف في تخصيص عموم خبر الواحد بالقياس، كلام ضعيف، وذلك [أنه] قد حكم بأن القياس يساوي عموم الخبر المتواتر، ولا شك أن الوقف [يقتضي] [المساواة]، إذ لو ثبت الترجيح، لامتنع الوقف، [وهو] قد نقل

стр. 915

الإجماع على أنه [لو تعارض] عموم خبر متواتر وعموم خبر واحد، لكان العموم المتواتر [مقدما]، فإذا كان القياس يساوي العموم المتواتر، والعموم المتواتر مقدم على عموم خبر الواحد، وجب أن يقدم القياس على عموم خبر الواحد، إذ قد تحقق مساواته للعموم المتواتر، بدليل امتناع تقدم العموم المتواتر عليه. هذا هو الصحيح، إلا أن يكون الإمام يلتفت إلى كون كل واحد منهما أمارة على تقدير الانفراد، [بدليل] الإجماع، فقد تحقق القطع بنصب الأمارة. ولقد ذهب إلى هذا المذهب [جعل] من المعتزلة، ولكنه يفضي إلى إنكار الترجيح بالكلية، فإنه إنما يطلب الترجيح على تقدير كون كل أمارة -
следующие страницы →