← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

[فعلم] أن [بعض] العيوب [مغتفر، لتعذر] [الانكفاف] عنه في العرف، [فوجب] أن يكون [المعتبر] بذهاب ما تجب فيه [الدية من الحد، إذ] وجوب الدية في [الذاهب] تدل على أنه [يتنزل] منزلة الرقبة بكمالها. [وهذا] كلام ضعيف، واسم الرقبة مطلق، وإن كان الذاهب [تجب] فيه من الحر كل الدية. [وأما] ما وجهه عليهم في تقييد [ذوي] القربى بالفقر والاستحقاق، فللقوم في هذا أصل ننبه عليه، وذلك أن المعنى المفهوم من

стр. 947

العموم: إما أن يكون [مساوقا] للفهم عند استماع العموم بحيث لا يتراخى عنه بحال، وهذا بمثابة قوله ﷺ : (لا يقضي القاضي وهو غضبان). وما يجري مجراه. فالمعنى السابق إلى [الفهم]، هو [المحكم] في التخصيص والإلحاق. لا جرم يجوز القضاء مع الغضب اليسير، ويمنع مع الجوع المفرط، والألم المبرح، ولا ينظر في هذا على كثرة المخرج، ولا إلى قلته، إذ اللفظ وإن كان [في] وضعه يصلح للتعميم، إلا أن هذا المعنى المساوق للفهم، أوجب التقييد، حتى كأنه قال: لا يقضي القاضي [الدهش] الذي لا يتأتى منه استيعاب الحجج. ولو صرح بهذا، لم يتناول من غضب يسيرا، لأن اللفظ [لا] يدل على المعنى لعينه، وإنما يدل باعتبار غرض مطلقه، فإذا كانت هذه القرينة مقترنة باللفظ، منعت التمسك بالعموم قطعا، فلا دلالة لهذا على

стр. 948

الاستغراق، حتى يفتقر إلى دليل مخصص أو رافع، [لعدم] استقرار الحكم على التعميم. الصور الثانية: أن يكون المعنى مستنبطا بالتأمل من مورد العموم، فهذا لا يخلو: إما أن يساوق العموم في جميع صوره، وإما أن يكون استنباطه يقتضي إخراج الكثير، أو يقتضي إخراج القليل، فإن ساوق، فصحيح، وإن أخرج الكثير، فباطل، وإن أخرج القليل، فمختلف فيه، ذهب أبو حنيفة إلى رده، وذهب ذاهبون إلى قبوله. وغموض المسألة من جهة أن المعنى المستنبط من العموم أو الظاهر، [لا يتصور] أن يعارض بجهة طرده، إذ من المستحيل أن يستنبط من محل التحريم معنى يقتضي الحل، فلا يبقى إلا أن يستنبط معنى يقتضي [التحريم]، ويصادف ذلك المعنى في كثير من صور العموم، ويختلف عن بعضها، (١٠٦/ب) فيكون العموم موجودا، والمعنى مفقودا. فإما أن يقال: إن نفي المعنى لا دالة له بحال، وإما أن يقال يدل [على] العكس دلالة ضعيفة

стр. 949

تضاهي مزية ترجيحه، فلم يعطل عمل العموم، بناء على أن المعنى لم يوجد في المحل المخصوص؟ وهذا غامض، والقول بمنع التخصيص قوي واضح. وتمام التقرير [فيه] يأتي في كتاب (التأويل). والمقصود منه ههنا أن أبا حنيفة زعم أن [سد الخلة] فيما يتعلق [بمال] بيت المال، أمر معلوم من الشرع بنصوص [متفرقة]، وقرائن متعددة. [و] يتنزل هذا [المفهوم] (٨٤/ب) منزلة فهم قاعدة القضاء [المرتبة] على فصل الخصومات بفهم الحجج. وإذا كان [هذا] المعنى مساوقا للفهم، صار قيدا مقترنا، ويكون التقدير: (ولذي القربى المحتاجين).

стр. 950

كما كان التقدير في قوله: (لا يقضي القاضي وهو غضبان). أي وهو متحير العقل، لا يهتدي لفهم الحجج. والقاعدة الأصولية [لا] نزاع فيها، وهي أنه إذا كان المعنى [مساوقًا للفهم]، غير متأخر عنه، أنه المحكم في التخصيص والتعميم. والنظر في آحاد الأمثلة من [أي] قبيل، هو محض علم الفقه. [ولكنا] أردنا التنبيه على أن هذا ليس بقضاء على مقتضى أصول [القوم]. قال الإمام: ([الوجه الثاني]) - أن نقول: أتدعون أن ذكر الرقبة على

стр. 951

الإطلاق نص في إجراء كل رقبة؟ ) [إلى قوله] (هذا هو الوجه الثاني من الكلام). قال الشيخ: قد قدمت الكلام على هذا الفصل بعينه بكلام شاف. [ولكن] يبقى في هذا الموضع شيء، [وهو] النظر إلى سياق الكلام في ذكر الرقبة في كفارة اليمين، فإنه إنما ذكر أصل الخصال، ولم يتعرض لتفصيل شيء منها على حال. وقد أطبقنا على أنه لا يقع الاكتفاء بما يسمى إطعاما، بل لابد من تقدير مخصوص، وكذلك مطلق ما يسمى كسوة، لا يكتفى [به]، فكما صح التقييد في الخصلتين، صح في الثالثة. وقد منع

стр. 952

مانعون أن يكون للرقبة ظهور في أجزاء كل رقبة، وقال: لم [تسق] لغرض التعميم، وإنما سيقت لغرض التأصيل. وهذا الكلام يناسب قول من يقول: إذا ظهر للعموم مقصد سوى التعميم، لم يتمسك بظاهره في العموم، في مثل قوله: (فيما سقت السماء العشر). فإن الإمام قال: (إذا تمسك [الحنفي] به في كل ما تسقيه السماء، لم يكن متمسكا بظاهر). وهذا مثله. وسيأتي الكلام عليه في كتاب (الترجيح). إن شاء الله [تعالى]. قال الإمام: ([والوجه] الثالث - أن الرقبة المطلقة تعم كل رقبة، [فحملها على خصوص من الرقاب [عين] التخصيص]) إلى قوله (ولا يطيب التصرف في [تفاصيل] ذلك إلا [في كتاب] التأويل). (٨٥/أ)

стр. 953

قال الشيخ: إذا تقرر أن المطلق [يشيع] في الجنس على البدل شياعا ظاهر، وإنما يسقط الظاهر [بمعارض راجح، والمعارض] [المناقض]. فكل [أمرين] أمكن اجتماعهما، فلا معارضة بينهما على الحقيقة. [وإذا كان] كذلك، فليس [يتناقض] [اشتراط] الإيمان في القتل، وجواز الكافرة في [الظهار]، فإذا أمكن الجمع، وإقرار كل واحد على بابه، فبأي وجه [يزال] ظهور الظاهر في الرقبة [المطلقة]؟ هذا باطل، لا خفاء ببطلانه. وإذا [تقرر] ذلك، [فإن] وجد في الشرع دليل آخر يقتضي إزالة ظاهر الإطلاق، [وترجح] عليه، صح ذلك. ولا فرق بين كونه قياسا، أو خبرا، أو غيره، وسلك به [مسلك] المخصصات. هذا هو الحق، والمسلك الواضح. والله الموفق.

стр. 954

وبقي علينا الكلام مع القاضي في كونه صار إلى أن العام والخاص يتعارضان، (١٠٧/أ) مع [نقله] الإجماع على أن المطلق محمول على المقيد عند اتحاد الموجب والموجب، وهو لم يبين الفرق. ولكن الذي [يمكن] أن يعتذر به عن الفرق بين البابين، أن الخاص [يناقض] [العام] في جهة مدلوله في محل التعارض، فإن العام ينفي الحكم مثلا في محل النزاع، والخاص [يثبته]، فعقل التعارض من هذه الجهة. وأما المطلق، فقد [بينا] أنه لا [يتعرض] [للصفات] بنفي ولا إثبات. والإيمان [مسكوت] عنه، وإذا كان كذلك، وجب أن يثبت، إذا دل دليل عليه، لكونه لم يتعرض العام لنفيه، [ولا] دليل على النفي، وقد وجد دليل الإثبات، فلا وجه لتعطيله. وهذا كلام صحيح، [وهو] يقتضي أن [تثبت] الصفة بأي طريق دل على إثباتها، سواء كان ذلك

стр. 955

[الطريق] قاطعًا أو ظنيًا. [وأما] قول الإمام: (إن التخصيص يكون على وجهين: أحدهما: [قصره] على بعض المسميات، من غير فرض [تعيين] ما وقع القصر عليه

стр. 956

[بصفة]، كحمل آية الفقراء على ثلاثة منهم). وهذا صحيح، إذ الصفة المعتبرة الفقر، وهو موجود في الجميع، وقد بطل الاستيعاب، لتعذره وخروجه عن الإمكان. [والاقتصار] على عدد دون عدد، تحكم من غير برهان، فلم يبق إلا أقل الجميع، [إذ لا يمكن التنقيص منه. وهذه إحدى الفوائد

стр. 957

في معرفة أقل الجمع]. فهو على الحقيقة تقييد بعدد. [والثانية]: تقييد بالصفات، والمطلق لا يتعرض لواحد [منها]. وقال أبو حنيفة: يقتضي منع التخصيص بأخبار الآحاد [على الإطلاق]، سواء كان بعدد أو صفات، إذ اللفظ المطلق، لا يشعر بعدد ولا صفة. قال الإمام: (فإن قيل: فما معتمدكم في [اشتراط الإيمان] [في الرقبة في كفارة الظهار])؟ إلى آخر المسألة. قال الشيخ: [أما] الكلام على [اشتراط الإيمان] في كفارة الظهار، فخارج عن فن الأصول، بعد أن أوضحنا إمكان إجراء كل آية على حدتها، فيرجع الاشتراط إلى الفقه، ونظر المجتهدين في الفروع، [بناء على طريقين]:

стр. 958

أحدهما - أنهم يتلقون ذلك من الخبر، فإن في الحديث: (إن الذي لطم جاريته في وجهها وعظم ذلك عليه (٨٥/ب) رسول الله ﷺ ، فقال له الرجل: إن علي رقبة، أفأعتقها؟ فدعاها [رسول] الله ﷺ فسألها، [فاعترفت] بالله، وصدقت رسوله). [هذا] معنى الخبر دون لفظه، فقال ﵇: (اعتقها فإنها مؤمنة). فرتب الأمر بعتقها على إيمانهم [) بالفاء)، التي] هي [للسبب]. والرجل قال: (علي رقبة) مطلقة، [فأشعر] ذلك بأن الرقبة إذا وجب إعتاقها اشترط الإيمان فيها. والطريق الثاني - القياس على كفارة القتل، والجامع أنها رقبة طلب عتقها

стр. 959

على طريق التكفير الماحي، فوجب أن يكون الإيمان مطلوبا، [تحليلا] للعبادة، وإلحاقا [لها] بكفارة قتل النفس، هذا طريق الفقهاء في اشتراط الإيمان. وأما الصورة الرابعة التي أثبتناها، وهي ما إذا اتحد الموجب واختلف [صنف] الموجب، ومثلناها باشتراط الإيمان في كفارة الظهار تقديرا، [وإطلاق] ذكر المساكين [في] كفارة اليمين بالله، أن لو ثبت النص على إيمان الرقبة، هل [كان يتقيد] به لفظ المساكين في الكفارة، حتى يشترط فيهم الإيمان؟ فنقول: ذلك يصح، ويمكن أن يسلك فيه مسلك القياس، كما سلكناه في مسألة تقييد الرقبة في الظهار على الرقبة في القتل على ذلك المنهاج، من غير (١٠٧/ب) فرق بحال. هذا تمام الكلام [في] المطلق.

стр. 960

ومما يتعلق [به الكلام] [القول] في دخول الشرط على الكلام ، [فإن] التقييد [اشتراط]. [وإذا استوفينا الكلام على التقييد، فلابد من الكلام على الشرط] فنقول: الشرط عبارة عما لا يوجد المشروط إلا عند وجوده، ولكن لا يلزم من وجوده وجوده، [بدلالة] في جانب نفيه، فإنه إذا انتفى، انتفى المشروط، [ولا] دلالة في جانب الوجود. [والشرط] [عقلي] وشرعي ولغوي. فالعقلي: كالحياة للعلم، والعلم للإرادة، وكذلك الحياة شرط في السمع والبصر والكلام، ولا يلزم [من وجود الحياة]، وجود هذه الصفات، ويلزم من [عدمها] عدمها.

стр. 961

والشرط الشرعي: كالطهارة للصلاة، وستر العورة وغير ذلك، فلا تصح صلاح المحدث، ولا يلزم إذا كان متطهرًا، أن تصح صلاته ولابد. والشرط اللغوي: كقولك: إذا دخلت الدار فأنت طالق، فإنها لا تطلق إذا لم تدخل بمقتضى الشرط، وإن أمكن أن تطلق طلاقا آخر غير الطلاق المعلق على الدخول، ويكون هذا الاشتراط قد منع الطلاق من أن يكون مطلقا. [ولا] [نقول: ] إنه نطق بالطلاق مطلقًا، ثم خصصه بالدخول، فإنه لو كان كذلك، لم يقدر على التخصيص [بعد] الطلاق، بل إنما يكون بالطلاق مضافا إلى الدخول. وكذلك النعت [يقتضي] تخصيص لفظ المنعوت، الذي لولا النعت، لكان مسترسلا، [فإن] قال: ([اقتلوا] المشركين الحربيين)، كان الأمر بالقتل مختصا بسبب النعت، ولو لم يقتل (الحربيين)، لاقتضى اللفظ قتل كل مشرك، فكذلك لو قال: أنت طالق، لوقع الطلاق ناجزا، إذ لا اختصاص له بزمان أو مكان. (٨٦/أ) فإذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار، فإذا لم يكن دخول، [فلا دلالة] للفظ على غير حالة [الدخول

стр. 962

بحال]. [فهكذا] ينبغي أن تفهم حقيقة الشرط. فإن قيل: [فإذا كان] الشرط لا دلالة له على [جانب الإثبات] بحال، وإنما يدل على أنها إذا لم تدخل الدار [لم تطلق]، فينبغي إذا دخلت أن [لا تطلق]، إذ اللفظ لا دلالة له على الإثبات بحال. [قلنا]: لم تطلق إذا [دخلت] الدار، بناء على كون دخول الدار شرطا، وأن الشرط اقتضى الطلاق، هذا باطل لاشك فيه، وإنما طلقت عند دخول الدار بوجود السبب، وهو تطليق الزوج، فإن دخول الدار لا يقتضي تطليقها على حال، وإنما هو شرط في وجود السبب، فإذا لم يكن دخول، لو يوجد السبب، [وإذا] وجد الدخول، وجد السبب، [فاستند] التطليق إلى جريان سببه عند وجود شرطه. ولقد رتب على الفرق بين السبب والشرط أحكام في الفقه: منها: صحة تقديم الزكاة قبل الحول، مع امتناع التقديم قبل النصاب. ومنها: صحة التفكير [قبل الحنث في اليمين بالله]، مع امتناع التفكير قبل اليمين. [والسند] في ذلك قوله ﵇: (من حلف على يمين فرأى غيرها

стр. 963

خيرا منها، فليفكر عن يمينه، وليأت الذي هو خير). فاليمين سبب، والخنث شرط. وقد صح تقديم الكفارة، بناء على جريان السبب، [وإن] تأخر الشرط. وكذلك جوز العلماء عفو المجروح عن قاتله، بناء على [جريان] السبب، [وإن] تأخر الشرط، وهو الزهوق. ولمعرفة الفرق بين السبب والشرط طرق، نذكرها إن شاء (١٠٨/أ) الله في كتاب القياس. ولقد بالغ [مالك] [﵀] في الغوص على هذه القاعدة حتى قال: إذا أسقط الشريك في العقار حقه [من] الشفعة، لمن طلب [ذلك] قبل الشراء، لم يلزمه هذا الإسقاط، وكان له القيام بحقه. وقال: إذا جعل الرجل أمر امرأة يتزوجها بيد الزوجة التي [له] في الطلاق [أو الإبقاء]، فاستأذنها في التزويج، فأذنت له، فلما تزوج، أرادت

стр. 964

أن تطلق عليه. قال ﵀: ليس لها ذلك. فألزمها الإسقاط وإن كان التزويج لم يحصل، ولم يلزم الشريك الإسقاط، بناء على [أن] [الشرط] لم يحصل، [وكلاهما] قد أسقط حقه قبل تمكنه منه. ولهذا ذهب عبد الملك إلى [أنه] لا فرق بين المسألتين، [وألزم] الشريك الإسقاط. ولكن مالكا ﵀ رأى أن الزوجة أسقطت بعد جريان السبب، والشريك أسقط قبل جريانه، [وهو] غامض، ولكن فهمه يترتب على معرفة الفرق بين [السبب والشرط]. ففي [السبب] مناسبة للحكم. [وتقريره] ههنا أن الذي يناسب أن تطلق المرأة ضرتها، تمكين الزوج لها من ذلك، إذ العصمة بيده، وأما التزويج [عليها]، فلا يصلح أن يكون سببًا لطلاق نفسها، ولا لطلاق ضرتها. وإذا كان السبب هو تمليك الزوج، فهو حاصل قبل [التزويج]، ولم يتأخر إلا الشرط، فصح الإسقاط، بناء على جريان السبب، كما صح في (٨٦/ب) تعجيل الكفارة قبل الحنث. [والسبب]

стр. 965

في الاستشفاع إنما هو لحوق الضرر، والشركة شرط، فإن الشركة لا تناسب إزالة ملك الشريك، وإنما الذي يناسب دخول المشتري الجديد عليه، لما يلزمه من المضايقة في الربع، فكان إسقاط الشريك [للمنفعة] قبل شراء المشتري إسقاط قبل جريان السبب، فلم يلزم. هذا [تقرير] الفرق بين السبب والشرط، وبيان دلالة الشرط، ووجه كونها إذا دخلت الدار تطلق. [والله المستعان]. قال الإمام: (مسألة: الصحابي إذا روى خبرًا وعمل بخلافه) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: ما ذكره الشافعي [﵀] ظاهر في نظر

стр. 966

الأصول، فإن الخبر حجة، وأعمال الصحابة إذا لم ينعقد عليها إجماع، ليست حججًا، وترك الحجة لما ليس بحجة صعب شديد. وستأتي المسألة بعينها في كتاب الترجيح. وما أحد من العلماء [يترك] الخبر بمحض [عمل] العامل، وإنما [يستدل] الناظر بالعمل على خبر على وفق العمل،

стр. 967

[فيترك] الخبر للخبر، لا [للعمل]. وترك الخبر بخبر متأخر عنه، ولا إشكال فيه، وإنما الشأن في تلقي الخبر من العمل. هذا هو العسر، وفيه [غموض] كثير. والمسألة لها صور نفرد كل صورة بالكلام. [فأعلاها: ] أن يكون الراوي [ذاكرًا] للخبر، والخبر يتضمن [تحريم] أمر، فيتعاطاه [الراوي]، [فلا شك] أنه لم يتركه إلا لمستند عنده اقتضى الترك، واحتمال الترك، بناء على الجرأة حرام، لا يحل المصير إليه بحال، مع إمكان مأخذ سواه، [فيتعين] المصير [إلى] أنه [تركه] لمستند

стр. 968

عنده. ولكن انحصار المستند الذي [استند إليه] في نص ناسخ، اتفق بلوغه إليه ولم يبلغنا، صعب شديد. إذ للقائل أن يقول: ما المانع من إسناده العمل [والمخالفة] إلى أمر لا يصلح عندنا للإسقاط؟ بل [لو ظهر، فربما] كنا نحن نقدم الخبر عليه، وهو لو عين مستنده، وأسند [المخالفة] إليه، لم نكتف نحن برأيه، ولم نقلده، فإذا كان الأمر [مبهمًا] فهو أشد. وهذا كلام واقع، والانفصال عنه شديد. ولكنا (١٠٨/ب) نقول: لا ننكر حصول غلبة الظن قبل الوقوف على سبب الترك، في أن [الخبر] ساقط متروك، [وأنه] إذا نقل للمجتهد حكم [المجتهدين] من حيث الجملة، فإنه يغلب على ظنه [الإصابة]، نظرًا إلى حصول درجة الاجتهاد، وإن أمكن عند التعيين أن [تفوت] غلبة الظن، إذ

стр. 969

الأغلب على المجتهد الإصابة، والخطأ قليل، لاسيما إذا كانت المسألة نقلية محضة، ليس للرأي فيها مجال. وإنما كثر الاختلاف في المسائل الراجعة إلى الرأي. فأما المسائل التوقيفية، فالخلاف فيها من أهل العصر الأول قليل، فإذا غلب على الظن [عند ترك الراوي للخبر سقوط الخبر، امتنع التمسك بخبر يغلب على الظن] سقوطه. فإن قيل: إذا سلكتم هذا المسلك، فجوزوا للمجتهد [تقليد] المجتهد، فإنه يغلب على ظنه [إصابته] (٨٧/أ) قبل بحثه، فليكتف بهذا النوع من غلبة الظن. [وإذا] لم تكتفوا [بذلك، فلا تكتفوا] بغلبة الظن الحاصلة بسقوط الخبر، بناء على ترك الراوي [له]. قلنا: [قد اختلف الناس] في جواز تقليد المجتهد للمجتهد. وليست المسألة قطعية، وهي في محل

стр. 970

[الاجتهاد]. وإن كان الأغلب على ظننا منع ذلك. ولكن الفرق بين المسألتين أنا لا نكتفي بغلبة الظن من حيث الجملة، إذا [قدرنا] على تلقي الأمر من جهة البحث والتفصيل والتعيين. وقد قررنا - عند كون العالم [مجتهدًا]- أن يجتهد كاجتهاده، فلم يكتف بنظره [إذا] قدرنا على مثل ما قدر عليه، وليس كذلك إذا خالف الخبر، فإنه لم يخالفه إلا لخبر عنده اتفق أنه بلغه ولم يبلغنا، وإذا تعذر [علينا] [الإطلاع] على [غير] المعارض، تعذر علينا أن نعرف التفاوت على التعيين والتفصيل، فاكتفينا بغلبة الظن

стр. 971

الحاصلة بسقوط الخبر تلقيًا من مخالفة [راوية] له. وهذا الطريق الذي قلناه، يطرد فيما إذا غلب الظن بلوغ الخبر له ثم خالفه، وكذلك يطرد فيما إذا غلب على ظننا أنه لم [ينسه] وجوزنا ذلك، فإن هذه الصور كلها تجري على نحو واحد، [وإن] كان بعضها في غلبة الظن أقوى [من البعض]. و [لكن] غلبة الظن حاصلة في الجميع، [لسقوط] الدليل، وليس كذلك ما إذا [شككنا] في البلوغ، ولم يغلب على الظن بوجه، فلا يسقط الأصل بسبب التردد، ويصح [حينئذ] قول

стр. 972

الإمام: ([إنا] على ثبت من أصول الشريعة -[أعني] الخبر [المنقول]-[ولا] يسقط الأصل بسبب التردد). وهذا الكلام صحيح عند الشك، وليس كذلك ما إذا غلب على الظن أنه بلغه. وأما [نقله] عن مالك من كونه يرى تقديم عمل أهل المدينة على الأخبار، فهذا له صور: أحدها - أن يكون الخبر بلغهم، فهذا قدر وافق الإمام على سقوط الخبر فيه. الصورة الثانية - أن يثبت عندنا أن الخبر لم يبلغهم، فلا يحل لأحد في مثل هذه الصورة أن يترك الخبر، وهم [لو بلغهم] الخبر، لما خالفوه [أصلًا].

стр. 973

الصورة الثالثة: أن نجد الأعمال على خلاف الأخبار، ولم نتحقق البلوغ، ولا انتفاء، [فالظاهر] من قول مالك- ﵀ أن الخبر متروك، بناء منه على أن الغالب أن الخبر لا يخفي [عنهم]، لقرب دراهم وزمانهم، وكثرة حثهم، وشدة اعتنائهم بحفظ أدلة الشريعة، فنقع المسألة في قسم ما إذا ظننا بلوغ الخبر، [ولم] نقطع به، وقد (١٠٩/أ) [اخترنا] في [هذه] الصورة سقوط التمسك بالخبر، ولزوم التمسك بالعمل. هذا هو الرأي الظاهر في ذلك. وعلى هذا التقدير ما [نبقى] على

стр. 974

شك، هل بلغهم الخبر أم لا؟ بل يغلب على الظن البلوغ مطلقا، نظرا للعادة. على أن هذه المسألة قد اختلف قول مالك فيها، فروى عن النبي ﷺ أنه قال: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر). (٨٧/ب) فعم. وقال [الفقهاء] السبعة: لا تتوجه اليمين إلا بمعاملة [أو مخالطة] أو ظنه. والمشهور من مذهب مالك هذا. وله قول آخر في تعميم توجه اليمين، على

стр. 975

حسب ما اقتضاه الظاهر من التعميم. وأما إذا روى [الراوي، وأول وذكر] محامل، فهذا مما اختلف الناس فيه. أما من ذهب إلى أن قول الصحابي حجة، فيصير ذلك الاحتمال مرجحا، لوجدان الدليل الدال عليه. [وإذا] قلنا- وهو الصحيح- إنه لا يكون حجة، [فهل] يصلح مرجحا ومعينِّا، [وأنه] قد [ثبت] الترجيح بما [لا] يستقل [دليلا]؟ ذهب الشافعي [﵀] إلى ذلك. والذي يظهر لي- والله أعلم- أنه لا يثبت [بذلك] ترجيح، إلا أن يقول الصحابي: علمت ذلك من قرائن أحوا الرسول [ ﷺ ]. فإن صير إلى

стр. 976

[تعينه، فبناء] على أنه أعلم، لا باعتبار كونه راويا، [واطراد] ذلك في بقية الصحابة إذا [أولوا]- أعني كل واحد منهم على انفراد. وكل هذا إنما هو مع المصير إلى أن أقوال الصحابة ليست حججا. وما ذكره الإمام آخر المسألة من أن المخالفة إنما تكون معتبرة إذا جرت في زمن العدالة. فكرم صحيح، لأن الدليل إنما [تم] [بقولنا: ] إن كان الخبر صحيحا معتمدًا، فالعامل فاسق، ولا يحل نسبة ذلك إليه. فإذا تحقق فسقه، لم ينضبط المأخذ في الدليل المخالف، [فأمكن] أن تحمل المخالفة على [الجرأة]، [فيرجع] هذا بمثابة ما إذا لم نتحقق المخالفة. فإن قيل: فالأمر دائر بين أن يكون الخبر [متروكا]، أو [الراوي] فاسقا، وكلاهما [يقتضي] أن لا يتمسك بالخبر. قلنا: لهذا افتقر إلى أن يقدر تخلل زمان طويل، بحيث لا تنعطف [غوائل] الفسق على الخبر، فيبقى الخبر معمولًا به. هذا نهاية المسألة.

стр. 977

قال الإمام: (مسألة: إذا ورد [لفظ الشارع]، وله مقتضى في وضع اللسان، [ولكن عم في عرف أهل الزمان استعمال ذلك اللفظ على خصوص في بعض المسميات]) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: هذه المسألة، وهي تخصيص العموم بالعرف تنقسم أقساما، بعضها متفق عليه في النفي، [وبعضها متفق عليه في الإثبات]، وبعضها مختلف فيه. [والمتفق] عليه من ذلك أن يكون العرف أهل اللسان، كالدابة والغائط، وما يجري مجراه. هذا

стр. 978

[إن] قلنا إن الشارع لم يتصرف في اللغة، وإن بني على أنه تصرف [في اللغة]، [تنزل] عرفه [منزلة] عرف أهل اللسان، ووجب التخصيص [به]. الثاني: أن يكون العرف لغير أهل اللغة، ولم يكن [الشارع] يعرف عرفهم في الاختصاص. فهذا يجب أن تنزل ألفاظ الشارع على مقتضاها [في اللغة]، [أو في] عرف الشرع. وهذا لا يتجه فيه خلاف، إذ كيف

стр. 979

[يتصور أن] يكون قصد [مناطقتهم] على حسب عرفهم، ولا يعرفه؟ الثالث: أن يكون للمخاطبين، وليسوا أهل اللغة (١٠٩/ب)، والشارع يعرف عرفهم، ولكنه لم يظهر منه مناطقتهم على مقتضى عرفهم، ولا ظهر أيضًا منه الإضراب [عن] ذلك. فهذا موضع خلاف، فذهب ذاهبون إلى انه ينزل على مقتضى عرفهم، وهو تحكم، والدليل عليه ما ذكره الإمام، [وهو] كون الشارع خاطب الشريعة العربية الخلق أجمعين، على أن يفهموا من الألفاظ مقتضاها. الرابع: أن يكون المخاطبون (٨٨/أ) اعتادوا تعاطي بعض ما يدل عليه العموم فعلا، وهذا بمثابة [ما لو] نهى عن أكل اللحم مثلا، وكان أولئك القوم اعتادوا أكل لحم مخصوص، [فهل] يكون النهي مقصورا على ما اعتادوا أكله أم لا؟ اختلف الفقهاء فيه، وكذلك الأصوليون.

стр. 980

وعليه خرج تخصيص الأيمان بالعرف الفعلي، فإذا حلف أن لا يأكل لحمًا، حنث بأكل [لحم] السمك، وكذلك إذا حلف أنه لا يأكل بيضًا، حنث بأكل بيض العصافير. وكذلك إذا حلف أن لا يدخل بيتًا، حنث بدخول بيت الشعر، [أو يقتصر] يمينه على [ما اعتاده]؟ هذا مما اختلف فيه. وعليه خرج الاختلاف بين أصحابنا، هل يجب على صاحب [السلس] الوضوء، أو على [من] أنزل من حكة أو ضرب غسل أم لا؟ والشهور من المذهب وجوب الوضوء على [صاحبه]، ..........................

стр. 981

لأن الله تعالى [قال]: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾. وهذا هو اختيار ابن القاسم. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يجب الوضوء على صاحب السلس، ونزل قوله [تعالى]: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ على المعتاد من الفعل، وخص به عموم الخطاب، وهذا ضعيف. وقد قررنا أنه إذا تحقق الظهور لغة، ولم يمنع مانع [منه]، وجب التمسك بالعموم، ولا مناقضة بين حمل اللفظ [على] عمومه، وقصور

стр. 982

[التعاطي] على شيء مخصوص. هذا [أمرُ] ما ذكره الإمام [في] المخصصات، وبقي من المخصصات شيئان: أحدهما- فعل [الرسول ﷺ ]. والثاني- تقريره واحدا من أمته على خلاف مقتضى العموم. أما التقرير، فداخل تحت قسم [الناص] الخاص، إما تواترا، وإما آحادا. وأما الفعل فأخر الإمام الكلام فيه، لأنه طويل، وفيه تقسيم وتفصيل. ونحن نرى أن [نؤخر الكلام] فيه إلى موضعه. وإذا استقر أمره، نبهنا على كونه مخصصا أم لا؟ والله الموفق للصواب. قال الأمام [﵀]: (القول في المفهوم -[ما يستفاد] من

стр. 983

اللفظ نوعان) إلى قوله (فلتقع البداية بالمسألة الأولى). قال الشيخ [أيده الله]: اللفظ عند أهل اللغة يدل على وجهين: أحدهما- من جهة نظمه [وصيغته]. [والآخر-] من جهة [اقتران] أمر آخر بالمتلفظ به، [قائما] بنفس المتكلم، استغني عن التعبير عنه بالتعبير [عن ملازمه]، وهذه الملازمة، قد تكون على وجه مقطوع به، وقد تكون على وجه مظنون، وقد تكون أيضًا على جهة موافقة، وقد تكون على جهة مناقضة، وقد تكون على جهة مخالفة، [لا مناقضة] ولا مماثلة. فهذه [خمسة] أمور لابد من النظر فيها.

стр. 984

الأول: ما يسمى اقتضاء، وهو أمرٌ مفهوم [عند] اللفظ، ولا يكون منطوقا [به]، ولكن (٨٨/ب) يكون من ضرورة [المنطوق] به، إما من حيث [أنه] لا يمكن أن يكون المتكلم صادقا إلا به، أو من جهة (١١٠/أ) كونه لا يصح الملفوظ [به شرعا إلا به، أو من] حيث يمتنع ثبوته عقلا إلا به. أما المقتضى الذي [هو ضرورة] صدق المتكلم، [فكقوله: (لا عمل] إلا بنية). و) رفع عن أمتي الخطأ والنسيان). فإن الخطأ والنسيان موجودان، وكذلك العمل بغير [نية] موجود أيضًا، فيفتقر إلى

стр. 985

إضمار، ليصح صدق المتكلم، فيضمر الحكم [أو الإثم]، أو ما يشبه ذلك. [وكذلك] قال القاضي هذا في قوله [ ﷺ ]: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل). يجب إضمار الحكم، وإنما لزم ذلك، من جهة أنه [ينفي] [الأسماء] الشرعية، ويرى أن الصوم لمحض الإمساك، وهو موجود، فيجب إضمار الحكم، على حسب ما [مر]. [وأما] من جعله عبارة عن الصوم الشرعي، فيمكن انتفاؤه بطريق النطق. ولهذا قال القاضي: إنه لا عموم له، لأنه [ثبت] اقتضاء. وأما الاقتضاء الذي لا يتصور ثبوته شرعًا إلا به، فإذا أمر بالصلاة أو التزمها، [فإن] ذلك يتضمن [الطهارة لا محالة. وقد دللنا على أنه لابد من
следующие страницы →