أما الحرام فالممات دونه … والحل لا حل فاستبينه
فكيف بالأمر الذي تنوينه
ثم إنه مضى مع أبيه إلى بني زهرة، فزوجه آمنة. وأقام عندها ثلاثا.
وكانت تلك سنتهم. ثم إن عبد الله أتى الامرأة (١) بعد ذلك، فقال لها: هل لك فيما كنت عرضت على أن يكون بيننا تزويج؟ فقالت:
لا تطلبن الأمر إلا ميلا … قد كان ذاك مرة فاليوم لا
إني رأيت في وجهك نورا ساطعا، وقد ذهب الآن، فما الذي صنعت؟
فحدثها حديثه، فقالت: إني لأحسبك أبا النبي الذي قد أظل وقت مولده.
وقالت (٢):
لله ما زهرية سلبت … ثوبيك ما سكنت وما تدري
وقالت أيضا (٣):
بني هاشم قد غادرت من أخيكم … أمينة إذ للباه يعتلجان
كما غادر المصباح بعد خبوه … فتائل قد ميثت له بدهان
وما كل ما يحوي امرؤ من إرادة … لحزم ولا ما فاته لتوان
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه … سيكفيكه جدان يصطرعان
(ولادة النبي ﵇:
١٤٠ - وحملت آمنة في أيامها الثلاثة. ورأت في منامها آتيا أتاها، فقال:
стр. 107
يا آمنة، إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع في الأرض، فقولي: «أعيذك بالواحد، من شر كل حاسد»، وسميه أحمد. ويقال إنه قال: سميه محمدا.
١٤١ - فلما وضعته، أرسلت إلى عبد المطلب أنه قد ولد لك غلام. فنهض مسرورا، ومعه بنوه، حتى أتاه فنظر إليه. وحدثته بما رأت، وبسهولة حمله وولادته. فأخذه عبد المطلب في خرقة فأدخله الكعبة وقال (١):
الحمد لله الذي أعطاني … هذا الغلام الطيب الأردان
أعيذه بالبيت ذي الأركان … من كل ذي بغي وذي شنآن
وحاسد مضطرب العنان
ثم رده إلى أمه.
١٤٢ - وقال الواقدي: الامرأة التي قالت لعبد الله ما قالت، قتيلة بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، أخت ورقة بن نوفل. وكانت تنظر في الكتب.
١٤٣ - المدائني، عن يزيد بن عياض، عن الزهري وحفص بن عمر، عن هشام بن الكلبي، عن أبيه، أن عبد المطلب كان إذا أتى بالطعام، أجلس النبي ﷺ إلى جانبه، وربما أقعده على فخذه، فيوثره بأطيب طعامه. وكان رقيقا عليه بآدابه. فربما أتي بالطعام وليس رسول الله ﷺ حاضرا، فلا يمس شيئا منه حتى يؤتى به. وكان يفرش له في ظل الكعبة، ويجلس بنوه حول فراشه إلى خروجه، فإذا خرج، قاموا على رأسه مع عبيده، إجلالا له. وكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر، فيجلس على الفراش، فيأخذه أعمامه ليؤخروه، فيقول عبد المطلب: مهلا، دعوا ابني ما تريدون منه. ثم يقول: دعوه فإن له لشأنا، أما ترونه؟ ويقبل رأسه وفمه، ويمسح ظهره، ويسر بكلامه وما يرى منه.
стр. 108
١٤٤ - وحدثني محمد بن إسماعيل الضرير الواسطي، حدثنا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن العباس بن عبد الرحمن الهاشمي، عن الكندير بن سعيد، عن أبيه، قال:
حججت في الجاهلية، فإذا أنا بشيخ مربوع يطوف بالبيت، وهو يقول (١):
رد علي راكبي محمدا … واصطنعن برده عندي يدا
فقلت: من هذا الشيخ؟ قالوا: عبد المطلب بن هاشم. قلت: ما شأنه؟
قالوا: (أ) ضل إبلاله، فخرج في طلبها بني ابنه: محمد بن عبد الله، وقد أبطأ عليه، فقد أخذه ما ترى. قال: فما برحت حتى رجع رسول الله ﷺ ، وهو غلام، وجاء بالإبل. فسمعت عبد المطلب يقول له:
يا بني، لقد جزعت عليك جزعا، لا تفارقني بعده حتى أموت.
١٤٥ - وحدثني الحرمازي، عن أبي اليقظان، قال:
كان عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس- وأمه البيضاء بنت عبد المطلب- مضعوفا. فأتي به عبد المطلب، فمسه، فقال: وعظام هاشم، وما ولد في ولد عبد مناف مولود أحمق منه. وتزوج عامر دجاجة بنت أسماء بن الصلت السلمي، فولدت له عبد الله بن عامر.
١٤٦ - وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، قال حدثني الوليد بن عبد الله القرشي، عن عبد الرحمن ابن موهوب الأشعري حليف بني زهرة، عن أبيه، عن مخرمة بن نوفل الزهري، قال:
سمعت أمي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم تحدث، وكانت لدة عبد المطلب، قالت: تتابعت على قريش سنون ذهبت بالأموال، فسمعت في النوم قائلا يقول: «هذا أوان نبي مبعوث فيكم، معشر قريش، وبه يأتيكم الحيا (٢) والخصب، فليخرج رجل منكم طوال أبيض، مقرون الحاجبين، أهدب الأشفار، جعد الشعر، أشم العرنين، وليخرج معه ولده وولد ولده،
стр. 109
وليخرج من كل بطن رجل حتى يعلوا أبا قبيس، ثم يتقدم هذا الرجل فيستسقي، ويؤمنون». فلما أصبحت، قصصت رؤياي. فنظروا، فإذا الرجل الذي هذه صفته عبد المطلب. فاجتمعوا عليه، وفعلوا ما أمروا به. وكان النبي ﷺ مع ولد عبد المطلب، وهو غلام. فتقدم عبد المطلب، فقال:
«لا هم، هؤلاء عبادك، بنو إمائك، وقد نزل بهم ما ترى، وتتابعت عليهم السنون فذهبت بالخف والقلف، وأشفت الأنفس منهم على التلف والحتف.
فاذهب عنا الجدب، وائتنا بالحياة والخصب». قال: فما برحوا حتى سالت الأودية. وبرسول الله ﷺ سقوا. قالت رقيقة (١):
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا … وقد فقدنا الحيا واستبطئ المطر
فجاد بالماء جونى له سبل … دان فعاشت به الأنعام والشجر
منا من الله بالميمون طائره … وخير من بشرت يوما به مضر
مبارك الوجه يستسقى الغمام به … ما في الأنام له عدل ولا خطر
١٤٧ - المدائني، عن ابن جعدبة أن عبد المطلب رأى في منامه قائلا يقول (٢): احفر زمزم، خبية الشيخ الأعظم. ثم رأى ليلة أخرى: احفر تكتم، بين الفرث والدم، في مبحث الغراب الأسحم، في قرية النمل. فلما أصبح، وجد بقرة مفلتة من جازرها وقد صارت إلى المسجد إلى موضع زمزم، فسلخت في موضعها. وجاء غراب حتى وقع على فرثها، وإذا ثم قرية نمل. فاحتفر عبد المطلب زمزم، وأنكرت قريش ذلك. فحدثها الحديث، فصدقته. وقال خويلد بن أسد:
أقول وما قولي علي بهين … إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم
حفيرة إبراهيم يوم ابن هاجر … وركضة جبريل على عهد آدم
стр. 110
١٤٨ - قالوا: وتوفي عبد المطلب وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، ودفن بالحجون بمكة، ولرسول الله ﷺ ثماني سنين، ولحمزة نحو من اثنتي عشرة سنة، وللعباس إحدى عشرة سنة. ويقال إن عبد المطلب مات وله ثمان وثمانون سنة. وفي رواية الواقدي وغيره أن أم أيمن حدثت أن رسول الله ﷺ كان يبكي خلف سرير عبد المطلب، وهو ابن ثماني سنين.
قال الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر، أن مخرمة بن نوفل الزهري قال:
مات عبد المطلب وأنا شاهده مع قريش، وقد قاربت عشرين سنة، وأن أمي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم كانت (١) لدة عبد المطلب، فتقول لي:
شق قميصك على خالك لمن تستبقيه (٢) بعده. قال: ونظرت إلى نساء بنى عبد مناف قد جززن الشعور. وإنه ليقال إنه يومئذ ابن ما بين الثمانين إلى التسعين، وإن كان لمعتدل القناة. وكان أول من تحنث بحراء. والتحنث التأله (٣) والتبرر. وكان إذا أهل هلال شهر رمضان، دخل بحراء فلم يخرج حتى ينسلخ الشهر (٤)، ويطعم المساكين. وكان يعظم الظلم بمكة، ويكثر الطواف بالبيت.
قال الواقدي: وقد روي أن عبد المطلب توفى ابن مائة وعشر سنين. وليس ذلك بثبت. وقال هشام بن الكلبي: كان موت عبد المطلب في ملك هرمز ابن أنوشروان، على الحيرة قابوس بن المنذر، أخو عمرو بن المنذر الذي يقال له عمرو بن هند مضرط الحجارة. ويقال إنه لم يمت حتى كف بصره.
وروي عن عبد الله بن عباس، أنه قال، كان أبي يخبرنا عن عبد المطلب أنه مات يوم مات وهو أعدل قناة منه، وله ثمان وثمانون سنة. وسمعت من يحدث عن مصعب بن عبد الله، أن عبيد بن الأبرص كان ترب عبد المطلب، وبلغ عبيد مائة وعشرين سنة، وبقي عبد المطلب بعده عشرين سنة أو أكثر.
стр. 111
١٤٩ - قالوا: ولما احتضر عبد المطلب، جمع بنيه فأوصاهم برسول الله ﷺ . وكان الزبير بن عبد المطلب وأبو طالب أخوي عبد الله لأمه وأبيه.
وكان الزبير أسنهما. فاقترع الزبير وأبو طالب أيهما يكفل رسول الله ﷺ ، فأصابت القرعة أبا طالب، فأخذه إليه. ويقال: بل اختاره رسول الله ﷺ على الزبير، وكان ألطف عميه به. ويقال: بل أوصاه عبد المطلب بأن يكفله بعده. وروي بعضهم أن الزبير كفل النبي ﷺ حتى مات، ثم كفله أبو طالب بعده، وذلك غلط لأن (١) الزبير شهد حلف الفضول ولرسول الله ﷺ يومئذ نيف وعشرون سنة.
لا اختلاف بين العلماء في أن شخوص رسول الله ﷺ إلى الشام مع أبي طالب بعد موت عبد المطلب بأقل من خمس سنين.
١٥٠ - ورثى بنات عبد المطلب أباهن بشعر، كتبت بعضه. قالت عاتكة بنت عبد المطلب (٢):
أعيني جودا ولا تبخلا … بدمعكما بعد نوم النيام
أعيني واسحنفرا واسكبا … وشوبا بكاء كما بالتدام
على شيبة الحمد والمكرمات … ومردي المخاصم يوم الخصام
وقالت أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب (٣):
ألا يا عين جودي واستهلي … وبكي ذا الندى والمكرمات
وبكي خير من ركب المطايا … أباك الخير تيار الفرات
عقيل بني كنانة والمرجى … إذا ما الدهر أقبل بالهنات
وقالت برة بنت عبد المطلب:
ألا يا عين ويحك أسعديني … واذري الدمع سجلا بعد سجل
стр. 112
بدمع من دموعك ذي غروب … فقد فارقت ذا كرم وبذل
طويل الباع شيبة ذا المعالي … أباك الخير وارث كل فضل
وقالت أميمة بنت عبد المطلب (١):
أعيني جودا بدمع درر … على طيب الحيم والمعتصر
على ماجد الجد واري الزناد … جميل المحيا عظيم الخطر
على شيبة الحمد والمكرمات … وذي المجد والعز والمفتخر
وقالت سبيعة بنت عبد شمس:
أعيني جودا (٢) بالدموع السواكب … على خير ميت نحى من لؤي بن غالب
أعيني لا تستحسرا عن بكاكما … على ماجد الأعراق عف المحاسب
أبي الحارث الفياض ذي الحلم والنهى … وذي الباع والأفضال غير تكاذب
وقالت أروى بنت عبد المطلب (٣):
بكت عيني وحق لها بكاها … على سمح سجيته الحياء
على الفياض شيبة ذي المعالي … أبيك الخير ليس له كفاء
طويل الباع أروع ذو فضول … له المجد المقدم والسناء
وقالت ضعيفة بنت هاشم (٤):
ألا هلك الراعي العشيرة ذو الفقد … وساقي الحجيج والمحامى عن المجد
أبو الحارث الفياض خلى مكانه … فلا يبعدن وكل حى له بعد
стр. 113
قالوا: ولم يقم لموت عبد المطلب بمكة سوق (١) أياما كثيرة.
١٥١ - وولد هاشم أيضا، سوى عبد) المطلب (٢): نضلة بن هاشم، والشفا بنت هاشم، (تزوجها هاشم بن المطلب بن عبد مناف، فولدت له عبد يزيد ابن هاشم، وهو «المحض لا قذى فيه». وكذلك كانوا يسمون من كانت أمه بنت عم أبيه. وأمهما أميمة بنت عدي بن عبد الله، من قضاعة، ثم من بني سلامان بن سعد بن يزيد. ويقال: هي أميمة بنت أبي عدي بن عبد الله.
وكان السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب يشبه بالنبي ﷺ ، وأسد بن هاشم، (وأمه قيلة، وهي الجزور بنت عامر بن مالك ابن جذيمة المصطلق، من خزاعة)، وصيفي (٣)، وأبا صيفي واسمه عمرو سماه أبوه باسمه، (وأمهما هند بنت عمرو بن ثعلبة، من الخزرج. ويقال إن أبا صيفي لأم ولد)، وخالدة بنت هاشم، (تزوجها أسد بن عبد العزى، فولدت له نوفل وحبيب (٤) ابني أسد بن عبد العزى، قتلا يوم الفجار الآخر)، وصفية بنت هاشم، (تزوجها وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وأمها واقدة بنت أبي عدى الهوارتية، خلف عليها هاشم بعد أبيه نكاح مقت)، وحية بنت هاشم، (تزوجها الأحجم بن دندنة بن عمرو، من خزاعة، وأمها من ثقيف، فولدت له أسيد، وشييم، ومرة، وزرعة، وورقة، وجارية وسلمى).
(أولاد عبد المطلب):
١٥٢ - فولد عبد المطلب- ويكنى أبا الحارث-: عبد الله، والزبير، وعبد مناف وهو أبو طالب، (وكان الزبير أحد حكام قريش، وهو أسن من عبد الله ومن
стр. 114
أبي طالب)، عبد الكعبة درج صغيرا، وأم حكيم البيضاء (وهي «الحصان لا تكلم والصناع لا تعلم»، توأمة عبد الله تزوجها كريز بن ربيعة بن حبيب ابن عبد شمس بن عبد مناف، فولدت له أروى بنت كريز، أم عثمان بن عفان، وأم كريز، وأرنب وهي أم طلحة بنت كريز امرأة عامر بن الحضرمى، من حليف بني عبد شمس)، وعاتكة بنت عبد المطلب (تزوجها أبو أمية ابن المغيرة المخزومي، فولدت له زهير بن أبي أمية، وعبد الله بن أبي أمية، وقريبة الكبرى بنت أبي أمية، وهم إخوة أم سلمة بنت أبي أمية زوج رسول الله ﷺ لأبيها. وأم أم سلمة كنانية، من ولد جذل الطعان)، وبرة بنت عبد المطلب (تزوجها عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له أبا سلمة بن عبد الأسد، واسمه عبد الله، ثم خلف عليها أبو رهم بن عبد العزى، من ولد عامر بن لؤي، فولدت أبا سبرة بن أبي رهم)، وأميمة بنت عبد المطلب (تزوجها جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة ابن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، فولدت له عبد الله، وعبيد الله، وعبد وهو أبو أحمد، وزينب زوج رسول الله ﷺ ، وحمنة بنت جحش تزوجها طلحة بن عبيد الله التيمي صاحب رسول الله ﷺ ، وأروى بنت عبد المطلب (تزوجها عمير بن وهب بن عبد ابن قصي، فولدت له طليب بن عمير هاجر وقتل بالشام شهيدا. ثم خلف عليها أرطاة بن عبد شرحبيل (١) بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، فولدت له فاطمة) - وأم هؤلاء جميعا فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي- والعباس بن عبد المطلب (وأمه نتيلة بنت جناب بن كليب بن مالك بن عامر بن زيد مناة بن عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط. وسمي الضحيان لأنه كان يجلس لقومه إذا أضحى فيحكم بينهم. وأم نتيلة: سعدى بنت
стр. 115
الحارث بن زيد، فربته (١) أيضا. وأم جناب: أم حجر ولدعية، من همدان.
وأمها ربيعة، من ولد الحارث بن عباد فارس النعامة)، وضرار بن عبد المطلب (وأمه نتيلة أيضا. مات حدثا قبل الإسلام).
١٥٣ - وحدثني عباس (٢) بن هشام، عن أبيه، عن جده، قال:
قال (٣) عبد المطلب في ابنه العباس، وكان به معجبا، وولد قبل الفيل بثلاث سنين:
ظني بعباس ينبى إن كبر … أن يمنع القوم إذا ضاع الدبر
وينزع السجل إذا اليوم اقمطر … ويسقي الحاج إذا الحاج كثر
وينحر الكوماء في اليوم الحصر … ويفصل الخطبة في الأمر المبر
ويكسو الريط اليماني والأزر … ويكشف الكرب إذا ما اليوم هر
أكمل من عبد كلال وحجر … لو جمعا لم يبلغا منه العشر
١٥٤ - قال: وأضلت نتيلة ابنها ضرارا، فكاد عقلها يذهب جزعا. وولهت ولها شديدا. وكانت ذات يسار. فجعلت تنشده في الموسم، وتقول:
أضللت أبيض لوذعيا … لم يك مجلوبا ولا دعيا
وقالت أيضا:
أضللت أبيض كالخصاف … للفتية الغر بني مناف
ثم لعمري منتهي الأضياف … سن لفهر سنة الإيلاف
في القر حين القر والأصياف
وجعلت على نفسها لئن رده الله عليها أن تكسو الكعبة. فمر بها حسان بن ثابت الأنصاري، وقد حج في نفر من قومه. فلما رأى جزعها، قال (٤):
стр. 116
وأم ضرار تنشد الناس والها … فيال بني النجار ماذا أضلت
ولو أن ما تلقي نتيلة غدوة … بأركان رضوى مثله ما استقلت
فأتاها به رجل من جذام. فكست البيت ثيابا بيضا، وجعلت تقول:
الحمد لله ولي الحمد … قد رد ذو العرش على ولدي
من بعد أن جولت في معد … أشكره ثم أفي بعهدي
وحمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، والمقوم ويكنى أبا بكر، وحجل واسمه المغيرة، وصفية (تزوجها الحارث بن حرب بن أمية، فولدت له الصفياء. ثم خلف عليها العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، فولدت له الزبير، والسائب، وعبد الكعبة درج. فتزوج الصفياء ربيعة بن ابن أكثم، وذلك الثبت. ويقال: ابن أبي أكثم بن عمرو، أحد بني عامر بن غنم ابن دودان، وكان يكنى أبا يزيد، وهو بدري واستشهد بخيبر). وأم هؤلاء هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وأمها العبلة بنت المطلب (١) بن عبد مناف. والحارث بن عبد المطلب (بن هاشم) بن عبد مناف (وبه كان يكنى، وهو أكبر ولده. وأمه صفية بنت جنيدب بن (٢) حجير بن رئاب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور)، وقثم بن عبد المطلب (هلك صغيرا، وأمه صفية بنت جنيدب أيضا)، وعبد العزى بن عبد المطلب (وهو أبو لهب، وكان جوادا.
كناه أبوه بذلك لحسنه. ويكنى أبا عتبة. وأمه لبنى بنت هاجر بن عبد مناف ابن ضاطر بن حبشية بن سلول، من خزاعة)، والغيداق (واسمه نوفل. وأمه ممنعة بنت عمرو بن مالك بن مؤمل بن أسعد، من خزاعة).
١٥٥ - ويقال إن قثم بن عبد المطلب كان أخا الغيداق لأمه، ولم يكن أخا الحارث. قال قرة بن حجل بن عبد المطلب يذكر عمومته وأباه (٣):
стр. 117
أذكر ضرارا إن عددت فتى ندى … والليث حمزة وأذكر العباسا
وأعدد زبيرا والمقوم بعده … والصتم حجلا والفتى الرءاسا
وأبا عتيبة فاذكرنه ثامنا … والقرم عبد مناف الجساسا
(والقرم) غيداقا تعد جحاجحا … سادرا على رغم العدو الناسا
والحارث الفياض ولى ماجدا … أيام نازعه الهمام الكاسا
عبد الله بن عبد المطلب
١٥٦ - فأما عبد الله بن عبد المطلب- ويكنى أبا قثم، ويقال إنه كان يكنى أبا محمد، ويقال كان يكنى أبا أحمد- قولد محمدا رسول الله وخاتم أنبيائه ﷺ ، ويكنى أبا القاسم. وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب بن مرة. وأمها برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ابن قصي بن كلاب. وأم وهب: هند بنت أبي قيلة- وهو وجز- بن غالب، من خزاعة. وكان أبو قيلة يدعى أبا كبشة. وكان قد استخف بالحرم وأهله، في فعلة فعلها (١). فكانت قريش تقول للنبي ﷺ : «فعل ابن أبي كبشة كذا»، يشبهونه إذا خالف دينهم. ويقال إن زوج حليمة، ظئره، كان يكنى أبا كبشة. ويقال إن وهبا، جده لأمه، كان يكنى أبا كبشة. ويقال إن عمرو بن زيد، جد عبد المطلب لأمه، كان يكنى أبا كبشة. والله أعلم.
١٥٧ - وحدثني أبو الحسن المدائني، عن الوقاصي، قال سمعت الزهري يقول:
كان وجز بن غالب ينكر عبادة الأصنام ويعيبها، ويطعن على أهلها، وكان يكنى أبا كبشة. فشبهوا النبي ﷺ به.
стр. 118
١٥٨ - وكان مولد رسول الله ﷺ في عام الفيل، يوم الاثنين لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول. ويقال لليلتين خلتا منه. ويقال لاثنتي عشرة ليلة خلت منه. وذلك لأربعين سنة مضت من ملك أنوشروان كسرى بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد الخشن بن بهرام بن سابور ذي الأكتاف ملك الفرس.
وكان ملك أنو شروان سبعا وأربعين سنة وثمانية أشهر. وكان على الحيرة يوم ولد رسول الله ﷺ عمرو بن المنذر بن امرئ القيس، وهو عمرو ابن هند، وذلك قبل ولاية النعمان بن المنذر المعروف بأبي قابوس الحيرة بنحو من سبع عشرة سنة. وتوفي عبد الله بن عبد المطلب، أبو رسول الله ﷺ ، وهو حمل. وذلك الثبت. ويقال إنه توفي وهو ابن سبعة أشهر.
ويقال إنه توفي وهو ابن نيف وعشرين شهرا. وكان عبد المطلب بعثه إلى المدينة يمتار له تمرا. فنزل على أخواله من بني النجار، فمات عندهم. ويقال:
بل أتاهم زائرا لهم، فمرض عندهم ومات. ويقال: بل قدم من غزة (١) بتجارة له، فورد المدينة مريضا، فنزل على أخوال أبيه، فمات عندهم. وهو يومئذ ابن خمس وعشرين سنة. ويقال: ثمان وعشرين سنة. وأن أباه بعث إليه الزبير بن عبد المطلب، أخاه، فحضر وفاته. ودفن في دار النابغة.
١٥٩ - وذكروا أن آمنة بنت وهب رثته، فقالت (٢):
عفا جانب البطحاء من قرم هاشم … وحل بلحد ثاويا غير رائم
عشية راحوا يحملون سريره … يفلونه عن عبرة وتزاحم
دعته المنايا دعوة فأجابها … وما غادرت في الناس مثل ابن هاشم
فإن يك غالته المنايا بيثرب … فقد كان مفضالا كثير التراحم
١٦٠ - قالوا: ولما ولد رسول الله ﷺ ، التمس له الرضاع.
стр. 119
فاسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر بن هوازن بن منصور، يقال لها حليمة.
وهي، فيما قال هشام بن الكلبي، حليمة بنت أبي ذؤيب- واسمه الحارث- بن عبد الله بن شجنة بن جابر بن (رزام بن) (١) ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر. وقال محمد بن إسحاق (٢) والواقدي: هي حليمة بنت أبي ذؤيب، واسمه عبد الله بن الحارث بن شجنة. الأول قول الكلبي، وهو أثبت. وقالوا:
واسم زوج حليمة: الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد. واسم ابنها الذي شرب رسول الله ﷺ من لبنه: عبد الله بن الحارث. وأختاه أنيسة والشيماء بنتا (٣) الحارث.
١٦١ - وكانت الشيماء تحمل النبي ﷺ ، وتقوم (٤) عليه مع أمها حليمة، وسبيت يوم حنين، فعنف بها. فقالت: يا قوم، تعلموا أني أخت نبيكم. فلما أتوا بها رسول الله ﷺ ، قالت: إني أختك، وكنت عضضتني وأنا أحضنك مع أمي. فعرف ذلك. وبسط لها رداءه فأجلسها عليه، وأعطاها ما أغناها، ووهب لها جارية وغلاما يقال له مكحول. فزوجت الجارية من الغلام. وقال الكلبي: وفدت الشيماء على النبي ﷺ ، فأرته أثر عضته.
١٦٢ - قالوا: وكانت حليمة وزوجها خرجا في نسوة من بني سعد يطلبن الرضعاء، ومع حليمة ابنها عبد الله وهي ترضعه. وذلك في سنة شهباء، فلم تبق شيئا.
قالت حليمة: فخرجت على أتان لي قمراء (٥) ومعنا شارف لنا ما تبض بقطرة.
فصبينا لا ينام من البكاء، ولا يدعنا ننام معه. فما من امرأة إلا عرض عليها رسول الله ﷺ ، وإذا قيل إنه يتيم، قالت: وما عسى أن يكون من أمه وجده إلينا؟ إنما يكون الإحسان من الأب. ولم تعرض له. فلما
стр. 120
أجمعن الانطلاق، قلت لصاحبي: والله إني لأكره الرجوع خائبة، ولآخذن هذا اليتيم الهاشمي. فقال: افعلي، فلعل الله يجعل لنا فيه البركة. فأخذته، ورجعت إلى أهلي. فلما وضعته في حجري، أقبل ثدياي يشخبان لبنا. فشرب حتى روي. وشرب أخوه حتى روي. ثم ناما، ونمنا. وقام زوجي إلى شارفنا، فيجدها حافلا. فحلبها، وشرب وشربت. فقال: تعلمي يا حليمة أن قد أخذت أعظم نسمة بركة. قالت: ثم ركبت الأتان حين رحلنا، فإذا هي تسبق الركاب. فقال لي صواحبي: إن لأتانك شأنا مذ اليوم. وقد منا، فرأينا البركة محللة لنا: كانت مواشي الناس ترجع هذلى خماصا، وتروح مواشينا سمانا بطانا.
١٦٣ - ثم إن رسول الله ﷺ فطم لسنتين. وردته حليمة إلى أمه وجده، وهو ابن خمس سنين. فكان مع أمه إلى أن بلغ ست سنين. وذلك الثبت. ويقال إنه كان معها إلى أن أتت له ثماني سنين. وكانت ثويبة، مولاة أبي لهب بن عبد المطلب، أرضعت النبي ﷺ أياما (١)، قبل أن تأخذه حليمة، من لبن ابن لها يقال له مسروح. وأرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي.
١٦٤ - قالوا: ولما أتى لرسول الله ﷺ ست سنين، زارت أمه قبر زوجها بالمدينة، كما كانت تزوره. ومعها عبد المطلب وأم أيمن حاضنة رسول الله ﷺ . فلما صارت بالأبواء منصرفة إلى مكة، ماتت بها ودفنت. ويقال إن عبد المطلب زار أخواله من بني النجار، وحمل معه آمنة ورسول الله ﷺ : فلما رجع منصرفا إلى مكة، ماتت آمنة بالأبواء.
١٦٥ - وروي أن قريشا لما كانوا بالأبواء، وهم يريدون أحدا، هموا باستخراج آمنة من قبرها. فقال قائلهم: إن النساء عورة، فإن يصب محمد من نسائكم
стр. 121
أحدا، قلتم: «هذه رمة أمك وأعظمها». ثم كفهم الله عن ذلك إكراما لنبيه، فأمسكوا.
١٦٦ - وزعم بعض البصريين أن آمنة أم النبي ﷺ ماتت بمكة، ودفنت في شعب أبي دب الخزاعي. وذلك غير ثبت.
١٦٧ - وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح أو عكرمة، أن حليمة ظئر رسول الله ﷺ لما قدمت به من بلادها، أضلته بأعلى مكة. فوجده ورقة بن نوفل ورجل آخر من قريش، فأتيا به عبد المطلب وقالا: هذا ابنك وجدناه متلددا بأعلى مكة، فسألناه من هو؟ فقال:
أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فأتيناك به. فذلك قول الله ﵎:
«ووجدك ضالا فهدى» (١). ثم إن عبد المطلب حمله على عاتقه، وطاف به حول الكعبة، وقال:
أعيذه بالله بارئ النسم … من كل من يسعى بساق وقدم
وقصفة الحجاج في الشهر الأصم … حتى أراه في ذري صعب أشم
ثم يكون رب غير مهتضم
١٦٨ - قالوا: وقدمت حليمة على رسول الله ﷺ بعد تزوجه خديجة بنت خويلد، فأنزلها وأكرمها. فشكت جدب البلاد وهلاك الماشية. فكلم خديجة فيها. فأعطتها أربعين شاة وبعيرا للظعنة، وصرفها إلى أهلها بخير.
وقدمت على رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، وهو بالأبطح، أخت حليمة ومعها أخت زوجها، وأهدت إليه جرابا فيه أقط ونجى سمن.
فسأل أخت حليمة عن حليمة. فأخبرته بموتها، فذرفت عيناه. وسألها عمن خلفت. وأخبرته بخلة وحاجة. فأمر لها بكسوة، وحمل ظعينة، وأعطاها مائتي درهم وافية. وانصرفت وهي تقول: نعم المكفول أنت صغيرا وكبيرا.
١٦٩ - قالوا: وكانت ثويبة تأتي النبي ﷺ وهي مملوكة، فيبرها
стр. 122
ويكرمها. وتكرمها خديجة. وطلبت خديجة إلى أبي لهب أن يبيعها إياها لتعتقها.
فأبى ذلك. فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، أعتقها أبو لهب.
فكان رسول الله ﷺ يبعث إليها بالصلة والكسوة، حتى بلغه خبر وفاتها. وكانت وفاتها منصرف رسول الله ﷺ من خيبر سنة سبع. فسأل عن ابنها مسروح، أخيه من الرضاع، فقيل له: مات قبلها.
فقال: هل له من قرابة؟ فقيل: لم يبق له أحد. وقالت أم حبيبة بنت أبي سفيان لرسول الله ﷺ : بلغني يا رسول الله أنك تخطب درة بنت أبي سلمة بن عبد الأسد. فقال: وكيف، وقد أرضعتني وأباها ثويبة، فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
١٧٠ - وورث رسول الله ﷺ من أبيه أم أيمن، واسمها بركة، فاعتقها، وخمسة أجمال أوارك، وقطعة غنم، وسيفا مأثورا، وورقا. فكانت أم أيمن تحضنه. ويسميها «أمي» وقال بعض الرواة: ورث أم أيمن من أمه، فأعتقها. وقال آخرون: ورث ولاءها من أبيه. وقال قوم:
كانت لأمه، فأعتقها.
١٧١ - قالوا: وضم أبو طالب رسول الله ﷺ بعد موت عبد المطلب.
دخل منزله وإن عياله لفي ضيقة وخلة، لا يكادون يشبعون لقلة ما عندهم.
فكان رسول الله ﷺ إذا أكل معهم، كفاهم ما يجدون من الطعام وأشبعهم حتى يتملوا. وكان رسول الله ﷺ في أكثر أيامه يصبح فيأتي زمزم، فيشرب منها شربه. فربما عرض عليه الغداء فيقول: لا أريده، أنا شبعان.
١٧٢ - فلما بلغ رسول الله ﷺ اثنتي عشرة سنة، عرض لأبي طالب شخوص إلى الشام في تجارة. وكان رسول الله ﷺ يألفه. فسأله إخراجه معه. فأبى ذلك ضنا به وصيانة له. فاغتم وبكى. فأخرجه. فرآه راهب من علماء الرهبان، يقال له بحيرا، قد أظلته غمامة. فقال لأبي طالب:
стр. 123
من هذا منك؟ قال: ابن أخي. فقال: أما ترى هذه الغمامة كيف تظله وتنتقل معه؟ والله إنه لنبي كريم، وإنى لأحسبه الذي بشر به عيسى، فإن زمانه قد قرب. وقد ينبغي لك أن تحتفظ (١) به. فرده أبو طالب إلى مكة.
وذكر بعض الرواة أن أبا طالب أشخص رسول الله ﷺ إلى الشام وهو ابن تسع سنين. والأول أثبت.
١٧٣ - قالوا: ولما جاوزت سنو رسول الله ﷺ العشرين، قال له أبو طالب: يا ابن أخي، إن خديجة بنت خويلد امرأة موسرة ذات تجارة عريضة، وهي محتاجة إلى مثلك في أمانتك وطهارتك ووفائك. فلو كلمناها فيك فوكلتك ببعض أمرها وتجارتها. فقال ﷺ : افعل يا عم ما رأيت. فسعى أبو طالب إليها، فكلمها في توكيل رسول الله ﷺ ببعض تجارتها.
فسارعت إلى ذلك ورغبت فيه، ووجهته إلى الشام ومعه غلام لها وقيم يقال له ميسرة. فلما فرغ مما توجه له وقدم مكة، أخبرها ميسرة بأمانته وطهارته ويمن طائره، وما يقول أهل الكتاب فيه، والذي تعرف من البركة بمكانه معه في كثرة الأرباح وسهولة الأمور. وقال: كنت آكل معه حتى نشبع (٢) ويبقى أكثر الطعام كما هو.
١٧٤ - وقال الكلبي: بعثت خديجة رحمها الله إلى النبي ﷺ أن اخطبني إلى عمي عمرو بن أسد بن عبد العزى بن قصي. وكان شيخا كبيرا.
فأمرت بشاة فذبحت، واتخذت (٣) طعاما، ودعت عمها عمرا، وبعثت إلى رسول الله ﷺ . فأتى ومعه حمزة بن عبد المطلب وأبو طالب، فأكلوا. وسقت عمرا. ثم قالت لرسول الله ﷺ : قل لأبي طالب فليخطبني. فخطبها أبو طالب إلى عمرو. فزوجها رسول الله ﷺ على اثنتي عشرة أوقية ونشا. والأوقية أربعون درهما.
١٧٥ - وقال الواقدي في إسناده: كانت خديجة بنت خويلد امرأة موسرة تاجرة
стр. 124
ذات مال. فكلمها أبو طالب في رسول الله ﷺ . فوجهته إلى الشام، ومعه ميسرة غلامها. فعرفت خديجة البركة والنماء في مالها على يده.
وأخبرها ميسرة بما كان يقال فيه. وكانت امرأة عاقلة حازمة برزة، مرغوبا فيها لشرفها ويسارها. فدست إلى رسول الله ﷺ من عرض عليه أن يتزوجها. فرغب في ذلك. فبعثت إليه أن ائت في وقت كذا. وأرسلت إلى عمرو بن أسد، عمها. فحضر، وحضر رسول الله ﷺ ومعه عمه حمزة وأبو طالب وغيرهما من عمومته. فزوجها إياه عمرو. ومات عمرو بعد تزويجها بقليل. وقال الواقدي: كانت التي (١) سفرت بين رسول الله ﷺ وبين خديجة: نفيسة بنت منية، أخت يعلى بن منية التميمي حليف بني نوفل بن عبد مناف. وأسلمت نفيسة عام الفتح، فذكرت رسول الله ﷺ ما كان منها. فبرها وأكرمها.
١٧٦ - وحدثني بكر بن الهيثم، قال أخبرني عبد الرزاق بن همام، عن معمر، عن الزهري فيما يحسب عبد الرزاق، عن عروة، عن عائشة، قالت:
دخلت امرأة سوداء على رسول الله ﷺ ، فأقبل عليها واستبشر بها. فقلت: يا رسول الله، أقبلت على هذه السوداء هذا الإقبال؟ فقال: إنها كانت تدخل على خديجة كثيرا، وإن حسن العهد من الإيمان.
١٧٧ - وتزوج رسول الله ﷺ خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي ابنة أربعين سنة. وذلك الثبت عند العلماء. ويقال إنه تزوجها وهي ابنة ست وأربعين سنة، وهو ابن خمس وعشرين سنة. ويقال: تزوجها وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وهي ابنة ثمان (٢) وعشرين سنة.
وحدثني الوليد بن صالح، ثنا الواقدي، عن المنذر بن عبد الله، عن موسى بن عقبة، قال: قال حكيم ابن حزام:
تزوج رسول الله ﷺ عمتي خديجة وهي ابنة أربعين، ورسول
стр. 125
الله ابن خمس وعشرين، وكانت أسن مني بسنتين. وولدت أنا قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، وشهدت الفجار وأنا ابن ثلاث وثلاثين سنة. ومات حكيم سنة أربع وخمسين، أو خمس وخمسين، وهو ابن مائة وعشرين سنة.
بناء قريش الكعبة:
١٧٨ - قالوا: وأتى سيل ملأ ما بين الجبلين، ودخل الكعبة حتى تصدعت.
فعزمت قريش على بنائها من أطيب أموالها وأحلها. فهدمتها، وأعادت بناءها، ورسول الله ﷺ ابن خمس وثلاثين سنة. وكانت قريش قد أفردت ببناء كل ربع من أرباع البيت قوما. فكان لبني عبد مناف وبني زهرة ما (١) بين ركن الحجر إلى الركن الأسود، وهو وجه البيت وفيه بابه.
ولبني عبد الدار وبني أسد الشق الذي يلي الشام. ولبني تيم بن مرة وبني مخزوم الشق الذي يلي اليمن ولسهم، وجمح، وعدي، وبني عامر بن لؤي ما بين الركن اليماني والركن الأسود. فبنى كل قوم ما صار لهم. وقيل أيضا إن ما بين الركن اليماني والركن الأسود كان لبني تيم وبني مخزوم، وأن ظهر الكعبة كان لبني جمح وسهم، وأن الشق الشامي كان لبني عبد الدار وبني عدي بن كعب، وأن لبني عبد مناف وبني زهرة الشق الذي فيه الباب، وكان ذلك بقرعة بينهم.
فلما انتهوا إلى موضع الركن الأسود، اختلفوا فيمن يضعه وتشاحوا عليه. فرضوا بأول من يدخل من الباب. فكان أول من دخل رسول الله ﷺ .
فقالوا: الأمين، والله. ورضوا بأن وضعه. فبسط رسول الله ﷺ رداءه، ثم وضع الركن فيه، وقال: ليأت من كل ربع من قريش رجل.
فرفعوه. ثم وضعه بيده في موضعه.
حدثنا الوليد بن صالح، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال:
لما انتهوا إلى حيث موضع الركن الأسود من البيت اختلفوا فيه. فقال أبو أمية
стр. 126
ابن المغيرة، واسمه حذيفة: يا معشر قريش، اجعلوا بيننا أول من يدخل من هذا الباب. وأشار إلى الباب الذي نعرفه اليوم ببني شيبة. فدخل رسول الله ﷺ . فلما رأوه، قالوا: هذا الأمين رضينا به. فبسط رداءه ثم وضع الركن فيه وقال: ليأت من كل ربع من أرباع قريش رجل. فرفعوه.
ثم وضعه بيده في موضعه.
١٧٩ - وقال الواقدى، عن خلد بن القاسم، عن أبي تجراة، عن أمه، قالت:
نظرت أنا إلى رسول الله ﷺ يضع الحجر بيده. قلت لمن الثوب الذي حمل فيه؟ قالت: للوليد بن المغيرة.
١٨٠ - قال الواقدي: ويقال إن الذي أشار بأن يضع الحجر أول من يدخل:
أبو حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. واسمه مهشم. وأن الحجر وضع في كساء طاروني أبيض من نقاع الشام كان للنبي ﷺ .
فلما وضع رسول الله ﷺ الحجر، احتاج إلى حجر يسند به الركن. فذهب رجل من أهل نجد ليأتيه به، فقال: لا، وأمر العباس ابن عبد المطلب. فأتاه بحجر، فأسنده به. فغضب النجدي، وقال: عمدتم إلى أصغركم سنا، وأقلكم مالا، فوليتموه هذه المكرمة. وكان يقال إنه إبليس.
١٨١ - وقال أبو طالب في وضع الركن:
إن لنا أوله وآخره … في الحكم والعدل الذي تنكره
نحن عمرنا خيره وأكثره … لما وضعته إذ تماروا حجته
يوم نخلة
١٨٢ - قالوا: وحضر رسول الله ﷺ يوم نخلة مع عمومته. وهو أعظم أيام الفجار. وكان من حديث هذا اليوم أن البراض بن قيس، أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، كان خليعا، خلعه قومه. فلحق بأبي قابوس النعمان بن المنذر، ملك الحيرة. وكان النعمان يبعث إلى سوق
стр. 127
عكاظ في كل عام لطيمة، في جوار، فتباع له بسوق عكاظ، ويشتري له بثمنها العصب، والبرود، والأدم، وغير ذلك من طرائف اليمن. وعكاظ فيما بين نخلة والطائف. وجهز النعمان لطيمته، وقال: من يجيرها ويجيزها؟ فقال البراض: أبيت اللعن، أنا أجيرها على بني كنانة. فقال النعمان: ما أريد إلا رجلا يجيرها على أهل نجد. فقال عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب، وهو عروة الرحال، وإنما سمي الرحال لرحلته إلى الملوك: أنا أجيرها. فقال البراض: على بني كنانة تجيرها يا عروة؟ قال: نعم، وعلى الناس كلهم، أو كلب خليع يجيرها؟ ثم شخص بها، وشخص البراض وعروة يرى مكانه فلا يكترث به ولا يخشاه. فلما كان إلى جانب فدك، بأرض يقال لها أوارة.
نام الرحال. ووجد البراض فرصته، فشد عليه وقتله وهرب قوام الركاب وعضاريطها. فاستاق البراض العير، ولقي بشر بن أبي خازم الأسدي الشاعر، فجعل له أربع قلائص على أن يأتي حرب بن أمية، وعبد الله بن جدعان، وهشاما، والوليد ابني المغيرة المخزوميين أن البراض قتل عروة. وحذره أن يسبق الخبر إلى قومه، فيكتموه ويقتلوا به رجلا من قريش عظيما، لأنهم لا يرضون أن يقتلوا به خليعا من بني ضمرة. فمر بهم الحليس بن يزيد الدؤلي- وقال الكلبي: هو الحليس بن علقمة بن عمرو بن الأوقح بن جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة- وأخبروه بما ألقى إليه بشر بن أبي خازم، وكتموا الخبر، وارتحلوا على تعبية ومعهم الأحابيش (وهم بنو الدئل، والقارة، وبطون من خزاعة). وكان حرب بن أمية في القلب، وعبد الله بن جدعان في إحدى المجنبتين، وهشام بن المغيرة في الأخرى. فبلغ الخبر عامر بن مالك في آخر النهار، فركب فيمن حضر عكاظ من هوازن يريد القوم. فأدركهم بنخلة.
فاقتتلوا، حتى دخلت قريش الحرم، وجن عليهم الليل.
١٨٣ - وفي يوم نخلة يقول خداش بن زهير (١):
يا شدة ما شددنا غير كاذبة … على سخينة لولا الليل والحرم
стр. 128
إذ يتقينا هشام بالوليد ولو … أنا ثقفنا هشاما شالت الجذم
فإن سمعت بجيش سالكا شرفا … أو بطن مر فاخفوا الشخص واكتتموا
وقال البراض:
فقمت على المرء الكلابي فخرة … وكنت قديما لا أقر فخارا
علوت بحد السيف مفرق رأسه … فأسمع أهل الواديين خوارا (١)
وقدم البراض مكة باللطيمة، فكان يأكلها.
يوم شمطة
١٨٤ - قالوا: ثم إن قريشا وبني كنانة لقوا هوازن بشمطة (٢). وعلى بنى هشام:
الزبير بن عبد المطلب، وعلى بني عبد شمس وأحلافها: حرب بن أمية، وعلى بني عبد الدار وحلفائها: عكرمة بن هاشم، وعلى بني أسد بن عبد العزى:
خويلد بن أسد، وعلى بني زهرة: مخرمة بن نوفل، وعلى بني تيم: أبن جدعان، وعلى بني مخزوم: هشام (٣) بن المغيرة، وعلى بني سهم: العاص بن وائل، وعلى بني جمح: أمية بن خلف، وعلى بني عدي: زيد بن عمرو بن نفيل، وعلى بني عامر بن لؤي: عمرو بن عبد شمس (أبو سهيل بن عمرو)، وعلى بني فهر: عبد الله بن الجراح (أبو (٤) أبي عبيدة)، وعلى بني بكر: بلعاء (٥) بن قيس، وعلى الأحابيش: الحليس الكناني. فالتقوا. فكانت أول النهار على هوازن، فصبروا. ثم استحر القتل في قريش، وانهزم الناس. فقال خداش:
فأبلغ إن عرضت لهم هشاما … وعبد الله أبلغ والوليدا
بأنا يوم شمطة قد أقمنا … عمود المجد إن له عمودا
стр. 129
فيقال أن النبي ﷺ حضر هذين اليومين مع عمومته، يحفظ عليهم ويناولهم النبل. وبلغني عن الزهري أنه قال: لم يكن رسول الله ﷺ معهم، ولو كان معهم لظهروا، ولكنه كان معهم يوم عكاظ وكان لقريش. وقال هشام بن الكلبي: كان يوم نخلة، وللنبي ﷺ عشرون سنة أو أشف منها. وذلك لثلاث سنين من ولاية أبى قابوس النعمان ابن المنذر الحيرة. ومن قال إنه ﷺ كان ابن أربع عشرة سنة فقد غلط. وقال: كان ملك النعمان بن المنذر اثنتين وعشرين سنة. وكان ملك الفرس يوم نخلة كسرى بن هرمز إبرويز الذي ملك ثمانيا وثلاثين سنة وأشهرا. وكان مولد النبي ﷺ لأربعين سنة من ملك أنوشروان.
ثم ملك بعد أنوشروان هرمز بن أنوشروان اثنتي عشرة سنة. ثم ملك إبرويز هذا. فبعث رسول الله ﷺ لعشرين سنة إلا شهرا من ملكه.
١٨٥ - وقال الواقدي: قال أصحابنا: بين الفيل والفجار عشرون سنة. وبين الفجار وبناء الكعبة خمس عشرة سنة. وبين بناء الكعبة ونزول الوحي على رسول الله ﷺ خمس سنين. فوضع رسول الله ﷺ الركن وهو ابن خمس وثلاثين سنة. ومن قال غير هذا فقد غلط.
١٨٦ - وحدثني محمد بن سعد (١)، عن الواقدي، عن سلمة بن بخت، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: سمعت أبي يقول:
أسلمت وأنا ابن اثنتين وعشرين سنة. وولدت (٢) عام الفجار.
مبعث رسول الله ﷺ
١٨٧ - قالوا: وبعث رسول الله ﷺ وله أربعون سنة. وذلك في ملك
стр. 130
إبرويز. وعلى الحيرة إياس بن قبيصة بن أبي عفر الطائي الذي ملك بعد النعمان ابن المنذر. وكان النعمان قتل بالمدائن.
١٨٨ - وحدثني محمد بن سعد (١)، عن الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي جعفر قال:
نزل جبريل على النبي ﷺ يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة (٢) خلت من شهر رمضان، بحراء، ورسول الله ﷺ ابن أربعين سنة. وكان قبل ذلك يرى ويسمع.
١٨٩ - وحدثني محمد بن سعد (٣)، عن الواقدي، عن علي بن محمد بن عبيد الله، عن منصور بن عبيد الله عن أمه عزيزة بنت أبي تجراة:
أن رسول الله ﷺ كان، حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة، إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا ويفضي إلى الشعاب والأودية.
فلا يمر بشجرة إلا قالت: «السلام عليك يا رسول الله»، فيلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا.
١٩٠ - وحدثني محمد بن سعد (٤)، عن محمد بن عمر الواقدي، عن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:
بينا رسول الله ﷺ بأجياد إذ رأى ملكا واضعا إحدى رجليه على الأخرى في أفق السماء، يصيح: «يا محمد، أنا جبريل». فذعر رسول الله ﷺ ، ورجع سريعا إلى خديجة. فقال: إني لأخشى أن أكون كاهنا. قالت: كلا، يابن عم، لا تقل ذاك، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة وإن خلقك لكريم.
стр. 131
١٩١ - وحدثني محمد بن سعد (١)، عن الواقدي، عن معمر بن راشد، ومحمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت:
أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة.
فكان لا يرى رؤيا إلا كانت مثل فلق الصبح. وحببت إليه الخلوة. فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه- والتحنث التعبد والتبرر- ويمكث الليالي قبل أن يرجع إلى أهله. ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود. حتى فجأه الحق وهو في غار حراء. وعرض له جبريل ليلة السبت وليلة الأحد. ثم أتاه بالرسالة يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان: ورسول الله ﷺ ابن أربعين سنة.
١٩٢ - وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، قال:
كانت قريش إذا دخل رمضان، خرج من يريد التحنث منها إلى حراء، فيقيم فيه شهرا، ويطعم من يأتيه من المساكين. حتى إذا رأوا هلال شوال، لم يدخل الرجل على أهله حتى يطوف بالبيت أسبوعا (٢). فكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك.
١٩٣ - حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا إسحاق بن منصور السلولي (٣)، حدثنا إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن ابن إسحاق (٤)، قال: حدثني أبو ميسرة:
أن النبي ﷺ كان أول ما بعث، يدعى: «يا محمد»، ولا يرى شيئا غير أنه يسمع الصوت، فيهرب منه في الأرض، قال: فذكر ذلك لخديجة ابنة خويلد، وقال: خشيت أن يكون قد عرض لي أمر.
قالت: وما ذاك؟ قال: إذا خلوت، دعيت فأسمع صوتا ولا أرى شيئا
стр. 132
فقد خشيت. قالت: ما كان الله (١) ليفعل بك سوءا، إنك لتصدق الحديث، وتصل الرحم، وتؤدي الأمانة. ثم إن خديجة قالت لأبي بكر الصديق: انطلق مع محمد إلى ورقة بن نوفل، فإنه رجل يقرأ الكتب (٢)، فليذكر له ما يسمع. فانطلقا، حتى أتيا ورقة. فقال له النبي ﷺ : إني إذا خلوت، دعيت «يا محمد»، فأسمع صوتا ولا أرى شيئا. قال له ورقة: ليس عليك بأس، فإذا دعيت فاثبت، حتى تسمع ما يقال لك، فتثبت للصوت. فقال له: قل: «بسم الله الرحمن الرحيم». فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. فأعادها عليه ثلاث مرات. ثم قال: قل «الحمد لله رب العالمين»، ثلاث مرات. حتى ختمها (٣)، فقال له: قل «آمين». ثم رجع النبي ﷺ إلى ورقة. فذكر له ذلك. فقال: أشهد أنك النبي الذي بشر به عيسى بن مريم، وأنك الذي نجد في الكتاب، وإنك لنبي مرسل، ولتؤمرن بالقتال، ولئن طالت لي (٤) الحياة، لأقاتلن معك.
١٩٤ - قال الكلبي: هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي تنصر حتى استحكمت نصرانيته. ثم خرج إلى الشام. فمات هناك. وقال بعضهم: مات بمكة بعد المبعث، ودفن بها.
١٩٥ - وقال الواقدى: أقام ورقة على النصرانية، فكان يدعا القس. وعاش حتى بعث النبي ﷺ ، فلقيه ببعض طرق مكة، فقال له:
يا محمد، إنه لم يبعث نبي إلا له آية وعلامة، فما آيتك؟ فدعى رسول الله ﷺ سمرة، فأقبلت تخد الأرض خدا. فقال ورقة: أشهد لئن أمرت بالقتال، لأقاتلن معك ولأنصرنك نصرا مؤبدا. ثم مات. فقال
стр. 133
رسول الله ﷺ : رأيت القس وعليه حلة خضراء يرفل في الجنة.
وقال الواقدي: أثبت خبره أنه خرج إلى الشام. فلما بلغه أن رسول الله ﷺ قد أمر بالقتال بعد الهجرة، أقبل يريده. حتى إذا كان ببلاد لخم وجذام، قتلوه وأخذوا ما كان معه. فكان النبي ﷺ يترحم عليه.
١٩٦ - قال أحمد بن يحيى: وقد روي أن الحمد مدنية.
حدثني بكر بن الهيثم، ثنا محمد بن يوسف الفاريابي، ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال:
أنزلت فاتحة الكتاب (١) بالمدينة.
حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا إسرائيل، عن منصور، عن مجاهد بمثله.
وحدثني أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي هريرة:
إن إبليس أرن حين نزلت فاتحة الكتاب. قال: وأنزلت بالمدينة. قال:
وقال أبو الأحوص: ويقال إنها مكية.
١٩٧ - وحدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا أبو عمرو الأوزاعي، قال:
سمعت يحيى بن أبي كثير، قال:
سألت أبا سلمة أى القرآن أنزل قبل؟ فقال: يا أيها المدثر (٢). فقلت لأبى سلمة: أو اقرأ (٣) فقال: سألت جابر بن عبد الله، أي القرآن أنزل قبل؟، فقال: «يا أيها المدثر». فقلت: أو اقرأ؟ قال جابر: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ :
جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالى، فلم أر أحدا، ثم نوديت،
стр. 134
فنظرت، فلم أر أحدا، ثم نوديت الثالثة، فلم أر أحدا، ثم نوديت فإذا هو في الهواء. يعني جبريل ﵇ فأخذتني رجفة شديدة، فأتيت خديجة، فقلت: «دثروني، دثروني»، فدثروني، وصبوا على الماء، فأنزل الله «يا أيها المدثر».
١٩٨ - حدثني شريح بن يونس أبو الحارث، حدثنا سفيان (١)، عن معمر، عن الزهري، قال: فتر الوحي عن النبي ﷺ . وكان أول ما أنزل عليه اقرأ باسم ربك الذي- إلى قوله «ما لم يعلم (٢)» - فلما فتر، حزن حزنا شديدا حتى جعل يأتي رءوس الجبال مرارا، فكلما أوفى على ذروة جبل، بدا له جبريل ﵇ فيقول: «إنك نبي»، فيسكن لذلك جأشه وترجع إليه نفسه.
فكان النبي ﷺ يحدث عن ذلك، قال: بينا أنا أمشي يوما إذ رأيت الملك الذي كان يأتى بحراء، بين السماء والأرض، فجشئت منه رعبا:
فرجعت إلى خديجة، فقلت: دثروني. قالت خديجة: فدثرناه. فأنزل الله:
«يا أيها المدثر قم فأنذر».
١٩٩ - حدثنا محمد بن حاتم المروزي، ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس:
أن أول ما نزل من القرآن: اقرأ باسم ربك الذي خلق. قال حجاج:
ثم اختلفنا، فقال بعضهم: نزلت كلها بحراء، ورسول الله ﷺ معتكف هناك، وقال بعضهم: نزل منها إلى قوله «ما لم يعلم»، ونزل باقيها بعد ما شاء الله.
٢٠٠ - حدثنا محمد بن حاتم، ثنا حفص (بن) غياث، ثنا الشيباني، قال محمد (٣) - يعني سليمان بن أبي سليمان- عن عبد الله بن شداد، قال:
أول سورة نزلت من القرآن اقرأ باسم ربك»، ثم أبطأ عنه التنزيل
стр. 135
بعض الإبطاء، فقال كفار قريش: ودعه ربه وقلاه. فنزلت «والضحى (١)»، إلى آخر السورة.
٢٠١ - وروى محمد بن كثير، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله.
عن النبي ﷺ أنه قال: بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء، بين السماء والأرض، فجشئت منه رهبا. فأتيت خديجة فقلت: «زملونى زملوني»، فنزلت «يا أيها المزمل (٢)» والثبت أنه قال «دثروني» للروع الذي دخله، فنزلت «يا أيها المدثر (٣)» وإنما نزلت يا أيها المزمل بعد، حين أمره الله أن يقوم من الليل (٤).
٢٠٢ - وروى الواقدي، عن عيسى بن وردان، عن أبى كريب، عن أبيه، أنه وجد في كتاب ابن عباس: أول السور المكية اقرأ باسم ربك، ثم ن والقلم، ثم يا أيها المدثر، ثم المزمل.
٢٠٣ - حدثنا هدبة بن خالد، ثنا أبان بن يزيد، ثنا يحيى بن أبي كثير قال:
سألت أبا سلمة فقلت: أى القرآن أنزل أولا؟ قال: يا أيها المدثر. قلت: وأي أول سورة نزل من القرآن أولا؟ قال: اقرأ باسم ربك الذي خلق (٥).
وقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله الأنصارى فقلت: أى القرآن أنزل أولا؟ قال: يا أيها المدثر. فقلت له: (و) أي أول سورة نزل من القرآن أولا؟ قال: اقرأ باسم ربك الذي خلق. وقال جابر: حدثنا رسول الله ﷺ قال: جاورت في حراء، فلما قضيت جواري، نزلت فاستبطنت الوادى، فنودي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فلم أر شيئا.
стр. 136
فنظرت فإذا أنا به- يعني الملك- بين السماء والأرض. فانطلقت إلى خديجة فقلت: «دثروني»، فدثرونى وصبوا على ماء، فأنزلت «يا أيها المدثر قم فأنذر».
٢٠٤ - حدثني روح بن عبد المؤمن المقرى، ثنا مسلم بن إبراهيم، عن قرة بن خالد، ثنا أبو رجاء العطاردي قال:
كان أبو موسى الأشعري يطوف علينا في هذا المسجد- يعني مسجد البصرة- يقرئنا القرآن. وعنه أخذت هذه السورة: اقرأ باسم ربك الذي خلق. وكانت أول سورة أنزلت على محمد ﷺ .
٢٠٥ - حدثني بكر بن الهيثم، ثنا عمرو بن عاصم، عن هشام بن (١) الكلبي، عن أبى صالح قال أول ما نزل من القرآن اقرأ باسم ربك الذي خلق، حتى بلغ إلى «الرجعى (٢)».
ثم نزلت يا أيها المدثر (٣)، ثم ثلاث آيات من ن (٤).
٢٠٦ - حدثني يحيى بن معين، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: أول ما نزل من القرآن اقرأ باسم ربك، ثم ن والقلم.
٢٠٧ - حدثنا محمد بن حاتم السمين، ثنا وكيع وعبد الرحمن بن مهدي، قالا ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير قال:
أول ما نزل من القرآن اقرأ باسم ربك الذي خلق.
٢٠٨ - وحدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن عمر الواقدي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن وهب بن كيسان أبي نعيم، قال سمعت عبيد بن عمير يقول في حديث طويل:
جاء جبريل إلى النبي ﷺ في صورة رجل، فقال له:
اقرأ. قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، إلى قوله «ما لم يعلم».
стр. 137
٢٠٩ - حدثني بكر بن الهيثم، حدثني بشر بن الوليد الكندي، عن سفيان (١) عن معمر، عن الزهري وقتادة والكلبي قالوا:
علم جبريل ﵇ رسول الله ﷺ الوضوء، والصلاة، و-اقرأ باسم ربك الذي خلق. فأتى خديجة زوجته، فأخبرها بما أكرمه الله به.
وعلمها الوضوء، فصلت معه. فكانت أول من خلق الله صلى معه.
٢١٠ - وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس قال:
فحص جبريل بعقبة الأرض، فنبع ماء، فعلم جبريل النبي ﷺ الوضوء، فمضمض ثم استنشق وغسل رجليه، ثم نضح تحت إزاره، ثم صلى ركعتين. فانصرف رسول الله ﷺ مسرورا، فجاء إلى خديجة فحدثها وأراها ما أراه جبريل. ثم صلت معه ركعتين.
٢١١ - حدثني محمد بن سعد (٢)، عن الواقدي، عن نجيح أبي معشر، عن محمد بن قيس:
أن خديجة لما أتاها رسول الله ﷺ فأخبرها بما بدئ به، جمعت عليها ثيابها، وأتت ورقة فحدثته حديثه وقالت له: ما جبريل؟
فقال ورقة: سبحان الله القدوس، جبريل ناموس الله الأكبر وسفيره إلى أنبيائه، لئن كان صاحبك رأى هذه الرؤيا، إنه لنبي، لوددت أن يكون ذلك فأكون له وزيرا، وابن عم. ثم خرجت، فحدثت على عداس، غلام عتبة بن ربيعة وكان نصرانيا، فقالت: يا عداس أخبرني عن جبريل، فقال:
«قدوس، قدوس، وما ذكر جبريل في هذا البلد الذي أهله عبدة أوثان؟
جبريل ناموس الله الأكبر، ولم يأت قط إلا إلى نبي». فرجعت، فأخبرت رسول الله ﷺ بما قال الرجلان، وبشرته بذلك.
٢١٢ - وحدثني عمرو الناقد، أنبأ إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي رجاء، عن الحسن، في حديث طويل قال:
قلت يا با سعيد، هل أري رسول الله ﷺ رؤيا النبوة؟
стр. 138
فقال: الله أعلم، ولكنه رأى (١) النور الذي رآه، ﵇.
٢١٣ - وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي أنه قال:
أجمع أصحابنا أن أول المسلمين استجاب لرسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد، ثم اختلفوا في ثلاثة نفر أيهم أسلم، أولا، وهم علي وأبو بكر وزيد بن حارثة.
٢١٤ - وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن ربيعة بن عثمان، عن عمران بن أبي أنس، وعن الواقدي، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري:
أن أول من أسلم من الرجال زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ . ثم أسلم الناس بعده.
٢١٥ - وحدثني محمد بن ثابت، عن الواقدي، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن أبي الأسود، عن سليمان بن يسار، قال:
أول من أسلم زيد بن حارثة.
٢١٦ - حدثنا عفان بن مسلم، ثنا شعبة، أنبأ عمرو بن مرة، عن أبي حمزة مولى الأنصار، عن زيد بن أرقم قال:
أول من صلى مع النبي ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
٢١٧ - وحدثني هشام بن عمار، ثنا محمد بن عيسى بن سميع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن (ابن) المسيب قال:
أول النساء إسلاما خديجة، ومن الرجال زيد بن حارثة.
٢١٨ - وقال الواقدي: رأى علي النبي ﷺ تصلي معه خديجة، فقال: ما هذا يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : يا علي هذا دين الله الذي اصطفاه واختاره، وأنا أدعوك إلى الله وحده، وأن تذر اللات والعزى فإنهما لا تنفعان ولا تضران (٢). فقال علي: ما سمعت بهذا الدين إلى اليوم،
стр. 139
وأنا أستأمر أبي فيه. فكره النبي ﷺ أن يفشي ذلك قبل استعلان أمره. فقال: يا علي، إن فعلت ما قلت لك، وإلا فاكتم ما رأيت. فمضى ليلته. ثم غدا على رسول الله ﷺ فقال له: أعد علي ما قلت.
فأعاده. فأسلم، ومكث يأتي رسول الله ﷺ فيصلي معه على خوف من أبي طالب. وكان هو وزيد بن حارثة يلزمان رسول الله ﷺ . فكان رسول الله ﷺ يخرج إلى الكعبة أول النهار ويصلي صلاة الضحى. وكانت تلك صلاة لا تنكرها قريش. وكان إذا صلى في سائر اليوم، بعد ذلك، قعد علي أو زيد يرصد له. وأن أبا طالب فقد عليا، فقالت له فاطمة بنت أسد، أمه: قد رأيته يلزم محمدا، وأنا أخاف أن يأتيك من قبل محمد في أمر ابنك ما لا تطيقه (١). فقال: ما كان ابنى ليغتاب علي بأمر. واتبع أبو طالب أثر النبي ﷺ وأثر علي، فوجدهما ورسول الله ﷺ يصلي العصر في شعب أبي دب أو غيره، وعلي ينظر له. فقال لرسول الله ﷺ : ما هذا الدين يا محمد؟ قال:
دين الله الذي بعثني به. فدعاه إلى التوحيد وترك عبادة الأوثان. فقال أبو طالب:
«أما دين آبائي، فإن نفسي غير مشايعة على تركه، وما كنت لأترك ما كان عليه عبد المطلب، ولكن انظر الذى بعثت به فأقم عليه، فو الله لا أسلمتكما ما كنت حيا حتى يتم الذي تريد.» وقال لعلي: «أما أنت يا بني، فما بك رغبة في الدخول فيما دخل فيه ابن عمك». فاشتد ظهر رسول الله ﷺ ، وسر بقول أبي طالب. وأتى أبو طالب منزله، فقالت له امرأته: أين ابنك؟ قال: وما تصنعين به؟ قالت: أخبرتني مولاتي أنها رأته مع محمد وهما يصليان في شعب بأجياد، أفترى ابنك صبأ؟ قال أبو طالب: اسكتي، ودعي عنك هذا، فهو والله أحق من آزر ابن عمه. ولولا أن نفسي لا تطاوعني على ترك دين عبد المطلب، لا تبعت محمدا، فإنه الحليم الأمين الطاهر.
فسكنت. وبلغ قريشا، فراعهم وكبر عليهم.
٢١٩ - وقال الواقدي: صلى علي ﵇ وله إحدى عشرة سنة، وذلك الثبت
стр. 140
ويقال إنه صلى ابن عشر. ويقال ابن تسع. ويقال سبع. وقال ابن الكلبي:
صلى وهو ابن إحدى عشرة سنة، وقتل وله ثلاث وستون سنة، وذلك في سنة أربعين.
٢٢٠ - حدثني شيبان بن فروخ الأبلي (١)، ثنا جرير بن حازم، عن الزبير بن الحريث، عن عكرمة عن ابن عباس قال:
أقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر إلى المدينة فأقام بها عشر سنين.
٢٢١ - وحدثنى عمرو بن محمد الناقد، ثنا الحسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال:
أنزل القرآن على النبي ﷺ وله أربعون سنة، ثم مكث بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، وقبض وله ثلاث وستون سنة.
٢٢٢ - وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد، قالا ثنا عبدة بن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال:
أنزل القرآن على رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.
٢٢٣ - وحدثني شيبان، ثنا جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، بمثله.
٢٢٤ - حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن خالد بن عمار مولى بني هاشم، عن ابن عباس قال:
بعث النبي ﷺ ابن أربعين، فأقام بمكة خمس عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، وقبض وله خمس وستون سنة.
стр. 141
٢٢٥ - حدثنا شجاع بن مخلد، عن ابن علية، عن خالد بن عمار، عن، ابن عباس بمثله.
٢٢٦ - وحدثني عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا خالد بن مخلد، ثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة، عن أنس، عن عائشة قالت:
بعث رسول الله ﷺ ابن أربعين، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشرا، وتوفي على رأس ستين.
وحدثني عمرو الناقد، ثنا الحسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسين بمثله.
وحدثني يحيى بن أيوب الزاهد، عن إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة، عن أنس بمثله.
٢٢٧ - وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، محمد بن السائب الكلبي قال: بعث رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة فأقام بمكة اثنتي عشرة (سنة)، وأقام باقي عمره بالمدينة، وتوفي وهو ابن اثنتين وستين سنة ونصف سنة.
دعاء رسول الله ﷺ :
٢٢٨ - حدثني الوليد بن صالح (١) ومحمد بن سعد (٢)، عن محمد بن عمر الواقدي، حدثني معمر بن راشد عن الزهري قال:
دعا رسول الله ﷺ سرا، وهجر الأوثان، فاستجاب له أحداث من الرجال وضعفاء من الناس، حتى كثر من آمن به، وكفار قريش من وجوهها غير منكرين لما يقول. وكان إذا مر عليهم في مجالسهم يشيرون إليه، ويقولون: غلام بني عبد المطلب يكلم من السماء. فلم يزالوا كذلك
стр. 142
حتى أظهر عيب آلهتهم وأخبر أن آباءهم ماتوا على كفر وضلال وأنهم في النار.
فشنفوا له، وأبغضوه وعادوه وآذوه.
٢٢٩ - قالا: وحدثنا الواقدي، عن جارية بن أبي عمران، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال:
كان بين أن نزلت النبوة على النبي ﷺ إلى أن أمر بإظهار الدعاء ثلاث سنين. فكان دعاؤه ثلاث سنين مستخفيا.
قالا: وحدثنا عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
دعا رسول الله ﷺ سرا أربع سنين، ثم أعلن الدعاء.
قالا: وحدثنا الواقدي، عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن ابن عباس قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يقول:
استخفينا بالإسلام سنة ما نصلي إلا في بيت مغلق، أو شعب خال، ينظر بعضنا لبعض.
٢٣٠ - وحدثني محمد بن الوليد، عن الواقدي، عن محمد بن إسماعيل، عن أبيه، عن عامر بن سعد عن أبيه (سعد بن أبى وقاص) قال:
خرجت أنا، وسعيد بن زيد، وخباب بن الأرت، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود إلى شعب أبي دب نتوضأ ونصلي، ونحن مستخفون.
فظهر علينا نفر من المشركين وقد كانوا يرصدوننا فاتبعوا آثارنا: أبو سفيان ابن حرب، والأخنس بن شريق وغيرهما من المشركين. فعابوا علينا، وأنكروا فعلنا حتى بطشوا بنا. فأخذت لحي جمل. فأضرب به رجلا من المشركين، فأشجه شجة أوضحت. وانكسر المشركون، وقوي أصحابي. فطردناهم حتى خرجوا من الشعب. فكنت أول من هراق دما (في) الإسلام.
٢٣١ - وحدثني مصعب بن عبد الله الزبيري (١)، عن أشياخهم قال:
كان سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يرى (٢) أباه يذم دين قريش،
стр. 143
وأسلم حين بعث رسول الله ﷺ . وكان أبوه قد أخرجته قريش من مكة، فكان يستقبل البيت ثم يقول: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، البر أرجو لا الخال، هل مهجر كمن قال؟
عذت بما عاذ به أبرهم … مستقبل الكعبة وهو قائم
يقول أنفي لك عان راغم … مهما تجشمني فإني جاشم
ثم يخر ساجدا
٢٣٢ - حدثني محمد بن سعد والوليد، عن الواقدي، عن سلمة بن بخت، عن عميرة بنت عبيد الله بن كعب بن مالك، عن عزيزة بنت أبي تجراة قالت:
كانت قريش لا تنكر غيرها (١). وكان النبي ﷺ وأصحابه إذا جاء وقت العصر، تفرقوا في الشعاب فصلوا، فرادى ومثنى. فبينا طيلب بن عمير وحاطب بن عمرو يصليان في شعب بأجياد الأصغر إذ هجم عليهما ابن الأصداء وابن الغيطلة، وكانا فاحشين، فباطشوهما ورموهما بالحجارة ساعة حتى خرجا فانصرفا.
٢٣٣ - قال الواقدي: كانوا يصلون الضحى والعصر، ثم نزلت (٢) الصلوات الخمس قبل الهجرة. وكانت الصلاة ركعتين ركعتين، ثم نزل إتمامها بالمدينة للمقيم، وبقيت صلاة المسافر ركعتين ركعتين.
٢٣٤ - وحدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي عن أسامة بن زيد الليثي، عن مكحول، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن عياض بن حمار المجاشعي قال:
لما دعا رسول الله ﷺ قومه، وصدع بما أمره الله به،
стр. 144
واجتمعت قريش على عداوته وخلافه، وحدب عليه أبو طالب وقام دونه، ومضى رسول الله ﷺ مظهرا لأمره لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من عيب آلهتهم، اشتدوا على المسلمين.
٢٣٥ - وحدثني محمد بن سعد والوليد بن صالح، عن محمد بن عمر الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن عمر ابن عبد الله، عن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم قال:
لما نزلت على النبي ﷺ «وأنذر عشيرتك الأقربين (١)، اشتد ذلك عليه وضاق به ذرعا. فمكث شهرا أو نحوه جالسا في بيته، حتى ظن عماته أنه شاك، فدخلن عليه عائدات، فقال: ما اشتكيت شيئا، ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فأردت جمع بني عبد المطلب لأدعوهم إلى الله. قلن: فادعوهم، ولا تجعل عبد العزى فيهم- يعنين أبا لهب- فإنه غير مجيبك إلى ما تدعوه إليه. وخرجن من عنده، وهن يقلن: إنما نحن نساء.
فلما أصبح رسول الله ﷺ ، بعث إلى بني عبد المطلب. فحضروا ومعهم عدة من بني عبد مناف، وجميعهم خمسة وأربعون رجلا. وسارع إليه أبو لهب، وهو يظن أنه يريد أن ينزع عما يكرهون إلى ما يحبون. فلما اجتمعوا، قال أبو لهب: «هؤلاء عمومتك وبنو عمك، فتكلم لما تريد، ودع الصلاة، واعلم أنه ليست لقومك بالعرب قاطبة طاقة. وأن أحق من أخذك فحبسك أسرتك وبنو أبيك إن أقمت على أمرك، فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدها العرب فما رأيت، يابن أخي، أحدا قط جاء بني أبيه بشر مما جئتهم به». وأسكت رسول الله ﷺ ، فلم يتكلم في ذلك المجلس، ومكث أياما. وكبر عليه كلام أبي لهب. فنزل جبريل، فأمره بإمضاء ما أمره الله به، وشجعه عليه. فجمعهم رسول الله ﷺ ثانية، فقال: «الحمد لله أحمده، وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له». ثم قال: «: إن الرائد لا يكذب أهله.
والله لو كذبت الناس جميعا، ما كذبتكم. ولو غررت الناس، ما غررتكم
стр. 145
والله الذي لا إله إلا هو، إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة.
والله، لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سواء. وإنها للجنة أبدا، والنار أبدا. وأنتم لأول من أنذر». فقال أبو طالب: «ما أحب إلينا معاونتك ومرافدتك، وأقبلنا (١) لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك. وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون.
وإنما أنا أحدهم، غير أني والله أسرعهم إلى ما تحب. فامض لما أمرت به.
فو الله، لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أني لا أجد نفسي تطوع لي فراق دين عبد المطلب حتى أموت على ما مات عليه.» وتكلم القوم كلاما لينا، غير أبي لهب فإنه قال: «يا بني عبد المطلب، هذه والله السوءة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ على يده غيركم. فإن اسلمتوه حينئذ، ذللتم. وإن منعتموه قتلتم.» فقال أبو طالب: «والله، لنمنعه ما بقينا».
٢٣٦ - وروى الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن موسى بن ميسرة، عن هند بنت الحارث:
أن صفية بنت عبد المطلب قالت لأبى لهب: «أى أخى، أحسن بك خذلان ابن أخيك وإسلامه. فو الله ما زال العلماء يخبرون أنه يخرج من ضئضئي عبد المطلب نبي. فهو هو». فقال: هذا والله الباطل، والأماني، وكلام النساء في الحجال. إذا قامت بطون قريش كلها، وقامت معها العرب، فما قوتنا بهم. والله، ما نحن عندهم إلا أكلة رأس».
٢٣٧ - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:
لما أمر الله نبيه أن ينذر عشيرته الأقربين، جلس على الصفا فقال: «يا آل فهر». فجاءه من سمع كلامه ممن كان بمكة من بني فهر. فقال له أبو لهب: هذه فهر عندك. فقال: «يا آل غالب». فرجع بنو محارب والحارث ابنا فهر. فقال: «يا آل لؤي بن غالب». فرجع بنو تيم بن غالب، وهو الأدرم (٢).