٢٢٥ - حدثنا شجاع بن مخلد، عن ابن علية، عن خالد بن عمار، عن، ابن عباس بمثله.
٢٢٦ - وحدثني عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا خالد بن مخلد، ثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة، عن أنس، عن عائشة قالت:
بعث رسول الله ﷺ ابن أربعين، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشرا، وتوفي على رأس ستين.
وحدثني عمرو الناقد، ثنا الحسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسين بمثله.
وحدثني يحيى بن أيوب الزاهد، عن إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة، عن أنس بمثله.
٢٢٧ - وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، محمد بن السائب الكلبي قال: بعث رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة فأقام بمكة اثنتي عشرة (سنة)، وأقام باقي عمره بالمدينة، وتوفي وهو ابن اثنتين وستين سنة ونصف سنة.
دعاء رسول الله ﷺ :
٢٢٨ - حدثني الوليد بن صالح (١) ومحمد بن سعد (٢)، عن محمد بن عمر الواقدي، حدثني معمر بن راشد عن الزهري قال:
دعا رسول الله ﷺ سرا، وهجر الأوثان، فاستجاب له أحداث من الرجال وضعفاء من الناس، حتى كثر من آمن به، وكفار قريش من وجوهها غير منكرين لما يقول. وكان إذا مر عليهم في مجالسهم يشيرون إليه، ويقولون: غلام بني عبد المطلب يكلم من السماء. فلم يزالوا كذلك
стр. 142
حتى أظهر عيب آلهتهم وأخبر أن آباءهم ماتوا على كفر وضلال وأنهم في النار.
فشنفوا له، وأبغضوه وعادوه وآذوه.
٢٢٩ - قالا: وحدثنا الواقدي، عن جارية بن أبي عمران، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال:
كان بين أن نزلت النبوة على النبي ﷺ إلى أن أمر بإظهار الدعاء ثلاث سنين. فكان دعاؤه ثلاث سنين مستخفيا.
قالا: وحدثنا عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
دعا رسول الله ﷺ سرا أربع سنين، ثم أعلن الدعاء.
قالا: وحدثنا الواقدي، عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن ابن عباس قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يقول:
استخفينا بالإسلام سنة ما نصلي إلا في بيت مغلق، أو شعب خال، ينظر بعضنا لبعض.
٢٣٠ - وحدثني محمد بن الوليد، عن الواقدي، عن محمد بن إسماعيل، عن أبيه، عن عامر بن سعد عن أبيه (سعد بن أبى وقاص) قال:
خرجت أنا، وسعيد بن زيد، وخباب بن الأرت، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود إلى شعب أبي دب نتوضأ ونصلي، ونحن مستخفون.
فظهر علينا نفر من المشركين وقد كانوا يرصدوننا فاتبعوا آثارنا: أبو سفيان ابن حرب، والأخنس بن شريق وغيرهما من المشركين. فعابوا علينا، وأنكروا فعلنا حتى بطشوا بنا. فأخذت لحي جمل. فأضرب به رجلا من المشركين، فأشجه شجة أوضحت. وانكسر المشركون، وقوي أصحابي. فطردناهم حتى خرجوا من الشعب. فكنت أول من هراق دما (في) الإسلام.
٢٣١ - وحدثني مصعب بن عبد الله الزبيري (١)، عن أشياخهم قال:
كان سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يرى (٢) أباه يذم دين قريش،
стр. 143
وأسلم حين بعث رسول الله ﷺ . وكان أبوه قد أخرجته قريش من مكة، فكان يستقبل البيت ثم يقول: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، البر أرجو لا الخال، هل مهجر كمن قال؟
عذت بما عاذ به أبرهم … مستقبل الكعبة وهو قائم
يقول أنفي لك عان راغم … مهما تجشمني فإني جاشم
ثم يخر ساجدا
٢٣٢ - حدثني محمد بن سعد والوليد، عن الواقدي، عن سلمة بن بخت، عن عميرة بنت عبيد الله بن كعب بن مالك، عن عزيزة بنت أبي تجراة قالت:
كانت قريش لا تنكر غيرها (١). وكان النبي ﷺ وأصحابه إذا جاء وقت العصر، تفرقوا في الشعاب فصلوا، فرادى ومثنى. فبينا طيلب بن عمير وحاطب بن عمرو يصليان في شعب بأجياد الأصغر إذ هجم عليهما ابن الأصداء وابن الغيطلة، وكانا فاحشين، فباطشوهما ورموهما بالحجارة ساعة حتى خرجا فانصرفا.
٢٣٣ - قال الواقدي: كانوا يصلون الضحى والعصر، ثم نزلت (٢) الصلوات الخمس قبل الهجرة. وكانت الصلاة ركعتين ركعتين، ثم نزل إتمامها بالمدينة للمقيم، وبقيت صلاة المسافر ركعتين ركعتين.
٢٣٤ - وحدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي عن أسامة بن زيد الليثي، عن مكحول، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن عياض بن حمار المجاشعي قال:
لما دعا رسول الله ﷺ قومه، وصدع بما أمره الله به،
стр. 144
واجتمعت قريش على عداوته وخلافه، وحدب عليه أبو طالب وقام دونه، ومضى رسول الله ﷺ مظهرا لأمره لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من عيب آلهتهم، اشتدوا على المسلمين.
٢٣٥ - وحدثني محمد بن سعد والوليد بن صالح، عن محمد بن عمر الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن عمر ابن عبد الله، عن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم قال:
لما نزلت على النبي ﷺ «وأنذر عشيرتك الأقربين (١)، اشتد ذلك عليه وضاق به ذرعا. فمكث شهرا أو نحوه جالسا في بيته، حتى ظن عماته أنه شاك، فدخلن عليه عائدات، فقال: ما اشتكيت شيئا، ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فأردت جمع بني عبد المطلب لأدعوهم إلى الله. قلن: فادعوهم، ولا تجعل عبد العزى فيهم- يعنين أبا لهب- فإنه غير مجيبك إلى ما تدعوه إليه. وخرجن من عنده، وهن يقلن: إنما نحن نساء.
فلما أصبح رسول الله ﷺ ، بعث إلى بني عبد المطلب. فحضروا ومعهم عدة من بني عبد مناف، وجميعهم خمسة وأربعون رجلا. وسارع إليه أبو لهب، وهو يظن أنه يريد أن ينزع عما يكرهون إلى ما يحبون. فلما اجتمعوا، قال أبو لهب: «هؤلاء عمومتك وبنو عمك، فتكلم لما تريد، ودع الصلاة، واعلم أنه ليست لقومك بالعرب قاطبة طاقة. وأن أحق من أخذك فحبسك أسرتك وبنو أبيك إن أقمت على أمرك، فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدها العرب فما رأيت، يابن أخي، أحدا قط جاء بني أبيه بشر مما جئتهم به». وأسكت رسول الله ﷺ ، فلم يتكلم في ذلك المجلس، ومكث أياما. وكبر عليه كلام أبي لهب. فنزل جبريل، فأمره بإمضاء ما أمره الله به، وشجعه عليه. فجمعهم رسول الله ﷺ ثانية، فقال: «الحمد لله أحمده، وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له». ثم قال: «: إن الرائد لا يكذب أهله.
والله لو كذبت الناس جميعا، ما كذبتكم. ولو غررت الناس، ما غررتكم
стр. 145
والله الذي لا إله إلا هو، إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة.
والله، لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سواء. وإنها للجنة أبدا، والنار أبدا. وأنتم لأول من أنذر». فقال أبو طالب: «ما أحب إلينا معاونتك ومرافدتك، وأقبلنا (١) لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك. وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون.
وإنما أنا أحدهم، غير أني والله أسرعهم إلى ما تحب. فامض لما أمرت به.
فو الله، لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أني لا أجد نفسي تطوع لي فراق دين عبد المطلب حتى أموت على ما مات عليه.» وتكلم القوم كلاما لينا، غير أبي لهب فإنه قال: «يا بني عبد المطلب، هذه والله السوءة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ على يده غيركم. فإن اسلمتوه حينئذ، ذللتم. وإن منعتموه قتلتم.» فقال أبو طالب: «والله، لنمنعه ما بقينا».
٢٣٦ - وروى الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن موسى بن ميسرة، عن هند بنت الحارث:
أن صفية بنت عبد المطلب قالت لأبى لهب: «أى أخى، أحسن بك خذلان ابن أخيك وإسلامه. فو الله ما زال العلماء يخبرون أنه يخرج من ضئضئي عبد المطلب نبي. فهو هو». فقال: هذا والله الباطل، والأماني، وكلام النساء في الحجال. إذا قامت بطون قريش كلها، وقامت معها العرب، فما قوتنا بهم. والله، ما نحن عندهم إلا أكلة رأس».
٢٣٧ - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:
لما أمر الله نبيه أن ينذر عشيرته الأقربين، جلس على الصفا فقال: «يا آل فهر». فجاءه من سمع كلامه ممن كان بمكة من بني فهر. فقال له أبو لهب: هذه فهر عندك. فقال: «يا آل غالب». فرجع بنو محارب والحارث ابنا فهر. فقال: «يا آل لؤي بن غالب». فرجع بنو تيم بن غالب، وهو الأدرم (٢).
стр. 146
فقال: «يا آل كعب»، فرجع بنو عامر بن لؤي. فقال: «يا آل مرة بن كعب»، فرجع بنو عدي وسهم وجمح. فقال: «يا آل كلاب»، فرجعت بنو مخزوم وبنو تيم بن مرة. فقال: «يا آل قصي»، فرجعت بنو زهرة.
فقال: «يا آل عبد مناف» فرجع بنو عبد الدار وبنو أسد بن عبد العزى.
فقال له أبو لهب: هذه عبد مناف. فقال ﷺ :
أدعوكم إلى أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني عبده ورسوله، أضمن لكم الجنة». فقال أبو لهب: «ألهذا دعوتنا؟ تبا لك». فأنزل الله : «تبت يدا أبي لهب وتب، (١)» السورة.
٢٣٨ - وحدثني محمد بن سعد، (٢) عن الواقدي، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال:
لما نزلت «وأنذر عشيرتك الأقربين» (٣)، صعد رسول الله ﷺ على الصفا، فنادى: «يا معشر قريش». فقالت قريش: محمد على الصفا يهتف. فأقبلوا واجتمعوا، فقالوا: ما لك يا محمد؟ قال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا أسفح هذا الجبل، أكنتم تصدقونني؟» قالوا: «نعم، أنت عندنا غير متهم، وما جرينا عليك كذبا قط». قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد (٤). يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني زهرة، - حتى عد الأفخاذ من قريش- إن الله أمرنى أن أنذر عشيرتك الأقربين.
وأني لا أملك لكم من الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله». قال أبو لهب: «تبا لك، سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟» فأنزل الله فيه: «تبت يدا أبي لهب (٥)».
стр. 147
٢٣٩ - حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون المروزي وعمرو بن محمد الناقد، قالا ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
صعد رسول الله ﷺ ذات يوم الصفا، فقال: يا صباحاه.
فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى. قال: وإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله : «تبت يدا أبي لهب» إلى آخرها.
٢٤٠ - وقد روي أن أبا طالب لما مات، اجتمع بنات عبد المطلب إلى أبي لهب، فقلن له: محمد ابن أخيك، فلو عضدته ومنعته، كنت أولى (١) الناس بذلك.
فلقي النبي ﷺ وهو عازم على معاضدته. فسأله عن عبد المطلب وغيره من آبائه، فقال: إنهم كانوا على غير هدى ولا دين. فقال: تبا لك.
فنزلت: «تبت يدا (٢) «أبي لهب».
٢٤١ - وروى أن أفلح بن النصر السلمي كان سادن العزى. فدخل عليه أبو لهب يعوده وقد احتضر. فقال له: يا با عتبة (٣)، أظن العزى ستضيع بعدي.
فقال أبو لهب: كلا، أنا أقوم عليها، فإن يظهر محمد ولن يظهر (٤)، فهو ابن أخي، وإن تظهر العزى، فهى (٥) الظاهرة، ليت قد اتخذت عندها يدا. فنزلت: «تبت يدا أبي لهب وتب». وقال الكلبي: اسم سادن العزى: دبية بن حرمي السلمي.
٢٤٢ - وروي أن أبا لهب قال: يعدنا محمد عدان (٦) بعد الموت، ليس في أيدينا منها شيء فنزلت: «تبت يدا أبي لهب».
стр. 148
٢٤٣ - قالوا: ولما دعا رسول الله ﷺ قريشا، فرد عليه أبو لهب قوله وأباه، لقى هند بنت عتبة بن ربيعة، فقال لها: «لقد باينت محمدا، يا بنة عتبة، وأبيت ما جاء به، ونصرت اللات والعزى، وغضبت لهما». فقالت: جزيت خيرا يا با عتبة.
٢٤٤ - وقال بعض المفسرين: «تبت»، خسرت. والعرب تقول: تبت، ضعفت. والبعير التاب، الضعيف. وقالوا في قوله «وما كسب (١)»، يعني ولده.
وحدثني محمد بن سعد، عن محمد بن عمر الواقدي، عن معاذ بن محمد، عن عمران بن أبي أنس قال:
كانت أم جميل بنت حرب بن أمية تحمل أغصان العضاة والشوك، فتطرحها على طريق رسول الله ﷺ .
وروى عن أبى ورق الهمداني، عن الضحاك، عن ابن عباس مثل ذلك. وكان مجاهد يقول: «حمالة» (٢)، النميمة، تحطب بذلك على ظهرها، والممسود، المفتول الموثق، و «الجيد» (٣)، العنق. وقال بعضهم، حبل من «مسد» (٤)، من ليف. وقال آخرون: عني أن في جيدها سلسلة من نار، أي من سلاسل جهنم، و «الجيد» العنق.
٢٤٥ - قالوا: ولما نزلت «تبت يدا أبي لهب»، وذكر الله امرأته أم جميل، قالت: قد هجاني محمد، والله لأهجونه. فقالت:
محمدا قلينا … ودينه أبينا
وأخذت فهرا لتضربه به وهمت (٥). فأعشى الله عينها، وردها بغيظها.
فعزمت على ابنيها أن يطلقا (٦) ابنتي رسول الله ﷺ ، ففعلا. وكانت
стр. 149
رقية عند عتبة بن أبي لهب، وأم كلثوم عند معتب بن أبي لهب، ويقال:
عتيبة.
٢٤٦ - وحدثني الوليد بن صالح ومحمد بن سعد، عن الواقدي، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين عن عكرمة، عن ابن عباس قال:
خسرت يدا أبى لهب. وامرأته حمالة الحطب: النميمة. ما أغنى عنه ماله وما كسب: ولده. قال: فلما نزلت «تبت»، جاءت أم جميل بنت حرب والنبي ﷺ في المسجد، معه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، وفي يدها فهر. فلما وقعت على النبي ﷺ أخذ الله على بصرها، ورأت أبا بكر وعمر. فكرهت عمر، وأقبلت على أبي بكر، فقالت: أين صاحبك؟ قال: وما تصنعين به؟ قالت: بلغني أنه هجاني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فمه. فقال عمر: ويحك، إنه ليس بشاعر (١) فقالت: إنى لأرجو أن أكلمك يابن الخطاب. ثم أقبلت على أبي بكر، فقالت: إي، والثواقب، إنه لشاعر، وإني لشاعرة.
٢٤٧ - قال الواقدي: وأما قوله «في جيدها حبل من مسد (٢)»، فيقال ودعة كانت في رقبتها. وقال: حدثني بذلك معمر، عن قتادة قال:
ويقال: سلسلة من نار.
٢٤٨ - قالوا: ولما أظهر رسول الله ﷺ دعوته، جعل أبو بكر يدعو ناحية سرا. وكان سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل على مثل ذلك. وكان عثمان على مثل ذلك. وكان عمر يدعو علانية. وكان حمزة بن عبد المطلب كذلك. وكان أبو عبيدة يدعو، حتى فشا الإسلام بمكة. وأظهر كفار قريش البغي على رسول الله ﷺ ، والحسد له. وكان الذين يبدون صفحتهم في عداوته وأذاه، ويشخصون به، ويخاصمون ويجادلون
стр. 150
ويردون من أراد الإسلام عنه: أبا (١) جهل بن هشام، وأبا لهب، والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة- وهو ابن خال رسول الله ﷺ ، - والحارث بن قيس بن عدي السهمي (الذي كان كلما رأى حجرا أحسن من الذي عنده أخذه وألقى ما عنده، وفيه نزلت: «أفرأيت من اتخذ إلهه هواه (٢)»، وهو ابن الغيطلة)، والوليد بن المغيرة، وأمية وأبي ابني (٣) خلف الجمحيين، وأبا قيس بن الفاكه بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، والنضر بن الحارث العبدري، ومنبه ونبيه ابني الحجاج السهميين، وزهير بن أبي أمية المخزومي، والسائب بن أبي السائب واسمه صيفي- بن عابد (٤) بن عمر بن مخزوم، والأسود بن عبد الأسد المخزومي، والعاص بن سعيد ابن العاص، وعدي بن الحمراء الخزاعي، وأبا البختري العاص بن هاشم (بن الحارث) بن أسد بن عبد العزى، وعقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وابن الأصدى (٥) الهذلي (٦) (وهو الذي نطحته الأروي)، والحكم بن أبي العاص بن أمية. وذلك أن هؤلاء كانوا جيرانه. وكان الذين ينتهى عداوة رسول الله ﷺ إليهم:
أبو جهل (٧)، وأبو لهب، وعقبة. وكان أبو سفيان بن حرب، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ذوي عداوة للنبي ﷺ ، ولكنهم لم يكونوا يفعلون كما فعل هؤلاء، وكانوا كجهلة قريش.
стр. 151
أمر أبي جهل
٢٤٩ - قالوا: أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر (١) بن مخزوم. كناه النبي ﷺ أبا جهل، لأنه كان يكنى قبل ذلك «أبا الحكم».
٢٥٠ - وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: من قال لأبى جهل «أبا (٢) الحكم»، فقد أخطأ خطيئة يستغفر الله منها. وروي عنه أنه قال:
لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
٢٥١ - وكان أبو جهل في نفر من قريش، فيهم عقبة بن أبي معيط، وكان أسفه قريش، بالحجر، وكان رسول الله ﷺ يصلي فأطال السجود. فقال أبو جهل: أيكم يأتى جزورا لبني فلان قد نحرت اليوم بأسفل مكة، فيجيء بفرثها فيلقيه على محمد؟ فانطلق عقبة بن أبي معيط، فأتى بفرثها، فألقاه على ما بين كتفيه ورسول الله ﷺ ساجد. فجاءت فاطمة عليها الصلاة والسلام، فأماطت ذلك عنه، ثم استقبلتهم تشتمهم.
فلم يرجعوا إليها شيئا. ودعا رسول الله ﷺ حين رفع، فقال:
اللهم عليك بقريش، عليك بعقبة بن أبي معيط، وبأبي جهل، وبشيبة، وعتبة، وأمية بن خلف ثم. قال لأبي جهل: والله لتنتهين أو لينزلن الله عليك قارعة. وخرج رسول الله ﷺ ، فلقيه أبو البختري فأنكر وجهه، فسأله عن خبره. فأخبره به. وكان معه سوط، فأتى أبا جهل فعلاه به. فتثاور بنو مخزوم وبنو أسد بن عبد العزى. فقال أبو جهل: ويلكم، إنما يريد محمد أن يلقي بينكم العداوة.
٢٥٢ - وقال رسول الله ﷺ لعقبة: يابن أبان- وكان اسم أبي معيط «أبان» - أما أنت بمقصر عما نرى؟ فقال: لا، حتى تدع ما أنت
стр. 152
عليه. فقال: والله، لتنتهين أو لتحلن بك قارعة.
٢٥٣ - وقال أبو جهل: والله، لئن رأيت محمدا يصلي، لأطأن رقبته. فبلغه أنه يصلي. فأقبل مسرعا، فقال: ألم أنهك، يا محمد، عن الصلاة؟ فانتهره رسول الله ﷺ . فقال: أتنتهرنى وتهددنى وأنا أعز أهل البطحاء؟
فسمعه العباس بن عبد المطلب، فغضب وقال، كذبت. فنزلت (١):
«أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى» - يعني أبا جهل- «أرأيت إن كان على الهدى» - يعنى محمدا ﷺ . وقوله «ناديه» يقول عشيرته ومن يجالسه. ونهى عن طاعته. فكان ابن عباس يقول: والله، لو دعا لأجابه ربنا بالعذاب. وقال رسول الله ﷺ : نزل اثنا (٢) عشر ملكا من الزبانية، رءوسهم في السماء وأرجلهم في الارض. ولو فعل، أخذوه عيانا.
٢٥٤ - وذكروا: أن أبا جهل قال: يا محمد، ابعث لنا رجلين أو ثلاثة من آبائنا ممن قد مات، فأنت أكرم على الله، فلست بأهون على الله من عيسى فيما تزعم، فقد كان عيسى يفعل ذلك (٣). فقال: لم يقدرني الله على ذلك.
قال: تسخر لنا الريح تحملنا إلى الشام في يوم وتردنا في يوم، فإن طول السفر يجهدنا، فلست بأهون على الله من سليمان، فقد كان يأمر الريح فتغدو به مسيرة شهر وتروح به مسيرة شهر (٤). فقال: لا أستطيع ذلك. فقال أبو جهل فإن كنت غير فاعل شيئا مما سألتك، فلا تذكر آلهتنا بسوء.
فقال عبد الله بن أمية: فأرنا كرامتك على ربك فليكن لك بيت من زخرف وجنة من نخيل وعنب تجري فيها الأنهار، وفجر لنا ينبوعا مكان زمزم، فقد شق علينا المتح (٥) عليها، وإلا فأسقط علينا كسفا. فقال: ليس هذا بيدي، هو بيد الذي خلقني. قال: فارق إلى السماء فأت بكتاب نقرؤه، ونحن ننظر
стр. 153
إليك. فأنزلت فيه الآيات (١).
٢٥٥ - وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عمر بن صالح مولى التوأمية (٢)، عن ابن عباس، وحدثني بكر بن الهيثم، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال:
لما نزلت هذه الآية: «إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل (٣)»، يعني دردي الزيت، قال أبو جهل: أنا أدعو لكم، يا معشر قريش، بالزقوم. فدعا بزبد وتمر، وقال: «تزقموا من هذا، فإنا لا نعلم زقوما غيره». فبين الله أمرها، فقال: «إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم، طلعها كأنه رؤس الشياطين (٤).»
فقالت قريش: شجرة تنبت في النار؟ فكانت فتنة لهم، وجعل المستهزئون يضحكون. قال: و «الشوب (٥)» ما شيب به الشيء وخلط. وقوله «الهيم (٦)»، الإبل العطاش. قال الواقدي: وقد قيل في «الهيم» إنها الأرضون ذوات الرمل التي لا تروى. و «رءوس» الشياطين، نبت خارج الحرم، يسمى رءوس الشياطين. وروي أيضا أنه لما نزلت: «ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم (٧)»، قال أبو جهل: «ايتونا بزبد وتمر.» ثم قال:
«تزقموا، فإن هذا الزقوم». فنزلت: «إن شجرة الزقوم طعام الأثيم» - يعنى أبا جهل- «كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم (٨)». ونزلت:
«إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (٩)». قال: و «التوءمة»، ابنة أمية ابن خلف الجمحي، ولدت وأخت لها في بطن، فسميت تلك باسم، وسميت هذه «التوءمة».
стр. 154
٢٥٦ - وروي عن عطاء بن يسار في قوله «فأما من أعطى واتقى (١)» الآية، أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. ونزل قوله: «وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى (٢)» في أبى جهل. قال: و «الحسنى» الجنة.
ويقال: الخلف.
٢٥٧ - قال الواقدي في إسناده: إن رجلا من هذيل، يقال له عمرو، قدم بغنم له فباعها. ورآه النبي ﷺ ، فأخبره بالحق ودعاه إليه.
فقام إليه أبو جهل، وكان خفيفا حديد الوجه والنظر، به حول، فقال له: انظر ما دعاك إليه هذا الرجل، فإياك أن تركن إلى قوله فيه أو تسمع منه شيئا، فإنه قد سفه أحلامنا، وزعم أن من مات منا كافرا، يدخل النار بعد الموت، وما أعجب ما يأتي به. فقال الهذلي: أما تخرجونه من (٣) أرضكم؟ قال أبو جهل: لئن خرج من بين أظهرنا فسمع كلامه وحلاوة لسانه (٤) قوم أحداث ليتبعنه، ثم لا نأمن (٥) أن يكر علينا بهم. قال الهذلي: فأين أسرته عنه؟
قال أبو جهل: إنما امتنع بأسرته. ثم إن الهذلي أسلم يوم الفتح.
٢٥٨ - وقالوا (٦): قدم رجل من أراش، بإبل له، مكة. فباعها من أبي جهل.
فمطله بأثمانها. فوقف الرجل على نادي قريش، فقال: إني رجل غريب، ابن سبيل، وإن أبا الحكم ابتاع مني ظهرا فمطلني بثمنه وحبسني حتى شق علي، فمن رجل يقوم معي فيأخذ لي بحقي منه؟ وكان رسول الله ﷺ جالسا في عرض المسجد، فقالوا، وهم يستهزئون: أترى الرجل الجالس؟
انطلق إليه، يأخذ لك بحقك. فأتى رسول الله ﷺ ، فقال:
يا محمد، إني رجل غريب. واقتص عليه قصته. فقام رسول الله ﷺ ، حتى ضرب باب أبي جهل. فقال أبو جهل: من هذا؟ قال رسول
стр. 155
الله ﷺ : محمد بن عبد الله، فاخرج إلى. ففتح الباب وخرج.
فقال له: أخرج إلى الرجل من حقه. قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ لن أبرح أو تعطيه حقه. فدخل البيت، فخرج إليه بحقه وأعطاه إياه. فانطلق نبي الله ﷺ ، وانصرف الرجل إلى مجلس قريش فقال: جزى الله محمدا خيرا، فقد أخذ لي بحقي بأيسر الأمر.
ثم انصرف. وجاء أبو جهل، فقالوا له: ماذا صنعت؟ فو الله ما بعثنا الرجل إلى محمد إلا هازئين. فقال: دعوني، فو الله ما هو إلا أن ضرب بأبي حتى ذهب فؤادي، فخرجت إليه وإن على رأسي لفحلا، ما رأيت مثل هامته وأنيابه قط فاتحا فاه، والله لو أبيت لأكلني، فأعطيت الرجل حقه. فقال القوم: ما هو إلا بعض سحره.
٢٥٩ - وحدثني بكر بن الهيثم، حدثني أبو الحكم الصنعاني، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال:
جاء أبو جهل في عدة من المشركين يريدون رسول الله ﷺ . فخرج عليهم وهو يقرأ يس (١)، وجعل ينثر التراب على رءوسهم لا يرونه. فلما انصرف، أقبلوا ينفضون التراب عن رءوسهم ويتعجبون ويقولون:
سحر من سحر محمد.
٢٦٠ - حدثني محمد بن حاتم، عن يزيد، عن محمد بن إسحاق (٢)، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة ابن صعير قال:
قال أبو جهل: «اللهم أقطعنا للرحم، وأتانا (٣) بما لا تعرف (٤)، فأحنه الغداة». يقول هذا يوم بدر. فأنزل الله : «إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح (٥)». واستفتاحه هو قوله هذا.
стр. 156
٢٦١ - قالوا: كان رسول الله ﷺ جالسا في المسجد ومعه أبو بكر، وعمر، وسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهم، إذ أقبل رجل من بني زبيد، وهو يقول: يا معشر قريش، كيف تدخل عليكم مادة أو جلب وأنتم تظلمون من دخل إليكم؟ وجعل يقف على الحلق، حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ وهو في أصحابه. فقال له رسول الله ﷺ :
من ظلمك؟ قال: أبو الحكم، طلب مني ثلاثة أجمال، هي خيار إبلي، فلم أبعه إياها بالوكس، فليس يبتاعها أحد مني اتباعا لمرضاته، فقد أكسد سلعتي وظلمني. فقال رسول الله ﷺ : وأين أجمالك؟ قال: هي هذه بالحزورة. فابتاعها رسول الله ﷺ منه. فباع جملين منها بالثمن الذي التمسه، وباع البعير الثالث وأعطى ثمنه أرامل بني عبد المطلب. وأبو جهل جالس في ناحية من السوق، لا يتكلم. ثم أقبل رسول الله ﷺ ، فقال: يا عمرو، إياك أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الأعرابي، فترى مني ما تكره. فجعل يقول: لا أعود، يا محمد. فلما انصرف رسول الله ﷺ ، أقبل عليه أمية بن خلف ومن حضر من المشركين، فقالوا: لقد ذللت في يد محمد، حتى كأنك تريد اتباعه. فقال: لا أتبعه، والله، أبدا، إنما كأن انكسارى عنه لما رأيت من سحره: لقد رأيت عن يمينه وشماله رجالا معهم رماح يشرعونها إلي، لو خالفته لكانت إياها. فقالوا: هذا سحر منه. قال: هو ذاك.
٢٦٢ - وقتل أبو جهل يوم بدر وهو ابن سبعين سنة. وكان معاذ بن عمرو بن الجموح وبعض بني عفراء ضرباه. ودفف عليه ابن مسعود.
أمر أبي لهب بن عبد المطلب
٢٦٣ - قالوا: كان أبو لهب أحد من يؤذي رسول الله ﷺ .
ووقع بينه وبين أبي طالب كلام، فصرعه أبو لهب وقعد على صدره وجعل يضرب وجهه. فلما رآه رسول الله ﷺ لم يتمالك أن أخذ بضبعي أبي لهب، فضرب به الأرض. وقعد أبو طالب على صدره، فجعل يضرب
стр. 157
وجهه. فقال أبو لهب للنبي ﷺ : هو عمك وأنا عمك، فلم فعلت هذا في؟ والله لا يحبك قلبي أبدا.
٢٦٤ - قالوا: وكان أبو لهب يطرح القذر والنتن على باب النبي ﷺ . فرآه حمزة بن عبد المطلب ﵀ وقد طرح من ذلك شيئا. فأخذه وطرحه على رأسه. فجعل أبو لهب ينفض رأسه ويقول: صابى أحمق. فأقصر عما كان يفعل، ولكنه كان يدس من يفعله.
٢٦٥ - وروى ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
قال رسول الله ﷺ : كنت بين شر جارين: بين أبي لهب وعقبة بن أبي معيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحونها في بابي. قالت عائشة: فكان النبي ﷺ يقول: يا بني عبد مناف، أي جوار هذا؟ ثم يميطه عن بابه.
٢٦٦ - قالوا: وبعث أبو لهب ابنه عتبة بن أبي لهب بشيء يؤذي به رسول الله ﷺ ، فسمعه يقرأ: «والنجم إذا هوى (١)». فقال: أنا أكفر برب النجم. فقال رسول الله ﷺ : سلط الله عليك كلبا من كلابه (٢). فخرج في تجارة، فجاء الأسد وهو وأصحابه نيام، بحوران. فجعل يهمس ويشم حتى انتهى إليه، فضمغه ضمغة أتت عليه. فجعل يقول، وهو بآخر رمق: ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس؟ ثم مات.
٢٦٧ - ومات أبو لهب، واسمه عبد العزى، بداء يعرف بالعدسة.
وكان موته بمكة بعد وقعة بدر بسبعة أيام، فبلغه خبرها ولم يشهدها.
أمر الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب:
٢٦٨ - وكان الأسود بن عبد يغوث من المستهزئين الذين قال الله :
«إنا كفيناك المستهزئين (٣)». وكان إذا رأي المسلمين، قال لأصحابه: «قد
стр. 158
جاءكم ملوك الأرض الذين يرثون ملك كسرى وقيصر. ويقول للنبي ﷺ : أما كلمت اليوم من السماء، يا محمد؟ وما أشبه هذا القول.
فخرج من عند أهله، فأصابته السموم، فاسود وجهه حتى صار حبشيا.
فأتى أهله، فلم يعرفوه وأغلقوا دونه الباب. فرجع متلددا حتى مات عطشا.
٢٦٩ - ويقال: إن جبريل ﵇ أومأ إلى رأسه، فضربته الأكلة، فامتحض رأسه قيحا. ويقال: أومأ إلى بطنه، فسقي بطنه ومات حبنا.
ويقال: إنه عطش، فشرب الماء حتى انشق بطنه بمكة. وقال الواقدي: مات حين هاجر (١) النبي ﷺ . ودفن بالحجون.
٢٧٠ - وحدثني أبو بكر الأعين (٢)، ثنا علي بن عبد الله المديني، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة قال:
أخذ جبريل ﵇ بعنق الأسود بن عبد يغوث، فحنا ظهره حتى احقوقف. فقال رسول الله ﷺ : خالي، خالي. فقال جبريل:
يا محمد دعه.
أمر الحارث بن قيس السهمي
٢٧١ - كان الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو أحد المستهزئين المؤذين لرسول الله ﷺ . وهو ابن الغيطلة. وهي من ولد شنوق بن مرة بن عبد مناف بن كنانة. والغيطلة أم أولاد قيس بن عدي، نسبوا إليها. وهو الذي نزلت فيه: «أفرأيت من اتخذ إلهه هواه (٣)». وكان يأخذ حجرا، فإذا رأى أحسن منه تركه وأخذ الأحسن. وكان يقول: لقد غر محمد نفسه وأصحابه أن وعدهم أن يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا إلا الدهر ومرور الأيام والأحداث. أكل حوتا مملوحا، فلم يزل يشرب عليه الماء حتى مات.
ويقال: إنه أصابته الذبحة. وقال بعضهم: امتحض رأسه قيحا.
стр. 159
أمر الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة، وأبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية.
٢٧٢ - قالوا: كان الوليد يكنى أبا عبد شمس، وهو العدل، وهو الوحيد. وإنما سمي العدل لأنه يقال إنه يعدل قريشا كلها. ويقال: إن قريشا كانت تكسو الكعبة، فيكسوها مثل ما تكسوها كلها.
٢٧٣ - وكان جمع قريشا في دار الندوة، ثم قال لهم: يا قوم، إن العرب يأتونكم أيام الحج فيسألونكم عن محمد، فتختلفون: يقول هذا: «ساحر»، ويقول هذا: «شاعر»، ويقول هذا: «مجنون»، ويقول هذا: «كاهن»، والناس يعلمون أن هذه الأشياء لا تجتمع. فقالوا: نسميه شاعرا؟ قال الوليد: قد سمعتم الشعر وسمعناه، فما يشبه ما يجيء شيئا من ذلك. قالوا: فكاهن؟ قال:
صاحب الكهانة يصدق ويكذب، وما رأينا محمدا كذب قط. قالوا: فمجنون؟
قال: المجنون يخنق، ومحمد لا يخنق. ثم مضى الوليد إلى بيته. فقالوا: صبأ.
فقال: ما صبأت، ولكني فكرت فقلت: أولى ما سمي به ساحر لأن الساحر يفرق بين المرأة وزوجها، والأخ وأخته. فنادوا بمكة: إن محمدا ساحر.
فنزلت فيه: «ذرني ومن خلقت وحيدا» إلى قوله «تسعة عشر (١)». فقال أبو الأسدين، واسمه كلدة بن أسيد بن خلف الجمحي: أنا أكفيكم خمسة على ظهري، وأربعة بيدي، فاكفوا (٢) بقيته. فأنزلت. «وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا (٣)».
٢٧٤ - وقال الوليد: لئن لم ينته محمد عن سب آلهتنا، لنسبن إلهه. فقال أبو جهل: نعم ما قلت. ووافقهما الأسود بن عبد يغوث، وهو ابن خال رسول الله ﷺ . فنزلت: «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم (٤)».
стр. 160
٢٧٥ - قالوا: واعترض الوليد بن المغيرة (١) رسول الله ﷺ ، ومع الوليد عدة من قريش. منهم الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والعاص ابن وائل السهمي، وأمية بن خلف. فقالوا: «يا محمد، هلم، فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر. فإن كان ما تعبد خيرا، كنا قد أخذنا بحظنا. وإن كان ما نعبد خيرا، كنت قد أخذت بحظك.» فأنزل الله سورة قل يا أيها الكافرون (٢). يقول: قل لهم، لا أعبد الآن ما تعبدون، ولا أنتم الآن عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد أبدا ما عبدتم، ولا أنتم عابدون أبدا ما أعبد، لكم كفركم، ولى إيماني.
٢٧٦ - وقال الوليد لأبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية، وكان نديمه: لولا أنزل هذا القرآن الذي يأتي به محمد على رجل من أهل مكة أو من أهل الطائف، أو مثل أمية بن خلف. فقال أبو أحيحة: أو مثلك، يا أبا عبد شمس، أو على رجل من ثقيف (٣) مثل مسعود بن عمرو أو كنانة بن عبد يا ليل، أو مسعود ابن معتب وابنه عروة بن مسعود. فأنزل الله : «وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، أهم يقسمون رحمت ربك؟ (٤)».
٢٧٧ - وقال الواقدي: مات الوليد بعد الهجرة بثلاثة أشهر أو نحوها، وهو ابن خمس وتسعين سنة. ودفن بالحجون. وكان الوليد أحد المستهزئين. فمر برجل، يقال له حراث بن عامر، من خزاعة وهو الثبت- وبعضهم يقول: حراب- ويكنى أبا قصاف، وهو يريش نبلا له ويصلحها. فوطئ على سهم منها، فخدش أخمص رجله خدشا يسيرا. ويقال: علق بإزاره، فخدش ساقه خدشا خفيفا. فأهوى إليه جبريل ﵇ فانتقض الخدش. وضربته الأكلة في رجله أو ساقه، فمات. وأوصى بنيه فقال: اطلبوا خزاعة بالسهم الذى
стр. 161
أصابني. وأعطت خزاعة ولده العقل. وقال: فانظروا عقري عند أبي أزيهر الدوسي من الأزد، ولا يفوتنكم. فعدا (١) هشام بن الوليد على أبي أزيهر بعد بدر، فقتله. وهو أبو أزيهر بن أنيس بن الحيسق، من ولد سعد بن كعب بن الغطريف. وكان أبو أزيهر حليفا لأبي سفيان بن حرب بن أمية.
فزوج ابنته من عتبة بن ربيعة. وتزوج الوليد بن المغيرة ابنة له أخرى. فأمسكها أبو أزيهر ولم يهدها إليه. وزوج عاتكة ابنته أبا سفيان، فولدت له محمد ابن أبي سفيان، وعنبسة بن أبي سفيان. وكان قتل (٢) هشام أبا أزيهر بذي المجاز. فخرج يزيد بن أبي سفيان، فجمع جمعا من بني عبد شمس وغيرهم من بني عبد مناف، وتسلح وأراد قتال بني مخزوم. وبلغ أبا سفيان، وكان حليما يحب قومه، فخاف أن يكون بين قريش نائرة حرب بسبب أبي أزيهر.
فأتى يزيد، فأخذ الرمح من يده، وقال: قبحك الله، أتريد أن تضرب بعض قريش ببعض وقد ترى ما هي فيه من محمد؟ فقال: أخفرت صهرك وحليفك وأنت راض بذلك؟ فقال: من لم يصبر على صغير المكروه، فقد تعرض للكبيرة. وأطفأ أبو سفيان ذلك الأمر. فقال حسان يحرض على الطلب بدم أبي أزيهر، ويعير أبا سفيان (٣):
غدا أهل ضوجي ذي المجار كليهما … وجار ابن حرب بالمغمس ما يغدو
وقد يمنع العير الضروط ذماره … وما منعت مخزاة والدها هند
كساك هشام بن الوليد خزاية … فأبل وأخلق مثلها جددا بعد
فقال أبو سفيان: إنما ذهب حسان ليغري بيننا فيشتفي هو وأصحابه بذلك.
وحمل ديته. وقال جعدة بن عبد الله بن عبد العزى:
стр. 162
لا أرى في الأنام مثل هشام … أبدا من مسود ومسود
يوم (أ) لقى أبا أزيهر غضبا … لم يكن عند ذاك بالمحدود
ثم ولى بذي المجاز كريما … غير ما طائش ولا رعديد
وكان سعد بن صفيح بن الحارث الدوسي، وهو خال أبى هريرة عمير ابن عامر بن عبد الله بن ذي الشركي، لا يأخذ أحدا من قريش إلا قتله بأبي أزيهر. فممن قتل بجير بن العوام بن خويلد، ولقيه باليمامة، وبجاد بن السائب بن عويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وكان ضرار بن الخطاب ابن مرداس الفهري بالسراة، وهي فوق الطائف وهي بلاد دوس والأزد، فوثبت دوس عليه ليقتلوه بأبي أزيهر، فسعى حتى دخل بيت امرأة من الأزد، يقال لها أم جميل، واتبعه رجل منهم ليضربه. فوقع ذباب السيف على الباب، وقامت في وجوههم فذبتهم ونادت قومها. فمنعوه لها. فلما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ظنت أنه أخوه. فأتت المدينة. فلما كلمته، عرف القصة، فقال: لست بأخيه إلا في الإسلام وهو غاز بالشام، وقد عرفنا منتك عليه. فأعطاها على أنها ابنة سبيل. وقال الواقدي: اسمها أم غيلان، وذلك أثبت. والذي زعم أنها «أم جميل»، أبو عبيدة معمر بن المثنى. وقال ضرار بن الخطاب (١):
جزى الله عنا أم غيلان صالحا … ونسوتها إذ هن شعث عواطل
فهن دفعن الموت بعد اقترابه … وقد برزت للثائرين المقاتل
دعت دعوة دوسا فسالت شعابها … بعزف لما بيد منهم تخاذل
وجردت سيفي ثم قمت بنصله … وعن أي نفس بعد نفسي أقاتل
وقيل إن أم غيلان هذه كانت مولاة للأزد ماشطة.
٢٧٨ - وقال ابن الكلبي ولد أبو أزيهر أبا جنادة. فولد أبو جنادة:
стр. 163
شميلة. تزوجها مجاشع بن مسعود السلمي، فقتل عنها يوم الجمل. ويقال: طلقها، فتزوجها عبد الله بن عباس. وإياهما (١) عناه ابن فسوة في قوله:
أتيح لعبد الله يوم لقيته … شميلة ترمى بالحديث المقتر
وروى عن قتادة أن الوليد وطيء على سهم، فقطع أكحله فمات.
٢٧٩ - وكان نصر بن الحجاج بن علاط السلمي جميلا. وكان عند مجاشع، وامرأته شميلة حاضرة. وكان مجاشع أميا، وشميلة تكتب. فكتب نصر بن الحجاج في الأرض: «أنا والله أحبك حبا لو كان فوقك لأظلك، ولو كان تحتك لأقلك». فكتبت: «وأنا والله». فأكب مجاشع على الكتابة إناء، ثم أتى بمن قرأ الكتاب. فأخرج نصرا، وطلق شميلة. ويقال: إن نصرا محاما كتب وبقي «وأنا والله». فقال: ما كتابك «وأنا والله»؟ قالت: لا إله إلا الله». فقال: هذا لا يلائم «وأنا والله». ولم يزل بها حتى صدقته.
٢٨٠ - وقال الجون بن أبى الجون الخزاعي:
نحن عقرنا بالصعيد ولدكم … وما مثلها من رهطه ببعيد
كبا للجبين والأنف صاغرا … فأهون علينا صاغرا بوليد
وأما أمية وأبي ابنا خلف:
٢٨١ - فكانا على شر ما يكون عليه أحد من أذى النبي ﷺ وتكذيبه. وجاء أبي بعظم نخر، ففته في يده ثم قال: زعمت يا محمد أن ربك يحيى هذا العظم، ثم نفخه. فنزلت: «قال من يحي العظام وهي رميم؟ (٢)».
٢٨٢ - وحدثني محمد بن حاتم المروزي، ثنا عبد الله بن نمير، عن سفيان الثوري، عن أبي السوداء، عن ابن سابط:
أن أبيا صنع طعاما، ثم أتى حلقة فيها النبي ﷺ ، فدعاهم ودعاه. فقال رسول الله ﷺ : لا أقوم حتى تشهد أن لا إله إلا الله. ففعل. فقام النبي ﷺ معه. فلقيه عقبة بن أبي معيط،
стр. 164
فقال: أقلت كذا وكذا؟ قال: إنما قلت ذلك لطعامنا. فنزلت: «ويوم يعض الظالم على يديه (١)». الآية. وقد قيل: إن الذي دعا النبي ﷺ ، فيمن دعا، عقبة بن أبي معيط. فأنكر أبي ذلك عليه، وكان صديقا له ونديما. وقال: اتبعت محمدا؟ فقال: لا والله، ولكني تذممت أن لا أدعوه، وإذ دعوته ألا يأكل من طعامي، فقلت له قولا لم أعتقده. فقال له:
وجهي من وجهك حرام إن لم تكفر به وتنفل في وجهه. ففعل. ورجع ما خرج من فيه إلى وجهه. فأنزل الله: «ويوم يعض الظالم على يديه (٢)»، يعنى عقبة. وقوله «فلانا» (٣)، يعني أبي بن خلف. وهي قراءة عبد الله بن مسعود:
«ليتني لم أتخذ أبيا خليلا». وبعض الرواة يقول (٤): إن أمية بن خلف فعل هذا. ولا يذكر أبيا.
٢٨٣ - وقتل أمية يوم بدر. قتله خبيب بن إساف. ويقال: اشترك خبيب وبلال في قتله. ويقال: قتله رفاعة بن رافع الأنصاري.
٢٨٤ - وقتل رسول الله ﷺ أبيا يوم أحد. أخذ حربته أو حربة غيره، فقتله بها.
(أبو قيس بن الفاكه)
٢٨٥ - وكان أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة من المؤذين لرسول الله ﷺ ، المغرقين في أذاه، يعين أبا جهل على صنيعه. قتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر. ويقال: قتله الحباب بن المنذر.
العاص بن وائل السهمي
٢٨٦ - كان العاص بن وائل من المستهزئين. ولما مات عبد الله بن رسول الله ﷺ ، قال: إن محمدا أبتر، لا يعيش له ذكر. فأنزل الله
стр. 165
فيه: «إن شانئك هو الأبتر (١). فركب حمارا له- ويقال: بغلة له بيضاء- فلما صار بشعب من تلك الشعاب، وهو يريد الطائف، ربض به الحمار أو البغلة على شبرقة، فأصابت رجله شوكة منها فانتفخت حتى صار كعنق البعير. ومات. ويقال: إنه لما ربض به حماره أو بغلته، لدغ فمات مكانه. وكان ابنه عمرو يقول: لقد مات أبي وهو ابن خمس وثمانين سنة، وإنه ليركب حمارا له من هذه الدباب (٢) إلى ماله بالطائف، فيمشي عنه أكثر مما يركبه.
٢٨٧ - وقال الواقدي: مات العاص بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة بأشهر، وهو ابن خمس وثمانين سنة. وكان يكنى أبا عمرو.
٢٨٨ - وحدثني محمد بن سعد قال: قلت للواقدي: قال الله «إنا كفيناك المستهزئين (٣)»، وهذه السورة مكية. فقال: سألت مالكا وابن أبي ذئب عن هذا، فقالا: كفاه إياهم، فبعضهم مات، وبعضهم عمي فشغل عنه، وبعضهم كفاه إياه إذ هيأ الله له من أسباب مفارقته بالهجرة ما هيأ له.
قال: وقال غيرهما: كفاه الله أمرهم، فلم يضروه بشيء.
النضر بن الحارث العبدري
٢٨٩ - كان النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار يكنى أبا فائد. وكان أشد قريش مباداة للنبي ﷺ بالتكذيب والأذى. وكان صاحب أحاديث، ونظر في كتب الفرس، ومخالطة النصارى واليهود. وكان لما سمع بذكر النبي ﷺ وحضور وقت مبعثه، يقول: والله لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى من إحدى الأمم. فنزلت فيه:
«وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم (٤)».
стр. 166
وكان يحدث، ثم يقول: أينا (١) أحسن حديثا، أنا أم محمد؟ ويقول: إنما يأتيكم محمد بأساطير الأولين. فنزلت فيه: «وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين (٢). ونزلت فيه:
«اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (٣). ونزلت فيه: «وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (٤)» ونزلت فيه: «سأل سائل بعذاب واقع (٥)». ونزلت فيه: «ومن الناس من يجادل في الله بغير علم (٦)». ونزلت فيه: «أفبعذابنا يستعجلون* (٧). وكان النضر قدم الحيرة، فتعلم ضرب البربط، وغنى غناء أهل الحيرة، وعلم ذلك قوما من أهل مكة. وكان غناؤهم قبل ذلك النصب. واشترى قينتين، فنزلت فيه: «ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله (٨)».
٢٩٠ - ولقي النبي ﷺ ، فقال: أنت الذي تزعم أنك ستوقع بقريش عن قليل وأن الله قد أوحى إليك بذلك؟ فقال: نعم، وأنت منهم. فنزلت:
«وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم (٩)». وسأل النبي ﷺ :
متى تنقضي الدنيا؟ فنزلت فيه: «يسئلونك عن الساعة أيان مرساها» الآية (١٠)».
٢٩١ - وكان يقول: إنما يعينه على ما يأتي به في كتابه هذا جبر (١١)، غلام الأسود بن المطلب (١٢)، وعداس، غلام شيبة بن ربيعة، ويقال غلام عتبة بن
стр. 167
ربيعة، وغيرهما. فأنزل الله : «ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (١)». وأنزل الله فيه: «وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤ ظلما وزورا. وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (٢)».
٢٩٢ - وأسره المقداد يوم بدر. فأمر رسول الله ﷺ بضرب عنقه صبرا بالأثيل.
أمر أبي أحيحة
٢٩٣ - وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص بن أمية يقول: دعوا محمدا ولا تعرضوا له. فإن كان ما يقول حقا، كان فينا دون غيرنا من قريش. وإن كان كاذبا، قامت قريش به دونكم. فكان النبي ﷺ يمر به. فيقول:
إنه ليكلم من السماء، حتى أتاه النضر بن الحارث. فقال له: إنه يبلغني أنك تحسن القول في محمد، وكيف ذلك وهو يسب الآلهة، ويزعم أن آباءنا في النار، ويتوعد من لم يتبعه بالعذاب؟ فأظهر أبو أحيحة عداوة رسول الله ﷺ ، وذمه، وعيب ما جاء به، وجعل يقول: ما سمعنا بمثل ما جاء به، لا في يهودية ولا نصرانية.
٢٩٣ - وكان أبو أحيحة ذا شرف بمكة. وقويت أنفس المشركين حين رجع عن قوله الأول. وأتاه النضر شاكرا له على ذلك، لإعظام قريش إياه. وكان إذا اعتم، لم يعتم أحد بمكة بعمامة على لون عمامته إعظاما له. فكان يدعى «ذا التاج». وفيه يقول أبو قيس بن الأسلت، واسمه صيفي بن عامر بن جشم (٣)، من الأوس:
وكان أبو أحيحة قد علمتم … بمكة غير مهتضم ذميم
стр. 168
إذا شد العمامة ذات يوم … وقام إلى المجالس والخصوم
فقد حرمت على من كان يمشى … بمكة غير ذي دنف سقيم
وتينكم رفيع في قريش … منيف في الحديث وفي القديم
وسطت ذوائب الفرعين منهم … فأنت لباب فرعهم الصميم
كريم من سراة بني لؤي … كبدر الليل راق على النجوم
٢٩٥ - ومات أبو أحيحة في ماله بالطائف سنة اثنتين من الهجرة. ويقال:
في أول سنة من الهجرة. وكان له تسعون سنة. فلما غزا رسول الله ﷺ الطائف، رأى قبر أبي أحيحة مشرفا، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: لعن الله صاحب هذا القبر، فإنه كان ممن يحاد الله ورسوله. فقال ابناه، عمرو وأبان: لعن الله أبا قحافة، فإنه لا يقري الضيف، ولا يدفع الضيم. فقال رسول الله ﷺ : سب الأموات يؤذي الأحياء، فإذا سببتم فعموا.
(النضر بن الحارث)
قالوا: وأتى النضر وعقبة بعض أهل الكتاب، فقالوا: أعطونا شيئا نسأل عنه محمدا. فقالوا: سلوه عن فتية هلكوا قديما، وعن رجل طاف حتى بلغ المشرق والمغرب. فسألوه عن أهل الكهف وذي القرنين. فأنزل الله في أمرهم ما أنزل (١).
٢٩٧ - وقال النضر وأمية بن خلف وأبو جهل للنبي ﷺ : إن كان قرآنك من عند الله، فأحي لنا آباءنا، وأوسع لنا بلدنا بأن تسير هذه الجبال عنا، فقد ضيقت مكة علينا، أو اجعل لنا الصفا ذهبا نستغنى (٢) عن الرحلة، فإن فعلت ذلك، آمنا بك. وكان النضر خطيب القوم. فأنزل الله: «ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى» إلى قوله «فكيف
стр. 169
كان عقاب (١)».
وأخذ النضر عظما نخرا، فسحقه ونفخه، وقال: من يحيي هذا يا محمد؟
فنزلت فيه: «وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم؟» (٢) وما بعد ذلك. ويقال: إن أبي بن خلف صاحب العظم.
٢٩٩ - قالوا: فلما كان يوم بدر، أسر المقداد بن عمرو- وهو الذي ينسب إلى ربيبه الأسود بن عبد يغوث الزهري- النضر بن الحارث، وجاء به إلى رسول الله ﷺ . فأمر عليا ﵇ بضرب عنقه. فقال المقداد: أسيرى يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : إنه كان يقول في كتاب الله وفي رسوله ما يقول. ثم قال: اللهم أغن المقداد من فضلك.
٣٠٠ - وقال النضر، وقد جيئ به أسيرا، لرجل إلى جنبه: «محمد والله قاتلى.
لقد نظر إلي بعينين فيهما الموت.» وقال لمصعب بن عمير: «يا مصعب أنت أقرب من ههنا إلي وأمسهم رحما بي. فكلم صاحبك في أن يجعلني كرجل من أصحابي».
فقال له: إنك كنت تقول كذا وتفعل كذا. فقال: يا مصعب، ليس هذا الحين عتاب، فسله أن يجعلني كرجل من أصحابى، فلو أسرتك قريش لدافعت عنك. فقال مصعب: «أنت صادق، ولست مثلك. إن الإسلام قد قطع العهود بيننا وبينكم».
٣٠١ - حدثني عبد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال:
أسر المقداد يوم بدر النضر بن الحارث. فلما أراد رسول الله ﷺ قتله، قال له المقداد: يا رسول الله، أسيري؟ فقال رسول الله ﷺ : إنه كان يقول في الله ورسوله ما يقول، وقرأ:
«وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا» الآية (٣). ثم قتله صبرا. وقال:
стр. 170
«اللهم أغن المقداد من فضلك» ثلاثا
٣٠٢ - قالت قتيلة ابنة النضر بن الحارث (وبعض الرواة يقول: قتيلة بنت الحارث، والأول (١) أثبت) (٢):
يا راكبا إن الأثيل مظنة … عن صبح خامسة (٣) وأنت موفق
بلغ ميتا بأن تحية … ما إن تزال بها النواعج تخفق
مني إليه وعبرة مسفوحة … جادت لمائحها وأخرى تخنق
قولا لأحمد أنت ضنء كريمة … لنجيبة والفحل فحل معرق
ما كان ضارك لو مننت وربما … من الفتى وهو المغيظ المحنق
(ف) النضر أقرب من قتلت قرابة … وأحقهم إن كان عتق يعتق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه … لله أرحام هناك تشقق
فيقال أن النبي ﷺ قال: لو سمعت هذا الشعر قبل قتله، ما قتلته. والله أعلم.
أمر منبه ونبيه ابني الحجاج
٣٠٣ - وكان منبه ونبيه ابنا الحجاج السهميان على مثل ما كان عليه أصحابهما من آذى رسول الله ﷺ ، والطعن عليه. وكانا يلقيانه فيقولان:
«أما وجد الله من يبعثه غيرك؟ إن هاهنا من هو أسن منك وأيسر. فإن كنت صادقا، فائت بملك يشهد لك، ويكون معك.» وإذا ذكراه، قالا (٤):
«معلم مجنون، يعلمه أهل الكتاب ما يأتي به». وكان ﷺ يدعو عليهما. فأما منبه، فقتله علي ﵇. ويقال: أبو اليسر الأنصارى.
стр. 171
ويقال: أبو أسيد الساعدي. وأما نبيه، فقتله علي بن أبي طالب. وقتل (١) أيضا العاص بن منبه، وكان صاحب ذي الفقار، سيف رسول الله ﷺ . وذلك الثبت. وبعضهم يقول: إنه كان سيف منبه. ويقال أيضا: إنه كان سيف نبيه.
وأما زهير بن أبي أمية
٣٠٤ - فهو أخو أم سلمة، زوج النبي ﷺ ، لأبيها. وكان ممن يظهر تكذيب رسول الله ﷺ ، وينكر ما جاء به، ويطعن عليه، ويرد الناس عنه. إلا أنه ممن أعان على نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني عبد المطلب. وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، عمة النبي ﷺ . وقد اختلفوا فيه. فقال بعض الرواة: إنه شخص يريد بدرا، فسقط عن بعيرة، فمرض ومات. وقال بعضهم: أسر يوم بدر، فأطلقه رسول الله ﷺ . فلما صار بمكة، مات. وقيل: إنه حضر وقعة أحد، ومات بعدها من سهم أصابه. وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: شخص إلى اليمن بعد الفتح، فمات هناك كافرا.
وأما عبد الله بن أبي أمية
٣٠٥ - فإن النبي ﷺ دعاه في قوم من المشركين. فقال له بعضهم: «لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، فإن ماء زمزم ملح». وقال آخر: «إن لم تفعل هذا، فإنا لا نؤمن لك حتى تكون لك بمكة جنة كجنان آل فارس ذات نخيل (٢) وأعناب»، وقال الثالث:
«لن نؤمن لك حتى تسقط السماء علينا كسفا، أو تأتي بربك وملائكته فنراهم».
وقال عبد الله بن أبي أمية: «لن نؤمن لك حتى نرى بيتا من ذهب يحدثه لك ربك، أو ترقى في السماء. ثم لا نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب ونحن نراك فنقرؤه».
فأنزل الله مكانة قولهم، وقال: قل لهم: «سبحان ربي هل كنت
стр. 172
إلا بشرا رسولا (١)». وأسلم عبد الله، وقتل يوم الطائف. والثبت أن عبد الله قال هذا القول من بينهم، فنزلت فيه الآيات، وكان خطيب القوم ومتكلمهم.
(السائب، والأسود، وعدى، والعاص:
٣٠٦ - وأما السائب بن أبي السائب، فقتل يوم بدر. قتله الزبير بن العوام.
وأما الأسود بن عبد الأسد بن هلال المخزومي، فقتل يوم بدر أيضا. قتله حمزة ﵀. وأما عدي بن الحمراء الخزاعي، فلدغ وهو يريد بدرا، فمات.
وأما العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، فقتله حمزة أيضا يوم بدر.
أمر أبي البختري العاص بن هاشم (بن الحارث) (٢) بن أسد بن عبد العزى بن قصي:
٣٠٧ - قالوا: كان أبو البختري أقل أذى لرسول الله ﷺ على أنه كان يكذبه ويعيب ما جاء به. وكان ممن أعان على نقض الصحيفة.
وكان رسول الله ﷺ أمر أن يستبقيه من لقيه، وأن لا يقتله.
فلقيه المجذر بن ذياد البلوي. فقال له: استأسر، فإن النبي ﷺ أمر أن لا تقتل. فقال: إن معي رفيقي جنادة بن مليحة، فإن استبقيتموه، وإلا فلا حاجة لي في الحياة. فأعير بخذلانه، وجعل يقاتل ويقول (٣):
لن يسلم ابن حرة أكيله … حتى يموت أو يرى سبيله
فحمل عليه المجذر فقتله، وجعل يقول (٤):
إما جهلت أو نسيت نسبي … فأثبت النسبة أني من بلى
الطاعنين برماح اليثربى … وأعبط القرن بعضب مشرفي
стр. 173
ثم إن المجذر أتى النبي ﷺ ، فأخبره الخبر، وقال: والذي بعثك بالحق، لقد جهدت أن يستأسر فآتيك به، فقاتلني فقتلته. وقد قيل:
إن الذي قتل أبا البختري: عمير بن عامر المازني، من بني مازن بن النجار.
ويكنى أبا داود.
٣٠٨ - وفي أبي البختري نزلت: «والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون (١)».
أمر عقبة بن أبي معيط:
٣٠٩ - وكان عقبة بن أبي معيط أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ وأذى له. وهو عقبة بن أبي معيط- واسم أبي معيط: أبان- بن أبي عمرو بن أمية. وكان عقبة يكنى أبا الوليد.
٣١٠ - حدثني محمد بن سعد كاتب الواقدي، عن محمد بن عمر الواقدي في إسناده:
أن عقبة بن أبي معيط عمد إلى مكتل (٢)، فجعل فيه عذرة ثم ألقاه على باب رسول الله ﷺ . فبصر به طليب بن عمير بن وهب ابن عبد بن قصي بن كلاب- وأمه أروى بنت عبد المطلب- فأخذ المكتل منه، وضرب به رأسه، وأخذ بأذنيه. ونشب به عقبة، فذهب به إلى أمه، فقال لها: ألا ترين إلى ابنك قد صار غرضا دون محمد؟ فقالت: «ومن أولى منه بذلك؟ هو ابن خاله. أموالنا وأنفسنا دون محمد». وجعلت تقول (٣):
إن طليبا نصر ابن خاله … آساه في ذي دمه وماله
فلما كان يوم بدر، أتى بعقبة أسيرا. وكان الذي أسره عبد الله بن سلمة ابن مالك العجلاني، من بلي، وعداده في الأنصار. جمح به فرسه، فأخذه.
فأمر رسول الله ﷺ عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأوسي من الأنصار بضرب عنقه. فجعل عقبة يقول: «يا ويلتي، علام
стр. 174
أقتل يا معشر قريش أقتل من بين هؤلاء؟» فقال رسول الله ﷺ :
«لعداوتك لله (١) ورسوله». قال: «يا محمد، منك أفضل، فاجعلني كرجل ممن هاهنا من قومك وقومي. ويا محمد، من للصبية؟» قال رسول الله ﷺ : «النار». وكان قتله بعرق الظبية. وقال الواقدي: قتل بالصفراء.
وقيل: أن رسول الله ﷺ أمر به، فصلب. فكان أول مصلوب صلب في الإسلام.
٣١١ - حدثني عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن عامر الشعبي:
أن رسول الله ﷺ قال لعقبة يوم بدر: والله لأقتلنك. فقيل أتقتله من بين قريش؟ قال: نعم، إنه وطيء على عنقي وأنا ساجد، فما رفع حتى ظننت أن عيني قد سقطتا، وجاء يوما، وأنا ساجد، بسلا شاة فألقاه على رأسي. فأنا قاتله.
٣١٢ - وحدثنا عبد الله بن معاذ، عن أبيه معاذ بن معاذ العنبري، عن سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال:
قتل رسول الله ﷺ ثلاثة صبرا: عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث.
٣١٣ - قالوا: ولما هاجر النبي ﷺ ، قال عقبة:
يا راكب الناقة القصواء هاجرنا … عما قليل تراني راكب الفرس
أعل رمحي فيكم بعد نهلته … والسيف يأخذ منكم كل ملتمس
أمر الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى
٣١٤ - كان الأسود من المستهزئين. وكان يكنى أبا زمعة. وكان هو وأصحابه يتغامزون بالنبي ﷺ وأصحابه، ويقولون: «قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر»، ثم يمكون ويصفرون. وكلم رسول الله ﷺ بكلام شق عليه. فدعا عليه رسول الله صلى الله
стр. 175
عليه وسلم أن يعمي الله بصره ويثكله ولده. فخرج يستقبل ابنه. وقد قدم من الشام، فلما كان في بعض طريقه، جلس في ظل شجرة. فجعل جبريل ﵇ يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها خضراء، وبشوك من شوكها، حتى عمي. ويقال: إن جبريل ﵇ أومأ إلى عينيه، فعمي، فشغل عن رسول الله ﷺ . ولما كان يوم بدر، قتل ابنه زمعة بن الأسود، ويكنى أبا حكيمة، قتله أبو دجانة. ويقال: ثابت بن الجذع.
وقتل ابنه عقيل أيضا، قتله حمزة وعلي رضي الله تعالى عنهما، اشتركا فيه.
ويقال: قتله علي وحده. وقتل (١) الحارث بن زمعة بن الأسود، قتله على.
وقوم يقولون: هو الحارث بن الأسود نفسه. والأول أثبت.
٣١٥ - وكان الأسود بن المطلب يقول: دعوت على محمد أن يكون طريدا في غير قومه وبلده. واستجيب لي. ودعى علي بعمى عيني، فعميت، وأن أثكل ولدي، فثكلتهم.
٣١٦ - قال الواقدي: ومات الأسود بمكة، وهم يتجهزون لأحد، وهو يذمرهم- أي يحثهم- ويشجعهم في مرضه، وقد قارب المائة.
٣١٧ - وكان أهل مكة، لما قتل منهم من قتل منهم ببدر، تركوا البكاء على قتلاهم، كراهة أن يبلغ المسلمين جزعهم فيشمتوا بهم. فسمع الأسود بكاء، فسأل عنه: فقيل: امرأة ضل لها بعير، فهى تبكى عليه. فقال (٢):
(أ) تبكي أن يضل لها بعير … ويمنعها من النوم السهود
فلا تبكي على بكر ولكن … على بدر تصاغرت الجدود
فبكي إن بكيت على عقيل … وبكي حارثا أسد الأسود
وبكيهم ولا تسمي جميعا … وما لأبي حكيمة من نديد
على بدر سراة بنى هصيص … ومخزوم ورهط أبى الوليد
стр. 176
ألا قد ساد بعدهم رجال … ولولا يوم بدر لم يسودوا
٣١٨ - قال: وكان الأسود يجلس، ومعه قوم من المشركين، فيقولون: «ما ندري ما جاء به محمد؟ ما هو إلا سجع كسجع الكهان». فنزلت فيهم: «الذين جعلوا القرآن عضين (١)»، أي عضة عضة. ويقال: إن الآية نزلت في أهل الكتاب الذين آمنوا ببعضه وكفروا ببعض. والثبت أنها نزلت في كفار قريش.
وكانوا يسألون عن النبي ﷺ ، فيقول بعضهم: «مجنون» (٢)، ويقول بعضهم: «ساحر» (٣)، ويقول بعضهم: «شاعر» (٤)، ويتحدثون عليه ويصدون الناس عنه. فأنزل الله : «وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم (٥). يقول: أوزار من يصدونه عن الإسلام.
٣١٩ - وذكر رسول الله ﷺ عاقر الناقة (٦)، فقال: «كان عزيزا منيعا، كان كأبي زمعة الأسود بن المطلب فيكم». وكان يقال لأبى زمعة بن الأسود «زاد الراكب».
وكان ابن (٧) الأصداء الهذلي
٣٢٠ - أحد من يؤذي النبي ﷺ ، فيقول له: إنما يعلمك أهل الكتاب أساطيرهم (٨)، ويقول للناس (٩): هو معلم مجنون (١٠). فدعا عليه رسول الله ﷺ . فإنه لعلى جبل إذ اجتمعت عليه الأروي، فنطحته حتى قتلته.
стр. 177
الحكم بن أبي العاص بن أمية
٣٢١ - كان الحكم مؤذيا لرسول الله ﷺ ، يشتمه ويسمعه. وكان رسول الله ﷺ يمشي ذات يوم، وهو خلفه يخلج (١) بأنفه وفمه، فبقي على ذلك. وأظهر الإسلام يوم فتح مكة. وكان مغموصا عليه في دينه.
فاطلع يوما على رسول الله ﷺ وهو في بعض حجر نسائه. فخرج إليه بعنزة وقال: «من عذيري من هذه الوزغة؟ لو أدركته، لفقأت عينيه»، أو كما قال ﷺ . ولعنه وما ولد، وغربه عن المدينة. فلم يزل خارجا منها إلى أن استخلف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، فرده وولده.
فكان ذلك مما أنكر عليه. ومات في خلافة عثمان. فضرب على قبره فسطاطا.
قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت لمروان بن الحكم (٢):
إن اللعين أباك فأرم عظامه … إن ترم ترم مخلجا مجنونا
يضحى خميص البطن من عمل التقى … ويظل من عمل الخبيث بطينا
عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف
٣٢٢ - كان عتبة يكنى أبا الوليد. ولقي رسول الله ﷺ ، فقال له:
«إن أردت الشرف، شرفناك بأن نملكك. وإن كنت تريد المال، أعطيناك منه ما تحبه». فقال: «يا أبا الوليد، اسمع». فقرأ «حم السجدة (٣)». فقال:
هذا كلام ما سمعت مثله. ثم التفت إلى جماعة من قريش، فقال: دعوه وخلوا بينه وبين العرب، فليس بتارك أمره.
٣٢٣ - وأتى رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم، وعتبة يكلمه، وقد طمع فيه فشغل عنه. فأنزل الله (٤): «عبس وتولى». وقوله «أما من استغنى»، يعني عتبة. ويقال: إن الذي تشاغل عن ابن أم مكتوم به:
стр. 178
الوليد بن المغيرة. ويقال: إن ابن أم مكتوم لما أتاه، قال له: «علمني مما علمك الله». فأقبل على أمية بن خلف الجمحي، وتركه.
٣٢٤ - وقتل عتبة يوم بدر كافرا. قتله حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، وقتل الوليد بن عتبة يوم بدر، قتله علي بن أبي طالب ﵇.
وكان لعتبة يوم قتل سبعون سنة. وكان الوليد ابن خمسين سنة. وكان أبو حذيفة ابن عتبة مع رسول الله ﷺ .
شيبة بن ربيعة بن عبد شمس
٣٢٥ - ويكنى أبا هاشم. كان شيبة (١) يجتمع مع قريش فيما يكذبه رسول الله ﷺ من الأذى له، غير أنه كان لا يتولى ذلك بيده. وقتل يوم بدر، قتله عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وذفف عليه حمزة وعلي ﵉. وكان شيبة أسن (٢) من عتبة بثلاث سنين. وقد كان عتبة وشيبة متثاقلين عن الخروج حتى أنبهما أبو جهل، فخرجا.
٣٢٦ - قالوا: ومشى نساء قريش إلى هند بنت عتبة، وهي أم معاوية، فقيل لها: ألا تبكين على أبيك وأخيك وأهل بيتك؟ فقالت: «لا أبكيهم».
فبلغ محمدا ذلك، فشمت وأصحابه ونساء الخزرج، لا والله، حتى أثأر من محمد وأصحابه. وحرمت على نفسها الدهن والكحل، وقالت: لو أعلم أن الحزن يذهبه البكاء، لبكيت. ثم قالت بعده (٣):
لله عينا من رأى … هلكا كهلك رجاليه
يا رب باك لي غدا … في النائحات وباكيه
стр. 179
كم غادروا يوم القلي … ب غداة تلك الواعية
من كل غيث في السني … ن إذا الكواكب خاوية
قد كنت أحذر ما أرى … فاليوم حق حذاريه
يا رب قائلة غدا … يا ويح أم معاوية
وقالت أيضا:
ويلى على أبوى … والقبر الذى واراهما
رمحين خطيين … في كبد السماء تراهما
سيفين هنديين … سن القبر حد ظباهما
لا مثل لهما في الكهو … ل ولا فتى كفتاهما
ابنى ربيعة لا يم … ل الناس من ذكراهما
ما خلفا إذ ودعا … وتوليا شر واهما
من حس لي الأخوين … كالغصنين أم من رآهما
مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف
٣٢٧ - كان مطعم يكنى أبا وهب. وكان أقل أصحابه أذى للنبي ﷺ ، ولكنه كان ينكر عليه ما أنكروا. وهو الذي قام بأمر بني هاشم وبني المطلب، حتى خرجوا من الشعب. وأجار النبي ﷺ ، حتى طاف بالبيت.
٣٢٨ - وقال النبي ﷺ لابنه جبير بن مطعم يوم بدر: لو كان أبوك حيا فاستوهبني هؤلاء الأساري، لوهبتهم له وشفعته فيهم.
٣٢٩ - ومات مطعم في صفر سنة اثنتين من الهجرة قبل بدر بأشهر. ودفن بالحجون وهو ابن بضع وتسعين سنة. وأقيم النوح عليه سنة.
طعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف
٣٣٠ - ويكنى أبا الريان. وكان طعيمة ممن يؤذي رسول الله ﷺ
стр. 180
فيبالغ في أذاه ويشتمه ويسمعه ويكذبه. فلما كان يوم بدر، أسر. فأمر رسول الله ﷺ بقتله صبرا، فقتل.
٣٣١ - حدثني عبيد (الله) بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال:
قتل رسول الله ﷺ طعيمة بن عدي صبرا. وكان الذي قتل طعيمة: حمزة بن عبد المطلب.
الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف:
٣٣٢ - كان رسول الله ﷺ قال يوم بدر: من لقي الحارث فليدعه لأيتام بني نوفل. وفيه نزلت: «وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا (١)». ولكنه كان أعان على نقض الصحيفة. فقتل يوم بدر كافرا.
قتله خبيب ابن إساف.
مالك بن الطلاطلة:
٣٣٣ - وقال الكلبي: كان مالك بن الطلاطلة بن عمرو بن غبشان من المستهزئين، وكان سفيها. قالوا: فدعا رسول الله ﷺ عليه، واستعاذ بالله من شره. فعصر جبريل بطنه، حتى خرج خلاؤه من فمه، فمات. وقال غيره: أشار جبريل، فامتحض رأسه قيحا. وقال غير الكلبي: هو عمر ابن الطلاطلة، وذلك باطل.
٣٣٤ - وقال الكلبي: سمعت من يقول هو الحارث بن الطلاطلة، وليس ذلك بشيء. وهم يغلطون بابن الغيطلة وابن الطلاطلة، فيجعلون هذا ذاك وذاك هذا.
٣٣٥ - وقد ذكر غير الواقدي: أن المستهزئين جميعا ماتوا في وقت واحد. وقول الواقدى أثبت.