← Ансаб

Ансаб · id 1379

أنساب الأشراف - ت حميد الله

البلاذري

Полный текст (620 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إليها، وليست بأمهم. وكانت بنانة في بني شيبان. فقدموا على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقال: لست أعرفكم. فقال عثمان: «رأيت رهطا منهم لقيهم أبي في الموسم، فقلت: من هؤلاء؟ فقال: قوم من قريش نأوا عنا.» فقال لهم عمر: ارجعوا إلى قابل. فلما انصرفوا قتل سيدهم، وكان يكنى أبا الدهماء. فلم يرجعوا حتى قام عثمان (١) رضي الله تعالى عنه، فأتوه، فأثبتهم في قريش. فكانوا في البادية مع بني شيبان. وكتابتهم (٢) في قريش. ومنهم نفر بالموصل. وفيهم يقول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت (٣): ضرب التجيبي المضلل ضربة … ردت بنانة في بني شيبانا والعائذي لمثلها متوقع … ما لم يكن وكأنه قد كانا يعني بالتجيبي كنانة بن بشر بن عتاب السكوني، أحد بنى تجيب. ٩٤ - وأما بنو الحارث بن لؤي، وهم جشم لأنه حضنهم عبد للؤي يقال له جشم. فنسبوا إليه، وقيل بنو جشم. فكانوا زمانا في عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، ثم في بني هزان بن صباح، وهم أشراف عنزة. وقال جرير بن عطية بن الخطفي (٤). بني جشم لستم لهزان فانتموا … لفرع الروابي من لؤي بن غالب ولا تنكحوا في آل ضور نساءكم … ولا في شكيس بئس حي الغرائب قال ابن الكلبي: هو شكس بن الأسود، واضطره الشعر فقال «في شكيس». ويروى «شكيس» تصغير شكس. ويقال أيضا لبني الحارث هؤلاء «عقيدة»، برجل منهم يقال له عقيدة بن وهب بن الحارث بن لؤي. وقالت امرأة ناكح في بني جشم هؤلاء:

стр. 72

ألا إنني أنذرت كل غريبة … بني جشم يا شر ما راى الغرائب فإنكم من منصب تعلمون … سوى أن يقولوا من لؤي بن غالب فعودوا إلى هزان مولى أبيكم … ولا تذهبوا في الترهات السباسب وقال الشاعر: بنانة في بني عوف بن حرب … كما لز الحمار إلى الحمار وعائذة التي تدعي (١) قريشا … وما جعل النحيت إلى النضار ٩٥ - وأما سامة بن لؤي، فإنه وكعب بن لؤي أخاه جلسا على الشراب. ففقأ سامة إحدى عيني كعب، وخرج هاربا. فأتى عمان، فتزوج ناجية بنت جرم بن ربان- وهو علاف- بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. فيقال إن سامة ركب بعيرا له بعمان، وأرخى رأسه. فجعل يرعى. فوقع فم البعير على حشيشة تحتها (٢) أفعى. فنهشته في مشفره، فنفضها. فوقعت على سامة، فنهشته في ساقه فقتلته. فقال الشاعر (٣): عين بكي لسامة بن لؤي … حملت حتفه إليه الناقه عين بكي لسامة بن لؤي … علقت ما بساقه العلاقة ٩٦ - قال هشام، فأخبرني أبي، عن عدة، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه قال: سامة حق، أما العقب فليس له. قال هشام: وأما من ثبت العقب لسامة، فإنهم يقولون: كان له بمكة ابن يقال له الحارث، وأمه هند بنت تيم الأدرم (٤)، بن غالب. فماتت هند. فحمل الحارث معه إلى عمان. وتزوج سامة ناجية بعمان، أو بسيف من أساف البحر، فولدت له غالب بن سامة. فهلك وهو ابن اثنتي عشرة سنة. وخلف الحارث على ناجية

стр. 73

نكاح مقت، فعقب سامة منه. وقوم يقولون: كان لناجية ولد من غير سامة، وكان سامة متبنيا له. فنسب إليه. فالعقب لذلك الولد. وقال بعضهم: إن سامة شرب مع أخيه كعب. فرأى كعبا قد قبل امرأته. فأنف من ذلك، فهرب إلى عمان. فقال الشاعر في ذلك، وهو المسيب بن علس: وقد كان سامة في قومه … له أكل وله مشرب فساموه خسفا فلم يرضهم (١) … وفي الأرض (من) خسفهم مهرب ومن قال إنه تزوج ناجية بنت جرم (٢) بتهامة، فقد غلط. ٩٧ - فولد كعب بن لؤي - وتكنى أبا هصيص- مرة بن كعب، وهصيص (وأمهما مخشية بنت شيبان بن محارب بن فهر)، وعدي بن كعب (وأمه رقاش بنت ركبة بن بلبلة بن كعب بن حرب بن تيم بن سعد بن فهم بن عمرو ابن قيس بن عيلان). ٩٨ - فولد مرة بن كعب - وتكنى أبا يقظة (٣) - كلاب بن مرة (وأمه هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة)، و (يقظة بن مرة، و) تيم بن مرة (وأمهما أسماء بنت سعد بن عدي بن حارثة، من (٤) بارق من الأزد. وقال غير الكلبي: اسم أم كلاب: نعم بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث ابن مالك. وقول الكلبي أثبت. ٩٩ - فولد كلاب بن مرة - وتكنى أبا زهرة- زيد بن كلاب وهو قصي،، وزهرة بن كلاب. وأمهما فاطمة بنت سعد بن سيل- وهو خير- بن حمالة ابن عوف بن غنم بن عامر الجادر، من الأزد. وبعضهم يقول حمالة، بالكسر-

стр. 74

وقال هشام: يزعم بنو عبد الرحمن بن عوف أن اسم زهرة «المغيرة»، وأن كلابا كان يكنى أبا المغيرة. وكان يقال «صريحا قريش ابنا كلاب». وزعم هشام والشرقي أن عامر بن عمرو بن جعثمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر (١) بن الأزد بنى جدار الكعبة وهي من سيل أتى في أيام ولاية جرهم البيت، فسمي الجادر. قال هشام: وذكر الشرقي بن القطامي أن الحاج كانوا يتمسحون بالكعبة، ويأخذون من طيبها وحجارتها تبركا بذلك، وأن عامرا هذا كان موكلا بإصلاح ما شعث من جدرها، فسمى الجادر. قالوا: وكان سعد بن سيل وقومه مع بني كنانة. وفي سعد يقول الشاعر (٢): ما أرى في الناس طرا رجلا … حضر البأس كسعد بن سيل فارس اضطر فيه عسرة … وإذا ما وافق القرن نزل وتراه يطرد الخيل كما … يطرد الحر القطامي الحجل وكان سعد بن سيل، فيما يقال، أول من حلى السيوف بالفضة والذهب. وكان أهدى إلى كلاب مع ابنته فاطمة سيفين محليين. فجعلا في خزانة الكعبة. وقال قصي: أنا الذي أعان فعلي حسبي … وخندف أمى واليأس أبى ١٠٠ - قالوا: وإنما سمى زيد بن كلاب «قصيا»، لأن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة قدم مكة حاجا، فأقام بها. فلما مات كلاب ابن مرة، خلف على امرأته فاطمة بنت سعد بن سيل. وكانت قد ولدت لكلاب زهرة وزيدا، وكان زيد حين مات (٣) أبوه صبيا صغيرا. ثم إن ربيعة خرج

стр. 75

إلى بلاد قومه، وحمل فاطمة وزيدا ابنها معه. وتخلف زهرة بمكة. فسمي زيد قصيا لبعده من دار قومه، وأنه أقصي عنهم. وولدت فاطمة لربيعة ابن حرام: رزاح بن ربيعة، وحن بن ربيعة. فهما أخوا قصي لأمه. ويقال إن أخا قصي لأمه منهما رزاح بن ربيعة، وإن حن بن ربيعة من امرأة سوى فاطمة. وإن قصيا خرج من بلاد عذرة حتى أتى مكة. ١٠١ - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما بلغ قصي، جهزته أمه وزينته. فخرج مع حجاج عذرة، حتى أتى مكة. فعرفت له قريش قدره وفضله، وأعظمته حتى أقرت له بالرئاسة والسؤدد. وكان أبعدها رأيا، وأصدقها لهجة، وأوسعها بذلا، وأبينها عفافا. وكان أول مال أصابه مال رجل قدم مكة بأدم كثير، فباعه. وحضرته الوفاة، ولا وارث له. فوهبه له، ودفعه إليه. وكانت خزاعة مستولية على الأبطح والبيت، وكانت قريش تحل الشعاب والجبال وأطراف مكة وما حولها. فخطب قصي إلى حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة، وهو لحي، ابنته حبي بنت حليل. فزوجه إياها. وكان حليل يتولى أمر البيت، ويتقلد رئاسة خزاعة يومئذ. فلما كبر وضعف، دفع مفاتيح الكعبة إلى ابنته حبي. فكانت تأمر قصيا بفتحها مرة، وتأمر أخاها المخترش- وهو أبو غبشان بن حليل- بذلك أخرى. ثم مات حليل، وصارت الرئاسة إلى ابنه المخترش. فسأل قصي أن يجعل سدانة البيت إليه، ففعل. قال هشام: ويقال إن حليل ابن حبشية أوصى لقصي بسدانة البيت إكراما لأبنته بذلك. ويقال إن قصيا (١) سأل المخترش أن يجعل إليه السدانة، وبذل له ناقة كانت له ناجية، وزاده زق خمر. فصيرها إليه. وأن المخترش كان مضعوفا. ١٠٢ - قالوا: ولما أخذ قصي مفاتيح الكعبة إليه، أنكرت خزاعة ذلك، وكثر كلامها فيه. وأجمعوا على محاربة قصي وقريش، وطردهم من مكة وما والاها.

стр. 76

فبادر قصي باستصراخ رزاح بن ربيعة وأخيه حن بن ربيعة. وكان رزاح سيد قضاعة وقائدها. فسار إليه منجدا له في الدهم منها، ومعه أخوه حن. فقاتل قصي خزاعة وألفافها من كنانة ومن ولد الربيط (١) وهو الغوث بن مر (٢) بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. فلما ظهر قصي على خزاعة، أخرجها من مكة وأدخلها قريشا وقسمها رباعا بينهم، وتولى أمر البيت. وقد كان أبقى على خزاعة بعض الإبقاء للصهر بينه وبينهم. فلما خرجوا عن مكة، وقع فيهم الوباء فمات بشر منهم. وسمى قصي مجمعا لجمعه قريشا وقيامه بأمرهم. ١٠٣ - ويقال إن قصيا لم يحتج إلى محاربة خزاعة، لأن رزاحا لما ورد مكة، أذعنت لقصي وهابت حربه، وخرجت عن مكة، فدخلها. قال حذافة بن غانم بن عامر القرشي (٣): أبوكم قصي كان يدعى مجمعا … به جمع الله القبائل من فهر وأنتم بنو زيد وزيد أبوكم … به زيدت البطحاء فخرا على فخر وقال رزاح حين أنجد قصيا: وإني في الحياة أخو قصي … إذا ما نابه ضيم أبيت فما لبثت خزاعة أن أقرت … له بالذل لما أن أتيت ١٠٤ - وحدثني علي بن المغيرة الأثرم، عن معمر بن المثنى أبي عبيدة، قال: كان الذي أخذ قصي البيت منه أبو غبشان. واسمه سليم بن عمرو بن بوى ابن ملكان. والأول أصح وأثبت. قال أبو عبيدة: قال الناس: أخسر من صفقة أبي غبشان وقال الشاعر:

стр. 77

أبو غبشان أظلم من قصي … وأظلم من بني فهر خزاعه فلا تلحوا (١) قصيا في شراه … ولوموا شيخكم إذ كان باعه ١٠٥ - وحدثني رجل من قريش أن إيادا ملكت تهامة. ثم إن ولد مضر وخزاعة قويت عليها، فأخرجتها. فدفنت إياد الركن. وعرفت موضعه امرأة من خزاعة، فقالت لقومها: خذوا عليهم العهد أن يولوكم حجابة البيت على أن تدلوهم على الركن. ففعلوا. فبهذا السبب وليت خزاعة الحجابة. ١٠٦ - وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن ابن خربوذ وغيره، قالوا: كانت قريش قبل قصي تشرب من بئر حفرها لؤي بن غالب خارج مكة، ومن حياض ومصانع على رؤوس الجبال، ومن بئر حفرها مرة بن كعب مما يلي عرفة. فحفر قصي بئرا سماها العجول. وهي أول بئر حفرتها قريش بمكة. وفيها يقول بعض رجاز الحاج: تروي على العجول ثم تنطلق … إن قصيا قد وفى وقد صدق بالشبع للناس وري مغتبق (٢) وقال آخر: آب الحجيج طاعمين دسما … أشبعهم زيد قصي لحما ولبنا محضا وخبزا هشما وكان قصى ربما أطعم الثريد. ١٠٧ - وقال ابن الكلبي: لما قسم قصي مكة، أنزل جميع قريش مكة. ثم إن بني كعب بن لؤي لما كثروا، أخرجوا بطونا من قريش إلى ظواهر مكة، فسموا قريش الظواهر. ويقال إن قصيا أنزل قريش البطاح داخل مكة، وأنزل قريش الظواهر مكانهم.

стр. 78

١٠٨ - قالوا: ولما قسم قصي مكة خططا ورباعا بين قريش، فاتسقت له طاعتهم، قال لهم: «يا معشر قريش، إنكم جيران الله وسكان حرمه، والحاج ضياف الله وزوار بيته، فترافدوا، حتى تصنعوا (١) لهم طعاما وشرابا في أيام الحج، ينال منه من يحتاج إليه، فلو اتسع مالي لجميع ذلك، لقمت فيه دونكم». ففرض خرجا للرفادة. فكانوا يخرجونه، ويأمر بإنفاقه على طعام الحاج وشرابهم. ١٠٩ - وبني قصي داره، فسميت دار الندوة لأنهم كانوا ينتدون فيها فيتحدثون ويتشاورون في حروبهم وأمورهم، ويعقدون الألوية، ويزوجون من أراد التزويج. وكان أمر قصي عند قريش دينا يعملون به ولا يخالفونه. ولما مات، دفن بالحجون. فكانوا يزورون قبره ويعظمونه. ١١٠ - وروي أن قصيا قال حين أراد إدخال قريش مكة (٢): فلست بحازم إن لم تأثل … بها أولاد قيدر والنبيت يعني ولد إسماعيل ﵇. وقوله «بها»، يعنى مكة. ١١١ - وولد قصي - ويكنى أبا المغيرة- عبد مناف، واسمه المغيرة، وكان يدعى «القمر» لجماله. وجعلته أمه حبى بنت حليل خادما لمناف، وهو أعظم أصنامهم عندهم، تدينا بذلك وتبركا به. فسماه أبوه «عبد مناف». وزعموا أنه وجد كتاب في حجر: «أن المغيرة بن قصي أوصى قريشا بتقوى الله ووصلة الرحم» وكان عبد مناف وعمرو بن هلال بن معيط الكناني عقدا حلف الأحابيش. والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو المصطلق من خزاعة، وبنو الهون بن خزيمة وكانوا مع قريش. فقال الشاعر: إن عمرا وإن عبد مناف … جعلا الحلف بيننا أسبابا وعبد الله بن قصي، وهو عبد الدار، وعبد العزى، وعبد قصى. وأمهم

стр. 79

جميعا حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول الخزاعي. فكان قصي يقول: ولد لي أربعة بنين، فسميت ابنين منهم بإلهى، وواحدا بداري، وواحدا بي. وكان يقال لعبد بن قصي عبد قصي. وهند بنت قصي، تزوجها عبد الله بن عمار الحضرمي. ١١٢ - وكان قصي شديد الحب لعبد الدار. وكان عبد الدار مضعوفا. فجعل له بعده دار الندوة، والحجابة، واللواء، والرفادة، والسقاية. فأما دار الندوة فلم تزل له ولولده، حتى باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، من (١) معاوية بن أبي سفيان، فجعلها دارا للإمارة بمكة. وأما الحجابة، فكانت له، ثم صارت بعده إلى عثمان بن عبد الدار، ثم إلى عبد العزى بن عثمان، ثم إلى ابنه أبي طلحة واسمه عبد الله بن عبد العزى، ثم إلى طلحة بن أبي طلحة. فلما فتح رسول الله ﷺ مكة، أراد دفع المفتاح إلى عمه العباس. فأنزل الله عليه: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها» الآية (٢). فدفع المفتاح إلى عثمان بن (طلحة بن) (٣) أبي طلحة، وكان أسلم في صفر سنة ثمان، وأقام بالمدينة وغزا مع النبي ﷺ مكة. ثم قام بالحجابة ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة. فالحجابة فيهم. وأما اللواء، فإنه لم يزل في بني عبد الدار حتى كان لواء المشركين يوم بدر مع طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وكان لواء رسول الله ﷺ مع مصعب الخير بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار بن قصي. وكان لواء المشركين يوم أحد أيضا مع طلحة بن أبي طلحة، فقتله علي بن أبي طالب ﵇، فقال الحجاج بن علاط (٤):

стр. 80

لله در مذبب عن حرمة … أعني ابن فاطمة المعم المخولا جادت يداك لهم يعاجل طعنة … تركت طليحة للجبين مجدلا وشددت شدة بازل فكشفتهم … بالسيف إذ يهوون أخول أخولا وعللت سيفك بالدماء ولم تكن … لترده حران حتى ينهلا ثم أخذ اللواء بعده أخوه أبو سعد بن أبي طلحة، وقمن النساء خلفه وهن يقلن: ضربا بني عبد الدار … ضربا حماة الأدبار فقتله سعد بن أبي وقاص. ثم أخذه عثم (١) بن أبى طلحة، وهو أبو «شيبة ابن عثمان»، وجعل يقول (٢): إن على كل رئيس حقا … أن يخضب الصعدة أو تندقا فقتله حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، ضربه ضربة بدا منها حقوه. ثم رجع وهو يقول: «أنا ابن ساقي الحجيج». ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة، فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري. ثم أخذه أخوه الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة. فرماه عاصم بن ثابت الأوسي أيضا، فقتله. فلما أحس بالموت، دفع اللواء إلى أخيه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، فرماه قزمان حليف بني ظفر من الأنصار فقتله. فأخذه الحارث. ابن طلحة بن أبي طلحة، فقتله قزمان أيضا. وكان قزمان منافقا، فقاتل حمية. ثم أخذ شرحبيل بن هاشم، ويقال هو عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار، فقتله مصعب بن عمير. فأخذ اللواء منه زرارة بن عمير بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار، وبعضهم يقول يزيد بن عمير. فقتله قزمان. ثم أخذه قاسط بن شريح بن عثمان بن عبد الدار، ويقال قاسط بن شريح

стр. 81

ابن هاشم بن عثمان بن عبد الدار. فقتله قزمان. ثم أخذه مولى لهم، يقال له صواب، حبشي. فقطعت يمينه، قطعها قزمان. فأخذه بيساره، فقطعت. فالتزم القناة وهو يقول: «أعذرت يا بني عبد الدار». يريد أعذرت يا بني عبد الدار، وكان أعجميا. فرماه قزمان، فقتله. ووقع اللواء، وتفرق المشركون. فأخذته عمرة بنت الحارث بن علقمة بن زرارة بن عبد مناف بن عبد الدار. فقال فيه حسان بن ثابت الأنصاري (١): عمرة تحمل اللواء وولت … عن صدور القنا بنو مخزوم لم تطق حمله الزعانف منهم … إنما يحمل اللواء الكريم فلما أسلم بنو عبد الدار، قالوا: يا نبي الله، اللواء إلينا. فقال ﷺ : الإسلام أوسع من ذلك. فبطل اللواء. ولما قتل مصعب بن عمير، ومعه لواء رسول الله ﷺ ، أخذ اللواء ملك (٢)، تشبه بمصعب حتى دخل المدينة. ويقال أخذه أبو الروم (٣) أخوه، وكان من مهاجرة الحبشة، فدخل به المدينة. وقال حسان بن ثابت (٤): فخرتم باللواء وشر فخر … لواء الكفر رد إلى صواب جعلتم فخركم جهلا وجبنا … لألأم واطئ عفر التراب ١١٣ - وأما الرفادة والسقاية، فإنهما لم تزالا في حياة قصي إلى عبد بن قصي. ثم صارتا إلى عبد الدار بن قصي، حتى عظم شأن بني عبد مناف بن قصي. فقالوا: نحن أولى بما يتولاه بنو عبد الدار منهم. فجمعوا من مال إليهم وعرف فضلهم. وهم بنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب،

стр. 82

وبنو تيم بن مرة بن كعب، ومن كان داخل مكة من بني الحارث بن فهر وهم قوم أبي عبيدة بن الجراح. وأتوا بإناء فيه طيب، فغمسوا أيديهم فيه ومسحوها بالكعبة، وتحالفوا أن لا يسلم. بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة. ويقال إنهم تحالفوا وتعاهدوا في منزل ابن جدعان. فسموا المطيبين. وحالف بني عبد الدار، على منع المطيبين من بغيتهم وإرادتهم: بنو مخزوم، وبنو جمح، وبنو سهم، وبنو عدي بن كعب. واجتمعوا. فقالت بنو عدي: إنما الطيب لربات الحجال. وأتو بجفنة فيها دم، فغمسوا أيديهم فيها. وكانت العرب إذا تحالفت، غمست أيديهم في الملح والرماد. فسمى بنو عدى بها لعقة الدم، (و) ولغة الدم. ويقال إن بعضهم لعق من الدم. فيقال إن الفريقين من المطيبين والأحلاف اقتتلوا، ثم اصطلحوا على أن جعلت الرفادة والسقاية لبني عبد مناف. ويقال إنهم لم يقتتلوا، ولكن الرجال سفرت بينهم حتى تراضوا بهاتين المكرمتين. فاحتملت بنو عبد مناف أعظم الأمور مؤنة. وسمي من حالف بني عبد الدار «الأحلاف». قال عبد الله بن وداعة السهمي: نحن شددنا الحلف من غالب … وغالب واقفة تنظر لم يستطيعوا نقض أمر رسى (١) … وهم على ذاك بنا أخبر وزعموا أن عبد الله بن صفوان قال لابن عباس: لإمرة المطيبين كانت أفضل أم إمرة الأحلاف؟ فقال: إمرة المطيبين. يعني خلافة أبي بكر أفضل من خلافة عمر. وقال عمر بن أبي زمعة، ويقال يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ويقال ابن قيس الرقيات (٢): ولها في المطيبين جدود … ثم نالت ذوائب الأحلاف إنها بين عامر بن لؤي … حين تدعى وبين عبد مناف يشرئبون في الذؤابة حلوا … حيث حلت ذوائب الأشراف

стр. 83

١١٤ - قالوا: ولما كان يوم أحد، أتى زيد بن الخطاب، أخو عمر، أبا جهم بن حذيفة بن غانم. فقال له أبو الجهم: أنا والغ الدم. فقال له زيد، قد أتاك والغ مثلك. ١١٥ - قالوا: واقترع بنو عبد مناف على الرفادة والسقاية، فصارتا لهاشم بن عبد مناف. ثم صارتا بعده للمطلب بن عبد مناف بوصية. ثم لعبد المطلب، ثم للزبير بن عبد المطلب، ثم لأبي طالب. ولم يكن له مال، فادان من أخيه العباس بن عبد المطلب عشرة آلاف درهم. فأنفقها. فلما كان العام المقبل، سأله سلف خمسة عشر (ألف) درهم، ويقال أربعة عشر ألف درهم. فقال له: إنك لم تقضنى ما لي عليك وأنا أعطيك ما سألت على أنك إن لم تدفع إلي جميع ما لي في قابل فأمر الرفادة والسقاية إلي دونك. فأجابه إلى ذلك. فلما كان الموسم الثالث، ازداد أبو طالب عجزا وضعفا، ولم تمكنه النفقة، وأعدم حتى أخذ كل رجل من بنى هاشم ولدا من أولاده يحمل عنه مؤنته. فصارت الرفادة والسقاية إلى العباس، وأبرأ أبا طالب مما له عليه. وكان يأتيه الزبيب من كرم له بالطائف، فينبذ في السقاية. ثم جعل الخلفاء الرفادة من بيت المال. فقام بالرفادة والسقاية، بعد العباس، عبد الله بن عباس، ثم علي بن عبد الله، ثم محمد بن علي، ثم داود بن علي، ثم سليمان بن علي، ثم عيسى بن علي. ثم لما استخلف المنصور، قال: إنكم لا تلون هذا الأمر بأبدانكم، وإنما تقلدونه مواليكم، فأمير المؤمنين أحق بتوليته مواليه. فولى أمر السقاية، ونفقة البيت، وإطعام الحاج مولى له يقال له زريق. ١١٦ - وحدثني الحسن بن علي الحرمازي، عن رجل من قريش، أنه قال: كان مما لحقنا من كلام قصي قوله: «العي عيان، عي الإفحام، وعي المنطق بغير سدر». وقوله: «الحسود عدو خفي المكان». وقوله: «من سأل قوما فوق قدره استحق الحرمان». وكان بنات قصي: برة تزوجها عمر بن مخزوم، وتخمر تزوجها عمران بن مخزوم. وأمهما حبي بنت حليل.

стр. 84

١١٧ - وقال الواقدي: أنزل قصي قريشا منازلها، وكان بالبلد عضاه. فقطعها، وأذن في قطعها. فاستوحشوا من ذلك فقال: إنكم ليس تريدون الفساد، إنما تريدون التوسعة وتستعينون على منازلكم. قال الواقدي: ويقال إنهم استأذنوه في قطع الشجر، فأباه، فبنوا والشجر في منازلهم. هذا أحسن عندنا من إذن قصي في قطع الشجر، وأشبه بالحق. قال: ثم اضطروا إلى قطعه، فقطعوه بعده. وكان عبد الله بن الزبير قطع شجرا في دوره، أضيقها عليه. ١١٨ - وولد عبد مناف بن قصي - وتكنى أبا عبد شمس- عمرو بن عبد مناف (١) وهو هاشم. وأمه عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان، من بنى سليم. وأمها ماوية بنت حوزة بن سلول (٢). وإنما سمي هاشما، لأنه هشم لهم الخبز. حدثني عباس بن هشام بن الكلبي، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس (٣)، قال: أصابت قريشا سنة ذهبت بأموالهم وأقحطوا فيها. وبلغ هاشما ذلك وهو بالشام. وكان متجره بغزة وناحيتها. فأمر بالكعك والخبز، فاستكثر منهما. ثم حملا في الغرائر على الإبل، حتى وافى مكة. فأمر بهشم ذلك الخبز والكعك، ونحرت الإبل التي حملت. فأشبع أهل مكة وقد كانوا جهدوا. فقال عبد الله بن الزبعرى (وقال بعضهم الزبعرى، والأول أصح (٤): عمرو العلى هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف وهو الذي سن الرحيل لقومه … رحل الشتاء ورحلة الأصياف وقال وهب بن عبد قصى (٥):

стр. 85

تحمل هاشم ما ضاق عنا … وأعيا أن يقوم به ابن بيض فأوسع أهل مكة من هشيم … وشاب الخبز باللحم الغريض قال ابن الكلبي: ابن بيض رجل من قوم عاد، كان يقال له ثوب بن بيض، نزل به قوم فنحر لهم جزورا سدت طريقا كانت تسلكه إليه في واد. فقيل: سد ابن بيض السبيل. فذهبت مثلا. ويقال إن ابن بيض هذا كان موسرا مكثرا، وكان قد صولح على خرج، وجعل على نفسه شيئا لقوم يعطيهم إياه لوقت. فكان يخرج ذلك الشيء، ويجعله في فم شعب كان يدخل إليه منه. فإذا جاء من يقبض ذلك، قالوا: سد ابن بيض السبيل، أي قضى ما عليه. وروي عن يونس النحوي البصري أنه قال: يقال للرجل الشريف الواضح النسب ابن بيض»، كما يقال «ابن جلاء». ١١٩ - وكان هاشم بن عبد مناف صاحب إيلاف قريش الرحلتين، وأول من سنها. وذلك أنه أخذ لهم عصما من ملوك الشام، فتجروا آمنين. ثم إن أخاه عبد شمس أخذ لهم عصما من صاحب الحبشة، وإليه كان متجره (١). وأخذ لهم المطلب بن عبد مناف عصما من ملوك اليمن. وأخذ لهم نوفل بن عبد مناف عصما من ملوك العراق. فألفوا (٢) الرحلتين في الشتاء إلى اليمن والحبشة والعراق، وفي الصيف إلى الشام. فقال الحارث بن حنش السلمي، وهو أخو هاشم لأمه عاتكة بن مرة السلمية (٣): (١/ ٦٧) إن أخي هاشما ليس أخا واحد … والله ما هاشم بالناقص الكاسد والخير في ثوبه وحفرة اللاحد … الآخذ الألف والوافد للقاعد وقال العجير السلولي: نحن ولدنا هاشما والمطلب … وعبد شمس نعم صنو المنتجب

стр. 86

وقال مطرود بن كعب الخزاعي (١): يا أيها الرجل المحول رحله … هلا نزلت بآل عبد مناف هبلتك أمك لو نزلت عليهم … ضمنوك من جوع ومن أقراف الآخذون العهد من آفاقها … والراحلون لرحلة الإيلاف والمطعمون إذا الرياح تناوحت … حتى تغيب الشمس في الرجاف والمفضلون إذا المحول ترادفت … والقائلون هلم للأضياف والخالطون غنيهم بفقيرهم … حتى يكون فقيرهم كالكافي ١٢٠ - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده وابن خربوذ وغيرهما، قالوا: لما صارت الرفادة والسقاية لهاشم، كان يخرج من ماله كل سنة للرفادة ما لا عظيما، وكان أيسر قريش، ثم يقف في أيام الحج فيقول: «يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته وإنه يأتيكم في موسمكم هذا زوار الله تبارك ذكره يعظمون حرمة بيته، وهم أضيافه وأحق الناس بالكرامة. فأكرموا أضيافه وزوار كعبته، فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر كالقداح قد أزحفوا (٢)، وتفلوا، وقملوا، وأرملوا. فأقروهم، وأغنوهم، وأعينوهم». فكانت قريش تترادف على ذلك، حتى إن كان أهل البيت ليرسلون إليه بالشيء على قدرهم فيضمه إلى ما أخرج من ماله وما جمع مما يأتيه به الناس. فإن عجز ذلك، أكمله. ١٢١ - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه هشام بن محمد، قال: كان أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ذا مال. فتكلف أن يفعل كما

стр. 87

فعل هاشم في إطعام قريش، فعجز عن ذلك. فشمت به ناس من قريش وعابوه لتقصيره. فغضب، ونافر هاشما على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة، وعلى الجلاء عشر سنين. وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، وهو جد عمرو بن الحمق، وكان منزله عسفان. وكان مع أمية أبو همهمة بن عبد العزى الفهري، وكانت ابنته عند أمية. فقال الكاهن: «والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر (١)، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، في منجد وغائر، لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر، أول منها وآخر، وأبو همهمة بذلك خابر». فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعم لحمها من حضر. وخرج أمية إلى الشام فأقام (بها) عشر سنين. فتلك أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية. وقال الأرقم بن نضلة يذكر هذه المنافرة ويذكر تنافر عبد المطلب وحرب بن أمية: لما تنافر ذو الفضائل هاشم … وأمية الخيرات نفر هاشم وقال أيضا (٢): وقبلك ما أردى أمية هاشم … فأورده عمرو إلى شر مورد ١٢٢ - وولد عبد مناف، سوى هاشم، عبد شمس بن عبد مناف، والمطلب ويدعى الفيض. وفيه يقول مطرود الخزاعي حين مات (٣): قد سغب الحجيج بعد المطلب … بعد الجفان والشراب المنثعب وأم هاشم وعبد شمس والمطلب: عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور. ونوفل بن عبد مناف، وأبا عمرو واسمه عبيد درج، وأمهما واقدة بنت أبي عدي، من بني مازن بن صعصعة ابن معاوية. وكان يقال لهاشم والمطلب «البدران». وكان لعبد مناف من

стр. 88

البنات، من عاتكة: تماضر، تزوجها عبد مناف بن عبد الدار، وحية، تزوجها عمرو بن ظويلم، أحد بني دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر، وقلابة، تزوجها عبد العزى بن عامر الفهري، وهالة، وهي أم الأخثم، وفي الأخثم يقول الشاعر: أبشر بخير حين تلقى عامرا … نشوان يبرق وجهه كالدرهم لما رآني عاريا ذا خلة … ألقى علي رداءه ابن الأخثم تزوجها عمرو بن خالد بن أمية بن ظرب الفهري، ويقال تزوجها خالد ابن عامر بن أمية بن ظرب، وبرة، تزوجها سبع بن الحارث الثقفي، وريطة بنت عبد مناف، وأمها النافذة، تزوجها هلال (١) بن معيط بن عامر الكناني. وقال مطرود بن كعب الخزاعي في ولد عبد مناف (٢): يا ليلة هيجت ليلاتي … إحدى ليالي القسيات إن المغيرات وأبناءهم … لخير أحياء وأموات أخلصهم عبد مناف فهم … من لوم من لام بمنجاة قبر بردمان وقبر بسل … يمان وقبر عند غزات وميت مات قريبا من ال … حجون عن شرق البنيات يعني بالمغيرات ولد المغيرة، وهو عبد مناف، كما قال النابغة (٣): شاق الرفيدات من عودي ومن عمم … وماش من رهط ربعي وحجاز يريد ولد رفيدة بن ثور بن كلب، وعودي وعمم ابنا نمارة بن لخم، وربعي وحجاز من ولد الحارث أخي عذرة بن سعد: ربعي بن عامر، وحجاز بن

стр. 89

مالك. وأما ردمان ففي ناحية اليمن، وسلمان في طريق العراق، وغزة بالشام. فالذي بردمان، المطلب، والذي بسلمان، نوفل، والذي بغزة، هاشم، والذي مات بمكة ودفن بقرب الحجون، عبد شمس. وقال مطرود أيضا (١): كانت قريش بيضة فتفلقت … فالمح خالصه لعبد مناف فحدثني الوليد بن صالح، عن الواقدي، عن يزيد بن عياض، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه أن النبي ﷺ سمع جارية تنشد: كانت قريش بيضة فتفلقت … فالمح خالصه لعبد الدار فقال ﷺ لأبي بكر: يا أبا بكر أهكذا (٢) قال الشاعر؟ قال أبو بكر: لا، إنما قال: «لعبد مناف». قال: كذلك قال. ١٢٣ - ومات هاشم بغزة من بلاد الشام، فقبره بها. وقدم بتركته ومتاعه أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس، من بني عامر بن لؤي. وكان لهاشم يوم مات خمس وعشرون سنة. وذلك الثبت. ويقال عشرون سنة. وقال مطرود يرثيه (٣): مات الندى بالشام لما أن ثوى … فيه بغزة هاشم لا يبعد لا يبعدن رب الفناء نعوده … عود السقيم يجود بين العود فجفانه رذم لمن ينتابه والنصر منه باللسان وباليد وقال أبو عبيدة: أم هاشم والمطلب وعبد شمس بني عبد مناف: عاتكة بنت مرة، وأمها سلولية. وأم نوفل بن عبد مناف: واقدة بنت أبي عدي، من بني مازن بن صعصعة. وهي أم أبي عمرو، واسمه عبيد بن عبد مناف، درج.

стр. 90

نسب بني هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب:: ١٢٤ - فولد هاشم بن عبد مناف (ويكنى أبا نضلة) شيبة الحمد. وهو عبد المطلب. وكان سيد قريش حتى هلك. وأمه سلمى بنت عمرو بن زيد ابن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، من الأنصار. ١٢٥ - حدثني محمد بن سعد (١)، عن الواقدي في إسناده، وعباس بن هشام عن أبيه، عن جده وغيره، قالوا: كان هاشم بن عبد مناف يختلف إلى الشام في التجارة. فإذا مر بيثرب، نزل على عمرو بن زيد بن لبيد، وكان صديقا لأبيه وله. فنزل به في سفرة من سفراته وقد انصرف من متجره، فرأى ابنته سلمى بنت عمرو، فأعجبته. وكانت قبل عند أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبا الأوسي، فمات عنها وقد ولدت ولدين، هلكا، وهما عمرو ومعبد ابنا أحيحة. فخطبها. فأنكحه إياها، واشترط عليه أن لا تلد إلا في أهلها. فنقلها هاشم معه إلى مكة. فلما حملت، ودنا ولادها، أتى بها منزل أبيها بيثرب، فخلفها، ومضى إلى الشام في تجارته. فمات بغزة من فلسطين. وولدت سلمى شيبة الحمد. وسمته بذلك لشيبة كانت في رأسه. ويقال لشيبات كن حول ذؤابته. وقيل له عبد المطلب، لأنه لما ترعرع بالمدينة، وأتت له سبع أو ثماني سنين، بلغ عمه المطلب بن عبد مناف خبره في لبسه ونظافته وشبهه بهاشم أبيه، فاشتاق إليه، وركب حتى أتى المدينة، فوافاه وهو يرمى مع الصبيان. فلما أصاب، قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء. فقال: له من أنت يا غلام؟ قال: أنا شيبة بن عبد مناف: قال: وأنا عمك، المطلب بن عبد مناف، وقد جئت لحملك إلى بلدك وقومك ومنزل أبيك وجوار بيت الله إن طاوعتني. وجعل يشوقه إلى مكة. فقال: يا عم، أنا معك. وقال له رجل من بني النجار: قد علمنا أنك عمه، فإن أحببت

стр. 91

فاحمله الساعة قبل أن تعلم أمه، فتدعونا إلى منعك منه فنمنعك. فانطلق به معه، حتى أدخله مكة وهو ردف له. فكان لا يمر بمجلس من مجالس قريش إلا قالوا له: من هذا الغلام معك يا أبا الحارث؟ فيقول: عبد لي ابتعته. ثم أدخله منزله، فكساه. وأخذته امرأته خديجة بنت سعيد بن سعد بن سهم، فنظفته وطيبته وألبسته كسوة عمه. وأخرج إلى الندي. فجعل أهل مكة يقولون: هذا عبد المطلب. فغلب ذلك على اسمه. وقال المطلب بن عبد مناف (١): وافيت شيبة والنجار قد جعلت … أبناءها عنده بالنبل تنتضل وقالت سلمى أمه (٢): كنا ولاة حمه ورمه … حتى إذا قام على أتمه انتزعوه غيلة من أمه … وغلب الأخوال حق عمه وقال المطلب: يا سلم يا أخت بني النجار … ما ابن أخي بالهين المعار فاقني حياء ودعي التماري … إني ورب البيت ذي الأستار لو قد شددت العيس بالأكوار … قد راح وسط النفر السفار حتى يرى أبيات عبد الدار وكان عبد المطلب يكثر زيارة أخواله ويبرهم. ١٢٦ - حدثني عباس، عن أبيه، عن جده قال: كان عبد المطلب أول من خضب بالوسمة لأن الشيب أسرع إليه. فدخل على بعض ملوك اليمن، فأشار عليه بالخضاب. فغير شعره بالحناء، ثم علاه بالوسمة. فلما انصرف وصار بقرب مكة، جدد خضابه. وكان قد

стр. 92

تزود من الوسمة شيئا كثيرا. فدخل منزله وشعره مثل حنك (١) الغراب. فقالت امرأته نتيلة، وهي أم العباس، يا شيب، ما أحسن هذا الصبغ (٢) لو دام فعله. فقال عبد المطلب (٣): لو دام لي هذا السواد حمدته … فكان بديلا من شباب قد انصرم تمتعت منه والحياة قصيرة … ولا بد من موت نتيلة أو هرم وماذا الذي يجدي على المرء خفضه … ونعمته يوما إذا عرشه انهدم ثم إن أهل مكة خضبوا بعده. ١٢٧ - وقال الكلبي: حج قوم من جذام، ففقدوا رجلا منهم اغتيل بمكة، ولقيهم حذافة بن غانم العدوي فربطوه. وقدم عبد المطلب من الطائف، وقد كف بصره، وأبو لهب يقود به. فهتف به حذافة. فأتاهم. فقال: قد عرفتم تجارتي وكثرة مالي، وأنا أحلف لكم لأعطينكم عشرين أوقية ذهبا، أو عشرا من الإبل، وغير ذلك مما يرضيكم، وهذا ردائي رهن بذلك. فقبلوا منه، وأطلقوا حذافة. فأردفه، حتى أدخله مكة، ووفى لهم عبد المطلب بما جعل لهم. فقال: أخارج (٤) إما أهلكن فلا تزل … لشيبة منكم شاكرا آخر الدهر وأولاده بيض الوجوه وجوههم … تضيء ظلام الليل كالقمر البدر لهو لهم خير الكهول ونسلهم … كنسل الملوك لاقصار ولا خدر لساقي الحجيج ثم للشيخ هاشم … وعبد مناف ذلك السيد الفهري أبوكم قصي كان يدعى مجمعا … به جمع الله القبائل من فهر أبو عتبة الملقي إلي حباله … أغر هجان اللون من نفر غر

стр. 93

ويروي «أبو الحارث»، وهو أصح. قصة الفيل: ١٢٨ - قالوا (١): وكان أبرهة الأشرم أبو يكسوم قتل حبشيا كان غلب على اليمن، وصار مكانه. فرأى العرب باليمن يتأهبون في وقت الحج. فسأل عن أمرهم. فقيل إنهم يريدون بلدا يقال له مكة، وبه بيت لله يتقربون إليه بزيارته. فبنى بيتا بصنعاء كثير الذهب والجوهر، وحمل من قبله من العرب على أن يحجوه ويصنعوا عنده كصنيعهم عند الكعبة. فاحتال بعض العرب لسدنته، حتى أسكرهم، ثم أتى بجيف ومحائض فألقاها فيها، ولطخ قبلته، وكانت على المشرق، بعذرة. فغضب أبرهة أشد غضب، وقال: والمسيح! لأغزون بيت العرب الذى يحجون إليه. فبعث إلى النجاشي: إني عبدك، وكل ما حويته من هذا البلد فهو لك، ومن مملكتك. وأهدى إليه هدايا، وسأله أن يبعث إليه بفيل له عظيم كان يلقى به عدوه إذا احتشد. فبعث إليه بذلك الفيل وبجيش. ثم إن الأشرم نهض نحو البيت، والفيل في مقدمته، ودليله النفيل ابن حبيب الخثعمي. فلما انتهى إلى قرب الحرم، برك الفيل بالمغمس، فلم يحرك. ونخس بالرماح، فلم ينهض. ثم بعث الله على الجيش طيرا، مع كل طير ثلاثة أحجار. فألقتها عليهم، فلم ينج منهم شفر (٢). ١٢٩ - وقد كان الحبشي لما قرب مكة، بث قوما ممن معه للغارة، منهم رجل يقال له الأسود بن مقصود. فاطردوا إبلا لعبد المطلب. فأتى عبد المطلب الحبشي وهو في قبة له بالمغمس (٣). وكان قائد الفيل صديقا له، فأدخله إليه وأخبره لشرفه. وكان عبد المطلب رجلا جميلا طويلا، له غديرتان،

стр. 94

أهدب الأشفار، دقيق العرنين أشمه، رقيق البشرة، سهل الحدين. فأكرمه الحبشي وأجله، وسأله عن حاجته. فقال: إبلي. فأمر بردها، وقال: ما ظننتك جئتني إلا في أمر البيت. فقال عبد المطلب: إن للبيت ربا سيمنعه ويحميه. وكان عبد المطلب وعمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ( … ؟) (١) الناس بمكة كل يوم، والحبشي مطلهم، وقد هرب جل أهل مكة خوفا وإشفاقا. قال عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو «عابد» (٢): أنت حبست الفيل بالمغمس … من بعد ما كان بغير مجلس أنت الجليل ربنا لم تدنس وقال عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ويقال بل قالها أبو عكرمة عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، ويقال عكرمة وذلك غلط (٣): لاهم أخز الأسود بن مقصود … الأخذ الهجمة ذات التقليد بين حراء فثبير فالبيد … اخفر به رب وأنت محمود وقال عبد المطلب (٤): يا رب إن المرء يمنع … (م) رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم … ومحالهم غدوا محالك فلئن فعلت فربما … أولى فآمر ما بدا لك ولئن فعلت فإنه … أمر تتم به فعالك وكان قدوم الفيل وحبس الله إياه للنصف من المحرم، وذلك قبل مولد رسول الله ﷺ بشهرين إلا أياما. وقال عبد المطلب في غير هذا المعنى:

стр. 95

لا تحسبي شيم الفتيان واحدة … بكل رحل لعمري ترحل الناقه إني إذا المرء شانته خليقته … ألفيتنى جلدتى بيضاء براقه وحينما يفعل الفتيان أفعله … وإنما يتبع الإنسان أعراقه وقال عبد المطلب: قلت والأشرم تردى خيله … إن ذا الأشرم غر بالحرم رامه تبع فيمن جمعت … حمير والحي من آل قدم فانثني عنه وفي أوداجه … جارح أمسك منه بالكظم فخزاك الله في بلدته … لم يزل ذاك على عهد ابرهم ١٣٠ - حدثنا عباس بن هشام، عن أبيه، عن ابن خربوذ وغيره من علماء أهل الحجاز، قالوا: لما هلك المطلب بن عبد مناف، وكان العاضد لعبد المطلب والذاب عنه والقائم بأمره، وثب نوفل بن عبد مناف على أركاح كانت لعبد المطلب. وهي الساحات والأفنية. فغلب عليها، واغتصبه إياها. فاضطرب عبد المطلب لذلك، واستنهض قومه معه، فلم ينهض كبير أحد منهم فكتب إلى أخواله من بني النجار، من الخزرج (١): يا طول ليلي لأحزاني وأشغالي … هل من رسول إلى النجار أخوالي ينبي عديا ودينارا ومازنها … ومالكا عصمة الجيران عن حالي قد كنت فيكم وما أخشى ظلامة ذي … ظلم عزيزا منيعا ناعم البال حتى ارتحلت إلى قومى وأزعجنى … لذاك مطلب عمي بترحال فغاب مطلب في قعر مظلمة … ثم انتزى نوفل يعدو على مالي أأن رأى رجلا غابت عمومته … وغاب أخواله عنه بلا والي أنحى عليه ولم يحفظ له رحما … ما أمنع المرء بين العم والخال فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم … لا تخذلوه فما أنتم بخذال أنتم شهاد لمن لانت عريكته … من سلمكم وسمام الأبلخ الغالي

стр. 96

قالوا: فقدم عليه منهم جمع كثيف، فأناخوا بفناء الكعبة وتنكبوا القسي وعلقوا التراس. فلما رآهم نوفل، قال: لشر ما قدم هؤلاء. فكلموه. فخافهم، ورد أركاح عبد المطلب عليه، وزاده وأحسن إليه، واعتذر من فعله. حدثني التوزي النحوي، عن الأصمعي، قال: الأركاح متسع في سفوح الجبال، يقال: إن له ساحة يتركح فيها. ١٣١ - قال ابن الكلبي: قال عبد المطلب في نصرة أخواله إياه (١): ستأبى مازن وبنو عدى … ودينار بن تيم اللات ضيمي بهم رد الإله علي ركحي … وكانوا في التناصر دون قومي عدي، ومازن، ودينار بنو النجار، واسمه تيم الله. وقال أيضا (٢): أبلغ بني النجار إن جئتهم … أني منهم وابنهم والخميس رأيتهم قوما إذا جئتهم … هووا لقائي وأحبوا حسيس وقال شمر بن نمر الرانى (٣): لعمري لأخوال الأغر ابن هاشم … من أعمامه الأدنين أحنى وأوصل أجابوا على نأي دعاء ابن أختهم … وقد ناله بالظلم والغدر نوفل فما برحوا حتى تدارك حقه … ورد عليه بعد ما كاد يؤكل جزى الله خيرا عصبة خزرجية … توافوا على بر وذو البر أفضل ١٣٢ - قال هشام بن الكلبي: فلما نصر بنو الخزرج عبد المطلب، قالت خزاعة، وهم يومئذ كثير (٤) قد قووا وعزوا: والله ما رأينا بهذا الوادى (أحدا

стр. 97

أحسن وجها، ولا أتم خلقا، ولا) (١) أعظم حلما، ولا أبعد من كل موبقة ومذنبة تفسد الرجال من هذا الإنسان- يعنون عبد المطلب- ولقد نصره أخواله من الخزرج، ولقد ولدناه كما ولدوه- وأن جده عبد مناف لابن حبي بنت حليل بن حبشية سيد الخزاعة- ولو بذلنا له نصرنا (٢) وحالفناه انتفعنا به وبقومه وانتفع بنا. فأتاه وجوههم، فقالوا: يا أبا الحارث، إنا قد ولدناك كما ولدك قوم (٣) من بني النجار، ونحن، بعد، متجاورون في الدار، وقد أماتت الأيام ما كان يكون في قلوب بعضنا (٤) على قريش من الأحقاد، فهلم، فلنحالفك. فأعجب ذلك عبد المطلب وقبله وسارع إليه فأجابهم إلى حلف. فأقبل ورقاء بن عبد العزى أحد بني مازن بن عدى بن عمرو بن لحى، وسفيان ابن عمرو القميرى، وأبو بشر (٥)، وهاجر بن عمير القميري، وهاجر بن عبد مناف بن ضاطر، وعبد العزى بن قطم المصطلقي في عدة من وجوههم، فدخلوا دار الندوة وكتبوا بينهم كتابا. وكان عبد المطلب في سبعة نفر من بني المطلب، والأرقم بن نضلة بن هاشم. ولم يحضر أحد من بني نوفل ولا عبد شمس. فلما فرغوا من الكتاب، علقوه في الكعبة. وكان الذي كتبه لهم أبو قيس (بن) عبد مناف بن زهرة بن كلاب (المعلم. وتزوج عبد المطلب يومئذ لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر، فولدت له أبا لهب. وتزوج أيضا ممنعة (٦) بنت عمرو بن مالك بن مؤمل، فولدت له الغيداق. وكانت نسخة كتابهم (٧) «هذا ما تحالف عليه عبد المطلب بن هاشم ورجالة عمرو بن ربيعة، من خزاعة، ومن معهم من أسلم ومالك ابني أفصى بن حارثة (٨). تحالفوا على

стр. 98

التناصر والمؤاساة ما بل (١) بحر صوفه، حلفا جامعا غير مفرق. الأشياخ على الأشياخ، والأصاغر على الأصاغر، والشاهد على الغائب. وتعاهدوا وتعاقدوا أوكد عهد، وأوثق عقد، لا ينقض ولا ينكث ما شرقت شمس على ثبير، وحن بفلاة بعير، وما قام الأخشبان، وعمر بمكة إنسان، حلف أبد، لطول أمد (٢). يزيده طلوع الشمس شدا، وظلام الليل مدا. وأن عبد المطلب وولده ومن معهم دون سائر بني النضر بن كنانة، ورجال خزاعة متكافئون، متضافرون، متعاونون. فعلى عبد المطلب النصرة لهم ممن تابعه على كل طالب وتر، في بر أو بحر، أو سهل أو وعر. وعلى خزاعة النصرة لعبد المطلب وولده ومن معهم على جميع العرب، في شرق أو غرب، أو حزن أو سهب. وجعلوا الله على ذلك كفيلا، وكفى به حميلا (٣)». فقال عبد المطلب (٤): سأوصي زبيرا إن أتتني منيتي … بإمساك ما بيني وبين بني عمرو وأن يحفظ العهد الوكيد بجهده … ولا يلحدن فيه بظلم ولا غدر هم حفظوا الإل القديم وحالفوا … أباك وكانوا دون قومك من فهر وكان عبد المطلب وصى ابنه الزبير. ثم أوصى الزبير إلى أبي طالب، ثم أوصى أبو طالب إلى العباس. وقال ابن الكلبى: وهذا الحلف هو الذي عناه عمرو بن سالم الخزاعي حين قال لرسول الله ﷺ (٥): لاهم إني ناشد محمدا … حلف أبينا وأبيه الأتلد ١٣٣ - وحدثني العباس بن هشام، عن أبيه، عن جده محمد بن السائب الكلبي وغيره، قالوا: كان عبد المطلب من حلماء قريش وحكامها. وكان نديمه حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وكان في جوار عبد المطلب يهودي،

стр. 99

يقال له أدينة (١). وكان اليهودي يتسوق في أسواق تهامة بماله. فغاظ ذلك حربا. فألب عليه فتيانا من قريش، وقال: هذا العلج الذي يقطع إليكم ويخوض بلادكم بمال جم كثير من غير جوار ولا خيل، والله لو قتلتموه وأخذتم ماله، ما خفتم تبعة ولا عرض لكم أحد يطلب بدمه. فشد عليه عامر بن عبد مناف ابن عبد الدار بن قصي، وصخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، فقتلاه. فجعل عبد المطلب لا يعرف له قاتلا (٢). فلم يزل يبحث عن أمره، حتى علم خبره بعد. فأتى حرب بن أمية، فأنبه بصنيعه وطلب بدم جاره. فأجار حرب قاتليه ولم يسلمهما أخفافهما. وطالبه عبد المطلب بهما، فتغالظا في القول. حتى دعاهما المحك واللجاج إلى المنافرة. فجعلا بينهما النجاشي صاحب الحبشة. فأبى أن يدخل بينهما. فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله ابن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، جد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فقال لحرب: «يا با عمرو، أتنافر رجلا هو أطول منك قامة، وأوسم منك وسامة، وأعظم منك هامة، وأقل منك لامة، وأكثر منك ولدا، وأجزل منك صلة، وأطول منك مذودا (٣)؟ وأني لأقول هذا، وإنك لبعيد الغضب، رفيع الصيت في العرب، جلد النذيرة (٤)، تحبك العشيرة، ولكنك نافرت منفرا». فنفر عبد المطلب. فغضب حرب، وأغلظ لنفيل، وقال: من انتكاس الدهر أن جعلتك (٥) حكما. وكانت العرب تتحاكم إليه. فقال نفيل (٦): أولاد شيبة أهل المجد قد علمت … عليا معد إذا ما هزهز الورع

стр. 100

وشيخهم خير شيخ لست تبلغه … أنى وليس به سخف ولا طبع يا حرب ما بلغت مسعاتكم هبعا … يسقى الحجيج وماذا يبلغ الهبع أبوكما واحد والفرع بينكما … منه العشاش ومنه الناضر الينع وتروى «مختلف العش الضئيل (١)». قال: فترك عبد المطلب منادمة حرب، ونادم عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة. ولم يفارق حربا حتى أخذ منه مائة ناقة، ودفعها إلى ابن عم اليهودي. وارتجع ماله إلا شيئا كان شعث منه، فغرمه (٢) من ماله. وقال الأرقم بن نضلة بن هاشم في منافرة عبد المطلب حربا (٣): وقبلك ما أدرى أمية هاشم … فأورده عمرو إلى شر مورد أيا حرب قد جاريت غير مقصر … شاك إلى الغايات طلاع أنجد ١٣٤ - وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن أشياخ من العلماء، قالوا: كان لعبد المطلب ماء يدعى ذا الهرم. فغلبه عليه جندب بن الحارث الثقفي، قوم من ثقيف. فنافرهم عبد المطلب إلى الكاهن القضاعي، وهو سلمة بن أبي حية بن الأشحم بن عامر بن ثعلبة، من بني الحارث بن سعد هذيم، أخي عذرة بن سعد. وهو صاحب عزى سلمة. وعزاه شيطانه، فيما يزعمون. وكان منزله بالشام. فخرج عبد المطلب إليه في نفر من قريش، وخرج جندب في جماعة من ثقيف. فلما انتهوا إلى الكاهن، خبئوا له، فيما يزعمون، رأس جرادة في خربة مزادة (٤). فقال، والله أعلم: خبأتم لي شيئا طار، فسطع وتصوب فوقع ذا ذنب جرار، وساق كالمنشار، ورأس كالمسمار فقال:

стр. 101

إلاده، أي بين. فقال: إلاده فلاده (يقول: إلا يكن قولي بيانا، فلا بيان). وهو رأس جرادة، في خربة مزادة (١)، في ثني القلادة. قالوا: صدقت. وانتسبوا له. فقال: أحلف بالضياء والظلم، والبيت والحرم، إن الماء (٢) ذا الهرم، للقرشي ذي الكرم. فغضب الثقفيون، فقالوا: اقض لأرفعنا مكانا، وأعظمنا جفانا، وأشدنا طعانا. فقال عبد المطلب: اقض لصاحب الخيرات الكبر، ولمن أبوه سيد مضر، وساقي الحجيج إذا كثر. فقال الكاهن (٣): أما ورب القلص الرواسم … يحملن أزوالا بقي طاسم إن سناد المجد والمحارم … في شيبة الحمد سليل هاشم أبي النبي المرتضى للعالم ثم قال (٤): إن بني النضر كرام ساده … من مضر الحمراء في القلاده أهل سناء وملوك قاده … مزارهم بأرضهم عباده إن مقالي فاعلموا شهاده ثم قال: إن ثقفيا عبد أبق (٥) فثقف، فعتق، فليس له في المنصب الكريم من حق. يوم ذات نكيف: ١٣٥ - حدثني عباس، عن أبيه، عن جده قال: لم يزل بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة مبغضين لقريش مضطغنين عليهم ما كان من قصي حين أخرجهم من مكة مع من أخرج من خزاعة، حين

стр. 102

قسمها رباعا وخططا بين قريش. فلما كانوا على عهد المطلب (١)، هموا بإخراج قريش من الحرم وأن يقاتلوهم حتى يغلبوهم عليه. وعدت بنو بكر على نعم لبنى الهون فاطردوها، ثم جمعوا جموعهم. وجمعت قريش واستعدت. وعقد المطلب (٢) الحلف بين قريش والأحابيش (وهم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو الهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة. فلقوا بني بكر ومن انضم إليهم، وعلى الناس المطلب (٣). فاقتتلوا بذات نكيف. فانهزم بنو بكر، وقتلوا قتلا ذريعا، فلم يعودوا لحرب قريش. قال ابن شعلة الفهري: لله عينا من رأى من عصابة … غوت غي بكر يوم ذات نكيف أناخوا إلى أبياتنا ونسائنا … فكانوا لنا ضيفا بشر مضيف وقتل يومئذ عبد (بن) (٤) السفاح القاري من القارة: قتادة (٥) بن قيس أخا بلعاء بن قيس. واسم بلعاء مساحق. وقال عبد في ذلك: يا طعنة ما قد طعنت مرشة … قتادة (٦) حين الخيل بالقوم تخنف إذا جاء سرب من نساء يعدنه … تولين يأسا ظهرهن يقفقف قال ابن الكلبي: ويومئذ قيل (٧): قد أنصف القارة من راماها

стр. 103

والقارة من ولد الهون بن خزيمة. وهم من ولد عضل بن الديش. قال رجل منهم (١): دعونا قارة: لا تنفرونا … فنجفل مثل إجفال الظليم فسموا القارة. والقارة جبيل صغير. وقال غير الكلبى: قال عبد شمس ابن قيس، وهو رجل من بني الهون: أعازبة حلوم (٢) بني أبينا … كنانة أم هم قوم نيام فإن يك فيكم كرم وعز … فقومكم وإن قلوا كرام دعونا قارة لا تنفرونا … فتنبتك القرابة والذمام كما جلت بنو أسد جذاما … فبانت عن مساكنها جذام وكان يقال للقارة «رماة الحدق». وقال الشاعر (٣): قد علمت سلمى ومن والاها … أنا نصد الخيل عن هواها قد أنصف القارة من راماها … إنا إذا ما فئة نلقاها نرد أولاها على أخراها … نردها دامية كلاها وقال أبو عبيدة: قال قتادة (٤) لقومه يوم ذات نكيف: ارموهم بالنبل، فإذا فنيت، فشدوا عليها بالرماح. فقال قائل منهم: قد أنصف القارة من راماها وكان أبو عبيدة يقول: «حكم بن الهون»، ولكن ولده أتوا اليمن، فقالوا: «حكم بن سعد العشيرة».

стр. 104

١٣٦ - حفر زمزم ونذر عبد المطلب: قالوا: أري (١) عبد المطلب في منامة أن يحتفي زمزم ويحتفرها، ودل على موضعها وكانت جرهم دفنها عند إخراج خزاعة إياها عن مكة. فقال له قائل: «زمزم، وما زمزم؟ هزمة جبريل برجله، وسقيا إسماعيل وأهله. زمزم البركات، تروي الرفاق الواردات (٢). شفاء سقام، وخير طعام». فاحتفرها، ووجد فيها سيوفا مدفونة، وحليا، وغزالا من فضة وذهب مشنفا بالدر. فعلقه في الكعبة، حتى سرق بعد. قالت صفية بنت عبد المطلب: نحن حفرنا للحجيج زمزم … سقيا الخليل وابنه المكرم هزمة جبريل التي لم تذمم … شفاء سقم وطعام مطعم ١٣٧ - وحدثني الوليد بن صالح ومحمد بن سعد، قالا ثنا محمد بن عمر، قال: سألت عبد الله بن جعفر: متى كان حفر عبد المطلب زمزم؟ فقال: وهو ابن أربعين سنة. قلت: فمتى كان أراد ذبح ولده؟ قال: بعد ذلك بثلاثين سنة. قلت: قبل مولد النبي ﷺ ؟ قال: أجل، وقبل مولد حمزة. قلت: فإن بعض الرواة يزعم أنه أتى لعبد المطلب مائة وعشر سنين. قال: لم يبلغ ذلك. قلت: ما كان سبب نذره أن يذبح ولده؟ قال: نازعته قريش حين حفر زمزم، وليس له يومئذ من الولد إلا الحارث وحده. فقال له عدي بن نوفل بن عبد مناف، أبو «المطعم»: يا عبد المطلب، أتستطيل علينا وأنت فذ لا ولد لك (٣)؟ قال عبد المطلب: أتقول هذا وإنما كان نوفل، أبوك، في حجر هاشم؟ (لأن هاشما كان خلف على أمه واقدة نكاح مقت. فقال له عدي: وأنت أيضا فقد كنت عند أخوالك من بني النجار حتى ردك

стр. 105

المطلب (١). قال: أبا لقلة تعيرني؟ فو الله لئن آتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحرن أحدهم عند الكعبة. فآتاه الله عشرة. فأقرع بينهم. فوقعت القرعة على عبد الله، أبي رسول الله ﷺ ، وكان أحب الناس إليه. فقال: اللهم، أهو أم مائة من تلاد إبلي؟ فأقرع بينه وبين مائة من إبله، فوقعت القرعة على المائة. فنحرها، فاقتسمها في فقراء مكة ومن ورد من الأعراب. قال، قلت: فإن بعض الرواة يقول: «تكاءد (٢) عبد المطلب حفر زمزم، فقال: لئن تم حفرها، لأنحرن بعض ولدي»؟ فقال: «ما أدري ما هذا. ولقد روي». وقال في السنة التي نحر فيها عبد المطلب الإبل، مات الحارث ابن عبد المطلب ولابنه ربيعة سنتان. ١٣٨ - قال الواقدي: وكان نحر الإبل قبل الفيل بخمس سنين، فكان ربيعة أسن من رسول الله ﷺ بسبع سنين. ١٣٩ - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده قال: تزوج عبد المطلب هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وهي أم حمزة ابن عبد المطلب، ولدته قبل مولد رسول الله ﷺ بأربع سنين أو نحوها. ثم زوج عبد المطلب ابنه عبد الله: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وكانت في حجر عمها أهيب بن عبد مناف، فولدت له رسول الله ﷺ . ولما خطبها عبد المطلب على عبد الله، فأجيب إلى تزويجه إياها، انطلق به ماضيا إلى بني زهرة. فمر بامرأة من خثعم، يقال لها فاطمة- وكان فتيان قريش يحدثون إليها، وكانت عفيفة، ويقال إنها كانت من بنى أسد بن خزيمة وكانت تعتاف وتنتظر وتقرأ الكتب- فقالت لعبد الله، وجلس إليها منتظرا لأبيه، وقد عرج لبعض شأنه: هل لك في موافقتي على أن أعطيك مائة من الإبل؟ (وكانت موسرة). فقال عبد الله (٣):

стр. 106

أما الحرام فالممات دونه … والحل لا حل فاستبينه فكيف بالأمر الذي تنوينه ثم إنه مضى مع أبيه إلى بني زهرة، فزوجه آمنة. وأقام عندها ثلاثا. وكانت تلك سنتهم. ثم إن عبد الله أتى الامرأة (١) بعد ذلك، فقال لها: هل لك فيما كنت عرضت على أن يكون بيننا تزويج؟ فقالت: لا تطلبن الأمر إلا ميلا … قد كان ذاك مرة فاليوم لا إني رأيت في وجهك نورا ساطعا، وقد ذهب الآن، فما الذي صنعت؟ فحدثها حديثه، فقالت: إني لأحسبك أبا النبي الذي قد أظل وقت مولده. وقالت (٢): لله ما زهرية سلبت … ثوبيك ما سكنت وما تدري وقالت أيضا (٣): بني هاشم قد غادرت من أخيكم … أمينة إذ للباه يعتلجان كما غادر المصباح بعد خبوه … فتائل قد ميثت له بدهان وما كل ما يحوي امرؤ من إرادة … لحزم ولا ما فاته لتوان فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه … سيكفيكه جدان يصطرعان (ولادة النبي ﵇: ١٤٠ - وحملت آمنة في أيامها الثلاثة. ورأت في منامها آتيا أتاها، فقال:

стр. 107

يا آمنة، إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع في الأرض، فقولي: «أعيذك بالواحد، من شر كل حاسد»، وسميه أحمد. ويقال إنه قال: سميه محمدا. ١٤١ - فلما وضعته، أرسلت إلى عبد المطلب أنه قد ولد لك غلام. فنهض مسرورا، ومعه بنوه، حتى أتاه فنظر إليه. وحدثته بما رأت، وبسهولة حمله وولادته. فأخذه عبد المطلب في خرقة فأدخله الكعبة وقال (١): الحمد لله الذي أعطاني … هذا الغلام الطيب الأردان أعيذه بالبيت ذي الأركان … من كل ذي بغي وذي شنآن وحاسد مضطرب العنان ثم رده إلى أمه. ١٤٢ - وقال الواقدي: الامرأة التي قالت لعبد الله ما قالت، قتيلة بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، أخت ورقة بن نوفل. وكانت تنظر في الكتب. ١٤٣ - المدائني، عن يزيد بن عياض، عن الزهري وحفص بن عمر، عن هشام بن الكلبي، عن أبيه، أن عبد المطلب كان إذا أتى بالطعام، أجلس النبي ﷺ إلى جانبه، وربما أقعده على فخذه، فيوثره بأطيب طعامه. وكان رقيقا عليه بآدابه. فربما أتي بالطعام وليس رسول الله ﷺ حاضرا، فلا يمس شيئا منه حتى يؤتى به. وكان يفرش له في ظل الكعبة، ويجلس بنوه حول فراشه إلى خروجه، فإذا خرج، قاموا على رأسه مع عبيده، إجلالا له. وكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر، فيجلس على الفراش، فيأخذه أعمامه ليؤخروه، فيقول عبد المطلب: مهلا، دعوا ابني ما تريدون منه. ثم يقول: دعوه فإن له لشأنا، أما ترونه؟ ويقبل رأسه وفمه، ويمسح ظهره، ويسر بكلامه وما يرى منه.

стр. 108

١٤٤ - وحدثني محمد بن إسماعيل الضرير الواسطي، حدثنا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن العباس بن عبد الرحمن الهاشمي، عن الكندير بن سعيد، عن أبيه، قال: حججت في الجاهلية، فإذا أنا بشيخ مربوع يطوف بالبيت، وهو يقول (١): رد علي راكبي محمدا … واصطنعن برده عندي يدا فقلت: من هذا الشيخ؟ قالوا: عبد المطلب بن هاشم. قلت: ما شأنه؟ قالوا: (أ) ضل إبلاله، فخرج في طلبها بني ابنه: محمد بن عبد الله، وقد أبطأ عليه، فقد أخذه ما ترى. قال: فما برحت حتى رجع رسول الله ﷺ ، وهو غلام، وجاء بالإبل. فسمعت عبد المطلب يقول له: يا بني، لقد جزعت عليك جزعا، لا تفارقني بعده حتى أموت. ١٤٥ - وحدثني الحرمازي، عن أبي اليقظان، قال: كان عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس- وأمه البيضاء بنت عبد المطلب- مضعوفا. فأتي به عبد المطلب، فمسه، فقال: وعظام هاشم، وما ولد في ولد عبد مناف مولود أحمق منه. وتزوج عامر دجاجة بنت أسماء بن الصلت السلمي، فولدت له عبد الله بن عامر. ١٤٦ - وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، قال حدثني الوليد بن عبد الله القرشي، عن عبد الرحمن ابن موهوب الأشعري حليف بني زهرة، عن أبيه، عن مخرمة بن نوفل الزهري، قال: سمعت أمي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم تحدث، وكانت لدة عبد المطلب، قالت: تتابعت على قريش سنون ذهبت بالأموال، فسمعت في النوم قائلا يقول: «هذا أوان نبي مبعوث فيكم، معشر قريش، وبه يأتيكم الحيا (٢) والخصب، فليخرج رجل منكم طوال أبيض، مقرون الحاجبين، أهدب الأشفار، جعد الشعر، أشم العرنين، وليخرج معه ولده وولد ولده،

стр. 109

وليخرج من كل بطن رجل حتى يعلوا أبا قبيس، ثم يتقدم هذا الرجل فيستسقي، ويؤمنون». فلما أصبحت، قصصت رؤياي. فنظروا، فإذا الرجل الذي هذه صفته عبد المطلب. فاجتمعوا عليه، وفعلوا ما أمروا به. وكان النبي ﷺ مع ولد عبد المطلب، وهو غلام. فتقدم عبد المطلب، فقال: «لا هم، هؤلاء عبادك، بنو إمائك، وقد نزل بهم ما ترى، وتتابعت عليهم السنون فذهبت بالخف والقلف، وأشفت الأنفس منهم على التلف والحتف. فاذهب عنا الجدب، وائتنا بالحياة والخصب». قال: فما برحوا حتى سالت الأودية. وبرسول الله ﷺ سقوا. قالت رقيقة (١): بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا … وقد فقدنا الحيا واستبطئ المطر فجاد بالماء جونى له سبل … دان فعاشت به الأنعام والشجر منا من الله بالميمون طائره … وخير من بشرت يوما به مضر مبارك الوجه يستسقى الغمام به … ما في الأنام له عدل ولا خطر ١٤٧ - المدائني، عن ابن جعدبة أن عبد المطلب رأى في منامه قائلا يقول (٢): احفر زمزم، خبية الشيخ الأعظم. ثم رأى ليلة أخرى: احفر تكتم، بين الفرث والدم، في مبحث الغراب الأسحم، في قرية النمل. فلما أصبح، وجد بقرة مفلتة من جازرها وقد صارت إلى المسجد إلى موضع زمزم، فسلخت في موضعها. وجاء غراب حتى وقع على فرثها، وإذا ثم قرية نمل. فاحتفر عبد المطلب زمزم، وأنكرت قريش ذلك. فحدثها الحديث، فصدقته. وقال خويلد بن أسد: أقول وما قولي علي بهين … إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم حفيرة إبراهيم يوم ابن هاجر … وركضة جبريل على عهد آدم

стр. 110

١٤٨ - قالوا: وتوفي عبد المطلب وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، ودفن بالحجون بمكة، ولرسول الله ﷺ ثماني سنين، ولحمزة نحو من اثنتي عشرة سنة، وللعباس إحدى عشرة سنة. ويقال إن عبد المطلب مات وله ثمان وثمانون سنة. وفي رواية الواقدي وغيره أن أم أيمن حدثت أن رسول الله ﷺ كان يبكي خلف سرير عبد المطلب، وهو ابن ثماني سنين. قال الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر، أن مخرمة بن نوفل الزهري قال: مات عبد المطلب وأنا شاهده مع قريش، وقد قاربت عشرين سنة، وأن أمي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم كانت (١) لدة عبد المطلب، فتقول لي: شق قميصك على خالك لمن تستبقيه (٢) بعده. قال: ونظرت إلى نساء بنى عبد مناف قد جززن الشعور. وإنه ليقال إنه يومئذ ابن ما بين الثمانين إلى التسعين، وإن كان لمعتدل القناة. وكان أول من تحنث بحراء. والتحنث التأله (٣) والتبرر. وكان إذا أهل هلال شهر رمضان، دخل بحراء فلم يخرج حتى ينسلخ الشهر (٤)، ويطعم المساكين. وكان يعظم الظلم بمكة، ويكثر الطواف بالبيت. قال الواقدي: وقد روي أن عبد المطلب توفى ابن مائة وعشر سنين. وليس ذلك بثبت. وقال هشام بن الكلبي: كان موت عبد المطلب في ملك هرمز ابن أنوشروان، على الحيرة قابوس بن المنذر، أخو عمرو بن المنذر الذي يقال له عمرو بن هند مضرط الحجارة. ويقال إنه لم يمت حتى كف بصره. وروي عن عبد الله بن عباس، أنه قال، كان أبي يخبرنا عن عبد المطلب أنه مات يوم مات وهو أعدل قناة منه، وله ثمان وثمانون سنة. وسمعت من يحدث عن مصعب بن عبد الله، أن عبيد بن الأبرص كان ترب عبد المطلب، وبلغ عبيد مائة وعشرين سنة، وبقي عبد المطلب بعده عشرين سنة أو أكثر.
следующие страницы →