ألا قد ساد بعدهم رجال … ولولا يوم بدر لم يسودوا
٣١٨ - قال: وكان الأسود يجلس، ومعه قوم من المشركين، فيقولون: «ما ندري ما جاء به محمد؟ ما هو إلا سجع كسجع الكهان». فنزلت فيهم: «الذين جعلوا القرآن عضين (١)»، أي عضة عضة. ويقال: إن الآية نزلت في أهل الكتاب الذين آمنوا ببعضه وكفروا ببعض. والثبت أنها نزلت في كفار قريش.
وكانوا يسألون عن النبي ﷺ ، فيقول بعضهم: «مجنون» (٢)، ويقول بعضهم: «ساحر» (٣)، ويقول بعضهم: «شاعر» (٤)، ويتحدثون عليه ويصدون الناس عنه. فأنزل الله : «وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم (٥). يقول: أوزار من يصدونه عن الإسلام.
٣١٩ - وذكر رسول الله ﷺ عاقر الناقة (٦)، فقال: «كان عزيزا منيعا، كان كأبي زمعة الأسود بن المطلب فيكم». وكان يقال لأبى زمعة بن الأسود «زاد الراكب».
وكان ابن (٧) الأصداء الهذلي
٣٢٠ - أحد من يؤذي النبي ﷺ ، فيقول له: إنما يعلمك أهل الكتاب أساطيرهم (٨)، ويقول للناس (٩): هو معلم مجنون (١٠). فدعا عليه رسول الله ﷺ . فإنه لعلى جبل إذ اجتمعت عليه الأروي، فنطحته حتى قتلته.
стр. 177
الحكم بن أبي العاص بن أمية
٣٢١ - كان الحكم مؤذيا لرسول الله ﷺ ، يشتمه ويسمعه. وكان رسول الله ﷺ يمشي ذات يوم، وهو خلفه يخلج (١) بأنفه وفمه، فبقي على ذلك. وأظهر الإسلام يوم فتح مكة. وكان مغموصا عليه في دينه.
فاطلع يوما على رسول الله ﷺ وهو في بعض حجر نسائه. فخرج إليه بعنزة وقال: «من عذيري من هذه الوزغة؟ لو أدركته، لفقأت عينيه»، أو كما قال ﷺ . ولعنه وما ولد، وغربه عن المدينة. فلم يزل خارجا منها إلى أن استخلف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، فرده وولده.
فكان ذلك مما أنكر عليه. ومات في خلافة عثمان. فضرب على قبره فسطاطا.
قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت لمروان بن الحكم (٢):
إن اللعين أباك فأرم عظامه … إن ترم ترم مخلجا مجنونا
يضحى خميص البطن من عمل التقى … ويظل من عمل الخبيث بطينا
عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف
٣٢٢ - كان عتبة يكنى أبا الوليد. ولقي رسول الله ﷺ ، فقال له:
«إن أردت الشرف، شرفناك بأن نملكك. وإن كنت تريد المال، أعطيناك منه ما تحبه». فقال: «يا أبا الوليد، اسمع». فقرأ «حم السجدة (٣)». فقال:
هذا كلام ما سمعت مثله. ثم التفت إلى جماعة من قريش، فقال: دعوه وخلوا بينه وبين العرب، فليس بتارك أمره.
٣٢٣ - وأتى رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم، وعتبة يكلمه، وقد طمع فيه فشغل عنه. فأنزل الله (٤): «عبس وتولى». وقوله «أما من استغنى»، يعني عتبة. ويقال: إن الذي تشاغل عن ابن أم مكتوم به:
стр. 178
الوليد بن المغيرة. ويقال: إن ابن أم مكتوم لما أتاه، قال له: «علمني مما علمك الله». فأقبل على أمية بن خلف الجمحي، وتركه.
٣٢٤ - وقتل عتبة يوم بدر كافرا. قتله حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، وقتل الوليد بن عتبة يوم بدر، قتله علي بن أبي طالب ﵇.
وكان لعتبة يوم قتل سبعون سنة. وكان الوليد ابن خمسين سنة. وكان أبو حذيفة ابن عتبة مع رسول الله ﷺ .
شيبة بن ربيعة بن عبد شمس
٣٢٥ - ويكنى أبا هاشم. كان شيبة (١) يجتمع مع قريش فيما يكذبه رسول الله ﷺ من الأذى له، غير أنه كان لا يتولى ذلك بيده. وقتل يوم بدر، قتله عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وذفف عليه حمزة وعلي ﵉. وكان شيبة أسن (٢) من عتبة بثلاث سنين. وقد كان عتبة وشيبة متثاقلين عن الخروج حتى أنبهما أبو جهل، فخرجا.
٣٢٦ - قالوا: ومشى نساء قريش إلى هند بنت عتبة، وهي أم معاوية، فقيل لها: ألا تبكين على أبيك وأخيك وأهل بيتك؟ فقالت: «لا أبكيهم».
فبلغ محمدا ذلك، فشمت وأصحابه ونساء الخزرج، لا والله، حتى أثأر من محمد وأصحابه. وحرمت على نفسها الدهن والكحل، وقالت: لو أعلم أن الحزن يذهبه البكاء، لبكيت. ثم قالت بعده (٣):
لله عينا من رأى … هلكا كهلك رجاليه
يا رب باك لي غدا … في النائحات وباكيه
стр. 179
كم غادروا يوم القلي … ب غداة تلك الواعية
من كل غيث في السني … ن إذا الكواكب خاوية
قد كنت أحذر ما أرى … فاليوم حق حذاريه
يا رب قائلة غدا … يا ويح أم معاوية
وقالت أيضا:
ويلى على أبوى … والقبر الذى واراهما
رمحين خطيين … في كبد السماء تراهما
سيفين هنديين … سن القبر حد ظباهما
لا مثل لهما في الكهو … ل ولا فتى كفتاهما
ابنى ربيعة لا يم … ل الناس من ذكراهما
ما خلفا إذ ودعا … وتوليا شر واهما
من حس لي الأخوين … كالغصنين أم من رآهما
مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف
٣٢٧ - كان مطعم يكنى أبا وهب. وكان أقل أصحابه أذى للنبي ﷺ ، ولكنه كان ينكر عليه ما أنكروا. وهو الذي قام بأمر بني هاشم وبني المطلب، حتى خرجوا من الشعب. وأجار النبي ﷺ ، حتى طاف بالبيت.
٣٢٨ - وقال النبي ﷺ لابنه جبير بن مطعم يوم بدر: لو كان أبوك حيا فاستوهبني هؤلاء الأساري، لوهبتهم له وشفعته فيهم.
٣٢٩ - ومات مطعم في صفر سنة اثنتين من الهجرة قبل بدر بأشهر. ودفن بالحجون وهو ابن بضع وتسعين سنة. وأقيم النوح عليه سنة.
طعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف
٣٣٠ - ويكنى أبا الريان. وكان طعيمة ممن يؤذي رسول الله ﷺ
стр. 180
فيبالغ في أذاه ويشتمه ويسمعه ويكذبه. فلما كان يوم بدر، أسر. فأمر رسول الله ﷺ بقتله صبرا، فقتل.
٣٣١ - حدثني عبيد (الله) بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال:
قتل رسول الله ﷺ طعيمة بن عدي صبرا. وكان الذي قتل طعيمة: حمزة بن عبد المطلب.
الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف:
٣٣٢ - كان رسول الله ﷺ قال يوم بدر: من لقي الحارث فليدعه لأيتام بني نوفل. وفيه نزلت: «وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا (١)». ولكنه كان أعان على نقض الصحيفة. فقتل يوم بدر كافرا.
قتله خبيب ابن إساف.
مالك بن الطلاطلة:
٣٣٣ - وقال الكلبي: كان مالك بن الطلاطلة بن عمرو بن غبشان من المستهزئين، وكان سفيها. قالوا: فدعا رسول الله ﷺ عليه، واستعاذ بالله من شره. فعصر جبريل بطنه، حتى خرج خلاؤه من فمه، فمات. وقال غيره: أشار جبريل، فامتحض رأسه قيحا. وقال غير الكلبي: هو عمر ابن الطلاطلة، وذلك باطل.
٣٣٤ - وقال الكلبي: سمعت من يقول هو الحارث بن الطلاطلة، وليس ذلك بشيء. وهم يغلطون بابن الغيطلة وابن الطلاطلة، فيجعلون هذا ذاك وذاك هذا.
٣٣٥ - وقد ذكر غير الواقدي: أن المستهزئين جميعا ماتوا في وقت واحد. وقول الواقدى أثبت.
стр. 181
٣٣٦ - وقال الواقدي: أليس موت من مات، وعمى من عمي، وما تهيأ لرسول الله ﷺ من أسباب مفارقتهم كفاية له ﷺ ؟
ركانة بن عبد يزيد
٣٣٧ - قالوا: وكان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب الشديد قدم من سفر له. فأخبر خبر النبي ﷺ ، فلقيه في بعض جبال مكة، فقال: يا ابن أخي، قد بلغني عنك أمر، وما كنت عندي بكذاب. فإن صرعتني، علمت أنك صادق. فصرعه النبي ﷺ ثلاثا. فأتى قريشا، فقال: يا هؤلاء، صاحبكم ساحر، فساحروا به من شئتم.
٣٣٨ - وقال هشام بن الكلبي، حدثني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:
لقي رسول الله ﷺ ركانة بن عبد يزيد، وكان أشد العرب، لم يصرعه أحد قط. فدعاه إلى إسلام. فقال: والله لا أسلم حتى تدعو هذه الشجرة. وكانت سمرة أو طلحة. فقال رسول الله ﷺ :
أقبلي بإذن الله. فأقبلت تخد الأرض خدا. فقال ركانة: ما رأيت كاليوم سحرا أعظم، فمرها فلترجع. فقال: ارجعي بإذن الله. فرجعت. فقال له:
ويحك، أسلم. فقال: إن صرعتني أسلمت، وإلا فغنمي لك، وإن صرعتك، كففت عن هذا الأمر. وكان ركانة أشد الناس، ما صرعه أحد قط. فأخذه النبي ﷺ ، فصرعه ثلاثا. فقال: يابن العم، العود. فصرعه أيضا ثلاثا، فقال: أسلم. فقال: لا. قال: فإني آخذ غنمك. قال:
فما تقول لقريش؟ قال: أقول صارعته، فصرعت فأخذت غنمه. قال:
فضحتني وخزيتني. قال: فما أقول لهم؟ قال: قل لهم قمرته. قال: إذا أكذب.
قال: أو لست في كذب من حين تصبح إلى حين تمسي؟ قال: خذ غنمك.
قال: فأنت والله خير مني وأكرم. قال النبي ﷺ : وأحق بذلك منك.
стр. 182
هبيرة بن أبي وهب
٣٣٩ - وكان هبيرة بن أبي وهب المخزومي ممن يؤذي رسول الله ﷺ . فقيل إنه قتل يوم الخندق. ويقال إنه بقي إلى الفتح، فهرب إلى اليمن، فمات هناك كافرا. وذلك أثبت.
ذكر المستضعفين من أصحاب رسول الله ﷺ
٣٤٠ - روى عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير أنه قال:
كان رسول الله ﷺ إذا جلس في المسجد، جلس إليه المستضعفون من أصحابه عمار بن ياسر، وخباب بن الأرت، وصهيب ابن سنان، وبلال بن رباح، وأبو فكيهة، وعامر بن فهيرة وأشباههم من المسلمين. فتهزأ قريش بهم ويقول بعضهم لبعض: هؤلاء جلساؤه كما ترون، قد من الله عليهم (١) من بيننا. فأنزل الله فيهم: «أليس الله بأعلم بالشاكرين؟ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل: سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة (٢)». قال: وكانوا قوما لا عشائر لهم ولا منعة. فكانت قريش تعذبهم في الرمضاء أنصاف النهار، ليرجعوا إلى دينهم. وفيهم نزلت:
«ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (٣)».
عمار بن ياسر:
٣٤١ - فمنهم عمار بن ياسر بن عامر بن مالك، أحد بني عنس أخى مراد (٤)
стр. 183
ابن مالك بن أدد بن زيد. وكان عنس يسمى زيدا. وكان كنية عمار (أبا) اليقظان، وكنية ياسر أبا عمار. ويقال: أبا عبد الله، وكان حليفا لبني مخزوم.
٣٤٢ - حدثني محمد بن سعد (١)، عن هشام بن الكلبي وغيره قال:
قدم ياسر بن عامر، وأخواه الحارث ومالك، مكة من اليمن يطلبون أخا لهم.
فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة وحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. فزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها سمية بنت خياط، فولدت له عمارا. فأعتقه أبو حذيفة، ولم ياسر. وعمار مع أبي حذيفة إلى أن مات، وجاء الإسلام. فأسلم ياسر، وسمية، وعمار، وأخوه عبد الله بن ياسر. وكان لياسر ابن آخر، أكبر من عمار وعبد الله، يقال له حريث.
فقتله بنو الديل في الجاهلية. وخلف على سمية، بعد ياسر، الأزرق، وكان روميا حدادا غلاما للحارث بن كلدة الثقفي. وهو ممن خرج يوم الطائف إلى النبي ﷺ مع عبيد أهل الطائف، وفيهم أبو بكرة، فعتقوا.
فولدت سمية للأزرق قبل الإسلام سلمة بن الأزرق. وكان ياسر قد فارقها.
فهو أخو عمار لأمه. ثم أدعى ولد سلمة- عمرو وعقبة- بنو الأزرق أنهم من ولد الحارث بن أبي شمر الغساني، وأنهم حلفاء لبني أمية. وشرفوا بمكة.
وتزوج بعض ولد الأزرق في بني أمية. وعمرو وعقبة من غير سمية.
٣٤٣ - وروى ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو (٢) بن عطاء، عن سعيد بن سلمة بن الأزرق، عن أبي هريرة:
أن النبي ﷺ سمع نساء يبكين في جنازة، فزجرهن عمر ﵁. فقال رسول الله ﷺ : يا عمر، دعهن فإن النفس مصابة، والعين دامعة، والعهد حديث. وقاتل عمرو بن الأزرق يوم بدر (٣) مع المشركين، فأسر.
стр. 184
٣٤٤ - وحدثني محمد بن سعد (١)، عن الواقدي، عن عبد الله بن أبي عبيدة، عن أبيه قال:
قال عمار بن ياسر: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم بن أبي الأرقم والنبي ﷺ فيها. فقلت له ما تريد؟ فقال: ما تريد أنت؟ قلت: أريد أن أدخل على محمد فأسمع كلامه. قال: وأنا أريد ذلك.
فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام. فأسلمنا، ثم مكثنا يومنا على ذلك حتى أمسينا. ثم خرجنا مستخفين. فكان إسلام عمار وصهيب بعد إسلام بضعة وثلاثين رجلا.
٣٤٥ - حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة أبو بكر، ثنا جرير بن عبد الحميد الضبي، عن منصور، عن مجاهد قال:
أول من أظهر الإسلام أبو بكر، وبلال، وخباب، وصهيب، وعمار.
فأما رسول الله ﷺ ، فمنعه قومه. وأما الآخرون فألبسوا دروع الحديد، وصهروا في الشمس حتى بلغ الجهد منهم. وجاء أبو جهل إلى سمية، فطعنها في قبلها. فهي أول شهيد في الإسلام. قال عبد الله بن محمد: بلغني أنها أغلظت له في القول، فأغضبته.
٣٤٦ - حدثني محمد بن سعد (٢) عن الواقدي، عن عثمان بن محمد عن الحارث بن الفضيل، عن محمد بن كعب القرظي قال:
أخبرني من رأى عمار بن ياسر متجردا في سراويل، قال: ونظرت إلى ظهره، فإذا فيه حبط. فقلت له: ما هذا؟ قال: هذا مما كانت قريش تعذبني في رمضاء مكة.
٣٤٧ - قال الواقدي، وحدثني عثمان بن محمد في إسناده، قال:
كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول. وكان أبو فكيهة يعذب حتى لا يدري ما يقول. وبلال، وعامر بن فهيرة، وقوم من المسلمين. وفيهم نزلت هذه الآية: «والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا
стр. 185
حسنة، ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون. الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (١)». قال الواقدي: إنها نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد، وعثمان ابن مظعون. وكان أول من قدم المدينة.
٣٤٨ - حدثنا محمد بن حاتم المروزي، ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله: «إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان (٢)»، قال: هو عمار.
٣٤٩ - حدثنا أبو صالح الفراء الأنطاكي، ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن (٣) عبد الكريم، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: لما أخذ المشركون عمارا، فعذبوه لم يتركوه حتى سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير. فلما أتى النبي ﷺ ، قال: وما وراءك؟
قال: شر، والله، ما تركني المشركون حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. قال: فكيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالإيمان. قال: فإن عادوا، فعد. فنزلت فيه: «إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان».
٣٥٠ - حدثني يحيى بن أيوب الزاهد، ثنا إسماعيل بن علية، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، أن النبي ﷺ لقي عمارا وهو يبكي. فجعل يمسح عينيه ويقول: أخذك الكفار، فغطوك في الماء، فقلت كذا وكذا. فإن عادوا، فقل ذاك لهم.
٣٥١ - وحدثني الوليد بن صالح، ومحمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الله بن أبي عبيدة، عن عبد الحكيم بن صهيب، قال:
عذب المشركون عمارا، وقالوا: لا نفارقك أبدا حتى تشتم محمدا، وحتى تقول اللات والعزى خير من دين محمد. ففعل. فتركوه. فأتى النبي ﷺ ، فقال: أفلح وجهك. فقال: والله، ما أفلح. قال: ولم؟
قال: نلت منك، وزعمت أن اللات والعزى خير من دينك. قال رسول الله
стр. 186
ﷺ : فكيف وجدت قلبك؟ قال: وجدته مطمئنا بالإيمان، أشد من الحديد في ديني. قال: فلا عليك، وإن عادوا، فعد. قال:
فعمار الذي أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. والذى «شرح بالكفر صدرا (١)»، عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
٣٥٢ - حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا عبد الله بن جعفر الرقي، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار، في قوله «إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان»، قال: ذاك عمار.
وفي قوله «ولكن من شرح بالكفر صدرا»، قال: عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
٣٥٣ - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه عن جده، عن أبي صالح، عن أم هاني:
أن عمار بن ياسر، وأباه ياسر، وأخاه عبد الله بن ياسر، وسمية أم عمار كانوا يعذبون في الله. فمر بهم النبي ﷺ ، فقال:
صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة. فمات ياسر في العذاب. وأغلظت سمية لأبي جهل، فطعنها في قبلها، فماتت. ورمي عبد الله، فسقط.
٣٥٤ - وحدثني محمد بن سعد (٢)، ثنا الفضل بن عنبسة الواسطي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف المكي بنحوه.
٣٥٥ - حدثني الحسين بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم، عن الحسن بن صالح، عن أبي ربيعة، عن الحسن، عن أنس، قال:
قال رسول الله ﷺ : الجنة تشتاق إلى ثلاثة من أصحابي:
علي، وعمار، وبلال.
٣٥٦ - حدثنا أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هذيل بن شرحبيل، قال:
أتي النبي ﷺ فقيل له: وقع على عمار حائط، فمات. فقال: ما مات عمار.
стр. 187
٣٥٧ - حدثنا الحسين بن علي بن الأسود، وإبراهيم بن مسلم الخوارزمي، قالا ثنا وكيع، ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال:
غزت بنو عطارد من البصرة ماه، وأمدوا بعمار بن ياسر وهو على الكوفة.
فخرج عمار قبل الوقعة وقدم بعدها، فقال: نحن شركاؤكم في الغنيمة.
فقام رجل من بني عطارد، فقال: أيها العبد الأجدع- وقال إبراهيم في حديثه:
«المجدع»، وكانت أذنه أصيبت في سبيل الله- أتريد أن نقسم لك غنيمتنا؟
فقال عمار: عيرتني بخير أذني، وأحب أذني إلي. فكتب بذلك إلى عمر.
فكتب: الغنيمة لمن شهد الوقعة.
٣٥٨ - حدثني محمد بن سعد (١)، عن الواقدي، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال:
رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف، وهو يصيح:
«يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون؟ أنا عمار بن ياسر. هلموا إلي».
وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت، فهي تذبذب وهو يقاتل أشد قتال.
٣٥٩ - حدثنا أبو مسلم مستملي يزيد، ثنا يزيد بن هارون، عن شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق، عن ابن شهاب، قال:
قال رجل من بني تميم لعمار: أيها الأجدع. فقال عمار: خير أذني سببت.
٣٦٠ - حدثنا محمد بن سعد (٢)، ثنا مسلم بن إبراهيم وأبو قطن، قالا ثنا القاسم بن الفضل الحراني، قال ثنا عمرو بن مرة الجهني، عن سالم بن أبي الجعد: أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال:
أقبلت ورسول الله ﷺ آخذ بيدي ونحن نتماشى بالبطحاء، إذ أتينا على أبي عمار، وعمار، وأمه. وهم يعذبون. فقال ياسر: أهكذا يكون الدهر كله؟ فقال له النبي ﷺ : اصبر، اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت.
стр. 188
٣٦١ - حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا وكيع بن الجراح، عن سالم بن أبي العلاء، عن عمرو (ابن) هرم، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان قال:
قال رسول الله ﷺ : اهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود. أو قال: ابن أم عبد.
٣٦٢ - حدثني أبو مسلم، عن وكيع عن النبي ﷺ بهذا الإسناد، قال:
وتمسكوا بعهد ابن أم عبد.
٣٦٣ - حدثني شريح بن يونس، عن مؤمل بن إسماعيل، عن أبي إسحاق، عن أبي العلاء قال:
قال عمار:
«مثل الجليس الصالح مثل العطار، إلا تجد من عطره، يصل إليك ريحه. ومثل الجليس السوء مثل الكير، إن لم يحرقك بناره، أصابك من شرره ونتن ريحه.»
٣٦٤ - حدثني أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال:
كان أول من أفشى القرآن بمكة من في رسول الله ﷺ عبد الله بن مسعود. وأول من بنى مسجدا يصلي فيه عمار بن ياسر.
٣٦٥ - حدثني عمرو الناقد، وبكر بن الهيثم، قالا ثنا قبيصة بن عقبة، ثنا سفيان، عن أبيه قال:
أول من اتخذ مسجدا في بيته يصلي فيه عمار.
٣٦٦ - حدثنى إسحاق القروي أبو موسى، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي رضي الله تعالى عنه قال:
قلنا له: أخبرنا عن عمار بن ياسر. قال: مؤمن (١) نشأ، إذا ذكر ذكر.
٣٦٧ - حدثني عفان، عن القاسم بن الفضل، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن على بنحوه.
стр. 189
٣٩٦ - حدثني محمد بن سعد (١)، ثنا محمد بن كناسة الأسدي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: «أمن هو قانت آناء الليل (٢)»، قال: نزلت في عمار بن ياسر.
٣٦٩ - وقال الواقدي: أقطع رسول الله ﷺ عمارا موضع داره.
وشهد وقعة بدر، وأحد، والخندق، والمشاهد كلها مع النبي ﷺ .
٣٧٠ - حدثني الحسين بن الأسود، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب العبدى، قال:
قرئ علينا كتاب (٣) عمر رضي الله تعالى عنه بالكوفة: «أما بعد فإني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا، وابن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل بدر. وقد آثرتكم بابن أم عبد على نفسي. فاسمعوا لهما وأطيعوا، واقتدوا بهما. وقد جعلت ابن مسعود على بيت مالكم، وحذيفة وعثمان بن حنيف على السواد. ورزقتهم في كل يوم شاة». قال: فجعل شطرها وبطنها لعمار، والشطر الباقي بين هؤلاء الثلاثة.
٣٧١ - حدثنا هدبة بن خالد البصري، عن أبى هلال الراسبى، عن الحسن، قال:
قال عمر: إنما وليت عمارا لقول الله : «ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (٤)».
٣٧٢ - حدثنا أبو مسعود الكوفي، ثنا عوانة- أو قال: أبو عوانة- عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة:
أن أهل الكوفة شكوا سعدا، فأكثروا. فعزله وولى عمار بن ياسر الكوفة.
٣٧٣ - وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن أبيه، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه:
إن عمر عزل سعدا عن العراق، وقاسمه ماله. وولى عمار بن ياسر بعده.
стр. 190
٣٧٤ - حدثنا عمرو بن محمد، حدثني عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق:
أن عبد الله بن مسعود كان يخطب كل خميس، ويدع خطبة الجمعة للأمير، وهو عمار.
٣٧٥ - حدثني أحمد بن إبراهيم، ثنا العقدي أبو عامر، عن شعبة، عن سماك، عن رجل من تيم الله سمعه، يقول:
كان عمارا علينا سنة يخطبنا في كل جمعة، في عمامة سوداء.
٣٧٦ - وحدثني أبو بكر الأعين، حدثنا عفان، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب:
أن عمارا كان إذا خطب، سلم.
٣٧٧ - حدثنا بكر بن الهيثم، ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم:
أن عمار بن ياسر كان يقرأ على المنبر «يس (١)». فقال له الأشعث بن قيس: وما أرحنا من ياسينك.
٣٧٨ - وحدثني الحسين بن الأسود، حدثني يحيى بن آدم، عن أبي زبيدة عبثر، قال:
خطب عمار بخطبة وجيزة. فقيل له: لو زدت في خطبتك؟ فقال:
أمرنا بتقصير الخطب وإطالة الصلاة. قال: وكان يقرأ على المنبر: «إذا السماء انشقت (٢)»، فينزل، فيسجد.
٣٧٩ - حدثنا بكر بن أبي حذيفة، عن سفيان بن بشير بن ذعلوق، عن أبي مريم، قال:
قال عمار: احدقوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان.
٣٨٠ - حدثني الحسين، عن يحيى، عن شريك، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال:
رأيت عمارا قرأ يوم جمعة «إذا السماء انشقت»، فنزل عن المنبر فسجد.
٣٨١ - وحدثني عبد الله بن صالح، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد:
أن عمارا كان لا يرى بأسا بالعراض (٣) إذا قتل.
стр. 191
٣٨٢ - حدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة، ثنا جرير، عن الأعمش عن زيد بن وهب قال:
إنا لمع عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه بظهر الكوفة إذ عرض له حمار وحش، فأسرعنا إليه بالرماح، فطعناه بها. فقال عمار: والله لا تقوم الساعة حتى إذا رئي رجل من قريش فعل به كما فعل بهذا، وحتى إن الرجل ليرى على أحدهم العمامة الحسينة فتعجبه فيضرب عنقه من أجلها ويأخذها منه.
٣٨٣ - حدثني أبو عبيد القاسم بن سلام، ثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن على ابن أبي كثير، قال:
رأى عمار رجلا يصلي على دابته، فأخذ بقفاه، فحطه على قرار الأرض، وقال: صل ها هنا.
٣٨٤ - حدثنا علي بن شور المقرئ، عن عبد الوهاب، عن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة:
أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، ثم جعل يغشاها، وظن أنه لا طلاق إلا طلاق السنة. فقالت له المرأة: ويحك إني قد بنت منك. فأتى الكوفة، فسأل عمارا، فقال: ما تقول في رجل طلق امرأته ثلاثا دفعة، ثم غشيها؟ فقال عمار: لو قدرت عليه، لرجمته. فانطلق إلى امرأته، فسرحها، وقال:
كانت حلالا أم عبد الله … لي لو لم تطلق
حجز التقى عنها ومن … لا يتق الرحمن يوبق
٣٨٥ - حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا سفيان، عن منصور، عن ربعي:
أن عمارا أتي بشاة مصلية في اليوم الذي يشك فيه قبل رمضان. فتنحى رجل. فقال له: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، فادن واطعم.
٣٨٦ - حدثني شجاع بن مخلد الفلاس، ويوسف، عن موسى، ثنا جرير، عن أبى سنان، عن عبد الله ابن أبي الهذيل، قال:
لما بنى عبد الله بن مسعود داره، قال لعمار: تعال فانظر إلى ما بنيت.
فنظر، وقال: بنيت شديدا، وأملت بعيدا، وستموت قريبا.
стр. 192
٣٨٧ - حدثني إبراهيم بن محمد بن عرعرة، ثنا أبو عامر، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن شبيب، قال:
سمعت عمارا يقول: لا يضرب رجل عبده ظالما إلا أقيد منه يوم القيامة.
٣٨٨ - حدثني عبد الله بن صالح، قال: ذكر لنا عن أبي الأحوص أنه رأى عمار بن ياسر يخطب يوم الجمعة. فبدت له حية. فنزل، فضربها حتى قتلها لقول النبي ﷺ : اقتلوا الحية والعقرب ولو كنتم في صلاتكم.
٣٨٩ - حدثنا محمد بن سعد (١)، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا سفيان، عن أجلح، عن ابن أبى هذيل قال:
رأيت عمار يشتري قتا (٢) بدرهم، فاستزاد حبلا. فأبى صاحبه أن يزيده:
فجاذبه، حتى قاسمه إياه نصفين. وحمله عمار على ظهره إلى منزله- أو قال:
القصر- وهو أمير الكوفة.
٣٩٠ - حدثنا وهب بن بقية، أنبأ يزيد بن هارون، أنبأ جرير بن حازم، عن سعيد بن أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن مطرف قال:
رأيت عمار بن ياسر يقطع على لحاف ثعالب ثوبا.
٣٩١ - حدثني محمد بن سعد (٣)، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي قال:
سئل عمار عن مسئلة، فقال: هل كان هذا؟ قالوا: لا. قال: فدعونا حتى يكون، فإذا كان تحشمناها (٤) لكم.
стр. 193
٣٩٢ - وحدثنا محمد بن سعد (١)، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، قال:
وشى بعمار رجل إلى عمر، فرفع عمار يديه فقال: اللهم إن كان كذب علي، فابسط له في الدنيا واجعله موطوء العقب.
٣٩٣ - حدثنا محمد بن سعد (٢)، ثنا عفان، ثنا الأسود بن شيبان، ثنا أبو نوفل بن أبي عقرب، قال:
كأن عمارا من أطول الناس سكوتا وأقلهم كلاما. وكان يقول: أعوذ بالله من الفتنة، أعوذ بالله من الفتنة. ثم عرضت له فتنة عظيمة.
٣٩٤ - حدثني الحسين بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى وأبو نعيم، قالا ثنا سعد العبسى، عن بلال بن يحيى العبسى أن حذيفة قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أبو اليقظان على الفطرة، أبو اليقظان على الفطرة. لن يدعها حتى يموت أو ينسيه الهرم».
٣٩٥ - حدثنا سعيد بن سليمان، ثنا شريك، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال:
شاتم عمارا رجل، فقال له: «إن كنت كما تقول، فأنا كتارك الغسل يوم الجمعة، وإن كنت كاذبا، فأكثر الله مالك، وأوطأ الرجال عقبك».
٣٩٦ - حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير، عن أبيه، قال: سمعت أبا يزيد المدني يحدث:
أن عمارا قال لعائشة رضي الله تعالى عنها يوم الجمل بعد ما فرغ الناس من القتال: سبحان الله يا أم المؤمنين، ما أبعد هذا الأمر من الأمر الذي عهد رسول الله ﷺ إليك فيه أمرك أن تقري في بيتك. فقالت:
«من هذا؟ أبو اليقظان؟» قال: نعم. قالت: والله إنك، ما علمت، تقول الحق. فقال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك.
٣٩٧ - وحدثنا خلف بن هشام البزاز، ثنا أبو عوانة، أنبأ أبو بلج، عن عمرو بن ميمون، قال:
أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار، فكان رسول الله ﷺ
стр. 194
يمر به، فيمر يده على رأسه فيقول: «يا نار كوني بردا وسلاما (١) على عمار كما كنت على إبراهيم. تقتلك الفئة الباغية، يا عمار».
٣٩٨ - حدثني محمد بن سعد (٢)، ثنا عفان بن مسلم، ثنا وهيب، ثنا داود، عن أبي نضرة العبدي المنذر بن مالك، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال:
لما اتخذ النبي ﷺ في بناء المسجد، جعل يحمل لبنة لبنة.
وجعل عمار يحمل لبنتين لبنتين. فحدثني أصحابي أن النبي ﷺ جعل ينفض التراب عن رأسه فيقول: «ويحك، يا ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية».
٣٩٩ - حدثنى المدائني، عن علي بن مجاهد، قال:
وقع بين عبد الله بن مسعود وبين عمار بن ياسر تشاجر في شيء. فعجل عمار. فجلس ابن مسعود. فبلغ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، فقال:
أتجلس ابن أم عبد؟ فعزل عمارا، وولى الكوفة المغيرة بن شعبة.
٤٠٠ - حدثني أحمد بن هشام بن بهرام أبو عبد الله، ثنا عمرو بن عون، أنبأ هشيم، عن العوام بن حوشب، عن الأسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد- وكان يأمن عند علي وعند معاوية ﵄ قال:
بينا أنا عند معاوية إذا أتاه رجلان يختصمان في رأس (٣) عمار. فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: لتطب نفس كل واحد منكما لصاحبه برأس عمار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقتل عمارا الفئة الباغية.
فالتفت معاوية إلى عمرو بن العاص، فقال: «ألا تثني عنا مجنونك هذا؟ فلم يقاتل معنا إذا» فقال: إن رسول الله ﷺ أمرني بطاعة أبي، فأنا معكم، ولست أقاتل.
стр. 195
٤٠١ - حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ووهب بن بقية الواسطي، قالا ثنا يزيد بن هارون، أنبأ شريك، عن محمد بن عبد الله المرادي، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال:
كنا عند عمار بصفين، وعنده شاعر ينشد هجاء في معاوية وعمرو بن العاص، وعمار يقول: «ألصق بالعجوزين». فقال رجل: أيقال عندكم الشعر وأنتم أصحاب رسول الله ﷺ وأهل بدر؟ فقال: إنا لما هجا المشركون، شكونا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: قولوا كما يقولون لكم. فإنا كنا لنعلمه الإماء بالمدينة.
٤٠٢ - حدثني أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا وكيع، عن سفيان، عن عمار بن معاوية الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله قال:
قال رسول الله ﷺ : ما عرض على ابن سمية أمران قط إلا اختار الأرشد منهما.
٤٠٣ - وحدثني أبو بكر الأعين، عن عفان، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن عمار قال:
ثلاث من كمال الإيمان: الإنفاق في الإقتار، وإنصاف الناس من نفسك، وبذل السلام.
٤٠٤ - حدثني أحمد بن هشام وعمرو بن محمد، قالا ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن عبد الرحمن ابن زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال:
إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفين، بينه وبين عمرو بن العاص، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: يا أبت، سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: «ويحك يابن سمية، تقتلك الفئة الباغية». قال، فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية: «ما تزال تأتينا بهنة تدحض بها في قولك. أنحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاؤا به».
٤٠٥ - حدثني محمد بن سعد (١)، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عبد الرحمن، عن عبد الله ابن الحارث بمثله.
стр. 196
٤٠٦ - حدثنا خلف بن هشام البزار، ثنا خالد بن عبد الله الطحان، ثنا داود بن أبي هند، عن عامر قال:
قال عمر لعمار رضى الله تعالى عنهما: أساءك عزلنا إياك؟ قال: لئن قلت ذاك، لقد ساءني استعمالك إياي، وساءني عزلك.
٤٠٧ - حدثنا محمد بن سعد (١)، عن الواقدي، قال حدثني عبد الله بن الحارث، عن الفضيل، عن أبيه، عن عمارة، عن (ابن) خزيمة بن ثابت، قال:
شهد خزيمة بن ثابت الجمل، فلم يسل سيفا. وشهد صفين، فقال: لا أقاتل أبدا حتى يقتل عمار، فأنظر من يقتله؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتله الفئة الباغية». فلما قتل عمار، قال خزيمة: قد أبانت لي الضلالة. ثم اقترب، فقاتل حتى قتل. وكان الذي قتل عمارا: أبو الغادية المري. طعنه برمح، فسقط. وكان يومئذ يقاتل في محفة. فقتل وهو ابن أربع وتسعين سنة. فلما وقع، أكب عليه رجل آخر فاحتز رأسه. فاختصما فيه.
فقال عمرو: والله ما يختصمان إلا في النار (٢). فقال معاوية: أتقول هذا لقوم بذلوا أنفسهم دوننا؟ فقال عمرو: هو والله ذاك، وإنك لتعلمه، ولوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.
٤٠٨ - حدثني بكر بن الهيثم، ثنا أبو نعيم، ثنا عبد الجبار، عن أبي إسحاق، قال:
لما قتل عمار، دخل خزيمة بن ثابت فسطاطه، فشن عليه الماء، وطرح عليه سلاحه، ثم قاتل حتى قتل.
٤٠٩ - وحدثني محمد بن سعد (٣)، عن الواقدي، عن عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عون، قال:
قتل عمار ﵁ وهو ابن إحدى وتسعين سنة. وكان أقدم في الميلاد من رسول الله ﷺ . وكان أقبل إليه ثلاثة نفر: عقبة بن عامر الجهني، وعمير بن الحارث الخولاني، وشريك بن سلمة المرادى.
стр. 197
فانتهوا إليه، فحملوا عليه فقتلوه. وزعم بعض الناس أن عقبة بن عامر هو الذي كان ضربه حين أمر به عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، حتى أصابه الفشق. ويقال: بل الذي قتله عمير بن الحارث الخولاني. وقال الكلبي:
يقول أهل الشام: إن الذي قتل عمارا: حوي بن ماتع بن زرعة بن محض السكسكي، من كندة. قال: وغيره يقول: قتله أبو الغادية المري.
٤١٠ - حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا أبو داود الطيالسي، أنبأ شعبة، أنبأني عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة يقول:
رأيت عمارا يوم صفين شيخا آدم، في يده الحربة، وإنها لترعد. فنظر إلى عمرو بن العاص ومعه الراية، فقال: إن هذه راية قد قاتلتها مع رسول الله ﷺ ثلاث مرات، وهذه الرابعة. والله لو ضربونا حتى يبلغوا (١) بنا سعفات هجر، لعرفت أن مصلحتنا (٢) على الحق وأنهم على الضلال.
٤١١ - حدثنا محمد بن سعد (٣)، ثنا الفضل بن دكين، ثنا موسى بن قيس الحضرمى، عن سلمة ابن كهيل قال:
قال عمار يوم صفين: «الجنة تحت البارقة. الظمآن قد يرد الماء. الماء مورود. اليوم ألقى الأحبة: محمدا وحزبه. والله لو ضربونا حتى يبلغونا (٤) سعفات هجر، لعلمت أنا على حق وأنهم على باطل. والله لقد قاتلت هذه الراية ثلاث مرات مع رسول الله ﷺ ، وما هذه المرة بأبرهن ولا أنقاهن (٥)».
٤١٢ - وحدثني محمد بن سعد (٦)، عن الواقدي، عن عبد الله بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن لؤلؤة مولاة أم الحكم بنت عمار بن ياسر، قالت:
لما كان اليوم الذي قتل فيه عمار، والراية مع هاشم بن عتبة، وقد قاتل
стр. 198
أصحاب علي ﵇ ذلك اليوم، حتى كادت الشمس تغرب، وعمار من وراء هاشم، وقد جنحت الشمس للغروب. ومع عمار ضيح من لبن. فقال حين وجبت الشمس، وشرب الضيح: سمعت رسول الله ﷺ يقول: آخر زادك من الدنيا ضيح من لبن. قالت: ثم اقترب، فقاتل حتى قتل، وهو ابن أربع وتسعين سنة.
٤١٣ - حدثنا عمرو الناقد، ثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري، قال: أتى عمار يوم صفين بلبن، فضحك وقال: قال لي رسول الله ﷺ : «إن آخر شراب تشربه حتى تموت شربة لبن».
٤١٤ - حدثنا أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي البختري قال:
قال عمار يوم صفين: «ايتوني بشربة لبن، فإن رسول الله ﷺ قال: إن آخر شربة تشربها في الدنيا شربة لبن». فأتى بلبن، فشربه.
ثم قاتل حتى قتل. رضي الله تعالى عنه.
٤١٥ - حدثني عمرو الناقد، ثنا عفان، ثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، حدثني أبي قال:
كنت بواسط القصب عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر. فقال الآذن: هذا أبو الغادية الجهني بالباب. فقال عبد الأعلى: أدخلوه. فدخل وعليه مقطعات له، فإذا رجل طوال، ضرب من الرجال كأنه ليس من هذه الأمة. فلما دخل، قعد. قال: بايعت رسول الله ﷺ . قلت:
بيمينك؟ قال: لم؟ وذكر كلاما، ثم قال: «إنا كنا نعد عمار بن ياسر فينا حنانا. فبينا أنا في مسجد قباء، إذا هو يقول: «إن نعثلا هذا» يعني عثمان. فقلت: لو أجد عليه أعوانا، لوطئته حتى أقتله. وقلت: اللهم، إن تشأ تمكني من عمار. فلما كان يوم صفين، أقبل في أول الكتيبة. حتى إذا كان بين الصفين، أبصر رجل عورة منه، فطعنه في ركبته بالرمح، فعثر فانكشف المغفر عنه. فضربته، فإذا رأس عمار. قال: فلم أر رجلا أبين ضلالة عندي منه: إنه سمع من النبي ﷺ ، وبايعه، ثم قتل عمارا.
стр. 199
واستسقى أبو غادية ماء. فأتي بماء في زجاج. فأبى أن يشرب. فأتي بماء في خزف. فقال رجل بالنبطية (١): «يتورع عن الشرب في زجاج، ولم يتورع عن قتل عمار».
٤١٦ - وحدثنا محمد بن سعد (٢)، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ كلثوم بن جبر، عن أبي غادية، قال:
سمعت عمارا يقع في عثمان ويشتمه بالمدينة، فتوعدته بالقتل.
فلما كان يوم صفين، جعل عمار يحمل على الناس. فقيل: هذا عمار. فرأيت فرجة بين الرانين (٣) وبين الساقين، فحملت عليه، فطعنته في ركبته. فوقع، فقتلته. فقيل: قتل عمار بن ياسر.
٤١٧ - وأخبر عمرو بن العاص، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قاتله وسالبه في النار. فقيل لعمرو: سمعت هذا من رسول الله ﷺ وها أنت قاتله. قال: إنما قال «قاتله وسالبه».
٤١٨ - وقال الواقدي في إسناد له:
حمل على عمار حوى السكسكى وأبو الغادية المرى، فقتلاه. فقيل لأبي الغادية: كيف قتلته؟ قال: لما دلف (٤) إلينا في الكتيبة، دلفنا إليه. فنادى:
هل من مبارز؟ فبرز إليه رجل من السكاسك. ثم بارز رجلا من حمير. فقتله عمار. وأثخن الحميري عمارا. ونادى: هل من مبارز؟ فاختلفنا ضربتين، واضطربت يد عمار، فضربته بسيفي حتى برد. ونادى الناس: قتلت أبا اليقظان، قتلك الله. فقال له محمد بن المنتشر: خصمك، يا با الغادية، مازندر (٥)، يعني ضخما. فضحك. وكان أبو الغادية شيخا كبيرا جسيما آدم.
стр. 200
٤١٩ - وقال على ﵇: إن امرأ من المسلمين لم يعظم عليه قتل عمار و (لم) يدخل عليه بقتله مصيبة موجعة، لغير رشيد. رحم الله عمارا يوم أسلم، ورحم الله عمارا يوم قتل، ورحم الله عمارا يوم يبعث حيا. لقد رأيت عمارا ما يذكر من أصحاب رسول الله ﷺ أربعة إلا كان الرابع، ولا خمسة إلا كان الخامس. وما كان أحد من أصحاب محمد يشك في أن عمارا قد وجبت له الجنة في غير موطن ولا اثنين فهنيئا الجنة. عمار مع الحق أين دار. وقاتل عمار في النار.
٤٢٠ - حدثني الحسين بن الأسود، عن عبيد الله بن موسى، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب (١) ابن أبي ثابت قال:
قتل عمار يوم قتل وهو مجتمع العقل.
٤٢١ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن عون، عن الحسن، قال:
قال عمرو بن العاص: إني لأرجو أن لا يكون رسول الله ﷺ مات يوم مات وهو يحب رجلا، فيدخله الله النار. فقال: قد كان يحبك ويستعملك. فقال: الله أعلم أحبني أم تألفني، لكنا كنا نراه يحب رجلا. قال: فمن ذاك الرجل؟ قال: عمار بن ياسر. قالوا: فذاك قتيلكم يوم صفين. قال: قد والله قتلناه.
٤٢٢ - وقال بعض الرواة: كان أبو الغادية عامليا. وأثبت ذلك أنه مري.
٤٢٣ - وقال الواقدي في إسناده: كان عمار آدم، طوالا، مضطربا، أشهل العينين، بعيد ما بين المنكبين، وكان لا يغير شيبه. وقتل مع علي بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين. وذلك الثبت. ويقال:
إحدى وتسعين. ودفن بصفين. رحمه الله تعالى.
٤٢٤ - حدثنا محمد بن حاتم، ثنا ابن نمير، عن أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق، أن عليا ﵇ صلى على عمار وهاشم بن عتبة، فجعل عمار مما يليه، وهاشما أمام ذلك، وكبر عليهما تكبيرا واحدا.
стр. 201
٤٢٥ - وحدثنا بشر بن الوليد، ثنا أبو يوسف، عن الحسين بن عمارة، عن أبي إسحاق، عن عاصم ابن ضمرة:
أن عليا صلى على عمار، ولم يغسله.
٤٢٦ - حدثنا محمد بن سعد (١)، ثنا أبو نعيم، ثنا شريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق الشيباني، عن مثنى العبدي، عن أشياخ شهدوا عمارا قال:
لا تغسلوا عني دما فإني مخاصم.
٤٢٧ - وروي عن الأصبغ بن نباته أنه قال:
رحم الله أبا اليقظان، فإني أرى أنه لو شارك أيوب ﵇ في بلائه، صبر معه.
خباب بن الأرت
٤٢٨ - قالوا: كان الأرت سواديا. فأغار قوم من ربيعة على الناحية التي كان فيها، فسبوه وأتوا به الحجاز، فباعوه. فوقع إلى سباع بن عبد العزى الخزاعي، حليف بني زهرة. وابنة (٢) عبد الله بن سباع هذا، هي أم طريح بن إسماعيل الثقفي الشاعر. فوهبه لأم أنمار بنت سباع، فأعتقته. وسباع هذا، هو الذى بارزه حمزة رضى الله تعالى عنه: «إلى يابن مقطعة البظور». فقتله حمزة.
وكانت أمه قابلة بمكة. ويقال: إن اسمها أيضا أم أنمار.
٤٢٩ - وقال الهيثم بن عدي: كان أبو خباب من أهل كسكر.
ويقال: إنه كان من سواد الكوفة.
٤٣٠ - وزعم أبو اليقظان البصري: أن خباب بن الأرت كان أخا سباع لأمه. فانضم خباب إلى آل سباع، فادعى حلف بنى زهرة.
стр. 202
٤٣١ - وخباب- فيما يقول ولده- بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة، من بني سعد بن زيد مناة بن تميم. وأنه وقع عليه سباء، فصار إلى أم أنمار مولاته، فأعتقته. وأنه كانت به رتة. قال الواقدي: كان ألكن إذا تكلم بالعربية. فسمي الأرت.
٤٣٢ - وقال الواقدي: أسلم خباب، وكان قينا بمكة. ويكنى أبا عبد ربه.
٤٣٣ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن كردوس، أنه قال:
ألا إن خباب بن الأرت أسلم سادس ستة.
٤٣٤ - وحدثني محمد بن سعد (١)، عن الواقدي، عن محمد بن صالح، عن يزيد بن رومان، قال:
أسلم خباب مع بنى مظعون وأبى سلمة بن عبد الأسد وجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، قبل دخول دار الأرقم.
٤٣٥ - وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ويوسف بن موسى القطان، قالا ثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن الشعبي، قال:
أعطوهم (٢) ما أرادوا. قال يوسف في حديثه: حين عذبوا إلا خباب بن الأرت، فجعلوا يلصقون ظهره بالأرض على الرضف حتى ذهب ماء متنه.
٤٣٦ - وقال الواقدي: جاء خباب إلى النبي ﷺ ، فشكا ما أصابه.
فقال ﷺ : لقد كان الرجل ممن قبلكم يمشط بأمشاط الحديد حتى يخلص إلى ما دون عظمه من لحم وعصب، ويشق بالمئآشير، فلا يرده ذلك عن دينه. وأنتم تعجلون. والله، ليمضين هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله وحده، والذئب على غنمه.
٤٣٧ - حدثني أحمد بن هشام بن بهرام ومحمد بن حاتم، قالا ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن خباب بن الأرت، قال:
كنت قينا، وكان لي على العاص بن وائل دين. فأتيته أقتضيه. فقال لي:
стр. 203
لن أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لن أكفر حتى تموت وتبعث. قال:
«وأني لمبعوث بعد الموت؟ فإن كان ذلك، فلسوف أقضيك إذ رجعت إلي مالي وولدي». فنزلت فيه: «أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا»، إلى قوله «فردا (١)».
٤٣٨ - وحدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الله بن صالح المصري (٢)، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس بنحوه وقوله «سنكتب ما يقول (٣)»، يعني ماله وولده.
٤٣٩ - وقال الواقدي: كان خباب ممن شهد بدرا. ولم يفارق النبي ﷺ . ولما هاجر رسول الله ﷺ وهاجر خباب، نزل والمقداد ابن عمرو على كلثوم بن الهدم، فلم يبرحا منزله حتى توفي قبل بدر بيسير.
فتحولا، فنزلا على سعد بن عبادة. فلم يزالا عنده حتى فتحت قريظة. وآخا رسول الله ﷺ بين خباب وجبر بن عتيك بن (الحارث بن) (٤) قيس بن هيشة الأوسي. ولم يتخلف عن مشهد من مشاهد رسول الله ﷺ .
٤٤٠ - حدثني إبراهيم بن مسلم الخوارزمي وعمرو بن محمد الناقد، قالا ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي ليلى الكندي قال:
جاء خباب إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فقال: ادنه، ادنه، فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار بن ياسر. فجعل خباب يريه آثارا في ظهره لما عذبه المشركون.
٤٤١ - حدثني خلف بن هشام، ثنا حبان بن علي العنزي أخو مندل، ثنا مجالد، عن الشعبي، قال:
دخل خباب بن الأرت على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه،
стр. 204
فأجلسه على منكبه وقال: ما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا رجل واحد. فقال خباب: ومن هو، يا أمير المؤمنين؟ قال: بلال. قال خباب: ليس هو بأحق مني، إن بلالا كان له في المشركين من يمنعه الله به، ولم يكن لي (١) أحد، لقد رأيتني يوما وقد أوقدوا لي نارا، ثم سلقوني فيها، ثم وضع رجل رجله على صدري، فما أتيت الأرض إلا بظهري. ثم كشف خباب عن ظهره له.
فإذا هو قد برص.
٤٤٢ - حدثني القاسم بن سلام، ثنا حجاج بن محمد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حارثة بن مضرب، قال:
دخلت على خباب أعوده وقد اكتوى سبع كيات. فسمعته يقول: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يتمنين أحدكم الموت»، لتمنيته. قال: وأتي بكفنه قباطي. فبكى، ثم قال: لكن حمزة كفن في بردة، إذا مدت على قدميه قصرت عن رأسه، وإذا مدت على رأسه قصرت عن قدميه حتى جعل عليهما إذخر. ولقد رأيتني مع رسول الله ﷺ ، وما أملك دينارا ولا درهما، وإن في بيتي في تابوت لأربعين ألف واف. ولقد خشيت أن يكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا.
٤٤٣ - حدثني محمد بن سعد (٢)، حدثني يعلى بن عبيد، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال:
دخلنا على خباب نعوده، وقد اكتوى في بطنه سبعا (٣). وقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت، لدعوت بالموت.
٤٤٤ - حدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، قال:
كان خباب قينا، وكان قد أسلم. فكان رسول الله ﷺ يألفه ويأتيه. فأخبرت بذلك مولاته، فكانت تأخذ الحديدة وقد أحمتها، فتضعها
стр. 205
على رأسه. فشكا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: اللهم انصر خبابا. فاشتكت مولاته رأسها- وهي أم أنمار- فكانت تعوي مع الكلاب.
فقيل لها: اكتوي. فكان خباب يأخذ الحديدة قد أحماها، فكان يكوي بها رأسها.
٤٤٥ - قال الواقدي: أتى خباب الكوفة حين اختطها المسلمون، فابتنى بها دارا، وتوفي بها سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. وصلى عليه علي بن أبي طالب منصرفه من صفين.
٤٤٦ - حدثني محمد بن سعد (١)، ثنا طلق بن غنام النخعي، ثنا محمد بن عكرمة بن قيس النخعي، عن أبيه قال: حدثني ابن خباب قال:
كان الناس يدفنون موتاهم بالكوفة في جبابينهم. فلما ثقل خباب قال: أي بني، إذا أنا مت، فادفني بهذا الظهر، فإنك لو دفنتى به قيل: دفن بهذا الظهر رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، فدفن الناس موتاهم بالظهر. قال: فلما مات، دفنه بظهر الكوفة. فكان أول مدفون بظهر الكوفة خباب بن الأرت.
٤٤٧ - حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي في إسناده، قال:
كان الذي يعذب خبابا حين أسلم ولازم رسول الله ﷺ : عتبة بن أبي وقاص، أخا سعد بن (٢) أبي وقاص. واسم أبي وقاص مالك بن أهيب ابن عبد مناف بن زهرة. ويقال: إن الذي كان يعذبه، وهو الثبت، الأسود ابن عبد يغوث.
٤٤٨ - قال: وكان، فيما ذكر بعض ولده، ربعة، جيد الألواح، عريض ما بين المنكبين، عظيم الهامة، كث اللحية.
стр. 206
٤٤٩ - وزعم بعض الرواة: أن خبابا كان مولى لعتبة بن ربيعة. وذلك باطل.
٤٥٠ - حدثنا عفان، ثنا عبد الواحد بن زياد، أنبأنا الأعمش، عن إبراهيم:
أن خبابا كان يكنى أبا عبد الله.
صهيب بن سنان
٤٥١ - قال الكلبي: صهيب بن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل ابن عامر بن جندلة بن جذيمة (١) بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس مناة بن النمر بن قاسط. وأمه سلمى بنت قعيد، من بني تميم.
٤٥٢ - وقال الواقدي: كان إسلام صهيب مع عمار في دار الأرقم بن أبي الأرقم. وقال بعض الرواة: كان اسم صهيب: عميرة بن سنان. قالوا: وكناه رسول الله ﷺ ، قبل أن يولد له، أبا يحيى. وليست له كنية غيرها.
٤٥٣ - وقال الكلبي وغيره:
كان سنان عاملا لكسرى على الأبلة (٢) من قبل النعمان بن المنذر. وكانت منازلهم بأرض الموصل. ويقال: كانوا في قرية على شاطئ الفرات مما يلي الجزيرة.
فأغارت الروم على ناحيتهم، فسبت صهيبا وهو غلام صغير. فنشأ بالروم، فصار ألكن. فابتاعه رجل من كلب، فقدم به مكة، فاشتراه أبو زهير عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب.
فاسترقه، ثم أعتقه. فأقام معه إلى أن هلك. وكان مهلك ابن جدعان قبل المبعث ببضع عشرة سنة. ولم يزل صهيب مع آل جدعان إلى أن بعث رسول الله ﷺ . فأسلم. وأما أهل صهيب وولده، فيقولون: لم يشتره أحد من الذين سبوه، ولكنه لما ترعرع وعقل، هرب من الروم، فسقط إلى مكة، فحالف ابن جدعان وأقام معه إلى أن هلك. وأن صهيبا كان أحمر شديد الحمرة، فسمي روميا لذلك، ولأنه سقط إلى الروم. وقال المدائني: سبته العرب، فوقع إلى مكة، ولم يدخل الروم قط. وإنما سمي روميا لحمرته.
стр. 207
٤٥٤ - حدثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد، عن معروف الخزري، عن محمد بن سيرين قال:
صهيب من العرب، من النمر بن قاسط.
٤٥٥ - حدثنا عمرو بن محمد الناقد ويحيى بن أيوب الزاهد وسريج بن يونس، قالوا ثنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي- وقال بعضهم: ابن علية (١) - أنبأ يونس بن عبيد، عن الحسن، قال:
قال رسول الله ﷺ : صهيب سابق الروم.
٤٥٦ - حدثني أبو صالح الفراء: أنبأ حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال:
مر صهيب وأصحابه على مجلس من قريش، فقالوا: انظروا إلى الأرذال، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟ فنزلت الآية (٢).
٤٥٧ - حدثني أبو أيوب سليمان المؤدب الرقي، ثنا عبد الله بن جعفر الرقي، عن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر بن عقيل، عن حمزة بن صهيب:
أن أباه كان يكنى (أبا) يحيى. فيقول إنه من العرب، ويطعم الطعام الكثير.
فقال له عمر بن الخطاب ﵁ «يا صهيب، ما بالك تتكنى، وليس لك ولد؟ وتقول إنك من العرب وإنما تعرف بالرومي. وتطعم الطعام الكثير وذلك سرف في المال». فقال صهيب: «أما الكنية، فإن رسول الله ﷺ كناني أبا يحيى. وأما النسب فإني رجل من بني النمر بن قاسط، من أهل الموصل. ولكن الروم سبوني صغيرا بعد أن عقلت أهلي وقومي وعلمت نسبي. وأما قولك في الطعام، فإن رسول الله ﷺ كان يقول:
خياركم من أطعم الناس، وأفشى السلام. فذلك الذي يحملني على إطعامه».
٤٥٨ - حدثني محمد بن سعد، ثنا الواقدي، عن معاوية بن عبد الرحمن، عن يزيد بن رومان، عن عروة، قال:
كان صهيب من المستضعفين، من المؤمنين الذين كانوا يعذبون في الله.
стр. 208
٤٥٩ - حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ علي بن زيد، عن سعيد ابن المسيب، قال:
أقبل صهيب مهاجرا نحو المدينة، فاتبعه نفر من قريش. فنزل عن راحلته، ونثل ما في كنانته، ثم قال: «يا معشر قريش، لقد علمتم أني أرماكم رجلا.
والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء. فافعلوا ما شئتم. وإن شئتم، دللتكم على مالي وخليتم سبيلي؟» قالوا: نعم. ففعل فلما قدم على رسول الله ﷺ ، قال:
ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع. قال: ونزلت: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد (١)».
٤٦٠ - حدثنا هوذة بن خليفة، أنبأ عوف، عن أبي عثمان النهدي، قال:
بلغني أن صهيبا حين أراد الهجرة إلى المدينة، قالت له قريش:
«أتيتنا صعلوكا حقيرا، فكثر مالك عندنا وبلغت ما بلغت، ثم تريد أن تنطلق بنفسك ومالك، والله لا يكون ذلك. قال: أرأيتكم إن تركت مالي لكم أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. فخلع لهم ماله». فبلغ النبي ﷺ ذلك، فقال:
ربح صهيب، ربح صهيب. ونزلت فيه: «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله» الآية (٢).
٤٦١ - وقال الواقدي: قدم صهيب آخر الناس مع علي بن أبي طالب ﵇.
وذلك للنصف من شهر ربيع الأول ورسول الله ﷺ بقباء. ولم يرم بعد. فوافى رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وبين أيديهم رطب قد جاءهم به كلثوم بن الهدم: أمهات جراذين (٣). وكان صهيب رمد العين، قد رمد في الطريق، وأصابته مجاعة شديدة. فجعل يأكل
стр. 209
الرطب أكل جائع. فقال عمر: يا رسول الله، ألا ترى إلى صهيب يأكل الرطب وهو رمد؟ فقال رسول الله ﷺ : يا صهيب، أتأكل الرطب وأنت رمد؟ فقال صهيب: إنما آكله بعيني الصحيحة. فتبسم رسول الله ﷺ . ثم قال صهيب: إن قريشا أخذتني وحبستني، فاشتريت نفسي وأهلي بمالي، وبادرت للهجرة. فقال رسول الله ﷺ : ربح البيع.
وأنزل الله : «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله» الآية (١).
٤٦٢ - قالوا: وشهد صهيب بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ .
٤٦٣ - حدثني محمد بن سعد (٢)، ثنا سليمان بن حرب، ثنا جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن أبي عبد الله قال:
كان صهيب يقول: هلموا: أحدثكم عن مغازينا، فأما أن أقول «قال رسول الله ﷺ » فلا.
٤٦٤ - حدثني الوليد بن صالح ومحمد بن سعد (٣)، عن الواقدي، عن فليح، عن عامر بن عبد الله ابن الزبير، عن أبيه، قال:
قال عمر ﵁ لأهل الشورى فيما أوصاهم به: «وليصل بكم صهيب».
٤٦٥ - وحدثني محمد بن سعد (٤)، عن الواقدي، عن طلحة، عن (٥) محمد بن سعيد، عن أبيه سعيد بن المسيب، قال:
لما توفي عمر رضي الله تعالى عنه، نظر المسلمون فإذا صهيب يصلي بهم المكتوبات بأمر عمر. فقدموه. فصلى على عمر.
стр. 210
٤٦٦ - وقال- الواقدي: توفي صهيب بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين. وكان وجلا أحمر شديد الحمرة، ليس بالقصير ولا الطويل، وهو إلى القصر أقرب.
وتوفي ابن سبعين سنة. وكان يخضب بالحناء. وكان كثير شعر الرأس. ودفن بالبقيع.
٤٦٧ - وحدثني رجل من ولد صهيب، عن أشياخه:
أن صهيبا مر بقريش، ومعه خباب بن الأرت، وعمار بن ياسر. فقالوا: هؤلاء جلساء محمد. وجعلوا يهزءون. فقال صهيب: نحن جلساء نبي الله، آمنا وكفرتم، وصدقناه وكذبتموه ولا خسيسة مع الإسلام ولا عز مع الشرك.
فعذبوه وضربوه، وجعلوا يقولون: أنتم الذين من الله عليكم من بيننا؟ (١)
بلال بن رباح
٤٦٨ - قالوا: كان رباح حبشيا وسبيا. وكان ابنه بلال من مولدي السراة. وكانت أمه حمامة سبية أيضا. وكانت تلقب سكينة. وأسلم بلال قديما في أول ما دعا رسول الله ﷺ . وكان بلال يكنى أبا عبد الله. فصار بلال لامية بن خلف بن وهب الجمحي.
٤٦٩ - وقد سمعت من يقول: إن بلالا من مولدي بني جمح. فكان أمية يخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت، فيلقيه على ظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ويقول له: لا تزال والله كذا حتى تفارق دين محمد. فيقول بلال: أحد أحد. ويضع أمية في عنقه حبلا، ويأمر الصبيان فيجرونه.
فمر به أبو بكر رضي الله تعالى عنه يوما وهو يعذب. فقال له: يا أمية، أما تتقي الله في هذا المسكين؟ فقال أمية: أنت أفسدته، فأنقذه. وكان بلال تربا لأبي بكر، وأحد من دعاه أبو بكر ﵁ إلى الإسلام. فقال أبو بكر: عندي (٢) غلام أسود أجلد منه وأقوى، وهو على دينك، فأعطيك
стр. 211
إياه ثمنا لبلال. قال: قد قبلت. فأعطاه ذلك الغلام، وأخذ بلالا فأعتقه.
وصار مولى لأبى بكر رضى الله تعالى عنهما.
٤٧٠ - وحدثنى بكر، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة أو الكلبي، أن عمرو بن العاص قال:
مررت ببلال وهو يعذب في الرمضاء لو أن بضعة لحم وضعت لنضجت، وهو يقول: أنا كافر باللات والعزى، وأمية مغتاظ عليه فيزيده عذابا فيقبل عليه، فيذهب خلقه فيغشى عليه، ثم يفيق.
٤٧١ - وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي في إسناد له أن حسان بن ثابت قال:
حججت- أو قال: اعتمرت- فرأيت بلالا في حبل طويل، تمده الصبيان، ومعه فيه عامر بن فهيرة (١)، وهو يقول: أحد أحد أنا أكفر باللات والعزى وهبل وساف ونائلة وبوانة. فأضجعه أمية في الرمضاء.
٤٧٢ - وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا جرير الضبي، عن منصور، عن مجاهد قال:
جعلوا في عنق بلال حبلا، وأمروا صبيانهم أن يشتدوا به بين أخشبي مكة، يعني جبليها، ففعلوا ذلك وهو يقول: أحد أحد.
٤٧٣ - حدثني محمد بن سعد (٢)، عن الواقدي، عن معاوية بن عبد الرحمن، عن يزيد بن رومان، عن عروة قال:
كان بلال من المستضعفين من المؤمنين، وكان يعذب حين أسلم ليرجع عن دينه. فما أعطاهم قط كلمة مما يريدون (٣). وكان الذي يعذبه أمية بن خلف الجمحي.
٤٧٤ - حدثني أبو محمد الغنوي، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال:
كان بلال إذا اشتد عليه العذاب قال: أحد أحد. فيقولون له: قل
стр. 212
كما نقول. فيقول: إن لساني لا ينطلق به ولا يحسنه.
حدثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين: أن بلالا لما أسلم، أخذه أهله، فقمطوه (١) وألقوا عليه من البطحاء، وجعلوا يقولون: ربك اللات والعزى فيقول: أحد أحد. قال: فأتى عليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فقال: علام تعذبون هذا الإنسان؟
فاشتراه بسبع أواق وأعتقه. فذكر للنبي ﷺ أنه قد اشتراه.
فقال: الشركة يا أبا بكر. فقال: قد أعتقته يا رسول الله.
٤٧٥ - وروي أن بلالا قال: أعطشوني يوما وليلة، ثم أخرجوني فعذبوني في الرمضاء في يوم حار.
٤٧٦ - وحدثنا محمد بن سعد (٢)، أنبأ الحميدي، ثنا سفيان بن عينية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال:
اشترى أبو بكر بلالا بخمس أواق (٣).
٤٧٧ - حدثنا أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا شعيب بن حرب أبو صالح ويزيد بن هارون، قالا ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، ثنا محمد بن المنذر، عن جابر بن عبد الله قال:
قال عمر: «أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا» يعني بلالا.
٤٧٨ - وحدثني عمرو الناقد، ثنا إسماعيل بن إبراهيم يعني ابن علية، عن يونس، عن الحسن، قال، قال رسول الله ﷺ : بلال سابق الحبشة.
٤٧٩ - وقال الكلبي: كان بلال يعذب ليرجع إلى الكفر، فيقول: أحد أحد. فمر به ورقة بن نوفل، فقال: أي والله أحد أحد. وقال:
لا تعبدون إلها غير ربكم … فإن دعوكم فقولوا بيننا حدد
مسخر كل ما تحت السماء له … لا ينبغي أن يسامي ملكه أحد
стр. 213
٤٨٠ - حدثني شجاع بن مخلد الفلاس (١) ويوسف بن موسى القطان، قالا أنبأ معمر بن عبد الحميد، عن ليث، عن مجاهد في قوله: «وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار (٢)»، قال: يقول أبو جهل: «أين بلال، أين عمار، أين صهيب، أين خباب، أين فلان؟ كنا نعدهم في الدنيا من الأشرار ونتخذهم سخريا. لا نراهم في النار، أم زاغت عنهم أبصارنا؟ فليس نرى مكانهم في النار».
٤٨١ - وقال الواقدي: لما هاجر بلال، نزل على سعد بن خيثمة. وقال:
يقال أن رسول الله ﷺ آخا بين بلال وأبي رويحة الخثعمي. وليس ذلك بثبت. ولم يشهد أبو رويحة بدرا. وكان محمد بن إسحاق (٣) يثبت مؤاخاة بلال وأبي رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي.
٤٨٢ - حدثني محمد بن سعد (٤)، ثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال:
أول من أذن بلال.
٤٨٣ - حدثني محمد بن سعد (٥)، عن الواقدي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال:
كان بلال إذا فرغ من الأذان وأراد أن يعلم النبي ﷺ أنه قد أذن، وقف على الباب، فقال: حي على الصلاة حي على الفلاح يا رسول الله. فإذا خرج رسول الله ﷺ ، فرآه، ابتدأ في الإقامة.
٤٨٤ - حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن بلالا صعد ليؤذن وهو يقول (٦):
ما لبلال ثكلته أمه … وابتل من نضح دم جبينه
стр. 214
٤٨٥ - وقال الواقدي: كان بلال يحمل العنزة بين يدي رسول الله ﷺ إلى العيد، فيركزها بين يديه. والمصلي يومئذ فضاء.
٤٨٦ - حدثنا أبو نصر التمار، عن شريك، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة أن بلالا كان يؤذن حين تدحض الشمس، فيؤخر الإقامة قليلا. أو قال:
وربما أخر الإقامة. ولا يخرج في الأذان عن الوقت.
٤٨٧ - حدثنا خلف البزاز، ثنا أبو شهاب الحناط، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس قال:
أمر النبي ﷺ بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
٤٨٨ - حدثني محمد بن سعد (١)، عن الواقدي، عن إبراهيم بن محمد بن عمار، عن أبيه، عن جده قال كان بلال يحمل العنزة بين يدي رسول الله ﷺ يوم العيد وفي الاستسقاء.
٤٨٩ - وحدثني محمد بن سعد (٢)، عن إسماعيل، عن عبد الله بن أبي أويس، عن عبد الرحمن بن سعد وغيره، عن آبائهم وأجدادهم أن النجاشي الحبشي بعث إلى رسول الله ﷺ بثلاث عنزات.
فأمسك النبي ﷺ واحدة، وأعطى عمر واحدة، وأعطى عليا واحدة.
٤٩٠ - قال الواقدي: فمشى بالعنزة بين يدي النبي ﷺ ، ثم بين يدي أبي بكر: بلال. ثم كان سعد القرظ يمشي بها بين يدي عمر، وعثمان في العيدين، فيركزها بين أيديهما. ويصليان إليها. وهي العنزة التي يمشى بها اليوم بين يدي الولاة. قال الواقدي: ويقال إن الزبير بن العوام قاتل بين يدي النجاشي عدوا له، فأبلى. فوهب له العنزة.
стр. 215
٤٩١ - حدثني أحمد بن هشام، ثنا عمرو بن عون، أنبأ خالد بن عبد الله الواسطي، عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ لبلال: ما أرجى عمل عملته منفعة؟
فقال ما عملت عملا أترجى عندي منفعة من أني لم أتطهر طهورا تاما قط في ليل ولا نهار إلا صليت لربي ما شاء الله أن أصلي. قال: فإني رأيت البارحة خشف نعليك- أو قال: خشف نفليك- في الجنة بين يدي.
٤٩٢ - حدثنا أحمد بن هشام، ثنا شعيب بن حرب، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن هرير ابن عبد الرحمن، عن رافع بن خديج قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا بلال نور بالفجر قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم.
٤٩٣ - حدثني حماد بن إسحاق، ثنا الحجاج بن منهال، ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر:
أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﷺ .
فنادى: ألا إن العبد نام، ألا إن العبد نام، ثلاثا.
٤٩٤ - حدثني محمد بن سعد (١)، ثنا عفان، ثنا أبو هلال، عن قتادة:
أن بلالا تزوج امرأة من سبى، عربية، من بني زهرة.
٤٩٥ - حدثنا محمد بن حاتم، ثنا وهب بن جرير، أنبأ شعبة، عن مغيرة، عن الشعبي، قال:
خطب بلال وأخوه إلى أهل بيت من البر، فقال: «أنا بلال وهذا أخي عبدان من الحبشة، كنا ضالين فهدانا الله، وكنا عبدين فأعتقنا الله. إن تنكحونا فالحمد لله. وإن تمنعونا فالله أكبر».
٤٩٦ - حدثنا محمد بن سعد (٢)، ثنا عفان، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عمرو بن ميمون، حدثني أمي أن أخا لبلال كان ينتمي إلى العرب، فخطب امرأة منهم. فقالوا: إن