← Ансаб

Ансаб · id 1379

أنساب الأشراف - ت حميد الله

البلاذري

Полный текст (620 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فوثب على الخزاعي فقتله. وذلك أنه كان يخدمه، ويتخذ له طعامه. فجاء ذات يوم ولم يتخذ له شيئا، فاغتاظ وضربه حتى قتله. وقال: إن محمد (ا) سيقتلني به، فارتد وهرب وساق ما كان معه من الصدقة، وأتى مكة. فقال لأهلها: لم أجد دينا خيرا من دينكم. وكانت له قينتان، فكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ . ويدخل عليهما المشركون فيشربون عنده الخمر. فقال رسول الله ﷺ يوم الفتح: أقتلوه ولو كان متعلقا بأستار الكعبة. فقتله أبو برزة الأسلمي. واسمه نضلة بن عبد الله، وذلك الثبت. وبعضهم يقول: اسمه خالد بن نضلة، وهو قول الهيثم بن عدي. وبعضهم يقول: عبد الله بن نضلة أيضا. ويقال قتله شريك بن عبدة، من بنى العجلان. وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن يعقوب بن عبد الله القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبي برزة أنه سمعه يقول: «لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد». فأخرجت عبد الله ابن خطل، وهو في أستار الكعبة، فضربت عنقه بين الركن والمقام. ويقال: قتله عمار بن ياسر. ويقال سعيد بن حريث (١) المخزومي أخو عمرو بن حريث (٢). ٧٥٠ - أما هند، فأسلمت وكسرت كل صنم في بيتها، وأتت رسول الله ﷺ مسلمة، وبايعها مع النساء. وكان في بيعة النساء «أن لا يزنين»، فقالت: «وهل تزني الحرة؟ (٣)». وأهدت إلى رسول الله ﷺ جديين، واعتذرت من قلة ولادة غنمها. فدعا لها رسول الله ﷺ ، فكثرت غنمهم. فكانت تقول: هذا ببركة رسول الله ﷺ ، فالحمد لله الذي هدانا للإسلام وأكرمنا برسوله. وقالت حين هدمت الأصنام التي كانت في بيتها: لقد كنا منكم في غرور. ٧٥١ - وأما سارة، صاحبة كتاب حاطب بن أبي بلتعة، فكانت مغنية نواحة. وكانت قدمت من مكة، فوصلها رسول الله ﷺ حين شكت

стр. 387

إليه الحاجة. وقالت: إني قد تركت النوح والغناء. ثم رجعت إلى مكة مرتدة، وجعلت تتغنى بهجاء رسول الله ﷺ . فقتلها علي بن أبي طالب. ويقال غيره. ٧٥٢ - وأما قينتا ابن خطل، فإن إحداهما وهي أرنب- ويقال قريبة- فقتلت (١). وبقيت الأخرى، فجاءت مسلمة، وقد تنكرت. واسمها فرتنا. ولم تزل باقية إلى خلافة عثمان. فانكسرت لها ضلع، وماتت. وقال الواقدي: كسرت ضلع من أضلاع فرتنا، قينة ابن خطل، فقضى عثمان فيه بثمانية آلاف: ستة آلاف ديتها وألفان لتغليظ الجناية. ٧٥٣ - وكان عبد الله بن أبي أمية من أشد الناس على النبي ﷺ . وكان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب شديدا عليه، وكان يكذبه ويهجوه. وفيه يقول حسان (٢): (شعر) أتهجوه ولست له بند … فشر كما لخير كما الفداء فأتيا رسول الله ﷺ بنيق العقاب، فلم يأذن لهما. فأما عبد الله بن أبي أمية، فتكلمت فيه أخته أم سلمة، حتى أذن له فسلم عليه وبايعه ولم يغمص عليه في إسلامه حتى استشهد يوم الطائف. وأما أبو سفيان، فتكلم فيه العباس حتى أذن له وبايعه. ولم يزل مستغفرا مما كان فيه، مجتهدا في مناصحة الإسلام حتى مات في خلافة عمر. وصلى عليه عمر. ويقال إن أبا سفيان أتى النبي ﷺ وهو بالأبواء، فأسلم. ويقال إن أبا سفيان كان أخا النبي ﷺ من الرضاع: أرضعته حليمة أياما. ٧٥٤ - قالوا: وجعل رسول الله ﷺ يطعن الأصنام بمحجن معه ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (٣). ودفع رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة، وكان قد أسلم قبل الفتح، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص في وقت واحد. وخرج عن

стр. 388

المدينة إلى مكة. وفيه نزلت: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها (١)». ٧٥٥ - وبعث سهيل بن عمرو ابنه، عبد الله بن سهيل، إلى رسول الله ﷺ ، فآمنه رسول الله ﷺ . فقال سهيل: «بأبي وأمي، هو فلم يزل برا حليما صغيرا وكبيرا». وخرج مع رسول الله ﷺ على شركه، فأسلم بالجعرانة. ٧٥٦ - وهرب هبيرة بن (أبي) وهب المخزومي، وهو يومئذ زوج أم هانئ بنت أبي طالب، وابن الزبعرى- وقال أبو عبيدة: الزبعرى بالفتح- معه إلى نجران. فأما ابن الزبعرى، فرجع مسلما. فلما رآه النبي ﷺ ، قال: قد جاءكم عبد الله وإنما أرى في وجهه نور الإسلام. فقال: السلام عليك يا رسول الله. وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. واعتذر إلى النبي ﷺ ، فقبل عذره وقال: الحمد لله الذي هداك إلى الإسلام، فقد محا الإسلام ما كان قبله. ومات هبيرة بنجران مشركا. ٧٥٧ - وهرب حويطب بن عبد العزى. فرآه أبو ذر في حائط، فأخبر رسول الله ﷺ بمكانه، فقال: أو ليس قد أمنا الناس إلا من أمرنا بقتله؟ فأتاه فأخبره، أو أخبره غيره بذلك، فأمن. وكان حويطب بن عبد العزى دخل على مروان بن الحكم بعد، وهو والي المدينة، فقال له مروان: تأخر إسلامك يا شيخ. فقال: قد والله هممت به غير مرة، فكان أبوك يصدني عنه. ٧٥٨ - وهرب صفوان بن أمية، وكان يكنى أبا وهب. فتكلم فيه عمير بن وهب الجمحي، وقال: سيد قومي هارب خوفا. فآمنه رسول الله ﷺ . فلحقه فأعلمه أمانه. فلم يثق به حتى بعث إليه رسول الله ﷺ ببردة كان معتجرا بها، فاطمأن ورجع مع عمير وأقام كافرا وأعار رسول الله ﷺ مائة درع بأداتها، وشهد حنين والطائف مع رسول الله ﷺ فرأى غنما كثيرة من الغنيمة، فنظر إليها. فقال له رسول الله ﷺ : أعجبتك؟ قال: نعم. قال: فهي لك. فقال: والله ما طابت بها إلا نفس نبي. وأسلم. وأقام بمكة، فقيل له: لا إسلام لمن لم يهاجر.

стр. 389

وأتى المدينة. فقال له رسول الله ﷺ : عزمت عليك يا با وهب لما رجعت إلى أبا طح مكة. فرجع ومات أيام خروج الناس إلى البصرة ليوم الجمل. ٧٥٩ - واستسلف رسول الله ﷺ من عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم، ومن صفوان خمسين ألف درهم، ومن حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم. فردها حين فتح الله عليه هوازن، وغنمه أموالهم. وإنما استقرضها ليقوي بها أصحابه. ٧٦٠ - وكان ﵇ أمر بقتل وحشي، قاتل حمزة، فهرب إلى الطائف، ثم قدم في وفدها فدخل على رسول الله ﷺ وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فقال النبي ﷺ : أوحشي؟ قال: نعم قال: أخبرنى كيف قتلت حمزة؟ فأخبره. فقال: غيب عني وجهك. قال الواقدي: فأول من ضرب في الخمر وحشي، وأول من لبس المعصفر المصقول بالشام وحشي، لا اختلاف بينهم في ذلك. ٧٦١ - قالوا: وأسلم الحارث بن هشام وأقام بمكة، وكان مغموصا (١) عليه في إسلامه. فلما جاءت وفاة النبي ﷺ وبيعة أبى بكر، كان بمكة. ثم لما استنفر أبو بكر الناس لغزو الروم بالشام، شخص هو وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، فاستأذنوه في الغزو. فأذن لهم. فخرجوا إلى الشام. فاستشهد عكرمة يوم أجنادين. ومات سهيل، والحارث في طاعون عمواس. ٧٦٢ - قالوا: وبلغ رسول الله ﷺ أن أنس بن زنيم، وهو أبو إياس- وكان ابنه مسمى باسمه- هجاه. فقدم عليه يعتذر في شعر يقول فيه (٢): فما حملت من ناقة فوق رحلها … أعف وأوفى ذمة من محمد أحث على خير وأسرع نائلا … إذا راح يهتز اهتزاز المهند ونبئ رسول الله أني هجوته … فلا رفعت سوطي إلي إذا يدي سوى أنني قد قلت يا ويح فتية … أصيبوا بنحس يوم طلق وأسعد

стр. 390

فبلغ رسول الله ﷺ اعتذاره وشعره، وكلم فيه، فعفا عنه. وكان قد (أ) نذره. وقال رسول الله ﷺ يوم الفتح (١): «ألا إن كل دين ومال ودم ومأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج. وأول الدماء دم آدم بن ربيعة». وكان حذيفة بن أنس الهذلي الشاعر خرج بقومه يريد بنى عدى بن الدئل، فوجدهم قد ظعنوا عن المنزل الذي عهدهم فيه، ونزله بنو سعد بن ليث. فأغار علي بني سعد، وآدم بن ربيعة مسترضع له فيهم وصغيرا، فقتل (٢). فوضع رسول الله ﷺ دمه يوم الفتح. فقال حذيفة بن أنس: أصبنا الأولى لما نرد أن نصيبهم … فساءت كثيرا من هذيل وسرت أسائل عن سعد بن ليث لعلهم … سواهم قد أصابت بهم فاستحرت فلا تواعدونا بالجياد فإنها … لنا أكلة قد عضلت فأمرت وكان خليفة رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم. ويقال كان خليفته أبا رهم الغفاري. وفشا الإسلام بمكة، وكسر الناس أصنامهم. ووجه رسول الله ﷺ في كسر الأصنام التي حول مكة. وأقام رسول الله ﷺ بمكة، حتى خرج منها إلى حنين. واستخلف عليها عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية. وأسلم عبد الله بن أبي أمية في الفتح. ٧٦٤ - ثم غزاة حنين. قالوا: قدم رسول الله ﷺ مكة لثماني عشرة خلت من شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة، فأقام بها اثنتي عشرة ليلة. ثم أصبح غداة الفطر غازيا إلى حنين. وهو واد من أودية تهامة. وكانت أشراف هوازن ابن منصور وغيرهم من قيس قد تجمعوا مشفقين من أن يغزوهم رسول الله ﷺ ، وقالوا: قد فرغ لنا، فلا ناهية له دوننا والرأى أن نغزوه.

стр. 391

فساروا، وعليهم مالك بن عوف بن سعد، أحد بني دهمان بن نصر بن معاوية ابن بكر، حتى نزلوا بأوطاس. وانتهى خبرهم إلى رسول الله ﷺ ، فاستعمل على مكة عتاب بن أسيد، وجعل معاذ بن جبل على تعليم الناس السنن، وأقر ابن أم مكتوم وأبا رهم على المدينة، وخرج في اثنى عشر ألفا من المسلمين. فقال أبو بكر، ويقال غيره: لن نؤتى اليوم من قلة. فذلك قوله ﵎: ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا) (١). ونزل رسول الله ﷺ على حنين، وبينه وبين مكة ثلاث. وذلك في شوال. فالتقى المسلمون والمشركون على حنين، فاقتتلوا أشد قتال. فانكشف المسلمون إلا مائة ثبتوا وصبروا مع رسول الله ﷺ . منهم العباس ابن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعمر، وأيمن بن عبيد. ثم ثابت الأنصار. وثاب الناس، فهزم الله المشركين، واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون. ويقال إن من ثبت مع رسول الله ﷺ يومئذ العباس، وعلي، وأبو سفيان بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، والزبير، وعبد الله بن الزبير، وأسامة. وجعل أبو سفيان يقاتل ويقول: بنو أبيه اليوم من أمامه … ومن حواليه ومن أهضامه فقاتل المسلم عن إسلامه … وقاتل الحرمي عن إحرامه (٢) وأتى فل هوازن أوطاس، وقد سبي منهم سبي كثير بعث بهم رسول الله ﷺ إلى الجعرانة. وولى أمر السبى بديل بن ورقاء الخزاعي. وبعث رسول الله ﷺ أبا عامر الأشعري إلى أوطاس متبعا للكفرة، فقتل. قتله سلمة بن سمادير (٣) الجشمي، في قول ابن الكلبي. فقام بأمر الناس أبو موسى الأشعري. وأقبل المسلمون إلى أوطاس، فهربوا منهم إلى الطائف.

стр. 392

حدثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا يحيى بن عبد العزيز، عن عبد الله بن نعيم الأزدي، عن الضحاك بن عبد الرحمن الأشقري قال: لما هزم الله هوازن يوم حنين، عقد رسول الله ﷺ لأبي عامر على خيل الطلب، فطلبهم وأنا معه فإذا ابن دريد بن الصمة. فعدل أبو عامر إليه، فقتله ابن دريد وأخذ اللواء منه. وشددت على ابن دريد، فقتلته وأخذت اللواء منه، ثم انصرفت بالناس. فلما رآني رسول الله ﷺ قال: أقتل (١) أبو عامر؟ قلت: نعم. فرفع رسول الله ﷺ يده يدعو لأبي عامر. وكان شيبة بن عثمان العبدري شديدا على المسلمين، وكان ممن أومن، فسار إلى هوازن طمعا في أن يصيب من النبي ﷺ غرة. قال: فدنوت منه، فإذا أهله محيطون به، ورآني فقال: يا شيب، إلي. فدنوت منه. فمسح صدري، ودعا لي. فأذهب الله كل غل كان فيه، وملأه إيمانا، وصار أحب الناس إلي. ٧٦٥ - ثم غزاة الطائف. أتاها رسول الله ﷺ ، فنصب عليها منجنيقا اتخذها سلمان الفارسي. وكان مع المسلمين دبابة. يقال إن خالد بن سعيد بن العاص قدم بها من جرش. فحاصر أهل الطائف خمسة عشر يوما. وألقوا على الدبابة سككا من حديد محماة، فأحرقتها وأصابت من تحتها من المسلمين. ثم انصرف عن الطائف إلى الجعرانة، فقسم الغنائم والسبي. وقال ﷺ : ردوا الخيط والمخيط، وإياكم والغلول فإنه عار ونار وشنار يوم القيامة. ثم أخذ بيده وبرة، فقال: ما يحل لي مما أفاء الله عليكم مثل هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود فيكم. وبعث أهل الطائف وفدهم إلى رسول الله ﷺ في شهر رمضان سنة تسع، وفيهم عثمان ابن أبي العاص الثقفي، يسألونه أن يكتب لهم كتابا على ما في أيديهم مما يسلمون عليه من مال وركاز وغير ذلك. ففعل، وأسلموا. وكان خليفة رسول الله ﷺ بالمدينة ابن أم مكتوم، أو أبا رهم. ونزل مالك بن عوف من حصن الطائف، فأتى رسول ﷺ ومدحه بشعر وأسلم. فوهب ١/ ٤٦٧

стр. 393

له رسول الله ﷺ أهل بيته، واستعمله على من أسلم من قومه ومن حول الطائف. وحدثني مصعب بن عبد الله الزبيري قال سمعت مالكا يحدث أنه كان مع رسول الله ﷺ حسك من خشب يطيف بعسكره حين حاصر أهل الطائف (١). ومن رسول الله ﷺ على أقارب ظئره حليمة يوم حنين. ونزل إلى رسول الله ﷺ ، حين حاصر أهل الطائف، رقيق من رقيقهم. منهم أبو بكرة بن مسروح مولى رسول الله ﷺ ، واسمه نفيع وهو أخو زياد بن أبي سفيان لأمه، والأزرق، وكان روميا غلاما للحارث بن كلدة الثقفي، وولده بالمدينة قد شرفوا. وقد كان الأزرق هذا تزوج سمية أم عمار بن ياسر، ثم تزوجها ياسر فولدت له عمارا. ويقال بل خلف الأزرق على سمية وقد فارقها ياسر، فولدت له سلمة (بن) الأزرق، وهو أخو عمار لأمه. وبعض الرواة يظن أنه أبو الأزارقة، والأزرق الذى نسبت إليه الأزارقة أبو نافع بن الأزرق وهو حنفي، وهو غير هذا. قالوا: وكانت ثقيف تقول، حين حاصرها النبي ﷺ : نحن قسي وقيسا أبونا … والله لا نسلم ما حيينا وقد بنينا حائطا حصينا وحدثنى محمد (٢)، عن الواقدي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن الوضين بن عطاء، عن مكحول أن رسول الله ﷺ نصب المنجنيق على حصن الطائف، ولم يخل الحصن يومئذ من أن يكون فيه الذرية. حدثنا محمد، عن الواقدي، عن عبد الحميد، عن مسلم بن يسار أن سلمان أشار بنصب المنجنيق على الطائف. فأمر النبي ﷺ إن يعلموا، ثم نصبه. قالوا: وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص بن

стр. 394

أمية مات في ماله بالطائف سنة اثنتين من الهجرة كافرا. ويقال في أول سنة من الهجرة. فلما غزا النبي ﷺ الطائف، رأى قبر أبي أحيحة مشرفا فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: لعن الله صاحب هذا القبر فإنه كان ممن يحاد الله ورسوله. فقال ابناه، عمرو وأبان، وهما مع رسول الله ﷺ : بل لعن الله أبا قحافة فإنه لا يقري الضيف ولا يمنع الضيم. فقال رسول الله ﷺ : سب الأموات يؤذي الأحياء، فإذا سببتم فعموا (١). قالوا: وحج بالناس في سنة ثمان عتاب بن أسيد. ويقال بل حجوا بلا أمير أوزاعا. ٧٦٦ - ثم غزاة تبوك. وكانت في رجب سنة تسع. وسببها أن هرقل ومن اجتمع إليه من لخم، وجذام، وعاملة وغيرهم أظهروا أنهم يريدون غزو رسول الله ﷺ . فلما سار إليهم، هابوا محاربته. فلم يلق كيدا. وأتته رسل هرقل، فكساهم وردهم. وكان جيش رسول الله ﷺ في هذه الغزاة يدعى جيش العسرة، لان الناس كانوا مضيقين. فجهز عثمان ابن عفان رضي الله تعالى عنه ثلثهم. ويقال أكثر من ذلك. وأنفق عليهم رضي الله تعالى عنه سبعين ألف درهم. ويقال أكثر من ذلك. وأعطاهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه جميع ما بقي من ماله، وهو أربعة آلاف درهم. وكان المسلمون ثلاثين ألفا. وكانت الإبل اثني عشر ألف بعير، والخيل عشرة آلاف. وكان خليفة رسول الله ﷺ بالمدينة ابن أم مكتوم. ويقال محمد بن سلمة الأنصاري. ويقال كان خليفته أبا رهم. ويقال سباع ابن عرفطة. وأثبت ذلك محمد بن مسلمة الأوسي. ٧٦٧ - حجة الوداع. ثم كانت حجة رسول الله ﷺ في سنة عشر. وهي التي تسمى حجة الوداع. وإنما سميت بذلك بعد وفاة رسول الله ﷺ . وكان عبد الله بن عباس أنكر قولهم «حجة الوداع»، فقالوا: حجة الإسلام. فقال: نعم، لم يحج رسول الله ﷺ من المدينة غيرها. وقال إبراهيم بن سعد: هي تسمى أيضا حجة البلاغ. وكان خليفته في هذه الحجة ابن أم مكتوم.

стр. 395

وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن أبيه، عن كريب، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ من بيته متدهنا مترجلا، حتى أتى ذا الحليفة. قال: وحدثني ابن أبي سبرة، عن يعقوب بن زيد، عن أبيه قال: أحرم رسول الله ﷺ في ثوبين من نسج صحار: إزار ورداء .. وخرج بنسائه جميعا، فدخل مسجد ذي الحليفة، فصلى ركعتين ثم أشعر بدنه في الجانب الأيمن. ثم ركب ناقته القصواء، فلما استوت به على ظهر البيداء، أهل بالحج. وولد محمد بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما بذي الحليفة. حدثني هشام بن عمار، ثنا مالك بن أنس (١) قال حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ أفرد (٢) الحج. وحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أهل بعمرة، وساق الهدي. قال الزهري: وأخبرني القاسم، عن عائشة أنه أهل بالحج. وقال الزهري، عن أنس بن مالك أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لبيك بحجة وعمرة معا (٣). قال الزهري: وحدثني سالم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ تمتع. قال الواقدي: وحدثني محمد، عن الزهري، عن محمد بن عبد الله بن الحارث، عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: تمتع (٤) رسول الله ﷺ . وقال الواقدي: وقد اعتمر

стр. 396

رسول الله ﷺ من الجعرانة عمرة مشهورة. وقال الواقدي: كانت زاملة (١) رسول الله ﷺ وأبي بكر في حجته واحدة. واحتجم رسول الله ﷺ على رأسه بلحى جمل، وهو موضع بين المدينة ومكة. ودخل رسول الله ﷺ مكة نهارا على راحلته حتى انتهى إلى البيت. فلما رأى البيت، رفع يديه فوق زمام ناقته، فأخذه بشماله. فبدأ بالطواف بالبيت قبل الصلاة، ولم يستلم من الأركان إلا اليماني والأسود. ورمل ﷺ من الحجر إلى الحجر في الأشواط الثلاثة. وحدثنى محمد بن مصفى الحمصي، حدثني أبو الفضل التميمي، ثنا شعبة، ثنا قتادة، عن أبي الطفيل قال: حج معاوية، فوافق ابن عباس، فاستلم ابن عباس الأركان كلها. فقال معاوية: إنما استلم رسول الله ﷺ الركنين اليمانيين. فقال ابن عباس: ليس من أركانه مهجور. وخطب رسول الله ﷺ قبل يوم التروية بيوم بعد الظهر، ويوم عرفة حين زالت الشمس وهو على راحلته قبل الصلاة، والغد من يوم النحر بعد الظهر بمنى. وساق في حجته مائة بدنة، نحر منها ستين بيده بالحربة. ثم أعطى عليا رضي الله تعالى عنه سائرها، فنحرها. ولم يصم رسول الله ﷺ يوم عرفة. وصلى الظهر والعصر بعرفة بأذان وإقامتين. ثم وقف بعرفة. ودفع (٢) حين غابت الشمس. فقصر في سيره. ثم صلى المغرب والعشاء بأذان وإقامتين. قال: وقال الزهري: صلاهما بإقامة وبات بالمزدلفة. وأذن لنسائه في التقدم من جمع، بليل. ووقف على ناقته القصواء حتى أسفر. ثم دفع، ورمى جمرة العقبة يوم النحر على راحلته. ونحر بالمنحر. وقال: كل منى منحر. وحمل حصاة من جمع. ثم كان يرمى الجمار ماشيا. ورمى يوم الصدر راكبا. ويقال ماشيا. وكان يرفع يديه عند الجمار، ويقف. ولا يفعل ذلك عند جمرة العقبة. وزار البيت يوم النحر. ونفر يوم الصدر، فنزل بالأبطح في قبة ضربت له. فلما

стр. 397

كان في آخر الليل، خرج فودع البيت. ثم مضى من وجهه إلى المدينة. حدثني هشام بن عمار الدمشقي، ثنا عيسى بن يونس، ثنا ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن عبد الله ابن فلان بن عامر، عن عبد الله بن الأقرط أن النبي ﷺ قال: أفضل أيامكم يوم النحر، ثم يوم القر وهو اليوم الثاني. قال: وقربت لرسول الله ﷺ خمس بدنات أو ست، فطفقن يزدلفن بأيتهن يبدأ. سرايا رسول الله ﷺ : ٧٦٨ - سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه. بعثه رسول الله ﷺ يعترض عيرا لقريش في ثلاثين راكبا، وعقد له لواء. وهو أول لواء عقده ﷺ . فانتهى إلى الساحل، ولم يلق كيدا. وذلك في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة. ٧٦٩ - سرية أميرها عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف إلى بطن رابغ. وكان في ستين راكبا. فلقي أبا سفيان بن حرب، وهو في مائتي راكب. فتراموا وتناوشوا قليلا ثم افترقوا. وذلك على رأس ثمانية أشهر من الهجرة. ويقال لهذه السرية أيضا ثنية المرة، مشدد. «ورابغ» واد على عشرة أميال من الجحفة. ويقال إن سرية عبيدة هذه قبل سرية حمزة. ٧٧٠ - سرية أميرها سعد بن أبي وقاص الزهري إلى الخرار. بعثه رسول الله ﷺ لاعتراض عير قريش، ففاتته. ولم يلق كيدا. وذلك في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من الهجرة. وبعد هذه السرية كانت غزاة الأبواء، ثم غزاة بواط، ثم غزاة سفوان، ثم غزاة ذي العشيرة. ٧٧١ - وسرية أميرها عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة في رجب سنة اثنتين. قال عبد الله: دعاني رسول الله ﷺ وعلي سلاحي، ودعا أبي بن كعب، فأمره. فكتب كتابا. ثم أعطاني إياه. وكان في أديم (١) خولاني. وقال: قد استعملتك على هؤلاء القوم. فأقرأ كتابي بعد ليلتين. واسلك

стр. 398

النجدية. فكان فيه: «سر على اسم الله وبركته حتى تأتي بطن نخلة، فارصد بها عير قريش (١)». قالوا: فسار حتى صار إلى نخلة فوجد بها عيرا لقريش، فيها عمرو بن الحضرمي، وحكم بن كيسان مولى بني مخزوم، وعثمان بن عبد الله ابن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، ونوفل بن عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. فحلق ابن كيسان رأسه حين رأى المسلمين. فلما أراد واقد بن عبد الله التميمي، وعكاشة بن محصن أن يغيرا على العير، رأيا الحكم محلوق الرأس. فانصرفا وقالا: هؤلاء قوم عمار. ثم تبينوا أمرهم، فقاتلوهم. فرمى واقد عمرو ابن الحضرمي، فقتله. واستأسر عثمان بن عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، وحكم بن كيسان. وأعجزهم نوفل بن عبد الله. واستاقوا العير. ويقال إن المقداد ابن عمرو أخذ حكم بن كيسان أسيرا. فلما قدم بابن كيسان على رسول الله ﷺ ، دعاه إلى الإسلام. فأسلم وجاهد حتى قتل ببئر معونة شهيدا، ورسول الله ﷺ راض عنه. وكان في الجاهلية المرباع. فخمس رسول الله ﷺ تلك الغنائم، ولم يربعها. وكانت أول غنيمة خمست في الإسلام. ثم أنزل الله آية الغنيمة في الأنفال (٢). ويقال إن هذه الغنيمة أخرت حتى قسمت مع غنائم أهل بدر. وجعلت قريش تقول: استحل محمد القتال في الشهر الحرام، يعنون رجبا. وقال بعض المسلمين: يا رسول الله، أنقاتل، في الشهر الحرام؟ فانزل الله : (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به. والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله. والفتنة أكبر (٣) من القتل) (٤). يقول: القتال في الشهر الحرام كبير، وأكبر من القتال في الشهر الحرام، الصد عن سبيل الله والكفر به وإخراج أهل المسجد الحرام منه، وفتنة المشركين المسلمين في الشهر الحرام أشد (٥) من القتل. وبعد هذه السرية

стр. 399

كانت غزاة بدر القتال. وفدي عثمان بن عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فأتى مكة، ثم قتل يوم أحد كافرا. ٧٧٢ - وسرية عمير بن عدي بن خرشة، أحد بني خطمة، من الأوس، إلى عصماء بنت مروان اليهودي. وكانت تؤذي رسول الله ﷺ ، وتعيب الإسلام، وقالت شعرا، هو (١): فباست بني مالك والنبيت … وعوف وباست بني الخزرج أطعتم أتاوي من غيركم … فلا من مراد ولا من مذحج ترجونه بعد قتل الرءوس … كما يرتجى مرق المنضج وكانت تحت رجل من بني خطمة. وقال عمير بن عدي حين بلغه قولها: لله علي أن أقتلها إذا قدمت المدينة. وكان والمسلمين في مغزاهم ببدر. فلما قدم المدينة، سأل رسول الله ﷺ أن يأذن له في قتلها. ففعل. فأتاها ليلا، فقتلها لخمس ليال بقين من شهر رمضان. وجاء إلى رسول الله ﷺ . فقال: أقتلت عصماء؟ قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : لا ينتطح فيها عنزان. وهو ﷺ أول من قالها. وقال ابن الكلبي: هو عمير بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمة- واسم خطمة عبد الله- بن جشم بن مالك بن الأوس. وعدي أخو عمير. ٧٧٣ - وسرية سالم بن عمير الأنصاري في شوال سنة اثنتين إلى أبي عفك (٢)، وهو الثبت. وبعضهم يقول: عفك (٣). وكان شيخا كبيرا يحرض الناس على النبي ﷺ . وكان من بني عمرو بن عوف. ولم يدخل في الإسلام. فأقبل إليه سالم منصرفه من بدر، وهو نائم بفناء منزله في بنى عمرو ابن عوف، فقتله. وصاح حين وجد حز (٤) السيف صيحة منكرة، فاجتمع إليه قوم ممن كان على مذهبه، فقبروه (٥). وتغيب سالم، فلم يعلموا من قتل

стр. 400

عفك (١). وقال قوم: أتاه علي بن أبي طالب، وهو نائم على فراشه، فقتله. وكانت غزاة بني قينقاع بعد هذه السرية، ثم غزاة السويق، ثم غزاة قرقرة الكدر. ٧٧٤ - وسرية إلى كعب بن الأشرف اليهودي، وكان طائيا. بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة، ومعه خمسة من الأنصار أو أربعة وهو خامسهم، فأتوه وهو في أطمة. فنادوه، فنزل إليهم، فقتلوه. وكان فيهم عباد ابن بشر بن وقش الأوسي، وكان أخاه من الرضاع، فقال: صرخت به فلم ينزل لصوتي … وأوفى طالعا من فوق قصر فعدت فقال من هذا المنادي … فقلت أخوك عباد بن بشر وكانت هذه السرية في شهر ربيع الأول سنة ثلاث. وكان ابن الأشرف أتى مكة، ورثى أهل بدر وأقام بمكة. وكان حسان بن ثابت يهجو كل من آواه وأنزله، بأمر رسول الله ﷺ . فإذا بلغهم هجاؤه، أخرجوه. فلما لم يجد له مؤويا، أتى المدينة. فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اكفني كعبا بما شئت»، لإعلانه الشر وقوله الشعر. فانتدب له محمد بن مسلمة. وبعد هذه السرية غزاة ذي أمر، ثم غزاة بني سليم ببحران. ٧٧٥ - وسرية القردة، وهي فيما بين الربذة والغمر، ناحية ذات عرق. وكانت قريش عدلت بعيرها عن الطريق إلى ماء هناك خوفا من المسلمين. فوجه رسول الله ﷺ زيد بن حارثة مولاه في عدة من المسلمين، وزيد أميرهم. فظفر بالعير، وأفلت أعيان القوم: صفوان بن أمية وغيره. فبلغ الخمس عشرين ألف درهم. وكان فرات بن حيان العجلي دليل قريش، فأسره زيد وأتى به النبي ﷺ ، فأسلم. وكانت هذه السرية في جمادي الآخرة سنة ثلاث. وبعدها كانت غزاة أحد. ٧٧٦ - وسرية أبي سلمة بن عبد الأسد، إلى بني أسد، في المحرم سنة أربع. وكانوا جمعوا جمعا عظيما، وعليهم طليحة بن خويلد، وأخوه سلمة بن خويلد، يريدون غزو المدينة. فبلغ قطنا، وهو جبل، فلم يلق كيدا. وذلك أن الأعراب

стр. 401

تفرقوا. وأصاب نعما استاقها. ويقال إنه لقيهم، فقاتلهم، فظفر وغنم. ٧٧٧ - وسرية أميرها المنذر بن عمرو بن خنيس بن لوذان الساعدي. بعث به رسول الله ﷺ مع أبي براء عامر بن مالك الكلابي ملاعب الأسنة، في صفر سنة أربع. وذلك إنه وفد على النبي ﷺ فسأله أن يوجه معه قوما يعرفون من وراءه فضل الإسلام، ويدعونهم إليه، ويصفون لهم شرائعه. وعرض رسول الله ﷺ عليه الإسلام. فقال: أرجع إلى قومي، فأناظرهم. فلما سار إلى بئر معونة، استنهض عامر بن الطفيل بن مالك، من بني كلاب، لقتال أصحاب رسول الله ﷺ . وكانوا أربعين رجلا، ويقال سبعين. فلم ينهضوا معه كراهة أن يخفروا ذمة أبي براء. فأتى بني سليم، فاستنفرهم. فنفروا معه وقاتلوا أصحاب النبي ﷺ ببئر معونة. فاستشهدوا جميعا. فغم ذلك أبا براء، وقال: أخفرني ابن أخي ذمته من بين قومي. وكان ممن استشهد ببئر معونة: عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق. طعنه جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب. فأخذ من رمحه، فرفع. فزعموا أن جبارا أسلم. وقال الكلبى: لم ينج منهم إلا عمرو بن أمية الضمري. ٧٧٨ - وسرية أميرها مرثد بن (أبي) مرثد الغنوي، ويقال عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري- واسم أبي الأقلح قيس- بن عصمة، من الأوس، إلى الرجيع. وهو ماء لهذيل. وكان رسول الله ﷺ بعثهم إليه في صفر سنة أربع يقبض صدقاتهم ويفقههم في الدين، لادعائهم الإسلام على سبيل المكيدة. فلما صاروا إليهم، غدروا، وكثروهم. فقتل مرثد، وعاصم بن ثابت بن أبى الأقلح وأرادوا إحراقه فحصت الدبر- وهي النحل- لحمه ومنعته. فلم يقدروا على أن يمسوه. فلما جن عليه الليل، أتى سيل فذهب به. وباعوا خبيب (١) بن عدي بن مالك بن عامر بن مجدعة الأوسي من قريش. فقتلوه وصلبوه بالتنعيم. وكان أول من صلى ركعتين قبل القتل. وقتل يومئذ خالد بن البكير، أخو عاقل بن البكير الكنانى. وبعضهم يقول: ابن أبى

стр. 402

البكير. والأول قول الكلبي. وأم بني البكير عفراء بنت عبيد بن ثعلبة. وبعد هذه السرية غزاة بني النضير، ثم غزاه بدر الموعد. ٧٧٩ - وسرية عبد الله بن أبي عتيك الخزرجي، إلى رافع (١) بن أبي الحقيق اليهودي. بعثه رسول الله ﷺ إليه في ذي الحجة سنة أربع. فقتله في منزله. وقال قوم: بعثه إليه في سنة خمس. وقال الكلبي: هو عبد الله ابن عتيك. وبعد هذه السرية غزاة ذات الرقاع، ثم غزاة دومة الجندل، ثم غزاه بني المصطلق، ثم الخندق، ثم بني قريظة. ٧٨٠ - وسرية عبد الله بن أنيس، من ولد البرك بن وبرة - وعداده في جهينة في المحرم سنة ست إلى سفيان بن خالد بن نبيح- ويقال إلى خالد بن نبيح- الهذلي بعرنة، فقتله وهو نائم ويقال إن ابن أنيس لم يكن في جماعة، وأنه مضى وحده منكرا، فقتله. فلما قدم على رسول الله ﷺ ، دفع إليه مخصرته (٢)، وقال: القني بها يوم القيامة. ٧٨١ - وسرية محمد بن مسلمة بن خالد بن مجدعة الأوسي، من الأنصار، في المحرم سنة ست أيضا إلى القرطاء، من بني كلاب، بناحية ضرية (٣). وبينها وبين المدينة سبع ليال. أتاهم، فغنم نعما وشاء، وأخذ ثمامة بن أثال الحنفي. ثم رجع إلى المدينة. والقرطاء بنو قرط وقريط، (وقريط) (٤) بنو عبد الله ابن أبي بكر بن كلاب. وبعده غزاة بني لحيان، من هذيل. ثم غزاة ذي قرد، وهي غزاة الغابة. ٧٨٢ - وسرية أميرها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وجهه رسول الله ﷺ لاتباع بني لحيان، في شهر ربيع الأول سنة ست. ٧٨٣ - وسرية عكاشة بن محصن، إلى غمر مرزوق، على ليلتين من فيد (٥)،

стр. 403

في شهر ربيع الآخر سنة ست. نذر به الأعراب فهربوا. فبعث طلائعه، فأصاب لهم نعما. ٧٨٤ - وسرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر سنة ست. لقيه بنو ثعلبة بن سعد بها. فاستشهد من معه، وارتث. فلما انصرف الأعراب، حمله رجل من المسلمين، وهو مثخن، حتى أتى المدينة. ٧٨٥ - ثم سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى مصارع أصحاب محمد بن مسلمة. أتى ذا القصة، فلم يلق كيدا، وأصاب نعما وشاء. ٧٨٦ - وسرية أبي عبيدة أيضا إلى ذي القصة، وقد اجتمعت هناك محارب بن خصفة، وثعلبة بن سعد، وأنمار بن بغيض في موقع سحابة. فأغار عليهم، فأعجزوه هربا. واستاق لهم نعما. وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ست. ٧٨٧ - وسرية زيد بن حارثة إلى سليم، بالجموم (١)، في شهر ربيع الآخر سنة ست أيضا أراهم. فاستاق لهم نعما، وأصاب أسري. ٧٨٨ - وسرية زيد بن حارثة أيضا إلى العيص، في جمادي الأولى سنة ست لاعتراض عير قريش، وقد قدمت من الشام، فاستاقها. وكان في العير أبو العاص ابن الربيع زوج بنت رسول الله ﷺ ، فأخذه أسيرا (٢). فاستجار بزينب، فأجارته. ورد عليه ما أخذ منه. ثم أسلم. ٧٨٩ - وسرية زيد أيضا إلى الطرف، في جمادي الآخرة سنة ست. توجه إلى بني ثعلبة هناك، فهربوا. وأصاب عشرين بعيرا. ٧٩٠ - وسرية زيد بن حارثة إلى لخم، وجذام، بحسمى، في جمادي الآخرة سنة ست. وكانوا عرضوا لدحية بن خليفة الكلبى رسول الله ﷺ إلى قيصر. فأصاب منهم نعما وشاء، وقتل وسبى، ثم انصرف. ويقال إن هذه السرية كانت في سنة سبع. ٧٩١ - وسرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى، وقد تجمع بها قوم من مذحج

стр. 404

وقضاعة. ويقال بل تجمع بها قوم من أفناء مضر. فلم يلق كيدا. وكانت في رجب سنة ست. ٧٩٢ - وسرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل، وكان بها قوم من كلب. فأسلموا. وعمم رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف بيده، حين بعثه على السرية، وقال له: إن أطاعوك، فتزوج ابنة ملكهم. فلما أسلم القوم، تزوج تماضر (١) بنت الأصبغ الكلبي، وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن. وكانت هذه السرية في شعبان سنة ست. ٧٩٣ - وسرية علي بن أبي طالب ﵇ إلى بني سعد، بفدك، وكانوا قد اجتمعوا ليمدوا يهود خيبر. وكانت السرية في شعبان. فلم يلق كيدا. ٧٩٤ - وسرية زيد بن حارثة إلى قرفة الفزارية، في شهر رمضان سنة ست، وكانت تؤلب على رسول الله ﷺ . فقتلها وبنيها، وانصرف. وكان لها بنون قد رأسوا. وقال هشام بن الكلبي: اسمها فاطمة بنت ربيعة بن بدر. ولد لها (٢) اثنا عشر ذكرا، كلهم قد علق سيف رئاسته. ويقال إن أم قرفة ربطت بين بعيرين حتى انقطعت. ٧٩٥ - وسرية عبد الله بن رواحة، إلى أسير بن رزام- ويقال: رازم- اليهودي، وكان بخيبر، في شوال سنة ست. فخرج معه يريد النبي ﷺ . فلما كان ببعض الطريق، توهم بالفتك بابن رواحة، فقتله عبد الله ابن أنيس. فيقال قتله (٣) في ثلاثين يهوديا. ٧٩٦ - وسرية كرز بن جابر الفهري، في شوال، إلى نفر من عرينة. ويقال: من عكل. أتوا النبي ﷺ مرضى، فأذن لهم في إتيان لقاحه فشربوا من ألبانها. فلما صحوا، غدوا على اللقاح فاستاقوها، وقتلوا يسارا مولى النبي ﷺ ، وغرزوا الشوك في عينيه. فلما ظفر بهم. قطع رسول الله ﷺ أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم. وفيهم نزلت: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع

стр. 405

أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم). وبعد هذه السرية أتى رسول الله ﷺ الحديبية. وبعد ذلك غزا خيبر. ٧٩٧ - وسرية أميرها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى تربة (١)، في شعبان سنة سبع. أتاها، فهرب الأعراب من عجز هوازن، فانصرف. من عجز (٢) هوازن: بنو جشم بن معاوية بن بكر، وبنو نصر بن معاوية بن بكر، وسعد ابن بكر، وثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن. فانصرف ولم يلق كيدا. ٧٩٨ - وسرية أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه نحو نجد. توجه في شعبان، سنة سبع، فشن الغارة على العدو، فقتل وغنم. ٧٩٩ - وسرية بشير بن سعد- أبي «النعمان بن بشير» - إلى بني مرة في شعبان، بفدك. أصيب فيها أصحابه، وارتث. فنزل على بعض اليهود، حتى استنقل. ٨٠٠ - وسرية غالب بن عبد الله الليثي، من كنانة، إلى بني مرة بفدك. فقتل وسبى، وظفر. ٨٠١ - وسرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة، في شهر رمضان سنة سبع. فأغار على بنى سعد بن ذبيان، فاستاق النعم والشاء. ٨٠٢ - وسرية بشير بن سعد إلى يمن، وجبار، نحو الجناب، في شوال سنة سبع. وكان بها ناس من غطفان مع عيينة بن حصن. فلقيهم، ففض جمعهم، وانصرف إلى المدينة. وبعدها عمرة القضية. ٨٠٣ - وسرية ابن أبي العوجاء السلمي - ويقال: هو أبو العوجاء- إلى بني سليم في ذي الحجة سنة سبع. لقيهم، فأصيب أصحابه، ونجا بنفسه. وكان في خمسين رجلا. ٨٠٤ - وسرية غالب بن عبد الله إلى بني الملوح، من كنانة، بالكديد في صفر سنة ثمان. شن الغارة، فقتل وسبى، وأصاب نعما. ٨٠٥ - وسرية عمرو بن أمية الضمري إلى مكة، في صفر سنة ثمان، أو في شهر ربيع الأول. وجهه رسول الله ﷺ لقتل أبى سفيان، فوجده قد

стр. 406

نذر به. فانصرف. وذلك أن أبا سفيان وجه رجلا لاغتيال رسول الله ﷺ ، فأخبره الله بذلك، ومنعه منه، فأسلم الرجل. ٨٠٦ - وسرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسي في شهر ربيع الأول سنة ثمان. فأصاب ظفرا وغنما حسنا. وكان في أربعة وعشرين رجلا. ٨٠٧ - وسرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح - ويقال: ذات أباطح- في شهر ربيع الأول سنة ثمان. لقيه بها جمع كثير. فأصيب من معه، وتحامل حتى أتى المدينة. ٨٠٨ - وسرية زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة إلى مؤتة، في جمادى الأولى سنة ثمان. فقتلوا بها. وكان أول من استشهد منهم زيد بن حارثة. ثم قام بأمر الناس جعفر، فاستشهد. فوجد به اثنان وسبعون جراحة، ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح. وقطعت يداه. فقال رسول الله ﷺ : لقد أبدله الله بهما جناحين، يطير بهما في الجنة. ثم قام بأمر الناس عبد الله بن رواحة، فاستشهد. فأخذ خالد بن الوليد بن المغيرة الراية، وانصرف بالناس. وأخذ النبي ﷺ ولد جعفر ﵇، فضمهم إليه، وشمهم، ثم بكى. فصاحت أسماء بنت عميس. فقال رسول الله ﷺ : لا تقولي هجرا، ولا تضربي صدرا. ودخلت فاطمة ﵍، وهي تقول: واعماه. فقال: على مثله فلتبك الباكية. واتخذ لأهله طعاما، وقال: قد شغلوا بأنفسهم. ٨٠٩ - سرية قطبة بن عامر- ويقال: عمرو- بن الحديدة الأنصاري إلى خثعم، بتبالة. سار، فبيت حاضرهم، وشن الغارة عليهم. فأتى دهم معهم، وجاء سيل حال بينه وبينهم. فانصرف، واستاق لهم نعما. ويقال إن هذه السرية كانت في صفر سنة تسع، وذلك الثبت. ٨١٠ - وسرية عمرو بن العاص في جمادى الآخرة سنة ثمان إلى ذات السلاسل. وبينها وبين المدينة عشرة أيام. ثم بعثه رسول الله ﷺ إليها ووجه معه أبا بكر، وعمر، وأبا عبيدة بن الجراح، وسروات المهاجرين والأنصار. وكان عمرو بن العاص قدم من عند النجاشي مسلما. فلقي في طريقه عثمان ابن طلحة، وخالد بن الوليد يريدان النبي ﷺ ، فأسلموا في

стр. 407

صفر سنة ثمان. وكانت راية عمرو سوداء. فلقي العدو من قضاعة، وعاملة، ولخم، وجذام. وكانوا مجتمعين. ففضهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغنم. ٨١١ - وسرية أبي عبيدة بن الجراح إلى جهينة، بالقبلية، في رجب سنة ثمان. فأصابت الناس مجاعة، حتى أكلوا الخبط، فقرحت أشداقهم حتى ألقى لهم البحر حوتا فأكلوا منه وتزودوا. فسميت هذه السرية سرية الخبط. ٨١٢ - وسرية أبي قتادة إلى بني غطفان. توجه إليهم، فهجم على حاضر منهم عظيم. فشن الغارة، واستاق النعم. وهي سرية خضرة، من أرض نجد. وكانت في شعبان سنة ثمان. ٨١٣ - وسرية أبي قتادة النعمان بن ربعي بن بلدمة الخزرجي إلى إضم، حين توجه النبي ﷺ إلى مكة، ليظن ظان أنه يريد غير ذلك الوجه. وإضم نحو طريق الشام. ويقال إن هذه السرية كانت لعبد الله بن أبي حدرد الأسلمي. وفيها قتل محلم بن جثامة: عامر بن الأضبط الأشجعي. وبعضهم يقول: إن عامرا أسلم. فقال محلم: أسلم. فقال نعم (١). فلما تعوذ بالإسلام (عمد إليه) (٢) فقتله. وبعدها غزاة الفتح. ٨١٤ - وسرية خالد بن الوليد بعد فتح مكة لهدم العزى ببطن نخلة. ٨١٥ - وسرية عمرو بن العاص لهدم سواع، برهاط، من بلاد هذيل، في شهر رمضان سنة ثمان. ٨١٦ - وسرية سعد بن زيد الأشهلي في هدم مناة، بالمشلل في شهر رمضان. ٨١٧ - وسرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، بناحية يلملم، في شوال سنة ثمان. أتاهم، فأظهروا الإسلام، فوضع فيهم السيف، وأمرهم أن يستأسروا. وإنما بعث إليهم داعيا، ولم يبعثه مقاتلا. فودى رسول الله ﷺ قتلاهم، وأخلف ما ذهب لهم، وبعث علي بن أبي طالب بمال استقرضه، فصرفه في ذلك. ومكث رسول الله ﷺ معرضا عن خالد حينا، وخالد يتعرض له فيحلف له أنه ما قتلهم عن إحنة ولا شره، وأنه لم يسمع منهم تشهدا.

стр. 408

فرضي عنه، وسماه بعد ذلك «سيف الله». وبعد هذه السرية كانت غزاة حنين، ثم الطائف. ٨١٨ - وسرية الطفيل بن عمرو الدوسي، لهدم صنم عمرو بن حممة الدوسي وهو «ذو الكفين»، في آخر سنة ثمان. ٨١٩ - وسرية الضحاك بن سفيان الكلابي في شهر ربيع الأول سنة تسع، إلى قوم من بني كلاب. كتب إليهم رسول الله ﷺ ، فرقعوا (١) بكتابه دلوهم، فأوقع بهم. ٨٢٠ - وسرية عيينة بن حصن إلى بني تميم، في المحرم سنة تسع، وكانوا قد منعوا الصدقة. فبعثه رسول الله ﷺ إليهم، فأسر منهم أحد عشر رجلا، وسبى، ثم رجع. ٨٢١ - وسرية علقمة بن مجزز في شهر ربيع الأول - ويقال: الآخر- سنة تسع إلى مراكب الحبشة، ورأوها بالقرب من مكة. ورجع فلم يلق كيدا. ٨٢٢ - وسرية علي ﵇ لهدم الفلس، صنم طيئ، وكان مقلدا بسيفين أهداهما إليه الحارث بن أبي شمر. وهما مخذم ورسوب (٢). وفيهما يقول علقمة ابن عبدة (٣): مظاهر سربالي حديد عليهما … عقيلا سيوف مخذم ورسوب فأتى بهما رسول الله ﷺ . ثم كانت غزوة تبوك. ٨٢٣ - وسرية خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك الكندي، ثم السكوني، بدومة الجندل. بعثه رسول الله ﷺ من تبوك، في رجب سنة تسع. فغنم، وقدم بأخي أكيدر. ويقال إنه قتل أخاه مصادا، وأخذ قباء ديباج كان عليه منسوجا بذهب، وقدم بأكيدر على رسول الله ﷺ . وكتب له رسول الله ﷺ ولأهل دومة الجندل كتابا. وقال

стр. 409

رسول الله ﷺ ، وقد رأى تعجب أصحابه من قباء أخي أكيدر: والله لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منه. حدثنا شيبان، ثنا جرير بن حازم، أنبأ الحسن أن النبي ﷺ أتي بجبة من سندس، فجعل الناس يقلبونها ويعجبون من حسنها، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها. ٨٢٤ - ثم حج أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بالناس في موسم سنة تسع، وأتبعه رسول الله ﷺ على بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فقرأ على الناس «براءة (١)»، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده. حدثنا عفان بن مسلم، ثنا شعبة بن الحجاج، أنبأ مغيرة، عن الشعبي، عن محرز (٢) بن أبي هريرة، عن أبيه قال: كنت مؤذن علي، حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة، قال: فناديت إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فأجله أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر ف أن الله بريء من المشركين ورسوله (٣). وحدثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام، أنبأ سفيان بن حسين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي ﷺ بعث بسورة براءة مع أبي بكر، ثم بعث عليا فأخذها من أبي بكر. فجاء أبو بكر فقال: يا رسول الله هل نزل في شيء؟ قال: لا ولكنه لا يؤدي عني غيري أو رجل من أهل بيتي. فكان أبو بكر على الموسم، وكان علي ينادي بهؤلاء الكلمات: «لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، والله ورسوله بريئان من المشركين»، أو قال: «من كل مشرك».

стр. 410

٨٢٥ - سرية خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب، بنجران. وجهه رسول الله ﷺ إليهم يدعوهم إلى الإسلام. فأسلموا، وأدوا الصدقة، فردها في فقرائهم. وقاتله قوم من مذحج، فظفر بهم وسبى منهم واستاق مواشيهم، فخمسها. وقدم معه قيس بن الحصين بن ذي الغصة، ويزيد ابن عبد المدان، وعدة منهم. وذلك في سنة عشر. ٨٢٦ - وبعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى اليمن في شهر رمضان سنة عشر لقبض الصدقة. فلم يقاتله أحد، وأدوا إليه الصدقة. ثم كتب رسول الله ﷺ يأمره بموافاته بالموسم. فوافاه. ٨٢٧ - وبعث رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي لهدم ذي الخلصة، وكان مروة بيضاء، بتبالة. وهو صنم بجيلة، وخثعم، وأزد (١) السراة. فلما أتى رسول الله ﷺ خبر هدمه، سجد شكرا لله. وكان جرير قدم على رسول الله ﷺ في شهر رمضان سنة عشر مسلما. ثم حج رسول الله ﷺ حجته التي تدعى حجة الوداع، وتوفي سنة إحدى عشرة. ٨٢٨ - وكان رسول الله ﷺ قد رأى توجيه أسامة بن زيد في سرية إلى الذين حاربهم أبوه يوم مؤتة، وأمره أن يوطئهم الخيل، وعقد له لواء، وضم إليه أبا بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما فيمن ضم. فمرض ﷺ قبل أن ينفذ الجيش، فأوصى بإنفاذه، فقال: أنفذوا جيش أسامة. فلما استخلف أبو بكر، أنفذه، وكلمه في عمر لحاجته إليه. فخلفه، ومضى أسامة، فأوقع بالعدو، ثم قدم المدينة. ٨٢٩ - وحدثت عن أحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، (٢) عن يزيد (بن عبد الله) بن قسيط، عن أبى القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد، عن أبيه قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم. فخرجت في سرية فيها

стр. 411

أبو قتادة الحارث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس. حتى إذا كنا ببطن إضم، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، ومعه متيع له، ووطب من لبن. فسلم علينا، فأمسكنا عنه. وحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه الخبر. فنزل فيه: يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا، ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا، تبتغون عرض الحياة الدنيا ) (١). ٨٣٠ - وقال محمد بن إسحاق (٢)، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال سمعت زياد بن ضميرة (بن سعد) السلمى، يحدث عن عروة بن الزبير، عن أبيه، وجده جميعا، قالا: كنا مع النبي ﷺ بحنين، فصلى بنا الظهر، ثم جلس في ظل شجرة وهو بحنين. فقام إليه الأقرع بن حابس، وعيينة ابن حصن، فطلب عيينة بدم عامر بن الأضبط، وجعل الأقرع يدفع عن محلم بن جثامة لمكانة من خندف. فقال عيينة: والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحز ما أذاق نساءنا (٣). ورسول الله ﷺ يقول: تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا، وخمسين إذا رجعنا. وعيينة يأبى عليه. فقام رجل من بني الليث، يقال له مكيتل وهو قصير مجمع، فقال: «يا رسول الله ما وجدت لهذا القتيل شبها في غرة الإسلام إلا غنما وردت فرميت أولادها فنفرت أخراها. اسنن اليوم وغير غدا». فقال رسول الله ﷺ : خذوا الدية خمسين في سفرنا، وخمسين إذا رجعنا. فقبلوا ذلك. ثم قال أين صاحبكم؟ فقام رجل ضرب، طوال، عليه حلة قد كان تهيأ فيها للقتل حين جلس إلى النبي ﷺ . فقال: ما اسمك؟ قال: محلم بن جثامة. فقال رسول الله ﷺ : اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة.

стр. 412

فقام وهو يتلقى دمعه بفضل ردائه. قال زياد، عن أبيه، عن جده: وأما نحن فنقول: إنا لنرجو أن يكون النبي ﷺ قد استغفر له بعد ذلك، وأما ما ظهر من رسول الله ﷺ ، فهو هذا. وقال محمد بن إسحاق (١)، حدثني من لا أتهمه، عن الحسن البصري أن النبي ﷺ قال لمحلم: أقتلت رجلا قال «آمنت بالله؟» ويقال: «تلك المقالة؟» فما مكث محلم إلا سبعا، حتى مات. فدفن، فلفظته الأرض ثلاثا. فلما غلب قومه، رضموا (٢) عليه الحجارة. فقال رسول الله ﷺ : إن الأرض لتطابق (٣) على من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظكم بما أراكم منه. ومن قال هذا، قال: إن الذي مات بحمص: الصعب، أخوه (٤). صفة رسول الله ﷺ (٥) ٨٣١ - حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا أبو داود، ثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: رأيت شعر رسول الله ﷺ يصيب منكبيه. ٨٣٢ - حدثني عمرو بن محمد الناقد أبو عثمان، وإسحاق القروي قالا، ثنا مالك بن إسماعيل النهدي، ثنا جميع بن عمر العجلي، حدثني رجل بمكة، عن ابن أبي هالة التميمي يكنى أبا عبد الله، عن الحسن بن علي ﵉ قال: سألت خالي ابن أبي هالة، وكان وصافا عن حلية رسول الله ﷺ . فقال: كان فخما، مفخما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر. أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، وإن انفرقت عقيقته فرقا، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره (٦). أزهر

стр. 413

اللون، صلت الجبين، أهدب الأشفار، أزج الحواجب سابغهن، في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب. أقنى العرنين، له نور يعلوه بحسنه من يتأمله. أشم، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب (١) الثغر، مفلج الأسنان، أحم الشفتين رقيقهما، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء القضة، معتدل الخلق، بادنا، متماسكا، سواء البطن والصدر، بعيد ما بين المنكبين، عريض الصدر، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري البطن والثديين، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، سبط القصب، شثن الكفين والقدمين، سائل الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء. إذا زال زال قلعا، يخطو تكفؤا ويمشي هونا، ذريع المشية كأنما ينحط من صبب، إذا التفت التفت بجمعه، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة. يبدأ من لقي بالسلام. ﷺ . قال. قلت: فصف لي منطقه. فقال: كان رسول الله ﷺ دائم الفكر، متواصل الأحزان، ليست له راحة. لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكت. يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، قولا فصلا، لا فضلا ولا تقصيرا (٢)، دمثا، ليس بالجافي ولا المهين. يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئا. لا يذم دواياه، ولا يقبحه. ولا يغضبه الدنيا وما كان لها. فإذا كان الحق، لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له. لا ينتصر لنفسه، ولا يغضب لها. يشير بكفه كلها. وإذا تعجب قلبها، وإذا حدث اتصل بها فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى. وإذا غضب، أعرض وأشاح. وإذا رضي غض بصره وصمت. جل ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حب الغمام. ﷺ . قال الحسن: فكتمتها عن أخي الحسين زمانا، ثم حدثته بها، فوجدته قد سبقني إليه، فسأله عما سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخل رسول الله صلى

стр. 414

الله عليه وسلم، ومخرجه، ومجلسه، وشكله، وسيرته، وكلامه، وسكوته. قال الحسين ﵇: سألت أبى عن مدخل رسول الله ﷺ . فقال: كان مدخله لنفسه مأذونا له في ذلك. فإذا آوى إلى أهله، جزأ مدخله ثلاثة أجزاء: جزء الله، وجزءا لنفسه، وجزءا لأهله. ثم جزأ جزأه لنفسه بينه وبين الناس، فرد على العامة من الخاصة. وكان من سيرته إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين. فمنهم ذو الحاجة، وذو الحاجتين، وذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم وأصلح الأمة من مسئلته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغى لهم، ويقول: ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغى حاجته. فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغه إياها، ثبت الله قدمه يوم القيامة. لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل غيره من أحد. قال: وسألته عن مخرج رسول الله ﷺ ، وكيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان يخزن لسانه عما لا يعنيه. وكان يؤلف، ولا ينفر، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس الفتن، ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد بشره ولا خلقه. يتفقد أصحابه، ويسأل عما في الناس فيحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهنه، مؤتلف الأمر، غير مختلفه. كل حال عنده عتاد. لا يقصر عن الحق، ولا يجوز الدين. أفضل الناس عنده أعمهم نصيحة. وأعظمهم عنده منزلة، أحسنهم مؤاساة ومؤازرة. قال: وسألته عن مجلس رسول الله ﷺ ، فقال: كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر الله. ولا يوطن الأماكن، وينهى عن إيطانها. وإذا انتهى إلى قوم، جلس حيث ينتهى به المجلس، ويأمر بذلك. ويعطى كلا من جلسائه بنصيبه، فلا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه. من جالسه أو قارنه في حاجة، سايره حتى يكون هو المنصرف. ومن سأله حاجة، لم يرده إلا بها أو بميسور من القول. قد وسع الناس منه بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس حلم، وحياء، وصدق. وأمانة. لا ترفع فيه الأصوات، ولا توتن فيه الحرم، ولا تنثى (١)

стр. 415

فلتاته. ترى جلساءه يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحوطون الغريب. قال، قلت: فكيف كانت سيرته في جلسائه؟ قال: كان ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب، ولا عياب، ولا فحاش، ولا مداح. يتغافل عما لا يشتهيه (١)، ولا يؤيس منه ولا يجيب فيه. قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيره، ولا يطلب عثرته، ولا يتكلم إلا فيما رجى ثوابه. فإذا قال، أطرق جلساؤه فكأنما على رؤوسهم الطير. وإذا سكت، تكلموا، لا ينازعون عنده أحدا: من تكلم أنصتوا حتى يفرغ من كلامه. حديثهم عنده حديث أوليتهم. يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه. ويصبر للغريب الجافي في منطقه ومسئلته. حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ويقول: إن رأيتم طالب حق، فارفدوه. ولا يقبل (٢) الثناء إلا من المكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام. قلت: فكيف كان سكوته؟ قال: على أربع: الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكير. فأما تقديره، ففي تسوية النظر بين الناس، واستماعه منهم. وأما تفكيره، ففيما يفنى ويبقى. وجمع الحلم والصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه. وجمع ثلاثا: أخذه بالحسن ليقتدى به، وتركه القبيح ليتناهى عنه، واجتهاده الرأى فيما أصلح أمته. وجمع لهم خير الدنيا والآخرة. ﷺ . وحدثنى عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ أبر الناس، وأطلقهم وجها، وأحسنهم خلقا، يبدأ من لقيه بسلامه، وإذا صافح رجلا لم يرسل يده حتى يتركها المصافح له.

стр. 416

(تفسير غريب اللغات): قول الحسن ﵇: «سألت خالي هند بن أبي هالة»، لأن خديجة بنت خويلد كانت عند أبي هالة الأسيدي، من بني تميم، فولدت له هند ابن أبي هالة، أخا (١) فاطمة ﵍ لأمها، وهو خال الحسن ﵇. و «المشذب»: الطويل المفرط الطول. و «الأزج الحاجب»: الحسن التمام في غير غلظ ولا رقة. و «القنا»: أن يرتفع الأنف من وسطه. و «الضليع» هاهنا الذى لا يكون ضيقا و «حمة الشفتين»: سوادهما. و «المسربة» الشعر الذي على الصدر يسيل مستدقا إلى السرة. و «الشثن»: الذى فيه خشونة، وليس بلين مسترخ، و «الأخمص من الرجل»: ما جفا عن الأرض باطنها. و «الأخمصان»: لليمنى واليسرى. و «الخمصان»: الذى فيه ضمور. و «الزندان»: عظما الساعدين. و «الدمث»: اللين السهل و «المسيح (٢)»: الجاد المتهيئ للشيء. وأصل «العقيقة»: شعر البطن الذي يكون على المولود، ثم كل شعر عقيقة. ٨٣٣ - وحدثني أبو بكر الأعين، عن الحسن بن موسى الأشيب، عن حماد بن سلمة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان في رأس رسول الله ﷺ من الشيب شعرات في مفرق رأسه. فإذا ادهن، واراهن الدهن. ٨٣٤ - حدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن رجل، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: إنكم تنثرون الكلام نثرا، وإن النبي ﷺ كان يخرجه نزرا. ٨٣٥ - وحدثني الزيادي، حدثني أبو أحمد السكري، حدثني عبد الملك بن وهب، عن الحر الخثعمي أن النبي ﷺ خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة،

стр. 417

فنزل بامرأة من خزاعة يقال لها عاتكة بنت خالد بن خليف، ويقال لزوجها أكثم بن الجون بن منقذ الخزاعي، وهي أم معبد. فوصفته ﷺ فقالت: كان ظاهر الوضاءة، متبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيما قسيما، في عينه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزج، أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سمى وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأحلاهم من قريب، منطقه فصل، لا نزر ولا هذر كأنه خرزات نظم يتحدرن، حلو المنطق، لا يشني من طول، ولا تقتحمه العين من قصر، غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال أنصتوا، وإذا أمر بادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند. ﷺ . (تفسير غريب اللغات): «الثجل»: عظم البطن. و «الصعل»: صغر الرأس. و «الوسيم»: الجميل. وكذلك «القسيم. و «الدعج»: شدة سواد الحدقة. و «الصحل»: شبيه بالبجة، تقول إنه ليس بحاد الصوت. و «السطع»: طول العنق، لا تقتحمه العين ولا تزدريه بل تهابه فتقصر نظرها دونه. و «الوطف»: طول هدب العين. ويروي: «غصنا بين غصنين» (١)، ويروى: «محفودا محشودا، لا عابسا ولا مفندا»، ويروى: «كان منطقه فصلا، لا نزرا ولا هذرا». ٨٣٦ - وحدثنى سليمان الرقى المؤدب، ثنا عيسى بن يونس، عن عمر مولى غفرة، عن إبراهيم بن محمد من ولد على، عن على ﵇ قال: لم يكن رسول الله ﷺ بالطويل الممغط، ولا بالقصير المتردد، وكان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط ولا البسط، كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم، كان في وجهه تدوير، أبيض مشربا حمرة، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد ذا مسربة، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما يمشى في صبب، وإذا التفت التفت

стр. 418

معا، بين كتفيه خاتم النبوة، أجرأ الناس صدرا، وأجود الناس كفا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس بذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه. يقول ناعته: لم أر مثله قبله ولا بعده. ﷺ . «المشاش»: العظام. «الكتد»: موصل العنق بالظهر فوق الكاهل. و «اللهجة»: اللسان. و «الممغط»: الذى ذهب طولا. و «المطهم»: المعرق، يقال: خيل مطهمة، معرفة الوجوه، وذلك يستحب منها. ٨٣٧ - حدثنى أحمد بن الخزار، عن ابن عائشة القرشي عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أزهر اللون، وكان عرقه اللؤلؤ ما شممت مسكة ولا عنبرة أطيب رائحة منه، ولا مسست ديباجة ولا حريرة ألين من كفه. ٨٣٨ - حدثنى روح بن عبد المؤمن المقرئ ثنا غندر، عن شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يقول، سمعت البراء بن عازب يقول: كان النبي ﷺ مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجمة، جمته إلى شحمة أذنيه، ما رأيت قط أحسن منه، ورأيت عليه حلة حمراء. حدثنى محمد بن الصباح، عن شريك، عن أبى إسحاق، عن البراء قال: ما رأيت أجمل من النبي ﷺ مترجلا في حلة حمراء. ٨٣٩ - وحدثنى محمد بن سعد، عن الواقدى، عن محمد بن عبد الله ومعمر كليهما، عن الزهري، عن عروة، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، والماحى يمحو الله بي الكفر، والعاقب (الذى ليس بعدي نبى) (١)، والحاشر الذى يحشر الناس على قدمي (٢). قال الواقدى، وحدثنى موسى بن عبيدة الربذي، عن عطاء. مثله.

стр. 419

٨٤٠ - وقال الواقدى في إسناده أن أبا الطفيل عامر بن واثلة كان يقول: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة. فما أنسى شدة بياض وجهه، وشدة سواد شعره. وإن من الرجال رجالا حوله يمشون، فمنهم من هو أقصر منه، ومنهم من هو أطول منه. فقلت لأبى: من هذا؟ قال: رسول الله ﷺ . ٨٤١ - وحدثت عن هشام، عن أبيه، عن أبى صالح قال: كانت أم هانئ تحدث فتقول: ما رأيت أحدا كان أحسن ثغرا من رسول الله ﷺ . وما رأيت بطن رسول الله ﷺ إلا ذكرت القراطيس المثنية بعضها فوق بعض، تعنى عكنة. ورأيته يوم الفتح قد ضفر رأسه بضفائر أربع. ٨٤٢ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا أبو داود، عن شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان النبي ﷺ أشكل العين، ضليع الفم، منهوش (١) العقب، وكان في ساقه حموشة. ٨٤٣ - حدثنا عفان بن مسلم، ثنا شعبة، أنبأ قتادة، عن مولى لآل أنس، عن أبى سعيد الخدرى قال: كان النبي ﷺ أشد حياء من جارية عذراء في خدرها. وكان إذا كره شيئا، عرفت كراهته إياه في وجهه. ٨٤٤ - حدثنى عبيد الله بن معاذ العنبري، عن أبيه، عن شعبة، عن أبى إسحاق، عن أبى عبد الله الجدلى قال: سألت أمير المؤمنين- يعنى عليا ﵇ عن خلق رسول الله ﷺ . فقال: لم يكن فاحشا، ولا متفشحا، ولا ضحابا، ولا عيابا. ولكنه كان يعفو ويصفح.

стр. 420

٨٤٥ - وحدثنى بكر بن الهشيم، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن الزهري، عن أبى سلمة، قال: قال: قال النبي ﷺ : كيف لا أشيب وأنا أقرأ سورة هود (١)، و ﴿إذا الشمس كورت﴾ (٢)؟ ٨٤٦ - حدثنا يحيى بن أيوب الزاهد، ثنا إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة، عن أنس أنه سمعه يقول: كان رسول الله ﷺ رجل الشعر، ليس شعره السبط ولا القطط، كان أزهر اللون، ليس بالآدم ولا الأبيض الأمهق. كان ربعة من القوم، ليس بالقصير ولا بالطويل. بعث على رأس أربعين. ٨٤٧ - حدثنا سعيد بن سليمان بن سعد، وبه ثنا عباد بن العوام، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ لا يضحك إلا تبسما. وكنت إذا نظرت إليه، قلت: «أكحل العينين»، وليس بأكحل. ٨٤٨ - حدثنى أبو عمران المقرئ، ثنا أبو يوسف يعلى الطنافسي، عن مجمع بن يحيى، عن عبد الله بن عمران، عن بعض الأنصار أن عليا ﵇ قال: كان رسول الله ﷺ أبيض اللون مشربا حمرة، أدعج العينين، سبط الشعر، ذا وفرة، كث اللحية، كأن عنقه إبريق فضة، دقيق المسربة، من لبته إلى سرته شعر يجرى كالقضيب، ليس في بطنه شعرة غيره، شثن الكف والقدم، إذا مشى فكأنما ينقطع من صخرة وكأنما ينحدر من صبب، وإذا التفت التفت معا، ليس بطويل ولا قصير، ولا عاجز ولا لئيم، كأن عرقه اللؤلؤ أطيب من المسك الأذفر (٣)، سهل الخد. لم أر مثله قبله ولا بعده. ﷺ . ٨٤٩ - حدثنى عمرو الناقد، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن حميد الطويل، عن أنس قال: كان شعر رسول الله ﷺ إلى أنصاف أذنيه.

стр. 421

٨٥٠ - وحدثني أحمد بن هشام، عن شعيب بن حرب، عن ربيع بن صبيح (١)، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يسرح لحيته بالماء في كل يوم. ٨٥١ - وحدثني أبو نصر التمار، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان شعر رسول الله ﷺ قريبا من منكبيه. ٨٥٢ - وحدثني محمد بن حيان الحراني، ثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق قال: قيل للبراء: كان وجه رسول الله ﷺ يأتلق مثل السيف؟ فقال: لا، بل كان مثل القمر، ليس في رأسه عشرون شعرة بيضاء. ٨٥٣ - حدثنا وهيب بن بقية الواسطي، ثنا يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أنس بن مالك قال: ما كان الله ليشين نبيه بالشيب. قيل: وشين هو يا با (٢) حمزة؟ قال: كلنا يكرهه. ٨٥٤ - وروي عن حميد الطويل، عن أنس أنه سئل عن خضاب النبي ﷺ . فقال: ما كان فيه من الشيب ما يخضبه. ٨٥٥ - وحدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سلام بن أبي مطيع، عن عبد الله بن موهب، قال: دخلت على أم سلمة، فأخرجت إلي شعرا من شعر رسول الله ﷺ مخضوبا بالحناء والكتم. حدثنا روح بن عبد المؤمن، عن معتمر بن سليمان، عن عبد الله، وعبيد الله ابني عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يصفر لحيته.

стр. 422

٨٥٦ - حدثنا عمرو بن محمد الناقد، عن أبي نعيم، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة قال: رأيت رسول الله ﷺ وهذه منه بيضاء، يعني عنفقته (١)، وأنا يومئذ أريش النبل وأرمي بها. ٨٥٧ - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعكرمة، عن ابن عباس، قال أبو صالح في حديثه: رأيت وفرة رسول الله ﷺ وبها ردع من حناء. وقال عكرمة في حديثه: رأيت وفرة رسول الله ﷺ وبها تلوين من الحناء. ٨٥٨ - حدثني الأعين، عن الحسن بن موسى الأشيب، ثنا شيبان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن شيخ من كنانة قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز بين بردين أحمرين، مربوعا كثير اللحم، حسن الوجه، شديد سواد الشعر سابغه، شديد البياض. ٨٥٩ - حدثني عمرو، ثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنت إذا أردت أن أفرق رسول الله ﷺ ، صدعت الفرق بين يافوخه، وأرسلت ناصيته بين عينيه. أزواج رسول الله ﷺ وولده (٢): ٨٦٠ - تزوج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي- وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن هرم من بني عامر بن لؤي، ويقال: زيادة بن الأصم- قبل الإسلام. ٨٦١ - فولدت منه القاسم بن رسول الله ﷺ . وبه كان يكنى. ومات وقد مشى، وهو ابن سنتين.

стр. 423

٨٦٢ - وولدت أيضا زينب بنت رسول الله. وهي أكبر بنات رسول الله ﷺ ، تزوجها أبو العاص بن الربيع وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد ابن أسد. وكان أبو العاص يلقب جرو البطحاء، أي ابن البطحاء. وبعضهم يقول: اسمه القاسم، والثبت أن اسمه لقيط. وكان تزوجه إياها قبل الإسلام. فلما أكرم الله نبيه بالرسالة، آمنت به خديجة وبناته وصدقنه (١). وثبت أبو العاص على دين قريش. وكان من معدودي رجال مكة مالا، وأمانة، وتجارة. فمشت إليه وجوه قريش، فقالوا: اردد على محمد ابنته، ونحن نزوجك أية امرأة أحببت من قريش. فقال: لا، ها الله، إذا لا أفارق صاحبتي، فإنها خير صاحبة. ولما سارت قريش إلى بدر، كان معهم. فأسر في المعركة. فلما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم، بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال. وبعثت معه بقلادة لها كانت خديجة رضي الله تعالى عنها وهبتها لها حين أدخلتها على أبي العاص. فلما رآها رسول الله ﷺ ، عرفها، فرق لها رقة شديدة وقال للمسلمين: إن رأيتم أن تردوا قلادة زينب ومالها عليها وتطلقوا أسيرها، فافعلوا. فقالوا: نعم، ونعمة عين يا رسول الله. فأطلقه رسول الله ﷺ بعد أن اشترط عليه أن يبعث بزينب إليه. وتوثق منه، ووجه زيد بن حارثة الكلبي مولاه في عدة من الأنصار إلى بطن يأجج، وأمرهم بالمقام هناك إلى أن توافيهم زينب فيصاحبونها حتى يقدموا بها المدينة. وذلك بعد بدر بشهر. وأمر أبو العاص زينب بالتهيؤ. فلما تجهزت، بعث بها مع كنانة ابن عدي بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، وهو ابن عمه. ويقال: بل بعث بها مع عدي بن ربيعة. فاعترضها رجال من قريش بذي طوي. فبدر إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، ونافع ابن عبد قيس بن لقيط بن عامر الفهري، وهو أبو «عقبة بن نافع»، صاحب المغرب. فأهوى إليها هبار بالرمح، فأفزعها، وكانت حاملا فألقت ما في بطنها بعد أيام. وفوق كنانة، أو عدي، سهما وكان راميا. فقال له أبو سفيان ابن حرب، وكان في القوم: اكفف بذلك عنا، فإنا والله ما نمنعها من المسير

стр. 424

إلى أبيها وإنما أنكرنا خروجكم بها نهارا، ورأينا علينا في ذلك غضاضة، فردها إلى مكة، فإذا غشينا الليل، وهدأت الزجل (١) فأسر بها. ففعل، وأخرجها ليلا حتى أتى بها زيدا ومن معه فسلمها إليهم. ويقال إن هبارا أنفر بها البعير حتى سقطت، وانكسرت ضلع من أضلاعها. وفي أمر زينب يقول عدي أو كنانة بن عدي (٢): عجبت لهبار وأوباش قومه … يريدون إخفاري ببنت محمد فإن أنا لم أمنع من القوم كنتي … فلا عشت إلا كالخليع المطرد ووجه رسول الله ﷺ سرية، وقال: إن لقيتم هبارا، فأحرقوه (٣). ثم قال: سبحان الله، لا يعذب بالنار إلا خالقها، اقطعوا يده ورجله. فلم تلقه السرية. وقدم على رسول الله ﷺ ، حين فتح مكة، مسلما. فقبل إسلامه، وأمر أن لا يعرض (٤) له. وقال له: لا تسب إلا من يسبك. وكان سبابا للناس. وكان يكنى أبا سعد. وخرجت سلمى مولاة رسول الله ﷺ ، فقالت: لا أنعم الله بك عينا. فقال رسول الله ﷺ : مهلا، فقد محا الإسلام ما كان قبله. وحدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن معروف بن خربوذ المكي أنه أنشده لأبي العاص في زينب رضي الله تعالى عنها (٥): ذكرت زينب لما جاوزت إرما … فقلت سقيا لشخص يسكن الحرما بنت الأمين جزاها الله صالحة … وكل بعل سيثني بالذي علما وقال أبو العاص هذا الشعر، وقد خرج في سفر له. وخرج أبو العاص ابن الربيع في سنة ست إلى الشام في تجارة له. فلما انصرف، بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة مولاه في كثف من المسلمين لاعتراض العير

стр. 425

التي أقبل فيها أبو العاص، فاستاقها وأسره، فأتى به إلى رسول الله ﷺ . فبعث إلى زينب يستجير بها. ويقال: بل حاص حيصة حتى أتى زينب، فاستجار بها. فأجارته. فلما صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، قالت، وهي في صفة النساء: أيها الناس إنى قد أجرت أبا العاص ابن الربيع. فقال رسول الله ﷺ : أيها الناس، أسمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال: فو الذى نفسي بيده، ما علمت بما كان حتى سمعت ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم. ثم دخل رسول الله ﷺ عند انصرافهم من المسجد، فقال: يا بنية: أكرمى مثواه، ولا يخلصن إليك. وبعث إلى المسلمين ممن كان في السرية: إنكم قد عرفتم مكان هذا الرجل منا، فإن تردوا عليه ماله فإنا نحب ذلك، وإلا تردوه فأنتم أملك بفيئكم الذى جعله الله لكم. فقالوا: بل نرده يا رسول الله. فردوا عليه ماله وجميع ما كان معه. وأسلم أبو العاص، فرد رسول الله ﷺ إليه زينب بنكاح جديد. ويقال: بل ردها بالنكاح الأول. حدثنى خلف بن هشام البزاز، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ رد زينب بنت رسول الله على أبى العاص بنكاح جديد ومهر جديد. حدثنا بكر بن الهيثم، ثنا عبد الله بن صالح، عن ابن لهيعة، عن موسى، عن عراك، عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أم سلمة أن زينب استأذنت أبا العاص في إتيان أبيها ﵇، حين هاجر. فأذن لها في ذلك. فقدمت المدينة. ثم إن أبا العاص لحقها، فاستجار بها، وقال: خذي لي أمانا. فخرجت، فأطلعت رأسها من باب حجرتها حين قضى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فقالت: أنا زينب بنت رسول الله، وقد أجرت أبا العاص بن الربيع. فقال رسول الله ﷺ : أسمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال: فو الله ما علمت، والمسلمون يجير عليهم
следующие страницы →