Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وقول الحسن: يدورون كلما دارت - يعني: أنهم يصلون إلى القبلة، فكلما انحرفت السفينة عن القبلة داروا معها.
وهذا مع القدرة، فإذا عجزوا عن ذلك للخوف على أنفسهم فإنه يكفيهم الاستقبال في أول الصلاة، نص عليه مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة. والله أعلم.
ثم قال البخاري ﵀:
стр. 1017
٣٨٠ - ثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: ((قوموا فلأصلي لكم)) . قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بالماء، فقام
стр. 1018
رسول الله ﷺ وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف.
((مليكة)) : قال كثير من الناس: هي جدة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قالوا: والضمير في قوله: ((أن جدته)) إليه يعود، لا إلى أنس.
وقد روى هذا الحديث عبد الرزاق، عن مالك، وقال: يعني: جدة إسحاق.
وهذا تفسير من بعض رواة الحديث.
وقد ذكر ابن عبد البر وغيره: أنها هي أم سليم أم أنس بن مالك؛ فإن أبا طلحة تزوجها بعد أبي أنس، فولدت له عبد الله.
وقيل: بل مليكة أختها أم حرام زوجة عبادة، وسماها جدته لأنها أخت جدته، على حد قوله تعالى حاكيا عن بني يعقوب، أنهم قالوا لأبيهم: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:١٣٣] ، فإن إسماعيل عمه، والعم صنو الأب.
وظاهر سياق الحديث: يدل على أن مليكة جدة أنس، وهذا هو الأظهر. والله أعلم.
وروي صريحا من رواية مقدم بن يحيى، عن عمه القاسم، عن عبيد الله بن
عمر، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال: أرسلت جدتي إلى رسول الله ﷺ واسمها: مليكة -، فجاءنا، فحضرت الصلاة -
стр. 1019
وذكر الحديث.
خرجه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) .
وقد ذكر ابن سعد: أن مليكة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، هي أم حرام وسليم وأم سليم وأم حرام، أولاد ملحان.
فتبين بهذا أن مليكة جدة أنس حقيقة، ولا يمنع من هذا أنه لم يذكرها في أسماء الصحابيات كثير ممن جمع في أسماء الصحابة؛ لأن هذا الحديث الصحيح يشهد بذلك، والاعتماد عليه أقوى من الاعتماد على قول مثل ابن إسحاق والواقدي.
ويعضد صحة هذا: أن أحدا ممن يعتمد على قوله لم يسم أم سليم: مليكة، وقول أنس: ((فقمت إلى حصير لنا)) يدل على أن هذا البيت كان بيت أم سليم أم
أنس.
وقد رواه ابن عيينة، عن إسحاق بن عبد الله مختصرا، وصرح فيه بأن العجوز التي صلت وراءهم هي أم سليم أم أنس، وهذا يدل على أنها هي التي دعت النبي ﷺ إلى طعامها.
وخرجه النسائي من طريق يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله،
стр. 1020
عن أنس، أن أم سليم سألت رسول الله ﷺ أن يأتيها ويصلي في بيتها فتتخذه مصلى، فأتاها فعمدت إلى حصير فنضحته بماء، فصلى عليه وصلوا معه.
وقوله: ((قد اسود من طول ما لبس)) يدل على أن لبس كل شيء بحسبه، فلبس الحصير هو بسطه واستعماله في الجلوس عليه.
واستدل بذلك من حرم الجلوس على الحرير وافتراشه؛ لأن افتراش فرش الحرير وبسطه لباس له، فيدخل في نصوص تحريم لباس الحرير.
وزعم ابن عبد البر: أن هذا يؤخذ منه أن من حلف لا يلبس ثوبا، وليس له نية ولا ليمينه سبب، فإنه يحنث بما يتوطأ ويبسط من الثياب؛ لأن ذلك يسمى لباسا.
وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإن اللبس المضاف إلى الثوب إنما يراد به اشتمال البدن أو بعضه به دون الجلوس عليه، بخلاف اللبس إذا أضيف إلى ما يجلس عليه ويفترش، أو أطلق ولم يضف إلى شيء، كما لو حلف لا يلبس شيئا.
فجلس على حصير، أو حلف لا يلبس حصيرا فجلس عليه.
ولو تعلق الحنث بما يسمى لباسا بوجه ما، لكان ينبغي أن يحنث بمضاجعة زوجته وبدخول الليل عليه؛ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ﴾ [البقرة:١٨٧] وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً﴾ [النبأ:١٠] .
وكل ما لابس الإنسان من جوع أو خوف فهو لباس؛ قَالَ تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل:١١٢] .
стр. 1021
ولا نعلم خلافا أنه لو حلف لا يجلس على بساط، فجلس على الأرض لم
يحنث، وقد سماها الله بساطا، وكذلك لو حلف لا يجلس تحت سقف فجلس تحت السماء، وقد سمى الله السماء سقفا، وكذلك لو حلف لا يجلس في ضوء سراج فجلس في ضوء الشمس.
فإن هذه الأسماء غير مستعملة في العرف، والأيمان إنما تنصرف إلى ما يتعارفه الناس في مخاطباتهم دون ما يصدق عليه الاسم بوجه ما في اللغة على وجه التجوز. والله أعلم.
وإنما قال أصحابنا: لو حلف ليرين امرأته عارية لابسة أنه يبرأ برؤيتها في الليل عارية؛ لأن جمعه بين عريها ولبسها قرينة تدل على أنه لم يرد لبسها لثيابها؛ فإن ذلك لا يجتمع مع عريها.
وأما نضح الحصير: فاختلف في معناه:
فقيل: هو تطهير له، وإزالة لما يتوهم فيه من إصابة النجاسة له مع كثرة استعماله وطول عهده في بيته يتربى فيه أولاد صغار.
وعلى هذا؛ فقيل: أن النضح هو الغسل، وقيل: بل هو الرش.
وهذا يستدل به على تطهير ما شك في نجاسته بالنضح، وقد سبق ذكر ذلك في ((كتاب: الوضوء)) ، وأن عمر وغيره فعلوه، وأن من الناس من خالف فيه، وقال: لا يزيده النضح إلا شراً.
وقيل: بل النضح هو تنظيف له من الوسخ، وتلين له.
وعلى هذا؛ فالمراد بالنضح فيه بالرش على ظاهر اللفظ.
وهو
стр. 1022
الأظهر. والله أعلم.
ويشهد لذلك: ما خرجه مسلم من حديث أبي التياح، عن أنس، قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقا، فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا، قال: فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس، ثم ينضح، ثم يؤم رسول الله ﷺ ونقوم خلفه، فيصلي بنا. قال: وكان بساطهم من جريد النخل.
وخرج - أيضا - من رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: ثنا أبو سعيد الخدري، أنه دخل على رسول الله ﷺ ، فوجده يصلي على حصير يسجد عليه.
وهذه الصلاة كانت تطوعا؛ يدل على ذَلكَ: ما خرجه مسلم من حديث
ثابت، عن أنس، قَالَ: دخل النَّبيّ ﷺ علينا، وما هوَ إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي، فقالَ: ((قوموا، فلأصلي بكم)) ، في غير وقت الصلاة، فصلى بنا.
وخرجه أبو داود، وعنده: فصلى بنا ركعتين تطوعا.
وإنما خرجه البخاري في هذا الباب لأجل صلاة النبي ﷺ على الحصير، وقد خرجه في موضع آخر من ((كتابه)) هذا، ولفظه: فقام عليه رسول الله ﷺ .
يعني على الحصير الذي نضح.
وقد تبين برواية أبي التياح، عن أنس، أنه كان من جريد النخل، وقد
стр. 1023
سمي في بعض الروايات بساطا؛ لأنه يبسط.
وخرج أبو داود من رواية قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ كان يزور أم سليم فتدركه الصلاة احيانا فيصلي على بساط لها، وهو حصير ننضحه بالماء.
وقد خرج البخاري - أيضا - في موضع آخر من ((كتابه)) هذا من حديث أنس بن سيرين، عن أنس، أن رجلا من الأنصار قال: يا رسول الله، أني لا أستطيع الصلاة معك - وكان رجلا ضخما -، فصنع للنبي ﷺ طعاما، فدعاه إلى منزله فبسط له
حصيرا، ونضح طرف الحصير، فصلى عليه ركعتين.
فدلت هذه الأحاديث على جواز الصَّلاة على الحصير.
وفي حديث أبي سعيد الذي خرجه مسلم التصريح بأنه سجد عليه.
وكذلك روى من حديث أنس.
خرجه الإمام أحمد من رواية عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في بيت أم سليم على الحصير قديم قد تغير من القدم. قال: ونضحه بشيء من الماء، فسجد عليه.
وأكثر أهل العلم على جواز الصلاة على الحصير والسجود عليه، وأن ذلك لا يكره إذا كان الحصير من جريد النخل أو نحوه مما ينبت من الأرض.
стр. 1024
وممن روي عنه أنه صلى على الحصير: ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر، وأبو ذر.
وقال النخعي: كانوا يصلون على الحصير والبوري.
وقال مجاهد: لا بأس بالصلاة على الأرض وما أنبتت.
ومذهب مالك: لا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما تنبت الأرض، ويضع كفيه عليها.
والسجود على الأرض أفضل عنده، وعند كثير من العلماء.
وكان ابن مسعود لا يصلي على شيء إلا على الأرض.
وروي عن أبي بكر الصديق، أنه رأى قوما يصلون على بسط، فقال لهم: أفضوا إلى الأرض.
وفي إسناده نظر.
وروي عن ابن عمر، أنه كان يصلي على الخمرة ويسجد على الأرض. ونحوه عن علي بن الحسين.
وقال النخعي في السجود على الحصير: الأرض أحب إلي.
وعنه، أنه قال: لا بأس أن يصلي الحصير، لكن لا يسجد عليهِ.
ونقل حرب، عن إسحاق، قال: مضت السنة من النبي ﷺ أنه صلى على الخمرة والبساط، وعلى الثوب الحائل بينه وبين الأرض. قال: وأن
стр. 1025
سجد الرجل على الأرض فهو أحب إلي، وأن أفضى بجبهته ويديه إلى الأرض فهو أحب إلينا.
وأكثر صلاة النبي ﷺ كانت على الأرض، يدل على ذلك: أنه لما وكف المسجد وكان على عريش فصلى النبي ﷺ صلاة الصبح، وانصرف واثر الماء والطين على جبهته وأنفه.
وخرج أبو داود من رواية شريح بن هانئ، عن عائشة، قالت: لقد مطرنا مرة بالليل، فطرحنا للنبي ﷺ نطعا، فكأني أنظر إلى ثقب فيه ينبع الماء منه، وما رأيته متقياً الأرض بشيء من ثيابه قط.
وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يتقي الأرض
بشيء، إلا مرة؛ فإنه أصابه مطر فجلس على طرف بناء، فكأني أنظر إلى الماء ينبع من ثقب كان فيه.
وخرجه ابن جرير والبيهقي وغيرهما، وعندهم: أن شريحا قَالَ: سالت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ فذكرت الحديث.
وفي رواية لابن جرير: أن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى على شيء قط، إلا أنه أصابنا مطر ذات ليلة، فاجتر نطعا، فصلى عليه.
وخرجه الطبراني، ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا صلى لا يضع تحت قدميه
شيئا، إلا إنا مطرنا يوما فوضع تحت قدميه نطعا.
стр. 1026
وهذه الرواية من رواية قيس بن الربيع، عن المقدام بن شريح عن أبيه.
وخرج بقي بن مخلد في ((مسنده)) من رواية يزيد بن المقدام بن شريح، عن
أبيه، عن جده، قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، إن أناسا يصلون على هذه الحصر، ولم أسمع الله يذكرها في القران، إلا في مكان واحد: ﴿لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ [الإسراء:
стр. 1027
٨] ، أفكان النبي ﷺ يصلي على الحصير؟ قالت: لم يكن رسول الله ﷺ يصلي على الحصير.
وهذا غريب جداً.
ويزيد بن المقدام، قال أبو حاتم: يكتب حديثه.
وخرج الإمام أحمد: ثنا عثمان بن عمر: ثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن، عائشة، أن رسول الله ﷺ كان يصلي على خمرة، فقال: ((يا عائشة، ارفعي حصيرك، فقد خشيت أن يكون يفتن الناس)) .
وهذا غريب جدا.
ولكنه اختلف فيه على يونس:
فرواه مفضل بن فضاله، عن يونس، عن الزهري، عن أنس، أن النبي ﷺ كان يصلي على الخمرة، يسجد لها.
ورواه شبيب بن سعيد، عن يونس، عن الزهري - مرسلاً.
ورواه ابن وهب في ((مسنده)) عن يونس، عن الزهري، قال: لم أزل اسمع أن رسول الله ﷺ صلى على الخمرة - وعن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على الخمرة ويسجد لها.
стр. 1028
فرواه بالوجهين جميعاً.
وأما رواية عثمان بن عمر، عن يونس، فالظاهر أنها غير محفوظة، ولا تعرف تلك الزيادة إلا فيها.
стр. 1029
٢١ - باب
الصلاة على الخمرة
стр. 1030
٣٨١ - حدثنا أبو الوليد: ابنا شعبة: ثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن
شداد، عن ميمونة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي على الخمرة.
((الخمرة)) : الحصير، كذا جاء تفسيره في بعض روايات هذا الحديث، وكذا فسره الإمام أحمد وغيره.
وقال أبو عبيد: الخمرة شيء منسوج يعمل من سعف النخل، ويرمل بالخيوط، وهو صغير على قدر ما يسجد عليه المصلي أو فويق ذلك، فإن عظم حتى يكفي الرجل لجسده كله في الصلاة أو مضطجعا أو أكثر من ذلك، فهو حينئذ حصير، وليس
بخمرة.
وقد سبق في الباب الماضي من رواية أخرى: أن النبي ﷺ كان يصلي على
الخمرة، ويسجد عليها.
وقد روى صلاة النبي ﷺ على الخمرة من روايات عدة من الصحابة من طرق كثيرة، ولم يخرج في ((الصحيحين)) سوى حديث ميمونة، ولم يخرج في بقية الكتب الستة سوى حديث لابن عباس، خرجه الترمذي،
стр. 1031
وأسانيدها كلها لا تخلو من مقال.
وقد كان ابن عمر من الصحابة يصلون على الخمرة، وإنما يكره ذلك من يكره السجود على غير الأرض.
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز، أنه كان يصلى على الخمرة، ويؤتى بتراب حر، فيوضع عليها في موضع سجوده، فيسجد عليه.
стр. 1032
٢٢ - باب
الصلاة على الفراش
وصلى أنس على فراشه.
وقال أنس: كنا نصلي مع النبي ﷺ فيسجد أحدنا على ثوبه.
حديث أنس المرفوع، قد خرجه البخاري بإسناده في الباب الأتي، ويأتي في موضعه مع الكلام عليه - أن شاء الله.
وحديثه الموقوف، خرجه ابن أبي شيبة: ثنا ابن المبارك، عن حميد، عن أنس أنه كان يصلي على فراشه.
ثنا حفص، عن ليث، عن طاوس، أنه كان يصلي على الفراش الذي مرض عليه.
وأصل هذه المسائل: أنه تجوز الصلاة على غير جنس ما ينبت من الأرض كالصوف والجلود، ورخص في الصلاة على ذلك أكثر أهل العلم.
وقد روي معناه عن عمر، وعلي، وأبي الدرداء، وابن عباس، وأنس.
وروي عن ابن مسعود وضعف الرواية في ذلك عنه الإمام أحمد.
وهو قول أكثر العلماء بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد.
стр. 1033
وقال ابن المنذر: كرهت طائفة السجود إلا على الأرض، كان جابر بن زيد يكره الصلاة على كل شيء من الحيوان ويستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض.
وقال مالك في الصلاة على بساط الصوف والشعر: إذا وضع المصلي جبهته ويديه على الأرض فلا أرى بالقيام عليها بأسا. انتهى.
ومذهب مالك - فيما ذكره صاحب ((تهذيب المدونة)) -: أنه يكره السجود على الطنافس وثياب الصوف والكتان والقطن وبسط الشعر والأدم وأحلاس الدواب، ولا يضع كفيه عليها، ولكن يقوم عليها ويجلس ويسجد على الأرض، ولا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما تنبت الأرض، ويضع كفيه عليها. انتهى.
وقال مجاهد: لا بأس بالصلاة على الأرض وما أنبتت.
وقول مجاهد وجابر بن زيد الذي حكاه ابن المنذر قد يدخل فيه القطن والكتان: لأنهما مما ينبت من الأرض.
وقال المروذي: كان أبو عبد الله - يعني: أحمد لا يرى السجود على ثوب ولا خرقة، إلا من حر أو برد.
قال القاضي أبو يعلى: يحتمل أن يكون أراد بذلك ثوبا متصلا به، ويحتمل أن يكون أراد به منفصلا عنه؛ ليحصل تتريب وجهه في سجوده.
قلت: والأول اظهر؛ لأن نصوصه بجواز الصلاة على البسط ونحوه متكاثرة.
стр. 1034
خرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول:
стр. 1035
٣٨٢ - ثنا إسماعيل - هو: ابن أبي أويس -: ثنا مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتها، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.
وجه الاستدلال بهذا الحديث على جواز الصلاة على الفراش: أن عائشة ﵂ كانت تنام على فراش النبي ﷺ الذي ينام هو وعائشة عليه، وكان يقوم فيصلي من الليل وهي نائمة معترضة بين يديه على الفراش، وكانت رجلاها في قبلته، فإذا أراد أن يسجد غمزها فقبضت رجلها ليسجد في موضع، وهذا يدل على أنه كان يسجد على طرف الفراش الذي كانت نائمة عليه، وكانت رجلاها عليه. والله أعلم.
مع أنه يحتمل أن تكون رجلاها خرجت عن الفراش حتى صارت على الأرض في موضع سجوده.
ويدل على ذلك: ما رواه عبيد الله بن عمر، عن القاسم، أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي فتقع رجلي بين يديه - أو بحذائه -، فيضربها فاقبضها.
стр. 1036
الحديث الثاني:
قال:
стр. 1037
٣٨٣ - ثنا يحيى بن بكير: [ثنا الليث] ، عن عقيل، عن ابن شهاب: أخبرني عروة، أن عائشة أخبرته، أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهي بينه وبين القبلة على فراش أهله اعتراض الجنازة.
الظاهر: أنه إنما خرج هذا الحديث بهذا اللفظ في هذا الباب؛ لأنه فهم منه أن قوله: ((على فراش أهله)) يتعلق بقولها: ((كان يصلي)) ، وأن المراد: أن النبي ﷺ كان يصلي على فراش أهله وعائشة بينه وبين القبلة اعتراض الجنازة، فيكون في الكلام تقديم وتأخير.
وقد خرجه في ((أبواب: المرور بين يدي المصلي)) من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه: اخبرني عروة، أن عائشة قالت لقد كان رسول الله ﷺ يقوم فيصلي من الليل، وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله.
وخرجه - أيضا - من طريق هشام، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه.
وخرجه أبو داود من هذا الوجه، ولفظه: أن النبي ﷺ كان يصلي صلاته من الليل وهي معترضة بينه وبين القبلة، راقدة على الفراش الذي يرقد عليه.
стр. 1038
وكل هذه الألفاظ تبين أن المراد: أن نومها كان على الفراش، لا أن صلاته ﷺ كانت على الفراش.
الحديث الثالث:
قال:
стр. 1039
٣٨٤ - ثنا عبد الله بن يوسف: ثنا الليث، عن يزيد - هو: ابن أبي حبيب -، عن عراك، عن عروة، أن النبي ﷺ كان يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة على الفراش الذي ينامان عليه.
هذا مرسل من هذا الوجه.
ودلالة لفظه كدلالة الذي قبله.
وقد روي حديث هشام، عن أبيه بلفظ يدل على ما فهمه البخاري، فرواه أبو العباس السراج الحافظ: ثنا هناد بن السري: ثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل على الفراش الذي ينام عليه وأن بينه وبين القبلة.
وهذا من تغيير بعض الرواة بالمعنى الذي فهمه من الحديث؛ لاتفاق الحفاظ من أصحاب عروة على غير هذا اللفظ، وليس أبو معاوية بالحافظ المتقن لحديث هشام بن عروة، إنما هو متقن لحديث الأعمش.
стр. 1040
٢٣ - باب
السجود على الثوب في شدة الحر
وقال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة، ويداه في كمه.
روى ابن أبي شيبة: ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن الحسن، أن أصحاب
رسول الله ﷺ كانوا يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على عمامته.
فقد تضمن ما قاله الحسن في هذا مسألتين:
إحداهما:
سجود المصلي ويداه في كمه، أو في ثوبه، وقد حكى عن الصحابة أنهم كانوا يفعلونه.
وروى أبو نعيم ووكيع في ((كتابيهما)) عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كانوا يصلون في برانسهم ومساتقهم وطيالستهم، لا يخرجون أيديهم.
وروى وكيع، عن الأعمش، عن محارب - أبو وبرة -، قَالَ: كان ابن عمر يلتحف بالملحفة، ثُمَّ يسجد فيها، لا يخرج يديه.
стр. 1041
والصحيح عن ابن عمر: ما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا سجد يضع كفيه على الذي يضع عليه وجهه. قال: ولقد رايته في يوم شديد البرد ويخرج يديه من تحت برنس له.
وممن كان يسجد ويداه في ثوبه لا يخرجهما: سعيد بن جبير، وعلقمة، ومسروق، والأسود.
وحكى ابن المنذر، عن عمر الرخصة في السجود على الثوب في الحر، وعن عطاء وطاوس. قال: ورخص فيه للحر والبرد النخعي والشعبي، وبه قال مالك والأوزاعي واحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، ورخص الشافعي في وضع اليدين على الثوب في الحر والبرد. انتهى.
ونقل ابن منصور، عن أحمد وإسحاق: لا يسجد ويداه في ثوبه، إلا من برد أو علة، وكذا نقل غير واحد عن أحمد: أنه لا يفعل ذلك إلا من علة، ولا يفعله من غير علة.
وروى عنه جماعة من أصحابه: أنه لا باس بذلك، ولم يقيده بالعلة، فيحتمل أن يكون ذلك رواية عنه بعدم الكراهة مطلقا، ويحتمل أن تحمل رواياته المطلقة على رواياته المقيدة، وكلام أكثر أصحابنا يدل على ذلك، وفيه نظر.
وبكل حال؛ فيجرئ السجود وأن لم يباشر الأرض بيديه رواية واحدة، ولا يصح عن أحمد خلاف ذلك البتة، وإنما اصل نقل الخلاف في ذلك عن أحمد مأخوذ من كتب مجهولة
стр. 1042
لا يعرف أصحابها، فلا يعتمد عليها.
ومذهب مالك: أنه أن كان حر أو برد جاز له أن يبسط ثوبا يسجد عليه، ويجعل عليه كفيه، مع قوله: يكره السجود على الثياب من غير عذر، كما سبق.
وللشافعي قولان في وجوب السجود على الكفين.
وعلى قوله بالوجوب، فهل يجب كشفهما أو يجوز السجود عليهما وهما في
كمه؟ على قولين له - أيضا -، أصحهما: أنه يجوز.
وعلى القول الآخر، فإنما يجب كشف أدنى جزء منهما، لا كشف جميعهما.
المسألة الثانية:
سجود الرجل على كور عمامته وعلى قلنسوته، وقد حكى الحسن عن الصحابة أنهم كانوا يفعلونه.
وممن روي عنه أنه كان يسجد على كور عمامته: عبد الله بن أبي أوفى، لكن من وجه فيه ضعف.
وروى عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يسجد على كور عمامته.
وقد خالفه من هو أحفظ منه كما سيأتي.
وروي عن عبد الله بن يزيد الأنصاري ومسروق وشريح السجود على كور العمامة والبرنس.
ورخص فيه ابن المسيب والحسن ومكحول والزهري والثوري والأوزاعي وإسحاق.
стр. 1043
وكان عبد الرحمن بن يزيد يسجد على كور عمامة له غليظة، تحول بينه وبين الأرض.
وقد روي ذلك عن النبي ﷺ ، أنه كان يفعله، من وجوه كلها باطلة، لا يصح منها شيء -: قاله البيهقي وغيره.
وروي عن النبي ﷺ النهي عنه، من وجوه مرسلة، وفيها ضعف - أيضا.
وروي عن علي، قال: إذا صلى أحدكم فليحسر العمامة عن جبهته.
وكان عبادة بن الصامت يفعله.
وروى أيوب، عن نافع، أن ابن عمر كان لا يسجد على كور العمامة.
وروى عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر كان يحسر عن جبهته كور العمامة إذا سجد، ويخرج يديه، ويقول: أن اليدين تسجدان مع الوجه.
وكره ابن سيرين السجود على كور العمامة.
وعن عمر بن عبد العزيز ما يدل على ذلك.
وقال النخعي وميمون بن مهران: أبرز جبيني أحب إلي.
وقال عورة: يمكن جبهته من الأرض.
стр. 1044
وقال مالك: من صلى على كور العمامة كرهته، ولا يعيد، وأحب إلي أن يرفع عن بعض جبهته حتى تمس الأرض بذلك -: نقله صاحب ((تهذيب المدونة)) .
ومذهب الشافعي: لا يجزئه أن يسجد على كور عمامته، ولا على طرف ثوبه وما هو متصل به، حتى يكشف عن بعض محل سجوده فيباشر به المصلي.
وكره أحمد السجود على كور العمامة، إلا لعلة من حر أو برد يؤذيه، فلم يكرهه كذلك.
وقال - في رواية صالح -: لا باس بالسجود على كور العمامة، وأعجب إلي أن يبرز جبهته ويسجد عليها.
وقال - في رواية أبي داود -: لا يسجد على كور العمامة، ولا على القلنسوة. قيل له: فمن صلى هكذا يعيد؟ قال: لا، ولكن لا يسجد عليها.
ولم يذكر القاضي أبو يعلى في ((الجامع الكبير)) وغيره من كتبه في صحة صلاته على كور العمامة ونحوها خلافا.
وحكى ابن أبي موسى رواية أخرى: أنه إذا سجد على كور عمامته لغير حر ولا برد أنه لا يجزئه.
ولم نجد بذلك نصا عنه صريحا بالإعادة، إنما النص عنه بكراهته والنهي عنه.
وقد نقل أبو داود النهي عنه مع الإجزاء.
ونهى أحمد ابنه عبد الله
стр. 1045
عن سجوده في الصلاة على كمه، ولم يأمره بالإعادة.
وأما من نقل رواية عن أحمد بالإعادة مطلقا بذلك فلا يصح نقله.
وقول ابن أبي موسى: أن سجد على قلنسوته لم يجزئه - قولا واحدا -، لا يصح، ورواية أبي داود عن أحمد ترده.
ولو كان جبينه جريحا وعصبه بعصابة، جاز السجود عليها عند الشافعي، ولا إعادة عليه، ومن أصحابه من حكى وجها ضعيفا بالإعادة.
ولم يرخص عبيدة السلماني في السجود على العصابة للجرح، وهذا حرج شديد تأباه السمحة.
قال البخاري ﵀:
стр. 1046
٣٨٥ - ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك - هو: الطيالسي -: ثنا بشر بن المفضل: ثنا غالب القطان، عن بكر بن عبد الله، عن أنس بن مالك، قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ ، فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود.
وقد خرجه في موضع آخر من ((كتابه)) من طريق ابن المبارك، عن خالد بن
عبد الرحمان - وهو: ابن بكير السلمي البصري -: حدثني غالب القطان، عن بكر المزني، عن أنس، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ بالظهر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر.
стр. 1047
وقد خرجه مسلم من طريق بشر بن المفضل، عن غالب، ولفظه: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع احدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه.
وخرجه البخاري في أواخر ((الصلاة)) كذلك.
وقد خرجه الترمذي من طريق خالد بن عبد الرحمان، وقال: حسن صحيح.
وإنما ذكرت هذا؛ لأن العقيلي قال: حديث أنس في هذا: فيه لين، ولعله ظن تفرد خالد به، وقد قال هو في خالد: يخالف في حديثه، وقد تبين أنه تابعه بشر بن المفضل على جلالته وحفظه.
وقد أدخل بعض الرواة في إسناد هذا الحديث: ((الحسن البصري)) بين بكر وأنس، وهو وهم -: قاله الدارقطني.
ومن تأول هذا الحديث على أنهم كانوا يسجدون على ثياب منفصلة عنهم، فقد أبعد، ولم يكن أكثر الصحابة - أو كثير منهم - يجد ثوبين يصلي فيهما، فكانوا يصلون في ثوب واحد كما سبق، فكيف كانوا يجدون ثيابا كثيرة يصلون في بعضها ويتقون الأرض ببعضها؟!
وقد روي عن أنس حديث يخالف هذا:
خرجه أبو بكر ابن أبي داود في ((كتاب الصلاة)) له: ثنا محمد بن عامر الأصبهاني: حدثني أبي: ثنا يعقوب، عن عنبسة، عن عثمان الطويل، عن أنس بن مالك، قال: كنا
стр. 1048
نصلي مع النبي ﷺ في الرمضاء فإذا كان في ثوب أحدنا فضلة فجعلها تحت قدميه ولم يجعل تحت جبينه؛ لأن صلاة النبي ﷺ كانت خفيفة في إتمام.
وقال: سنة تفرد بها أهل البصرة.
قلت: يشير إلى تفرد عثمان الطويل به عن أنس، وهما بصريان، وعثمان هذا قد روى عنه شعبة وغيره، وقال أبو حاتم فيه: هو شيخ.
وأما من قبل عثمان فهم ثقات مشهورون، فعنبسة هو: ابن سعيد قاضي الري، أصله كوفي، ثقة مشهور، وثقه أحمد ويحيى. ويعقوب هو: القمي، ثقة مشهور - أيضا - وعامر هو: ابن إبراهيم الأصبهاني، ثقة مشهور من أعيان أهل أصبهان، وكذلك ابنه محمد بن عامر.
ولكن إسناد حديث بكر أصح، ورواته أشهر؛ ولذلك خرج في ((الصحيح)) دون هذا. والله أعلم.
واستدل بعض من لم ير السجود على الثوب بما روى أبو إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خباب، قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ الصلاة
стр. 1049
في الرمضاء، فلم يشكنا.
خرجه مسلم.
وفي رواية له - أيضا -: أتينا رسول الله ﷺ فشكونا إليه حر الرمضاء، فلم يشكنا.
قالوا: والمراد بذلك أنهم شكوا إليه مشقة السجود على الحصى في شدة الحر، واستأذنوه أن يسجدوا على ثيابهم، فلم يجبهم إلى ما سألوا، ولا أزال شكواهم.
واستدلوا على ذلك: بما روى محمد بن جحادة، عن سليمان بن أبي هند، عن خباب، قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ شدة الحر في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا.
ويجاب عن ذلك: بأن حديث خباب اختلف في إسناده على أبي إسحاق: فروي عنه، عن سعيد بن وهب، عن خباب. وروي عنه، عن حارثة بن مضرب، عن
خباب.
وقد قيل: إنهما من مشايخ أبي إسحاق المجهولين الذين لم يرو عنهم غيره، وفي إسناده اختلاف كثير؛ ولذلك لم يخرجه البخاري.
وأما معنى الحديث: فقد فسره جمهور العلماء بأنهم شكوا إلى
стр. 1050
رسول الله ﷺ الصلاة في شدة الحر، وطلبوا منه الإبراد بها، فلم يجبهم، وبهذا فسره رواة الحديث، منهم: أبو إسحاق وشريك.
وقد خرجه البزار في ((مسنده)) ، وزاد فيه: وكان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهجير.
وخرجه ابن المنذر، وزاد في آخره: وقال: ((إذا زالت الشمس فصلوا)) .
وأما رواية من زاد فيه: ((في جباهنا واكفنا)) ، فهي منقطعة.
حكى إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، أنه قال: هي مرسلة.
يعني: أن سليمان بن أبي هند لم يسمع من خباب.
وعلى تقدير صحتها، فقد يكون شكوا إليه ما يلقونه من شدة حر الحصى في سجودهم، وأنه لا يقيهم منه ثوب ونحوه.
وأيضا؛ فلو كانوا قد طلبوا منه السجود على ثوب يقيهم حر الرمضاء لأمرهم بالسجود على ثوب منفصل؛ فإن ذلك لا يكره عند الشافعي ولا عند غيره؛ لشدة الحر كما سبق.
فإن قيل: فحمله على هذا ترده أحاديث الأمر بالإبراد بالظهر في شدة الحر.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن ذلك كان قبل أن يشرع الإبراد بها، ثم نسخ، وقد روي من حديث المغيرة ما يدل على ذلك.
стр. 1051
والثاني: أن شدة الحر في الصيف لا تزول في المدينة إلا بتأخر الظهر إلى آخر وقتها، وهو الذي طلبوه، فلم يجبهم إلى ذلك، وإنما أمرهم بالإبراد اليسير، ولا تزول به شدة حر الحصى.
وقد قيل: أنهم إنما شكوا إليه أنهم كانوا يعذبون في الله بمكة في حر الرمضاء قبل الهجرة، وطلبوا منه أن يدعو لهم ويستنصر، فأمرهم بالصبر في الله.
وقد روى قيس ابن أبي حازم، عن خباب هذا المعنى صريحا، وبهذا فسره علي بن المديني وغيره.
والصحيح: الأول. والله أعلم.
стр. 1052
٢٤ - باب
الصلاة في النعال
стр. 1053
٣٨٦ - ثنا آدم بن أبي إياس: ثنا شعبة: ابنا أبو مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي، قال: سالت أنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم.
لم يخرج في ((الصحيحين)) من أحاديث الصلاة في النعلين غير حديث سعيد ابن يزيد، عن أنس هذا، وتفرد به البخاري من طريق شعبة، عنه.
وقد رواه سلم بن قتيبة، عن شعبة، عن سعيد وأبي عمران الجوني - كلاهما -، عن أنس.
وأنكر ذلك على سلم يحيى القطان.
وقال الدارقطني: وهم في ذلك.
стр. 1054
والصلاة في النعلين جائزة، لا اختلاف بين العلماء في ذلك،
وقد قال أحمد: لا بأس أن يصلي في نعليه إذا كانتا طاهرتين.
وليس مراده: إذا تحقق طهارتهما، بل مراده: إذا لم تتحقق نجاستهما.
يدل على ذلك: أن ابن مسعود قال: كنا لا نتوضأ من موطئ.
خرجه أبو داود.
وخرجه ابن ماجه، ولفظه: أُمرنا أن لا نكفت شعرا ولا ثوبا، ولا نتوضأ من موطئ.
وخرجه وكيع في ((كتابه)) ، ولفظه: لقد رايتنا وما نتوضأ من موطئ، إلا أن يكون رطبا فنغسل أثره.
وروي عن ابن عمر، أنه قال: امرنا أن لا نتوضأ من موطئ.
خرجه الدارقطني في ((العلل)) . وذكر أن بعضهم لم يرفعه، وجعله من فعل ابن عمر.
стр. 1055
والمراد بذلك: أن من مشى حافيا على الأرض النجسة اليابسة أو خاض طين
المطر، فإنه يصلي ولا يغسل رجليه.
وقد ذكر مالك وغيره أن الناس لم يزالوا على ذلك.
وذكره ابن المنذر إجماعا من أهل العلم، إلا عن عطاء، فإنه قال: يغسل
رجليه. قال: ويشبه أن يكون هذا منه استحبابا لا إيجابا.
قال: وبقول جل أهل العلم نقول.
وهذا يبين أن جمهور العلماء لا يرون غسل ما يصيب الرجل من الأرض، مما لا تتحقق نجاسته، ولا التنزه عنه في الصلاة.
وقد روي الأمر بالصلاة في النعلين، ما خرجه أبو داود وابن حبان في
((صحيحه)) من حديث شداد بن أوس، عن النبي ﷺ ، قال: ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا في خفافهم)) .
وروى عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس، قال: لم يخلع النبي ﷺ نعله في الصلاة إلا مرة، فخلع القوم نعالهم، فقال النبي ﷺ : ((لم خلعتم نعالكم؟)) قالوا رأيناك خلعت فخلعنا، قال: ((أن جبريل أخبرني أن فيهما قذراً)) .
قال البيهقي: تفرد عبد الله بن المثنى، ولا بأس بإسناده.
قلت: عبد الله بن المثنى، يخرج له البخاري كما تقدم.
وهذا يدل على أن عادة النبي ﷺ المستمرة الصلاة في نعليه، وكلام أكثر السلف يدل على أن الصلاة في النعلين أفضل من الصلاة حافيا.
следующие страницы →