← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

١٧ - باب الصلاة في الثوب الأحمر

стр. 982

٣٧٦ - حدثنا محمد بن عرعرة: حدثني عمر بن أبي زائدة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله في قبة حمراء من أدم، ورأيت بلالا أخذ وضوء رسول الله ﷺ ، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئا تمسح به، ومن لم يصب منه شيئا أخذ من بلل يد صاحبه، ثم رأيت بلالا أخذ عنزة فركزها، وخرج رسول الله ﷺ في حلة حمراء مشمرا، صلى إلى العنزة بالناس ركعتين، ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة. هذا الحديث قد خرجه في مواضع متعددة، مختصرا وتاما، وقد سبق في ((أبواب الوضوء)) بعضه، ويأتي في مواضع متفرقة - أيضا. والمقصود منه هاهنا: أن النبي ﷺ خرج في حلة حمراء مشمرا وصلى بالناس، فدل على جواز الصلاة في الثوب الأحمر. قال أبو عبيد: الخلة: برود اليمن من مواضع مختلفة منها. قال: والحلة إزار ورداء، لا يسمى حلة حتى يكون ثوبين. انتهى. وكذلك فسر سفيان الثوري الحلة الحمراء في هذا الحديث ببرد

стр. 983

الحبرة -: حكاه عنه عبد الرزاق، وهو في ((مسند الإمام أحمد)) وكتاب الترمذي. وحينئذ؛ فالحلة الحمراء التي لبسها النبي ﷺ إنما كانت بردا مخططا فيه خطط حمر، ولم يكن كله أحمر. وقد بوب البخاري في ((كتاب: اللباس)) : ((باب: الثوب الأحمر)) ، ثم خرج فيه من حديث البراء بن عازب، قال: رأيت النبي ﷺ في حلة حمراء. والقول في هذا الحديث كالقول في حديث أبي جحيفة. ثم قال: ((باب: الميثرة الحمراء)) ، وخرج فيه من حديث البراء، قال: نهانا رسول الله ﷺ عن لبس الحرير والديباج والقسي والإستبرق ومياثر الحمر. ((المياثر)) : مراكب، سميت مياثر لوثارتها – وهو لينها ووطأتها، وكانت من زي العجم. وقد قيل: أنها كانت من ديباج أو حرير -: قاله أبو عبيد وغيره. وفسر يزيد بن أبي زياد المثيرة بجلود السباع. وقد خرج النسائي من حديث المقدام بن معدي كرب، عن النبي ﷺ ، أنه نهى عن مياثر النمور. وفي الصلاة في الثوب الأحمر حديث آخر: خرجه الطبراني من رواية سعد بن الصلت، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن حسين، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يلبس يوم العيد بردة حمراء. ورواه حجاج بن أرطاة، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر

стр. 984

بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يلبس بردة الأحمر في العيدين والجمعة. كذا رواه حفص بن غياث، عن حجاج. وخالفه هشيم، فرواه عن حجاج، عن أبي جعفر – مرسلا -، أن رسول الله ﷺ كان يلبس يوم الجمعة بردة الأحمر، ويعتم يوم العيدين. خرجه ابن سعد من هذين الوجهين. والمرسل أشبه. وقد اختلف العلماء في لبس الأحمر: فرخص فيه ابن المسيب، والشعبي، والنخعي، والحسن، وعلي بن حسين، وابنه أبو جعفر. وروي عن علي بن أبي طالب، أنه كان يلبس بردا أحمر. وفي ((صحيح مسلم)) ، أن أسماء بنت أبي بكر أرسلت إلى ابن عمر تقول له: بلغني انك تحرم مياثر الأرجوان، فقال: هذه مثيرتي أرجوان. والأرجوان: الشديد الحمرة. وكرهت طائفة الثياب الحمر، منهم: طاوس، ومجاهد، وعطاء. وروي عن الحسن وابن سيرين، قالا: هو زينة آل قارون. وهو المنصوص عن أحمد في رواية المروذي، وسوى بين الرجال والنساء في كراهته. وروى عن عطاء وطاوس ومجاهد الرخصة فيه للنساء خاصة. وروي عن عائشة، أنها كانت تلبس درعا أحمر. وفي كراهة الأحمر من اللباس أحاديث متعددة، خرجها أبو داود وغيره، يطول ذكرها هاهنا، وربما تذكر في موضع آخر – أن شاء الله تعالى. ومنهم من رخص فيما حمرته خفيفة، وكره الشديد الحمرة، وروي

стр. 985

ذلك عن مالك وأحمد، ورجحه كثير من أصحابنا. وفي ((صحيح مسلم)) ، عن علي، أن النبي ﷺ نهى عن لبس المعصفر. وخرجه النسائي، وزاد فيه: المفدم. والمفدم: المشبع بالعصفر. وفي ((صحيح مسلم)) – أيضا – عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: رأى رسول الله ﷺ علي ثوبين معصفرين، فقال: ((إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسها)) . وقد اختلف في لبس المعصفر: فكرهه طائفة، روي عن عمر وعثمان وابن عمر وأنس، وهو قول الزهري وسعيد بن جبير ومالك وأحمد. ورخصوا فيه للنساء. وحكى ابن عبد البر الاجماع على جوازه لهن. وفي الرخصة لهن فيه حديث مرفوع. خرجه أبو داود. وهذا قد يخالف رواية المروذي عن أحمد بكراهة الأحمر للنساء، كما تقدم، لكن تلك مقيدة بإرادة الزينة به، فقد تكون الرخصة محمولة على من لم يرد به الزينة. وهذا القول روي عن ابن عباس، أنه يكره المعصفر للتزين به، ويرخص فيما امتهن منه. ورخص طائفة في المعصفر مطلقا للرجال والنساء، روي عن أنس، وعن أبي وائل، وعروة، وموسى بن طلحة، والشعبي، وأبي قلابة، وابن سيرين، والنخعي وغيرهم، وهو قول الشافعي. وكرهت طائفة المشبع منه – وهو المفدم – دون التخفيف، روي عن

стр. 986

عطاء وطاوس ومجاهد. وحكي عن مالك وأحمد – أيضا -؛ فإنه قال في المصبوغ بالدم: أن كانت حمرته تشبه المعصفر أكرهه، وقال: لا بأس بالمورد، وما كان خفيفا. وحكى الترمذي في ((كتابه)) هذا القول عن أهل الحديث: أنهم كرهوا لبس المعصفر، ورأوا: أن ما صبغ بالمدر أو غير ذلك فلا بأس به، إذا لم يكن معصفرا. وقد روي عن علي وابن عمر الرخصة في المصبوغ بالمشق – وهو المغرة -، وقالا: إنما هو مدر أو تراب. وفي كراهة المصبوغ بالمغرة: حديث خرجه أبو داود، في إسناده مقال. ومن الناس من قال: يكره المعصفر خاصة، دون سائر ألوان الحمرة. وقال: لم يصح في غيره نهي. ومنهم من حمل أحاديث الرخصة على الجواز، وأحاديث النهي على كراهة التنزيه، وهذه هي طريقة ابن جرير الطبري. وزعم الخطابي أن المكروه من الأحمر ما صبغ من الثياب بعد نسجه، فأما ما صبغ غزله ثم نسج – كعصب اليمن – فغير داخل في النهي. وكذلك الشافعي فرق في المصبوغات بين ما صبغ قبل نسجه وبعده، واستحسن لبس ما صبغ غزله، دون ما صبغ بعد نسجه للزينة. واختلف القائلون بكراهة الأحمر، فيما إذا كان في الثوب شيء من

стр. 987

حمرة: هل يكره أم لا؟ فروي عن ابن عمر، أنه اشترى عمامة واعتم بها، فرأى فيها خيطا أحمر، فردها. وكذلك روى المروذي عن أحمد، أنه أمره أن يشتري له تكة لا تكون فيها حمرة. وخرج أبو داود من حديث رافع بن خديج، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فرأى رسول الله ﷺ على رواحلنا وعلى إبلنا أكسية فيها خيوط عهن حمر، فقال رسول الله ﷺ : ((ألا أرى الحمرة قد علتكم؟)) فقمنا سراعا، فأخذنا الأكسية فنزعناها عنها. وفي إسناده رجل لا يعرف. وخرج الطبراني وغيره من حديث إسحاق بن راهويه، قال: قلت لأبي قرة: أذكر ابن جريج، عن مسلم بن أبي مريم، عن عبد الله بن سرجس، أن النبي ﷺ صلى يوما وعليه نمرة، فقال لرجل من أصحابه: ((أعطني نمرتك، وخذ نمرتي)) ، فقال: يا رسول الله، نمرتك أجود من نمرتي. قال: ((اجل؛ ولكن فيها خيط احمر، فخشيت أن انظر، إليه فيفتنني)) -؟ فأقر به أبو قرة، وقال نعم. وهذا غريب. ورخص فيه آخرون. روي عن الحسن، وقد سبق. ونص عيه أحمد في رواية أخرى عنه في كساء أسود عليه علم أحمر، قال: لا بأس به. ويستدل لهذا. بحديث لبس النبي ﷺ حلة حمراء وبردا أحمر؛ فإن المراد بالحلة البرد المخطط بحمرة، كما قاله سفيان الثوري وغيره.

стр. 988

١٨ - باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب ولم ير الحسن بأسا أن يصلي على الجمد والقناطر، وأن جرى تحتها بول، أو فوقها أو أمامها، إذا كان بينهما سترة. وصلى أبو هريرة على ظهر المسجد بصلاة الأمام. وصلى ابن عمر على الثلج. مقصود البخاري بهذا الباب: أنه تجوز الصلاة على ما علا على وجه الأرض، سواء كان موضوعا عليها وضعا، كمنبر وسرير من خشب أو غيره، أو كان مبنيا عليها. كسطح المسجد وغرفة مبنية عليه أو على غيره، وكذلك ما علا على وجه الأرض مما يذوب، كالثلج والجليد. فهذه ثلاثة مسائل: الأولى: الصلاة على ما وضع على الأرض مما يتأبد فيها، أو ينقل عنها كمنبر وسرير ونحوه، فيجوز ذلك عند أكثر العلماء. قال أبو طالب: سألت أحمد عن الصلاة على السرير الفريضة والتطوع؟ قال: نعم، إذا كان يمكنه مثل السطح. وقال حرب: سألت إسحاق عن

стр. 989

الصلاة على السرير من الخشب؟ قال: لا بأس به. وروى حرب بإسناده، عن الأوزاعي، أنه لم ير بأسا بالصلاة على الأسرة وأشباهها. وليس في هذا اختلاف بين العلماء، إلا خلاف شاذ قديم. روى أبو نعيم الفضل بن دكين: ثنا أبو بكر بن عياش، عن إسماعيل بن سميع، عن علي بن كثير، قال: رأى عمار رجلا يصلي على رابية، فمده من خلفه، فقال: هاهنا صل في القرار. ولعل هذا المصلي كان إماما لقوم يصلون تحته، وسيأتي الكلام على ذلك - إن شاء الله تعالى. المسألة الثانية: الصلاة فيما بني على وجه الأرض كغرفة في المسجد، أو فوق سطح المسجد، وكله جائز لا كراهة فيه بغير خلاف، إلا في مواضع يسيرة اختلف فيها؛ وقد أشار البخاري إلى بعضها: فمنها: صلاة المأموم فوق سطح المسجد بصلاة الإمام في أسفل المسجد، وقد حكى عن أبي هريرة أنه فعله. وحكى ابن المنذر فعل ذلك عن أبي هريرة وسالم بن عبد الله. قال: وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، وحكي عن مالك: أنه أن صلى الجمعة على سطح المسجد أعادها ظهرا. ومذهب مالك: أن الجمعة لا تصلى فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام. وفي سائر الصلوات عنه روايتان: الجواز، والكراهة، وهي آخر الروايتين عنه. وممن يرى جواز ذلك: الثوري وأحمد وإسحاق. وروي سفيان، عن يونس بن عبيد، عن عبد ربه، قال: رأيت أنس بن مالك صلى يوم الجمعة في غرفة بالبصرة بصلاة الإمام. واحتج أحمد

стр. 990

بهذا. وروى ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، قال: رأيت أبا هريرة يصلي على سطح المسجد بصلاة الإمام. واشترط الإمام أحمد أن يكون ذلك بقرب الإمام، أو يسمع قراءته -: نقله عنه حنبل، ولم يشترط غير ذلك. واشترط أكثر أصحابنا - كالخرقي وأبي بكر عبد العزيز وابن أبي موسى والقاضي -: إيصال الصفوف دون قرب الإمام. وقد أشار إليه أحمد في رواية أبي طالب، في الرجل يصلي فوق السطح بصلاة الإمام: أن كان بينهما طريق أو نهر فلا. قيل له: فأنس صلى يوم الجمعة في سطح؟ فقال: يوم جمعة لا يكون طريق الناس. يشير إلى أن يوم الجمعة تمتلئ الطرقات بالمصلين، فتتصل الصفوف. قال أبو طالب: فإن الناس يصلون خلفي في رمضان فوق سطح بيتهم؟ فقال أحمد ذاك تطوع. ففرق أحمد بين الفريضة والنافلة في إيصال الصفوف. ونقل حرب، عن أحمد خلاف ذلك، في أمرآة تصلي فوق بيت، وبينها وبين الإمام طريق، فقال: أرجو أن لا يكون به بأس. وذكر أن أنس ابن مالك كان يفعل ذلك. ونقل صالح بن أحمد، عن أبيه، أن ذلك يجوز يوم الجمعة، إذا ضاق المكان، كما فعل أنس. وظاهر هذه الرواية: أنه لا يجوز لغير ضرورة. والمذهب المنشور عنه: جوازه مطلقا، كما تقدم. وذكر أبو بكر الرازي: أن المشهور عند أصحابهم - يعني: أصحاب أبي حنيفة - أنه يكره ارتفاع المأموم على الإمام، والإمام على المأموم، خلافا لما قاله الطحاوي من التفريق بينهما.

стр. 991

ومنها: إذا بني على قنطرة مسجد أو غيره، فإنه تجوز الصلاة إليه، حكاه عن الحسن، وخالفه غيره في ذلك. روى حرب بإسناده، عن همام: سئل قتادة عن المسجد يكون على القنطرة؟ فكرهه. قال همام: فذكرت ذلك لمطر، فقال: كان الحسن لا يرى به بأسا. قال حرب: وقلت لأحمد: المسجد يبنى على القنطرة؟ فكرهه، وذكر: أراه عن ابن مسعود كراهته. ونقل المروذي عن أحمد، قال: كره ابن مسعود أن يصلى في المسجد الذي بنى على القنطرة. قال: وقلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد -: ترى أن أصلي في المسجد بني على ساباط؟ قال: لا؛ هذا طريق المسلمين. وأصل هذه المسألة: أن طريق المسلمين لا يبنى فيه مسجد ولا غيره عند الإمام أحمد. وهواء الطريق حكمه عنده حكم أسفله، فلا يجوز عنده إحداث ساباط على الطريق، ولا البناء عليه. والنهر الذي تجري فيه السفن حكمه عنده كحكم الطريق، لا يجوز البناء عليه. ورخص آخرون في بناء المساجد في الطريق الواسع، إذا لم يضر بالمارة. ومنهم من اشترط لذلك إذن الإمام، وحكي رواية عن أحمد - أيضا. قال الشالنجي: سألت أحمد: هل يبنى على خندق مدينة المسلمين مسجد للمسلمين عامة؟ قال: لا بأس بذلك، إذا لم يضيق الطريق. قال: وقال أبو أيوب - يعني: سليمان بن داود الهاشمي -: لا بأس بذلك، إلا أن يكون في الثغر مخافة العدو. وبه قال أبو خيثمة. والبخاري يميل إلى الجواز، وقد ذكره في ((أبواب: المساجد)) ، وفي

стр. 992

((البيوع)) ، واستدل بحديث الهجرة، وأن أبا بكر ابتنى بفناء بيته بمكة مسجدا يقرأ فيه القران. وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى. وأما ما حكاه أحمد، عن ابن مسعود، فروى وكيع وحرب بإسنادهما، عن ابن سيرين، أنه رأى مسجدا فوق قنطرة تحتها قذر، فقال: كان ابن مسعود يكره الصلاة في مثل هذا. وهذه الكراهة: يحتمل أن تكون لكون القنطرة طريقا للناس، فلا يبنى عليها، كما قاله الإمام أحمد، ويحتمل أن تكون لكون القذر تحت هذا المسجد؛ فإن في جواز الصلاة في علو الأماكن المنهي عن الصلاة فيها كالحش ونحوه لأصحابنا وجهين. ولو صلى على سرير قوائمه على نجاسة صحت صلاته، وأن تحرك بحركته، عند أصحابنا وأصحاب الشافعي. وحكي عن الحنفية، أنه أن تحرك بحركته لم تصح، وإلا صحت. وقد حكى البخاري عن الحسن، أنه يصلي على القناطر وأن جرى تحتها بول، أو فوقها أو أمامها، إذا كان بينهما سترة. فأما أن كان البول يجري تحتها فقد ذكرنا حكمه آنفا، واما أن كان أمامها أو فوقها، وبينهما سترة فقد رخص فيه الحسن، كما حكاه عنه. وعن أحمد في الصلاة إلى الحش من غير حائل روايتان: إحداهما: تصح مع الكراهة. والثانية: لا تصح، وهي اختيار ابن حامد وغيره. ولا يكفي حائط المسجد، ولا يكون حائلا -: نص عليه أحمد. ومن الأصحاب من تأول قوله على أن النجاسة كانت تصل إلى ما تحت مقام المصلى، فإن لم يكن كذلك كفى حائط المسجد. ونقل حرب عن إسحاق، أنه كره الصلاة في مسجد في قبلته كنيف، إلا أن يكون للكنيف حائط من قصب أو خشب غير حائط المسجد، وأن

стр. 993

صلى فيه أعاد وأن كان للكنيف سترة من لبود، فلا يصلي في المسجد من ورائه، وأن كان الكنيف عن يمين القبلة أو يسارها فلا بأس. ونقل أبو طالب، عن أحمد: إذا كان الكنيف أسفل من المسجد بذراع ونصف فلا بأس. ورخصت طائفة في الصلاة إلى الحش إذا كان بينهما سترة. وقال الأوزاعي، في رجل يصلي وبين يديه حش، ودونه جدار من قصب، وهو يصلي نحوه: لا أعلم به بأسا. وقال الليث بن سعد: كتب إلي عبد الله بن نافع مولى ابن عمر: أما ما ذكرت من مصلى قبلته إلى مرحاض، فإنما جعلت السترة لتستر من المرحاض وغيره، وقد حدثني نافع، أن دار ابن عمر التي هي وراء جدار قبلة النبي ﷺ كانت مربدا لأزواج النبي ﷺ يذهبن فيه، ثم ابتاعته حفصه زوج النبي ﷺ منهن، فاتخذته دارا. ولكن؛ عبد الله بن نافع منكر الحديث ـ: قَالَ البخاري وغيره. والعجب أن البخاري اعتمد على ما ذكره في رسالته إلى الليث في إنكار النهي عن الصَّلاة في أعطان الإبل، واستدل بما استدل به، ولا دلالة فيه، كما سيأتي في موضعه ـ أن شاء الله تعالى. وعند الشافعي وأصحابه: تكره الصلاة على مدفن النجاسة، وتصح. ومن أصحابه من كره الصلاة إلى النجاسة ـ أيضا. وحكي عن ابن حبيب المالكي، أن من تعمد الصلاة إلى نجاسة بطلت صلاته، إلا أن تكون بعيدة جدا. المسألة الثالثة: إذا كان المستعلي على وجه الأرض مما لا يبقى على

стр. 994

حاله كالثلج والجليد، فقد حكى عن الحسن جواز الصلاة على الجليد. ومعناه: إذا جمد النهر جازت الصلاة فوقه. وقد صرح بجوازه أصحابنا وغيرهم من الفقهاء؛ فإنه يصير قرارا متمكنا كالأرض، وليس بطريق مسلوك في العادة حتى تلحق الصلاة عليه بقارعة الطريق في الكراهة. وحكى البخاري عن ابن عمر، أنه صلى على الثلج. ونص أحمد على جواز الصلاة عليه والسجود عليه. ونقل عنه حرب، قال: يبسط عليه ثوباً ويصلي. قلت: فإن لم يكن معه إلا الثوب الذي على جسده؟ قال: أن أمكنه السجود عليه سجد، وإلا أومأ. قال وإذا كان الثلج باردا فإنه عذر، وسهل فيه. قَالَ: وسمعت إسحاق - يعني: ابن راهويه - يقول: إذا صليت في الثلج أو الرمضاء أو البرد أو الطين فآذاك فاسجد على ثوبك، وإذا اشتد عليك وضع اليدين على الأرض فضعهما على ثوبك، أو أدخلهما كميك، ثم اسجد كذلك. قال: وسمعته - مرة أخرى - يقول: أن كنت في ردغة أو ماء أو الثلج، لا تستطيع أن تسجد، فاومئ إيماء، كذلك فعل أنس بن مالك وجابر بن زيد وغيرهما. انتهى. وأنس إنما صلى على راحلته في الطين، لا على الأرض. وحاصل الأمر: أنه يلزمه السجود على الثلج ما لم يكن عليه فيه ضرر، فإن كان عليه ضرر لم يلزمه، وأجزأه أن يومئ. ولأصحابنا وجه آخر: أنه يلزمه السجود عليه بكل حال، ولا يجزئه الإيماء.

стр. 995

والثلج نوعان: تارة يكون متجلدا صلبا، فهذا حكمه حكم الجليد كما تقدم، وتارة يكون رخوا لا تستقر الأعضاء عليه، فيصير كالقطن والحشيش ونحوهما. ومن سجد على ذلك لم يجزئه إلا من عذر، صرح بذلك طائفة من أصحابنا، وجعلوا استقرار الجبهة بالأرض شرطاً، واستدلوا بأنه لو علق بساطا في الهواء وصلى عليه لم يجزئه، وكذا لو سجد على الهواء أو الماء. وللشافعية في ذلك وجهان: أصحابنا عندهم: أنه يلزمه أن يتحامل على ما يسجد عليه بثقل رأسه وعنقه حتى يستر جبهته، ولا تصح صلاة بدون ذلك. والثاني: لا يجب ذلك. ولهم - أيضا - في الصلاة على الأرجوحة، وعلى سرير تحمله الرجال وجهان، أصحهما: الصحة. وروى عبد الرحمان بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، قال: سمعت ابن عباس يقول: سأل رجل النبي ﷺ عن شيء من أمر الصلاة، فقال له رسول الله ﷺ : ((إذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض، حتى تجد حجم الأرض)) . خرجه الإمام أحمد. وفي إسناده لين. وروى حرب الكرماني: ثنا إسحاق - هو: ابن راهويه -: ثنا سويد بن عبد العزيز، عن أبي جبيرة زيد بن جبيرة، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أصاب الناس الثلج على عهد عمر بن الخطاب، فبسط بساطا ثم صلى عليه، وقال: أن الثلج لا يتيمم به، ولا يصلي عليه.

стр. 996

واحتج إسحاق بهذا الحديث. وإسناده ضعيف؛ فإن زيد بن جبيرة وسويد بن عبد العزيز ضعيفان. وقد روى أبو عبيد في ((كتاب الطهور)) بإسناد آخر، وفيه ضعف - أيضا -: أن عمر أصابه الثلج بالجابية لما قدم الشام، فقال: أن الثلج لا يتيمم به. ولم يذكر الصلاة. واختلف الرواة عن أحمد في الغريق في الماء: هل يومي بالسجود، أم يلزمه أن يسجد بجبهته على الماء؟ على روايتين عنه. وقال القاضي أبو يعلى في بعض كتبه: لم يوجب أحمد السجود على الماء؛ لأنه ليس بقرار، وإنما أراد أنه يجب عليه أن يومي في الماء إلى قرب الأرض، وإن غاص وجهه في الماء. وهذا الذي قاله بعيد جدا. وحمل أبو بكر عبد العزيز الروايتين عن أحمد على حاليين: فإن أمكنه السجود على متن الماء سجد، وألا أومأ. وقال أبو بكر الخلال: قول أحمد: يومئ، يريد بالركوع. وقوله: يسجد على متن الماء، في السجود. فلم يثبت عن أحمد في الإيماء بالسجود خلافا. ولو كان في وحل وطين لم يلزمه السجود عليه، وإنما عليه أن يومئ، ولم يحك أكثر الأصحاب فيه خلافاً، بل قال ابن أبي موسى: لا يلزمه ذلك - قولا واحدا.

стр. 997

ومنهم من خرج فيه وجها آخر: بوجوب السجود على الطين إذا قلنا: لا تجوز له الصلاة في الطين على راحلته، بل تلزمه الصلاة بالأرض، وهو رواية عن أحمد واختارها ابن أبي موسى. وفرق ابن أبي موسى بين المسألتين، ووجه الفرق: أن المانع من الصلاة على الراحلة امتناع القيام والاستقرار الأرض دون امتناع السجود بالأرض، ولأن في السجود على الطين ضررا؛ فإنه ربما دخل في عينيه وأنفه وفمه، وربما غاص فيه رأسه وشق عليه رفعه، فلا يلزمه، بخلاف السجود على متن الماء. وممن قال: يومئ بالسجود ولا يسجد على الطين: أبو الشعثاء وعمارة بن غزية. وفيه حديث مرفوع: خرجه الطبراني وابن عدي من طريق محمد بن فضاء، عن أبيه، عن علقمة بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا لم يقدر أحدكم على الأرض، إذا كنتم في طين أو قصب أومئوا إيماءا)) . وفي رواية لابن عدي: ((أو في ماء أو في ثلج)) . ومحمد بن فضاء، ضعيف؛ ضعفه يحيى والنسائي وغيرهما. ومذهب مالك: أنه يصلي في الطين بالأرض، ولا يصلي على الراحلة. واختلفت الرواية عنه في السجود في الطين: فروي عنه: أنه يسجد عليه. وروي عنه أنه يومئ.

стр. 998

وحمل ذلك طائفة من أصحابه على اختلاف حالين: فالحال التي يسجد عليه: إذا كان خفيفا، كما سجد النبي ﷺ في اعتكافه في الماء والطين، وانصرف وعلى جبهته أثر الماء والطين. والحال التي يومئ: إذا كان كثيرا، يغرق فيه المصلي. ونص أحمد على أنه إذا خشي أن تفسد ثيابه بالسجود على الطين أومأ، ولم يسجد عليه. وكذا قال أبو الشعثاء جابر بن زيد. خرج البخاري في هذا الباب حديثين: الحديث الأول: قال:

стр. 999

٣٧٧ - ثنا علي بن عبد الله: ثنا سفيان: ثنا أبو حازم: سألوا سهل بن سعد: من أي شيء المنبر؟ فقال: ما بقي في الناس أعلم به مني، هو من أثل الغابة، عمله فلان مولى فلانة لرسول الله ﷺ ، وقام عليه رسول الله ﷺ حين عمل ووضع، فاستقبل القبلة، كبر وقام الناس خلفه فقرأ، وركع وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقري فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقري حتى سجد بالأرض، فهذا شانه. قال أبو عبد الله: قال علي بن عبد الله المديني: سألني أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، قال: فإنما أردت أن النبي ﷺ كان أعلى من الناس، فلا بأس بأن يكون الإمام أعلى من

стр. 1000

الناس بهذا الحديث. قال: فقلت: أن سفيان بن عيينة كان يسأل عن هذا كثيرا، فلم تسمعه منه؟ قال: لا. هذا الحديث بتمامه مشهور عن ابن عيينة بهذا الإسناد، رواه عنه الشافعي وغيره، ولم يسمع منه الإمام أحمد إلا: ((كان من أثل الغابة)) - يعني: منبر النبي ﷺ ، وقد خرج هذا القدر منه عن سفيان في ((مسنده)) . وكان سفيان يختصر الحديث أحيانا. وإنما خرج أحمد بتمامه في ((مسنده)) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، وقال في آخر الحديث: فلما انصرف قال: ((يا أيها الناس، إنما فعلت هذا لتأتموا بي، وتعلموا صلاتي)) . وقد خرجه البخاري في موضع آخر من ((كتابه)) ، ومسلم - أيضا - من حديث يعقوب بن عبد الرحمان، عن أبي حازم، بهذه الزيادة. ومقصود البخاري بتخريج هذا الحديث هنا: الاستدلال على جواز الصلاة على ما يوضع على الأرض من منبر وما أشبهه كالسرير وغيره. وما ذكره البخاري عن علي بن المديني، أن أحمد بن حنبل سأله عن هذا الحديث، وقال: إنما أردت أن النبي ﷺ كان أعلى من الناس، فلا بأس بأن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث. فهذا غريب عن

стр. 1001

الإمام أحمد، لا يعرف عنه إلا من هذا الوجه، وقد اعتمد عليه ابن حزم وغيره، فنقلوا عن أحمد: الرخصة في علو الإمام على المأموم. وهذا خلاف مذهبه المعروف عنه، الذي نقله عنه أصحابه في كتبهم، وذكره الخرقي ومن بعده، ونقله حنبل ويعقوب بن بختان، عن أحمد، أنه قال: لا يكون الإمام موضعه أرفع من موضع من خلفه، ولكن لا بأس أن يكون من خلفه ارفع. وممن كره أن يكون موقف الإمام أعلى من المأموم: النخعي والثوري ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي. وقد روي ذلك عن ابن مسعود من غير وجه أنه كرهه، ونهى عنه. وخرج أبو داود من رواية الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجذبه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك - أو ينهى عن ذلك -؟ قال: قد ذكرت حين مددتني.

стр. 1002

ومن رواية ابن جريج: أخبرني أبو خالد، عن عدي بن ثابت، قال: حدثني رجل، أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن، فأقيمت الصلاة، فتقدم عمار بن ياسر، وقام على دكان يصلي، والناس أسفل، فتقدم حذيفة، فأخذ على يديه، فأتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: ((إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مقام ارفع من مقامهم)) - أو نحو هذا؟ قال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي. ورخص طائفة في ارتفاع الإمام على المأمومين. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أم الناس فوق كنيسة وهم تحتها. وروي نحوه عن سحنون. وأما مذهب الشافعي، فإنه قال: أختار للإمام الذي يعلم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع، ليراه من وراءه، فيقتدوا بركوعه وسجوده. قال: وإذا كان الإمام علم الناس مرة أحببت أن يصلي مستويا مع المأمومين؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه صلى على المنبر إلا مرة. وكذا حكى ابن المنذر عن الشافعي جوازه إذا أراد تعليمهم،

стр. 1003

واختاره ابن المنذر، وقال: إذا لم يرد التعليم فهو مكروه؛ لحديث ابن مسعود. ومن أصحابنا من حكى رواية عن أحمد كذلك. والذين كرهوا ذلك مطلقا اختلفوا في الجواب عن حديث سهل بن سعد في صلاة النبي ﷺ على المنبر: فمنهم من قال: قد يفعل النبي ﷺ ما هو مكروه لغيره لبيان جوازه، ولا يكون ذلك مكروها في حقه في تلك الحال، ويكره لغيره بكل حال. وهذا ذكره طائفة من أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وغيره، ووقع في كلام الخطابي ما يشبهه. ومنهم من قال: المكروه أن يقوم الإمام على مكان مرتفع على المأمومين ارتفاعا كذراع ونحوه، فإنه يحوج المأمومين في صلاتهم إلى رفع أبصارهم إليه للاقتداء به وهو مكروه، فأما الارتفاع اليسير فغير مكروه، ويحتمل أن النبي ﷺ كان وقوفه على درجة المنبر الأولى، فلا يكون ذلك ارتفاعا كثيرا. وتقدير الكثير بالذراع قول القاضي أبي يعلى من أصحابنا. وقياس المذهب: أنه يرجع فيه إلى العرف. وذكر الطحاوي - من الحنفية - أنه مقدر بما زاد على قامة الإنسان.

стр. 1004

واستغرب ذلك أبو بكر الرازي. واختلف القائلون بكراهة ذلك: هل تبطل به الصلاة، أم لا؟ فقال أكثرهم: تكره الصلاة، ولا تبطل. وقد تقدم أن الصحابة بنوا على الصلاة خلف من أمهم مرتفعا عليهم، ولم يستأنفوا الصلاة. وقالت طائفة: تبطل الصلاة بذلك، وهو قول مالك وابن حامد من أصحابنا، وحكي عن الأوزاعي نحوه. واختلف أصحابنا: هل النهي متوجه إلى الإمام، أن يعلو على من خلفه، أم النهي متوجه إلى المأموم، أن يقوم أسفل من إمامه؟ على وجهين: أحدهما: أن النهي للإمام. فإن قلنا: أن هذا النهي يبطل الصلاة، بطلت صلاة الإمام. وهل تبطل صلاة من خلفه أم لا؟ فيه روايتان عن أحمد في صلاة من اقتدى بإمام، صلاته فاسدة. والثاني: أن النهي متوجه إلى المأمومين خاصة. فعلى هذا؛ أن كان الإمام في العلو وحده، وقلنا: هذا النهي يبطل الصلاة، بطلت صلاة المأمومين وصلاة الإمام؛ لأنه صار منفردا، وقد نوى الإمامة، وهذا مبطل عند أصحابنا. وأن كان معه في العلو أحد صحت صلاته وصلاة من معه، وفي صلاة من أسفل منهم الخلاف السابق. وأعلم؛ أنه لم يقع في ((صحيح البخاري)) حكاية قول لأحمد في غير هذه المسألة، وهو خلاف مذهبه المعروف في كتب أصحابه، ولم أعلم أحدا منهم حكى ذلك عن أحمد، إلا أن القاضي أبا يعلى حكاه في ((كتاب الجامع الصغير)) له وجها. والله أعلم.

стр. 1005

وفي قول سهل بن سعد: ((لم يبق أعلم بالمنبر مني)) : دليل على أن من اختص بعلم، فإنه لا يكره له أن ينبه على اختصاصه به؛ ليؤخذ عنه، وتتوفر الهمم على حفظه وضبطه عنه، وقد سبق في ((كتاب: العلم)) شيء من ذلك. وبقية فوائد الحديث تذكر في مواضع أخر - أن شاء الله تعالى. الحديث الثاني: قال:

стр. 1006

٣٧٨ - ثنا محمد بن عبد الرحيم: ثنا يزيد بن هارون: أبنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ سقط عن فرس فجحشت ساقه - أو كتفه - وآلى من نسائه شهرا، فجلس في مشربة له درجها من جذوع النخل، فأتاه أصحابه يعودونه، فصلى بهم جالسا وهم قيام، فلما سلم قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وأن صلى قائما فصلوا قياما)) . ونزل لتسع وعشرين، فقالوا: يا رسول الله، انك آليت شهرا؟ فقال: ((أن الشهر تسع وعشرون)) . قال الخطابي: ((الجحش)) : الخدش، أو أكبر منه. و ((المشربة)) : شبه الغرفة المرتفعة عن وجه الأرض. وضبط غيره: ((راءها)) بالفتح والضم. ومقصود البخاري بتخريج الحديث هاهنا: أنه تجوز الصلاة في الغرف

стр. 1007

والعلالي. وقد كان النبي ﷺ اعتزل في هذه المشربة شهرا لهجره لنسائه، ولم يدخل إلى نسائه حتى فرغ الشهر، ولم ينقل: هل كان برئ مما أصابه قبل الشهر، أم لا؟ والله أعلم بذلك. وفي الحديث: دليل على أن المريض الذي يشق عليه حضور المسجد له الصلاة في بيته، مع قرب بيته من المسجد. وفيه: أن المريض يصلي بمن دخل عليه للعيادة جماعة؛ لتحصيل فضل الجماعة. وقد يستدل بذلك على أن شهود المسجد للجماعة غير واجب على الأعيان، كما هو رواية عن أحمد؛ فإنه ﷺ لم يأمرهم بإعادة صلاتهم في المسجد، بل اكتفى منهم بصلاتهم معه في مشربته. وأما صلاة القائم خلف الجالس، فقد بوب البخاري عليها في موضع آخر، ويأتي الكلام عليها فيه أن شاء الله تعالى -، وكذلك بقية فوائد الحديث.

стр. 1008

١٩ - باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد

стр. 1009

٣٧٩ - حدثنا مسدد، عن خالد: ثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد. قالت: وكان يصلي على الخمرة. قد سبق هذا الحديث في ((أبواب الحيض)) ، والاستدلال به على طهارة ثياب الحائض، وأنه تجوز الصلاة فيها مل لم ير فيها نجاسة. ويستدل به - أيضا - على أن المصلي إذا حاذته امرأة وكانت إلى جانبه، فإن صلاته لا تفسد بذلك، إذا كانت المرآة في غير صلاة. وقد نص على ذلك سفيان الثوري وأحمد وإسحاق، ولا نعلم فيه خلافا. وإنما اختلفوا فيما إذا كانا جميعا في صلاة واحدة، وليس بينهما سترة: فقال مالك والشافعي وأبو ثور وأكثر أصحابنا: لا تبطل بذلك صلاة واحد منهما مع الكراهة للرجل في مصافتها، وفي التأخير عنها. وقالت طائفة: تبطل صلاة من يليها ومن خلفها بحيالها، وهو قول أبي حنيفة والثوري، وطائفة من أصحابنا، منهم: أبو بكر عبد العزيز، وأبو حفص البرمكي، وزاد: أنه تبطل صلاتها - أيضا.

стр. 1010

ومن أصحابنا من خص البطلان بمن يليها دون من خلفها، ولا وجه له، ونص أحمد يدل على خلافه. قال حرب: قلت لأحمد: الرجل يصلي وامرأة بحياله قائمة تصلي، أو بين يديه؟ فقال: أن كانت بحياله فهو أسهل من أن تكون بين يديه. قلت: أيعيد الصلاة؟ قال: ما أدري. وقال: أن كانت المرآة في غير الصلاة فإنه لا بأس؛ قد كانت عائشة بين يدي النبي ﷺ . وقال إسحاق: تفسد صلاة المرآة دون الرجل؛ لأنها هي المنهية عن مصافة الرجل وعن أن تتقدم بين يديه، فتختص صلاتها بالبطلان، لعصيانها بالمخالفة دونه. وهذا ينبغي تقييده بما إذا كان هو يصلي قبل صلاتها، ثم دخلت في الصلاة بعده. وقد قال محمد بن نصر: ثنا حسان بن إبراهيم، في رجل صلى وركز بين يديه نشابة - أو لم يركز -، ثم جاءت امرأة فصلت أمامه والنشابة بينهما: هل تفسد صلاته؟ : فقالَ: قَالَ سفيان: أن لم يركز فسدت صلاته. قلت: أرأيت أن ركز بعدما رآها تصلي أمامه: هل تفسد صلاته؟ قالَ: لا. وقال الأوزاعي في امرأة تصلي بصلاة زوجها: تقوم خلفه؛ فإن ضاق مكانهما قامت عن يمينه، وجعلا بينهما سترة، فإن كانا في بيت فصلت امرأة في ناحية وصلى زوجها في ناحية بينهما عرض البيت وطوله فلا يفسد ذلك عليه صلاته. وقال سفيان: أن كانت المرآة تصلي غير صلاة الرجل تفسد عليه صلاته.

стр. 1011

وروى أبو نعيم الفضل بن دكين: ثنا هشام بن سعد: حدثني صالح بن جبير الأردني، عن رجل، قال: جئت عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين، لي بيت فتكلف امرأتي فلا يسعنا إلا أن تقوم حذائي؟ قال: أجعل بينك وبينها ثوبا، ثم صل ما شئت. أبنا إسرائيل: حدثنا ثوير، قال: سألت مجاهدا، قلت: اصلي وامرأتي إلى جنبي؟ قالَ: لا بأس. وقد ضعف الشافعي المروي عن عمر في هذا، وقال: لا يعرف. وخرجه البيهقي من طريق برد بن سنان، عن عبادة بن نسي، عن غضيف بن الحارث، قال: سالت عمر بن الخطاب، قلت: إنا نبدو فنكون في الأبنية، فإن خرجت قررت، وأن خرجت امرأتي قرت؟ فقال عمر: أقطع بينك وبينها ثوبا، ثم ليصل كل واحد منكما. وخرجه الإسماعيلي في ((مسند عمر)) من رواية صفوان بن عمرو: ثنا عبد الرحمان بن جبير بن نفير، عن الحارث بن معاوية الكندي، أنه سال عمر، قال: ربما كنت أنا والمرأة في ضيق، فتحضر الصلاة، فإن صليت أنا وهي كانت تجاهي، وأن صلت خلفي خرجت من البناء؟ قال: استر بينك وبينها بثوب، ثم تصلي وراءك أن شئت.

стр. 1012

٢٠ - باب الصلاة على الحصير وصلى جابر بن عبد الله وأبو سعيد في السفينة قياما. وقال الحسن: تصلي قائما، ما لم تشق على صاحبك، تدور معها، وإلا فقاعدا. إنما افتتح هذا الباب بذكر الصلاة في السفينة؛ لأن المصلي في السفينة لا يمكنه الصلاة على التراب، ولا على وجه الأرض، وإنما يصلي على خشب السفينة، أو ما فوقه من البسط أو الحصير أو الأمتعة والأحمال التي فيها. ولهذا المعنى - والله أعلم - روي عن مسروق ومحمد بن سيرين، أنهما كانا يحملان معهما في السفينة لبنة أو آجرة يسجدان عليها، والظاهر: أنهما فعلا ذلك لكراهتهما السجود على غير أجزاء الأرض، أو أن يكون اختارا السجود على اللبنة على الإيماء، كما اختار قوم من العلماء للمريض أن يسجد على وسادة ونحوها ولا يومئ. وروى حماد بن زيد، عن أنس بن سيرين، أن أنس بن مالك صلى بهم في سفينة على بساط.

стр. 1013

وقال حرب: قلت لأحمد في الصلاة في السفينة: يسجدون على الأحمال والثياب ونحو ذلك؟ فسهل فيه. قال: وقال إسحاق: يصلي فيها قائما على البسط. وروى ابن أبي شيبة: ثنا مروان بن معاوية، عن حميد، عن عبد الله ابن أبي عتبة مولى أنس، قال: سافرت مع أبي سعيد الخدري وأبي الدرداء وجابر بن عبد الله - قال حميد: وناس قد سماهم -، فكان إمامنا يصلي بنا في السفينة قائما، ونصلي خلفه قياما وولو شئنا لأرفينا وخرجنا. ورواه الأثرم عن ابن أبي شيبة، وذكر أن أحمد احتج به. وقد رواه عن حميد: معاذ بن معاذ وسفيان الثوري، وقال: أراه ذكر منهم: أبا هريرة. وروى الأثرم: ثنا مسلم بن إبراهيم: ثنا عبد الله بن مروان، قال: سألت الحسن، قلت: أسافر، فكيف الصلاة في السفينة؟ قال: قائما، ما لم يشق على أصحابك. قلت: أنها عواقيل؟ قال: أدرها كما تدور، فإذا استقبلت القبلة فصله. وأكثر العلماء على أن المصلي في السفينة يلزمه أن يصلي قائما إذا قدر على ذلك من غير ضرر، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد.

стр. 1014

وقالت طائفة: لا يلزمه القيام، وله أن يصلي قاعدا بكل حال إذا كانت سائرة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وروي عن أنس، أنه صلى بهم في السفينة قاعدا. وعن مجاهد، قال: كنا مع جنادة بن أبي أمية في البحر، فكنا نصلي قعودا. وهذه قضايا أعيان، يحتمل فعلوا ذلك للخوف على أنفسهم، أو لضرر يحصل لهم بالقيام. وقد روي في هذا حديث مرفوع عن جعفر بن برقان، عن

стр. 1015

ميمون بن مهران، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ أمر جعفر بن أبي طالب وأصحابه أن يصلوا في السفينة قياما، إلا أن يخافوا الغرق. وقد رواه عن جعفر بن برقان: عبد الله بن داود الخريبي، ولم يسمعه منه، بل قال: ثناه رجل من أهل الكوفة من ثقيف، عن جعفر بن برقان. واختلف عليه بعد ذلك في إسناده. فقيل: عنه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . وقيل: عنه، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . وقيل: عنه، عن ابن عمر، عن جعفر بن أبي طالب. ورواه حسين بن علوان، عن جعفر بن برقان، عن ميمون، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . وحسين، متروك الحديث. ورواه - أيضا - أبو نعيم الفضل بن دكين: ثنا جعفر بن برقان، عن ميمون ابن مهران، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . خرجه من طريقه الدارقطني والبيهقي. وهذا منكر، وفي صحته عن أبي نعيم نظر. وقد خرجه الدارقطني من رواية بشر بن فافا، عنه. وهذا رجل لا يعرف حاله بالكلية، وقد وصفه بالجهالة جماعة، منهم عبد الحق الأشبيلي وابن الجوزي. وخرجه الحاكم والبيهقي من طريق ابن أبي الحنين، عن أبي نعيم. وزعم الحاكم أنه على شرط الشيخين، وما أبعده من ذلك، ولو كان مقاربا لشرط البخاري فضلا عن أن يكون على شرطه لذكره تعليقا، ولم يقتصر على ما روى عن الصحابة خاصة. وقال البيهقي: هو حسن. والله أعلم.

стр. 1016

وقول الحسن: يدورون كلما دارت - يعني: أنهم يصلون إلى القبلة، فكلما انحرفت السفينة عن القبلة داروا معها. وهذا مع القدرة، فإذا عجزوا عن ذلك للخوف على أنفسهم فإنه يكفيهم الاستقبال في أول الصلاة، نص عليه مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة. والله أعلم. ثم قال البخاري ﵀:

стр. 1017

٣٨٠ - ثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: ((قوموا فلأصلي لكم)) . قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بالماء، فقام

стр. 1018

رسول الله ﷺ وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف. ((مليكة)) : قال كثير من الناس: هي جدة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قالوا: والضمير في قوله: ((أن جدته)) إليه يعود، لا إلى أنس. وقد روى هذا الحديث عبد الرزاق، عن مالك، وقال: يعني: جدة إسحاق. وهذا تفسير من بعض رواة الحديث. وقد ذكر ابن عبد البر وغيره: أنها هي أم سليم أم أنس بن مالك؛ فإن أبا طلحة تزوجها بعد أبي أنس، فولدت له عبد الله. وقيل: بل مليكة أختها أم حرام زوجة عبادة، وسماها جدته لأنها أخت جدته، على حد قوله تعالى حاكيا عن بني يعقوب، أنهم قالوا لأبيهم: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:١٣٣] ، فإن إسماعيل عمه، والعم صنو الأب. وظاهر سياق الحديث: يدل على أن مليكة جدة أنس، وهذا هو الأظهر. والله أعلم. وروي صريحا من رواية مقدم بن يحيى، عن عمه القاسم، عن عبيد الله بن عمر، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال: أرسلت جدتي إلى رسول الله ﷺ واسمها: مليكة -، فجاءنا، فحضرت الصلاة -

стр. 1019

وذكر الحديث. خرجه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) . وقد ذكر ابن سعد: أن مليكة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، هي أم حرام وسليم وأم سليم وأم حرام، أولاد ملحان. فتبين بهذا أن مليكة جدة أنس حقيقة، ولا يمنع من هذا أنه لم يذكرها في أسماء الصحابيات كثير ممن جمع في أسماء الصحابة؛ لأن هذا الحديث الصحيح يشهد بذلك، والاعتماد عليه أقوى من الاعتماد على قول مثل ابن إسحاق والواقدي. ويعضد صحة هذا: أن أحدا ممن يعتمد على قوله لم يسم أم سليم: مليكة، وقول أنس: ((فقمت إلى حصير لنا)) يدل على أن هذا البيت كان بيت أم سليم أم أنس. وقد رواه ابن عيينة، عن إسحاق بن عبد الله مختصرا، وصرح فيه بأن العجوز التي صلت وراءهم هي أم سليم أم أنس، وهذا يدل على أنها هي التي دعت النبي ﷺ إلى طعامها. وخرجه النسائي من طريق يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله،

стр. 1020

عن أنس، أن أم سليم سألت رسول الله ﷺ أن يأتيها ويصلي في بيتها فتتخذه مصلى، فأتاها فعمدت إلى حصير فنضحته بماء، فصلى عليه وصلوا معه. وقوله: ((قد اسود من طول ما لبس)) يدل على أن لبس كل شيء بحسبه، فلبس الحصير هو بسطه واستعماله في الجلوس عليه. واستدل بذلك من حرم الجلوس على الحرير وافتراشه؛ لأن افتراش فرش الحرير وبسطه لباس له، فيدخل في نصوص تحريم لباس الحرير. وزعم ابن عبد البر: أن هذا يؤخذ منه أن من حلف لا يلبس ثوبا، وليس له نية ولا ليمينه سبب، فإنه يحنث بما يتوطأ ويبسط من الثياب؛ لأن ذلك يسمى لباسا. وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإن اللبس المضاف إلى الثوب إنما يراد به اشتمال البدن أو بعضه به دون الجلوس عليه، بخلاف اللبس إذا أضيف إلى ما يجلس عليه ويفترش، أو أطلق ولم يضف إلى شيء، كما لو حلف لا يلبس شيئا. فجلس على حصير، أو حلف لا يلبس حصيرا فجلس عليه. ولو تعلق الحنث بما يسمى لباسا بوجه ما، لكان ينبغي أن يحنث بمضاجعة زوجته وبدخول الليل عليه؛ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ﴾ [البقرة:١٨٧] وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً﴾ [النبأ:١٠] . وكل ما لابس الإنسان من جوع أو خوف فهو لباس؛ قَالَ تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل:١١٢] .
следующие страницы →