Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
وأما قول الله : ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦] .
وقول عمر: تعلموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق.
وروي عنه، أنه قال: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في بركم وبحركم، ثم أمسكوا.
فمراده - والله أعلم -: أنه يتعلم من النجوم الشرقية والغربية والمتوسطة ما يهتدى به إلى جهة القبلة بعد غروب الشمس، وفي حالة غيبوبة القمر، فيستدل بذلك على الشرق والغرب، كما يستدل بالشمس والقمر عليهما، ولم يرد - والله أعلم - تعلم ما زاد على ذلك، ولهذا أمر بالإمساك؛ لما يؤدي إلى التوغل في ذلك إلى ما وقع فيه المتأخرون من إساءة الظن بالسلف الصالح.
وقد اختلف في تعلم منازل القمر وأسماء النجوم المهتدى بها، فرخص فيه النخعي ومجاهد وأحمد، وكره قتادة وابن عيينة تعلم منازل القمر.
وقال طاوس: رب ناظر في النجوم، ومتعلم حروف أبي جاد ليس
стр. 1087
له عند الله خلاق.
وروي ذلك عنه، عن ابن عباس.
قال البخاري ﵀:
стр. 1088
٣٩٤ - حدثنا علي بن عبد الله، قال: ثنا سفيان: ثنا الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ قال: ((إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبرها، ولكن شرقوا أو غربوا)) .
قال أبو أيوب: فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة، فننحرف، ونستغفر الله .
وعن الزهري، عن عطاء: سمعت أبا أيوب عن النبي ﷺ مثله.
قد تقدم هذا الحديث في ((كتاب: الوضوء)) من وجه آخر عن الزهري، ولم يذكر فيه قول أبي أيوب، والرواية التي ذكرها آخرا مصرحة بسماع عطاء بن يزيد له من أبي أيوب. وقد سبق الكلام على الاختلاف في إسناده في ((أبواب: الوضوء)) .
وإنما ذكر هاهنا قول أبو أيوب ليدل على أن أبا أيوب - روي الحديث عن النبي ﷺ ، قد فهم مما رواه أن القبلة المنهي عن استقبالها
стр. 1089
هي جهة ما بين المشرق والمغرب، وأن الانحراف لا يخرج به عن استقبالها المنهي عنه، فلذلك احتاج مع ذلك إلى
الاستغفار.
وإذا ثبت أن القبلة المنهي عن استقبالها واستدبارها عند التخلي هي مابين المشرق والمغرب، فهي القبلة المأمور بأستقبالها في الصلاة - أيضاً.
و ((المراحيض)) ، قال الخطابي: هو جمع: مرحاض، وهو المغتسل، مأخوذ من رحضت الشيء إذا غسلته.
قلت: لما كانت بيوت التخلي بالشام يستعمل فيها الماء عادةً سميت: مغتسلاً، ولم يكن ذلك معتاداً في الحجاز، فإنهم كانوا يستنجون بالأحجار، فكانت المواضيع المعدة للتخلي بين البيوت تسمى عندهم: كنفاً.
والكنيف: السترة، وكل ما يستر فهو كنيف، ويسمى الترس كنيفاً لستره.
стр. 1090
٣٠ - باب
قول الله : ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥]
حديث عمر في سلب هذه الآية، قد خرجه البخاري فيما بعد، وسيأتي في موضعه قريبا - أن شاء الله تعالى.
وخرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول:
стр. 1091
٣٩٥ - حدثنا الحميدي: ثنا سفيان: ثنا عمرو بن دينار، قال: سألنا ابن عمر عن رجل طاف بالبيت العمرة، ولم يطف بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبي ﷺ فطاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة، وقد كان لكم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة.
стр. 1092
٣٩٦ - وسألنا جابر بن عبد الله، فقال: لا يقربنها حتى يطوف بين الصفا
والمروة.
стр. 1093
مقصوده من هذا الحديث هاهنا: أن النبي ﷺ لما اعتمر طاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين، وكذلك فعل في حجته - أيضا.
وقد روى جابر، أن النبي ﷺ هذه الآية عند صلاته خلف المقام: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة: ١٢٥] .
خرجه مسلم.
وهذا كله يدل على أن المراد بمقام إبراهيم في الآية: مقامه المسمى بذلك عند البيت، وهو الحجر الذي كان فيه اثر قدمه ﵇، وهذا قول كثير من المفسرين.
وقال كثير منهم: المراد بمقام إبراهيم: الحج كله.
وبعضهم قال: الحرم كله.
وبعضهم قال: الوقوف بعرفة، ورمى الجمار والطواف، وفسروا المصلى: بالدعاء، وهو موضع الدعاء.
وروي هذا المعنى عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما.
وقد يجمع بين القولين، بأن يقال: الصلاة خلف المقام المعروف داخل فيما أمر به من الإقتداء بإبراهيم ﵇ مما في أفعاله في مناسك الحج كلها واتخاذها مواضع للدعاء وذكر الله.
كما قالت عائشة - وروي مرفوعا -: ((إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله)) .
стр. 1094
خرجه أبو داود والترمذي.
فدلالة الآية على الصلاة خلف مقام إبراهيم ﵇ لا تنافي دلالتها على الوقوف في جميع مواقفه في الحج لذكر الله ودعائه والابتهال إليه. والله أعلم.
وبكل حال؛ فالأمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى لا يدخل فيه الصلاة إلى البيت إلا أن تكون الآية نزلت بعد الأمر باستقباله، وحديث عمر قد يشعر بذلك.
فيكون حينئذ مما أمر به من اتخاذ مقام إبراهيم مصلى: استقبال البيت الذي بناه في الصلاة إليه، كما كان إبراهيم يستقبله، وخصوصا إذا كانت الصلاة عنده.
وعلى هذا التقدير يظهر وجه تبويب البخاري على هذه الآية في ((أبواب استقبال القبلة)) ، وإلا ففيه قلق. والله أعلم.
الحديث الثاني:
стр. 1095
٣٩٧ - حدثنا مسدد: ثنا يحيى، عن سيف، قال: سمعت مجاهدا قال: أتي ابن عمر فقيل له: هذا رسول الله ﷺ دخل الكعبة. فقال ابن عمر: فأقبلت والنبي ﷺ قد خرج وأجد بلالاً قائما بين البابين، فسأله بلالاً، فقلت: أصلى النبي ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم، ركعتين
стр. 1096
بين الساريتين اللتين على يساره إذا دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين.
((سيف)) : هو ابن أبي سليمان - ويقال: ابن سليمان - المكي مولى بني
مخزوم.
وقوله: ((قائما بين البابين)) ، هكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها ((بين
الناس)) ، ولعله أصح.
وأن قيل: أن المراد قيامه في الموضع الذي هو بين البابين بعد فتحهما ـ الذي فعله ابن الزبير ـ اقتضى ذلك أن يكون واقفا في جوف الكعبة.
وقد خرج النسائي هذا الحديث، وفيه: ((أنه وجد بلالا واقفا على الباب)) .
وهذا يدل على أنه لم يكن في الكعبة.
وخرجه البخاري في ((المغازي)) ، وعنده: ((فوجد بلالا وراء الباب)) .
وهذا يدل على أنه لم يكن في وسط البيت.
وقوله: ((صلى ركعتين)) ، يخالف ما رواه نافع، عن ابن عمر، أنه قال نسيت أن أسأل بلالا كم صلى؟ وقد خرجه البخاري في موضع آخر.
стр. 1097
والمقصود من هذا الحديث في هذا الباب: صلاة النبي ﷺ لما خرج من الكعبة ركعتين في وجه الكعبة، والمراد بوجه الكعبة: عند باب البيت.
ويأتي مزيد بيان لذلك فيما بعد - أن شاء الله تعالى.
الحديث الثالث:
стр. 1098
٣٩٨ - ثنا إسحاق بن نصر: ثنا عبد الرزاق: ابنا ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس قال: لما دخل النبي ﷺ البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال ((هذه القبلة)) .
هكذا خرجه البخاري عن إسحاق بن نصر، عن عبد الرزاق.
وقد رواه أصحاب عبد الرزاق كلهم، منهم: الإمام أحمد، وإسحاق بن
راهويه، فجعلوه: عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد.
وكذا رواه أصحاب ابن جريج وعنه، منهم: محمد بن بكر البرساني، وأبو عاصم، ويحيى بن سعيد وغيرهم.
فسقط من إسناد البخاري ذكر: ((أسامة بن زيد)) ، وقد نبه على ذلك الإسماعيلي والبيهقي.
لكن رواه همام، عن عطاء، عن ابن عباس، لم يذكر فيه: ((أسامة)) .
وهذا مما كان ابن عباس يرسله احيانا، ويسنده احيانا.
стр. 1099
وكذلك خرجه البخاري في ((الحج)) من حديث عكرمة، عن ابن عباس، إلا أن رواية عبد الرزاق، عن ابن جريج فيها ذكر ((أسامة)) ؛ فإسقاطه منها وهم.
وقد تعارض ما نقله ابن عمر، عن بلال، وما نقله ابن عباس، عن أسامة في صلاة النبي ﷺ في الكعبة.
وقد روي عن ابن عمر، عن أسامة وبلال وعثمان بن طلحة، أن النبي ﷺ صلى في الكعبة - أيضا -، بخلاف رواية ابن عباس، عن أسامة، وهو في رواية لمسلم في ((صحيحه)) على اختلاف وقع في لفظه خارج ((الصحيح)) ؛ فإن من رواة الحديث من أسند الصلاة فيها إلى بلال دون صاحبيه اللذين كانا معه في الكعبة.
وقد روي ذلك عن أسامة من وجهين آخرين.
خرجهما الإمام أحمد في ((المسند)) .
وقد اختلف الناس في الجمع بين إثبات صلاة النبي ﷺ في الكعبة ونفيها:
فمنهم: من حمل الصلاة على الصلاة اللغوية، وهي الدعاء، وجمعوا بذلك بين حديثي أسامة وبلال، لا سيما وقد روي عن أسامة إثبات الصلاة ونفيها.
стр. 1100
والأكثرون حملوا الصلاة على الصلاة الشرعية، وهو الأظهر.
ثم اختلفوا:
فمنهم: من رجح حديث الإثبات على حديث النفي، وقال: مع تعارض النفي والإثبات يقدم الإثبات؛ لأن المثبت معه زيادة علم خفيت على النافي، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وغيرهما من العلماء.
وذكر الأزرقي في ((كتابه)) ، عن عبد العزيز بن أبي رواد، قال بلغني أن الفضل بن عباس دخل مع النبي ﷺ ، ثم أرسله النبي ﷺ في حاجة، فجاء وقد صلى النبي ﷺ ، ولم يره فلذلك كان ينكر أنه صلى.
وحديث الفضل في إنكاره الصلاة، قد خرجه الإمام أحمد من رواية أخيه
عبد الله، عنه.
ومنهم: من قال: المثبت للصلاة أراد به صلاته في عام الفتح، والنافي لها أراد صلاته في حجة الوداع، وهذا قول ابن حبان.
وهو ضعيف جدا؛ لوجهين:
أحدهما: أن ابن عباس لم ينفي صلاة النبي ﷺ في الكعبة في وقت دون وقت، بل كان ينكر ذلك جملة، وكان يكره الصلاة في الكعبة، ويقول: لا يستدبر من البيت شيء.
والثاني: أن النبي ﷺ لم يدخل الكعبة في حجة الوداع بالكلية حتى يقال أنه دخل ولم يصل، وابن عباس قال: أنه دخل ودعا ولم يصل.
стр. 1101
وقد اختلف العلماء في حكم الصلاة في الكعبة:
فكان ابن عباس يكره الصلاة فيها بكل حال: الفرض والنفل وهو قول طاوس، وأصبغ من المالكية، وابن جرير الطبري.
وقالت طائفة: تجوز فيها صلاة الفرض والنفل، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، والشافعي.
وقالت طائفة: يصلي فيها النفل دون الفرض، وهو قول عطاء، ومالك، وأحمد في ظاهر مذهبه.
لأن النبي ﷺ صلى فيها نفلا والنوافل يخفف فيها في استقبال القبلة دون
الفرائض، بدليل صحة النفل على الراحلة في السفر إلى غير القبلة، واما الفرض فلا يجوز إلى القبلة مع القدرة، فيشترط له استقبال جميع البيت، وأن لا يكون مستدبرا لشيء
منه.
وقال أحمد: إذا صلى فيها لا يصلي إلى أي جهة شاء، بل يستقبل الجهة التي استقبلها النبي ﷺ ، وهي تجاه الباب إذا دخل، ويجعل الباب وراء ظهره.
ولم يرخص في الصلاة فيها إلا على هذا الوجه، وحمل أصحابنا ذلك على الاستحباب، وفيه نظر.
وقوله: ((ركع ركعتين في قبل القبلة)) ، قبل - بضم الباء، ويجوز
إسكانها -، والمراد به: وجه الكعبة، كما في حديث ابن عمر المتقدم. وقد تقدم أن المراد به: عند باب البيت.
وقد روي أنه المقام الذي أم فيه جبريل النبي ﷺ -
стр. 1102
عند فرض الصلاة.
خرجه الأزرقي من حديث مسلم بن خالد، عن عبد الرحمان بن الحارث، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((أمني جبريل عند باب الكعبة مرتين)) .
وكذا خرجه ابن وهب في ((مسنده)) عن يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الرحمان بن الحارث، به.
وقد خرجه أبو داود والترمذي، وعندهما: ((أمني جبريل عند البيت مرتين)) .
وروى ابن جرير من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب.
وروى الأزرقي بإسناده عن ابن أبي نجيح، قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاص: البيت كله قبلة، وقبلته وجهه، فإن أخطأك وجهه فقبلة النبي ﷺ ، وقبلته ما بين الميزاب إلى الركن الشامي الذي يلي المقام.
وكأنه يريد أن هذه الجهة هي التي كان النبي ﷺ يصلي إليها وهو بالمدينة، فإنها قبلة أهل المدينة.
وروى - أيضا - بإسناده عن ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن السائب، أن النبي ﷺ صلى يوم الفتح في
стр. 1103
وجهة الكعبة، حذو الطرقة البيضاء، ثم رفع يديه، فقال: ((هذه القبلة)) .
وخرج الإمام أحمد من طريق ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أن ابن عباس كان يخبر، أن الفضل بن عباس أخبره، أنه دخل مع النبي ﷺ البيت، وأن النبي ﷺ لم يصل في البيت حين دخل، ولكنه لما خرج فنزل ركع ركعتين عند باب البيت.
وخرج النسائي من حديث عطاء، عن أسامة، أنه دخل هو والنبي ﷺ البيت، ثم خرج فصلى ركعتين مستقبل وجهة الكعبة، فقال: ((هذه القبلة، هذه القبلة)) .
وقوله ﷺ : ((هذه القبلة)) ، قال ابن جرير: مراده: أن الكعبة هي القبلة، وأن قبلة الكعبة الباب.
وقد صرح جماعة من العلماء، منهم: سفيان الثوري بأن الصلاة إلى جهة الباب عند البيت أفضل من الصلاة إلى جهة أخرى، وأن وقوف الإمام عند الباب أفضل.
وقال الخطابي: يحتمل أنه أراد أنه قد استقر أمر هذه القبلة فلا ينسخ كما نسخ بيت المقدس، ويحتمل أن يكون علمهم السنة في مقام الإمام واستقبال البيت من جهة الكعبة، وأن كانت الصلاة من جهاتها
стр. 1104
جائزة، ويحتمل أن يكون دل به على أن حكم من شاهد البيت وعاينه في استقباله حسا خلاف حكم من غاب عنه، فيصلي إليه توخيا واستدلالا.
وزعم غيره: أن مراده: أن القبلة هي الكعبة نفسها، لا المسجد ولا الحرم، وهذا قاله بعض من يرى أن الواجب على البعيد الاستدلال على العين.
وقول الخطابي أصح من هذا. والله أعلم.
وقد اختلف الناس في مقام إبراهيم الذي صلى النبي ﷺ وراءه ركعتين في حجه وعمرته: هل كان عند باب البيت؟ أم كان في مكانه الآن؟ على قولين:
أحدهما: أنه كان في مكانه الآن، وهذا قول ابن أبي مليكة وعمرو بن دينار وسفيان بن عيينة، ولم يذكر الأزرقي غير هذا القول.
وروى شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، قال: كان المقام إلى لزق البيت، فقال عمر لرسول الله ﷺ : لو نحيته من البيت ليصلي الناس إليه، ففعل ذلك رسول الله ﷺ ، فانزل الله : ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ [البقرة:١٢٥] .
стр. 1105
وذكر موسى بن عقبة: أن النبي ﷺ أخره في يوم الفتح إلى مكانه الآن، وكان ملصقا بالبيت.
فعلى هذا: يكون النبي قد صلى وراءه في موضعه الآن في حجته، وأما في عمرة القضية فصلى وراءه عند البيت.
والقول الثاني: أنه كان في عهد النبي ﷺ ملصقا بالبيت، وإنما أخره عمر إلى مكانه الآن، هذا قول عروة بن الزبير، رواه هشام بن عروة، عن أبيه.
وروي عنه، عن أبيه، عن عائشة.
وروى الإمام أحمد عن عبد الرزاق، عن ابن جريج،: سمعت عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون أن عمر أول من وضع المقام في موضعه الآن، وإنما كان في قبل
الكعبة.
وعن عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: كان المقام إلى جنب البيت، كانوا يخافون عليه، من السيول، وكان الناس يصلون خلفه، فقال عمر للمطلب: هل تدري أين كان موضعه الأول؟ قال: نعم، فوضعه موضعه الآن.
وروي - أيضا - نحوه عن ابن عيينة، خلاف قوله الأول.
وقال مالك: كان المقام في عهد إبراهيم ﵇ في مكانه الآن، وكان أهل الجاهلية ألصقوه إلى البيت خيفة السيل، فكان كذلك في عهد النبي ﷺ وأبي بكر، فلما ولي عمر وحج رده إلى موضعه الذي هو فيه
стр. 1106
اليوم، بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمة كانت في خزائن الكعبة، قيس بها حين أخر -: ذكر ذلك صاحب ((تهذيب المدونة)) .
وذكر ابن سعد أن النبي ﷺ صلى يوم الفتح ركعتي الطواف خلف المقام، وهو لاصق بالبيت.
فعلى هذا؛ يحتمل أن النبي ﷺ لما صلى في قبل الكعبة وقال: ((هذه القبلة)) أشار إلى المقام الذي أمر الله باتخاذه مصلى.
وقد ورد هذا في رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ دخل يوم الفتح الكعبة وأخرج مقام إبراهيم، وكان في الكعبة فألزقه إلى حائط الكعبة، ثم قال: ((أيها الناس، هذه القبلة)) .
خرجه ابن مردويه.
والكلبي، متروك لا يحتج به.
وقد ذهب قوم إلى أنه يستحب صلاة ركعتي الطواف في قبل البيت حيث كان المقام عندهم.
فروى عبد الرزاق، عن جعفر، عن عطاء بن السائب، أنه رأى سالم بن
عبد الله طاف مع هشام بن عبد الملك، فلما فرغا من طوافهما ذهب هشام ليركع عند
المقام، فأخذ سالم بيده، وقال: هاهنا، فانطلق به إلى قبل البيت، فترك من كسوته ثلاث شقاق مما يلي الحجر، ثم استقبل
стр. 1107
الرابعة، ثم صلى إليها، ثم قال: أن المقام كان هاهنا ليس بينه وبين البيت إلا مقدار أربع أذرع، فلما كثر الناس وتضيقوا حمله عمر فجعله هاهنا في هذا المكان الذي هو فيه.
وقد روي: أن الناس كانوا يصلون إلى جانب البيت، وأن أول من صلى خلف المقام عمر في خلافته.
روى الإمام أحمد في ((كتاب المناسك)) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن
هشام، عن أبيه، أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر - بعض خلافته - كانوا يصلون إلى صقع البيت، حتى صلى عمر خلف المقام.
وعن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا طاف بالبيت صلى الركعتين إلى صقع البيت.
قال أبو معاوية: يعني: حائط البيت. قال: وفعل ذلك أبو بكر، ثم فعل ذلك عمر شطرا من خلافته، ثم قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥] ، فصلى إلى المقام، فصلى الناس بعده.
وهذا يوهم أن النبي ﷺ لم يصل إلى المقام، وهذا باطل يرده حديث ابن عمر وجابر كما تقدم، وهذا يناقض ما قاله عروة: أن المقام كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر ملصقا بالبيت، فكيف يكون كذلك ثم يزعم أن النبي ﷺ وأبا بكر صليا عند البيت، ولم يصليا خلف المقام إلى أن صلى خلفه عمر؟ فقد اضطرب قول عروة في هذا واختلف.
وقد كان النبي ﷺ يخطب إذا خطب بالمسجد الحرام عند باب الكعبة.
стр. 1108
وروي أنه خطب يوم الفتح على درج باب الكعبة.
وفي ((المسند)) ، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ خطب وظهره إلى الملتزم.
ولم يكن بمكة منبر في عهد النبي ﷺ .
وقد ذكر الأزرقي في ((كتابه)) عن جده، عن عبد الرحمان بن حسن، عن
أبيه، قال: أول من خطب بمكة على منبر معاوية بن أبي سفيان، قدم به من الشام سنة حج في خلافته، منبر صغير على ثلاث درجات، وكانت الخلفاء والولاة قبل ذلك يخطبون يوم الجمعة على أرجلهم قياما في وجه الكعبة وفي الحجر.
стр. 1109
٣١ - باب
التوجه نحو القبلة حيث كان
وقال أبو هريرة: قال النبي ﷺ : ((استقبل القبلة وكبر)) .
مراده بهذا الباب: أن القبلة يجب التوجه إلى نحوها حيث كان المصلي من أقطار الأرض في حضر أو سفر، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٥٠] .
وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه، هو قول النبي ﷺ للمسيء في صلاته لما علمه الصلاة: ((إذا قمت إلى صلاتك فاستقبل القبلة وكبر)) .
وقد خرجه مسلم بهذا اللفظ.
وخرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول:
стр. 1110
٣٩٩ - حدثنا عبد الله بن رجاء: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن
стр. 1111
البراء، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس ستة عشر - أو سبعة عشر - شهرا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يتوجه إلى الكعبة، فأنزل الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة:١٤٤] ، فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود -: ﴿مَا وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:١٤٢] ، فصلى مع النبي ﷺ رجل، ثم خرج بعدما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، وأنه توجه نحو الكعبة، فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة.
قد تقدم هذا الحديث في ((كتاب: الإيمان)) ، فإن البخاري خرجه في ((باب: الصلاة من الإيمان)) عن عمرو بن خالد، عن زهير، عن أبي إسحاق، بأتم من هذا السياق، واستوفينا الكلام على فوائده هنالك بما فيه كفاية.
стр. 1112
الحديث الثاني:
стр. 1113
٤٠٠ - حدثنا مسلم بن إبراهيم: ثنا هشام: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن
عبد الرحمان، عن جابر، قال: كان النبي ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة.
محمد بن عبد الرحمان، هو: ابن ثوبان.
والمراد من هذا الحديث هاهنا: أن النبي ﷺ لم يكن يصلي المكتوبة إلا على الأرض مستقبل القبلة، فأما صلاة الفريضة على الأرض فواجب لا يسقط إلا في صلاة شدة الخوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة:٢٣٩] .
وهل يسقط في الطين أو في المرض؟ فيه قولان مشهوران للعلماء هما روايتان عن أحمد.
وفي ذلك أحاديث وآثار يطول ذكرها ربما تذكر في موضع آخر - أن شاء الله تعالى.
ولو صلى قائما في محمل على ظهر دابة، فهل تصح صلاته؟
стр. 1114
حكى أصحابنا في ذَلكَ روايتين عن أحمد، وللشافعية وجهان، ومنهم من فرق بين أن تكون الدابة واقفة فتصح، وسائرة فلا تصح.
وحكى بعض أصحابنا الخلاف - أيضا - في الصلاة في السفينة لمن قدر على الخروج منها إلى الأرض، ولم يشق على أصحابه.
ولأصحابنا وجهان في صحة الصلاة على العجلة - أيضا.
ومن الشافعية من حكى الإجماع على صحة الصلاة في السفينة قائما، ولكن حكى في الصلاة في الزورق الجاري وجهين، ففرق بين السفينة والزورق، وهو الصغير من السفن.
ولا فرق في الصلاة بين النساء والرجال.
وخرج أبو داود من رواية النعمان بن المنذر، عن عطاء بن أبي رباح، قال: سألت عائشة: هل رخص للنساء أن يصلين على الدواب؟ قالت: لم يرخص لهن في شدة ولا رخاء.
وأما ما خرجه بقي بن مخلد في ((مسنده)) : ثنا أبو كريب: ثنا يونس: ثنا عنبسة بن الأزهر، عن أبي خراش، عن عائشة، قالت: كنا إذا سافرنا مع رسول الله ﷺ نؤمر إذا جاء وقت الصلاة أن نصلي على رواحلنا.
فهو حديث لا يثبت، وعنبسة بن الأزهر: قال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به. وأبو خراش: لا يعرف. ويونس، هو: ابن بكير، مختلف
стр. 1115
في أمره.
وأما استقبال القبلة في صلاة الفريضة، ففرض مع القدرة لا يسقط إلا في حال شدة الخوف - أيضا -، ويأتي في موضعه - أن شاء الله تعالى.
وكذلك يسقط في حق من كان مربوطا إلى غير القبلة، أو مريضا ليس عنده من يديره إلى القبلة فيصلي بحسب حاله.
وفي إعادته خلاف. والصحيح عند أصحاب الشافعي: أن عليهم الإعادة، والصحيح عند أصحابنا: أنه لا إعادة عليهم، وعند المالكية: يعيد في الوقت إذا قدر، ولا يعيد بعده.
وأما حكم الصلاة النافلة على الراحلة، فيأتي في موضعه - أن شاء الله تعالى.
الحديث الثالث:
стр. 1116
٤٠١ - حدثنا عثمان: ثنا جرير: عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال عبد الله: صلى رسول الله ﷺ قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص -، فلما سلم، قيل: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال:
стр. 1117
((وما ذاك؟)) قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجله، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: ((أنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين)) .
المقصود من هذا الحديث هاهنا: أن من سها في صلاته وسلم وهو ناس، ثم ذكر بعد سلامه، فإنه يسجد للسهو ويستقبل القبلة، فإن سجود السهو من تمام الصلاة، ولو كان بعد السلام فهو جزء من الصلاة، فيشترط له استقبال القبلة كالصلاة.
ويؤخذ من ذلك: أنه لا يسجد للتلاوة ولا للشكر إلا إلى القبلة، وهذا على قول من اعتبر الطهارة لذلك - وهم جمهور المسلمين - ظاهر، وأما من لم يعتبر الطهارة له - كما سيأتي في موضعه -، فإنه لا يوجب استقبال القبلة له - أيضا - وكذلك صلاة الجنازة.
وقد حكي أن بعض المتقدمين كان يرى أنها دعاء، فلا يشترط لها الوضوء، فقيل له: فتفعل إلى غير القبلة؟ فرجع عن قوله.
стр. 1118
٣٢ - باب ما جاء في القبلة، ومن لم ير الإعادة على من سها
فصلى إلى غير القبلة
وقد سلم النبي ﷺ في ركعتي الظهر، فأقبل على الناس بوجهه، ثم أتم ما بقي.
خرج فيه ثلاث أحاديث:
الحديث الأول:
قال:
стр. 1119
٤٠٢ - حدثنا عمرو بن عون: ثنا هشيم، عن حميد، عن انس، قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥] ، وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لو أمرت نسائك أن يحتجبن؛ فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النَّبيّ ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنّ﴾ [التحريم:٥] ، فنزلت هذه الآية.
وقال ابن أبي مريم: أبنا يحيى بن أيوب: حدثني حميد، قال: سمعت أنسا -
بهذا.
стр. 1120
هذا الحديث مشهور عن حميد، عن انس، وقد خرجه البخاري - أيضا - في ((التفسير)) من حديث يحيى بن سعيد، عن حميد.
ورواه - أيضا - يزيد بن زريع وابن علية وابن أبي عدي وحماد بن سلمة
وغيرهم، عن حميد، عن انس.
وإنما ذكر البخاري رواية يحيى بن أيوب: حدثني حميد، قال: سمعت أنسا؛ ليبين به أن حميدا سمعه من انس؛ فإن حميدا يروي عن انس كثيرا.
وروي عن حماد بن سلمة، أنه قالَ: أكثر حديث حميد لم يسمعه من انس، إنما سمعه من ثابت، عنه.
وروي عن شعبة، أنه لم يسمع من انس إلا خمسة أحاديث.
وروي عنه، أنه لم يسمع منه إلا بضعة وعشرين حديثا.
وقد سبق القول في تسامح يحيى بن أيوب والمصريين والشاميين في
стр. 1121
لفظة: ((ثنا)) -: كما قاله الإسماعيلي.
وقال علي بن المديني في هذا الحديث: هو من صحيح الحديث.
ولم يخرج مسلم هذا الحديث، إنما خرج من رواية سعيد بن عامر، عن
جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: وافقت ربي في ثلاث: في
الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم.
وقد أعله الحافظ أبو الفضل ابن عمار الشهيد ﵀ بأنه روى عن سعيد بن عامر، عن جويرية، عن رجل، عن نافع، أن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث. فدخل في إسناده رجل مجهول، وصار منقطعا.
وروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن جريج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: سمعت جابرا يحدث عن حجة الوداع، قال: لما طاف النبي ﷺ قال له عمر: هذا مقام إبراهيم؟ قال: ((نعم)) ، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة: ١٢٥] .
وهذا غريب، وهو يدل على أن هذا القول كان في حجة الوداع، وأن
стр. 1122
الآية نزلت بعد ذلك، وهو بعيد جدا، وعبد الوهاب ليس بذاك المتقن.
وقد خالفه الحفاظ، فرووا في حديث حجة الوداع الطويل، عن جعفر بن
محمد، عن أبيه، عن جابر، أن النبي ﷺ أتى إلى المقام، وقرا: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥] ثُمَّ صلى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت.
وروى الوليد بن مسلم عن مالك، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر، قال: لما وقف النبي ﷺ يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم، قال له عمر: يا رسول الله، هذا مقام إبراهيم الذي قال الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة: ١٢٥] ؟ قال: ((نعم)) .
قال الوليد: قلت لمالك: هكذا حدثك؟ قال: نعم.
وقد خرجه النسائي بمعناه.
والوليد، كثير الخطأ -: قاله أبو حاتم وأبو داود وغيرهما.
وذكر فتح مكة فيه غريب أو وهم؛ فإن هذه قطعة من حديث جابر في حجة الوداع.
وقد روي حديث انس، عن عمر من وجه آخر:
خرجه أبو داود الطيالسي: ثنا حماد بن سلمة: ثنا علي بن زيد، عن انس، قال: عمر:
стр. 1123
وافقت ربي في أربع - فذكر الخصال الثلاث المذكورة في حديث حميد، إلا أنه قال في الحجاب: فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ، قال: ونزلت هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ
طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] ، فلما نزلت قلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين، فنزل:
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] .
وقول عمر: ((وافقت ربي في ثلاث)) ، ليس بصيغة حصر، فقد وافق في أكثر من هذه الخصال الثلاث والأربع.
ومما وافق فيه القرآن قبل نزوله: النهي عن الصلاة على المنافقين.
وقوله لليهود: من كان عدوا لجبريل، فنزلت الآية.
وقوله للنبي ﷺ لما اعتزل نساءه ووجد عليهن: يا رسول الله، أن كنت
طلقتهن، فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. قال عمر: وقل ما تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا
стр. 1124
رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، فنزلت آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنّ﴾ [التحريم:٥] الآية.
وقد خرج هذا الأخير مسلم من حديث ابن عباس، عن عمر.
وأما موافقته في النهي عن الصلاة على المنافقين؛ فمخرج في ((الصحيحين)) من حديث ابن عباس، عن عمر - أيضا.
وأما موافقته في قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة:٩٧] ، فرواه: أبو جعفر الرازي، عن حصين بن عبد الرحمان، عن ابن أبي ليلى، عن عمر ورواه: داود، عن الشعبي، عن عمر، وهما منقطعان.
وقد روي موافقته في خصال آخر، وقد عد الحافظ أبو موسى المديني من ذلك اثنتي عشرة خصلة.
وتخريج البخاري لهذا الحديث في هذا الباب: يدل على أنه فسر قوله
стр. 1125
تعالى:
﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥] بالأمر بالصلاة إلى البيت الذي بناه إبراهيم، وهو الكعبة، والأكثرون على خلاف ذلك، كما سبق ذكره.
الحديث الثاني:
قال:
следующие страницы →