← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

لفظة: ((ثنا)) -: كما قاله الإسماعيلي. وقال علي بن المديني في هذا الحديث: هو من صحيح الحديث. ولم يخرج مسلم هذا الحديث، إنما خرج من رواية سعيد بن عامر، عن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم. وقد أعله الحافظ أبو الفضل ابن عمار الشهيد ﵀ بأنه روى عن سعيد بن عامر، عن جويرية، عن رجل، عن نافع، أن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث. فدخل في إسناده رجل مجهول، وصار منقطعا. وروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن جريج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: سمعت جابرا يحدث عن حجة الوداع، قال: لما طاف النبي ﷺ قال له عمر: هذا مقام إبراهيم؟ قال: ((نعم)) ، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة: ١٢٥] . وهذا غريب، وهو يدل على أن هذا القول كان في حجة الوداع، وأن

стр. 1122

الآية نزلت بعد ذلك، وهو بعيد جدا، وعبد الوهاب ليس بذاك المتقن. وقد خالفه الحفاظ، فرووا في حديث حجة الوداع الطويل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أن النبي ﷺ أتى إلى المقام، وقرا: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥] ثُمَّ صلى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت. وروى الوليد بن مسلم عن مالك، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر، قال: لما وقف النبي ﷺ يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم، قال له عمر: يا رسول الله، هذا مقام إبراهيم الذي قال الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة: ١٢٥] ؟ قال: ((نعم)) . قال الوليد: قلت لمالك: هكذا حدثك؟ قال: نعم. وقد خرجه النسائي بمعناه. والوليد، كثير الخطأ -: قاله أبو حاتم وأبو داود وغيرهما. وذكر فتح مكة فيه غريب أو وهم؛ فإن هذه قطعة من حديث جابر في حجة الوداع. وقد روي حديث انس، عن عمر من وجه آخر: خرجه أبو داود الطيالسي: ثنا حماد بن سلمة: ثنا علي بن زيد، عن انس، قال: عمر:

стр. 1123

وافقت ربي في أربع - فذكر الخصال الثلاث المذكورة في حديث حميد، إلا أنه قال في الحجاب: فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ، قال: ونزلت هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] ، فلما نزلت قلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين، فنزل: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] . وقول عمر: ((وافقت ربي في ثلاث)) ، ليس بصيغة حصر، فقد وافق في أكثر من هذه الخصال الثلاث والأربع. ومما وافق فيه القرآن قبل نزوله: النهي عن الصلاة على المنافقين. وقوله لليهود: من كان عدوا لجبريل، فنزلت الآية. وقوله للنبي ﷺ لما اعتزل نساءه ووجد عليهن: يا رسول الله، أن كنت طلقتهن، فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. قال عمر: وقل ما تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا

стр. 1124

رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، فنزلت آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنّ﴾ [التحريم:٥] الآية. وقد خرج هذا الأخير مسلم من حديث ابن عباس، عن عمر. وأما موافقته في النهي عن الصلاة على المنافقين؛ فمخرج في ((الصحيحين)) من حديث ابن عباس، عن عمر - أيضا. وأما موافقته في قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة:٩٧] ، فرواه: أبو جعفر الرازي، عن حصين بن عبد الرحمان، عن ابن أبي ليلى، عن عمر ورواه: داود، عن الشعبي، عن عمر، وهما منقطعان. وقد روي موافقته في خصال آخر، وقد عد الحافظ أبو موسى المديني من ذلك اثنتي عشرة خصلة. وتخريج البخاري لهذا الحديث في هذا الباب: يدل على أنه فسر قوله

стр. 1125

تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥] بالأمر بالصلاة إلى البيت الذي بناه إبراهيم، وهو الكعبة، والأكثرون على خلاف ذلك، كما سبق ذكره. الحديث الثاني: قال:

стр. 1126

٤٠٣ - حدثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: بينا للناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال: أن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. وقد تقدم في حديث البراء أن هذه القصة كانت في صلاة العصر، وفي حديث ابن عمر أنها كانت في صلاة الصبح. وقد قيل: أن أهل قباء لم يبلغهم ذلك إلى الصبح، ومن دونهم إلى المدينة بلغهم في العصر يوم النسخ. وفي هذا بعد، وقد سبق ذكره في الكلام على حديث البراء في ((كتاب: الإيمان)) .

стр. 1127

ومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب: أن من صلى إلى غير القبلة لعذر، مثل أن يظن أن القبلة في جهة فيصلي إليها، ثم تبين له أن جهة القبلة غيرها، إما في الصلاة أو بعد تمامها، فإنه لا إعادة عليه، وأن كان قد صلى إلى غير القبلة سهوا، فإنه استند إلى ما يجوز له الإسناد إليه عند اشتباه القبلة، وهو اجتهاده، وعمل بما أداه اجتهاده إليه، فلا يكون عليه إعادة. كما أن أهل قباء صلوا بعض صلاتهم إلى بيت المقدس، مستصحبين ما أمروا به من استقبال بيت المقدس، ثم تبين لهم أن الفرض تحول إلى الكعبة، فبنوا على صلاتهم وأتموها إلى الكعبة. وهذا هو قول جمهور العلماء، منهم: ابن المسيب، وعطاء، والحسن، والشعبي، والثوري، وابن المبارك، وأبو حنيفة، والشافعي - في القديم -، وأحمد في ظاهر مذهبه، حتى قال أبو بكر عبد العزيز: لا يختلف قوله في ذلك، وهو قول إسحاق والمزني. وقال مالك والأوزاعي: يعيد في الوقت، ولا يعيد بعده. قال ابن عبد البر: وهذا على الاستحباب دون الوجوب. وقال الشافعي - في الجديد -: يجب عليه أن يعيد. وعليه عامة أصحابه، وهو قول المغيرة المخزومي من المالكية، وحكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد. وفرقوا بين هذا وبين أهل قباء، بأن أهل قباء لم يعتمدوا في صلاتهم على اجتهاد يحتمل الخطأ، بل على نص تمسكوا به، والناسخ له لم

стр. 1128

يبلغهم إلا في أثناء الصلاة. فإن قيل: أن النسخ لا يثبت في حقهم إلا بعد بلوغهم، فلم يثبت في حقهم إلا في أثناء صلاتهم، فلذلك بنوا على ما مضى منها. وأن قيل: يثبت في حقهم قبل ذلك، فقد تمسكوا بنص لا يجوز لهم تركه ولا الاجتهاد في خلافه، ولا يلزمهم البحث عن استمراره، فلا ينسبون إلى تفريط، بخلاف المجتهد المخطئ. ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن أهل قباء قد صح أنهم بلغهم ذلك في صلاة الصبح، وقد ثبت بحديث البراء أن القبلة حولت في العصر، وبينهما زمان طويل، في مثله تنتشر الحوادث المهمة الواقعة، ولا سيما مثل هذه الحادثة المتعلقة بالصلاة، فإذا لم ينسبوا ذلك إلى نوع التفريط، فالمجتهد في طلب القبلة بما يسوغ له الاعتماد عليه أولى أن لا ينسب إلى تفريط وتقصير، إذا استفرغ جهده في الاستدلال والطلب، فإن ذلك يقع في الأسفار كثيرا، فالأمر بالإعادة يشق بخلاف الأمر بإعادة صلاة واحدة. هذا حكم من خفيت عليه القبلة واجتهد في طلبها وأخطأ. فإن تعذر الاجتهاد لظلمة ونحوها أو فقدت الأمارات أو تعارضت، وصلى بحسب حاله، ففي الإعادة وجهان لأصحابنا، أصحهما: لا يعيد، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وغيرهما، لأنه شرط عجز عنه فسقط كالطهارة والسترة، وكذا الجاهل بأدلة القبلة، إذا لم يجد من يسأله. ومن أصحابنا من قال: لا إعادة عليه، وجها واحدا. وهذا كله في السفر.

стр. 1129

فأما في الحضر فلو أخطأ فيه القبلة أعاد عند الثوري، واحمد في ظاهر مذهبه. الحديث الثالث:

стр. 1130

٤٠٤ - حدثنا مسدد: ثنا يحيى، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: صلى النبي ﷺ الظهر خمسا، فقالوا: أزيد في الصلاة؟ قال: ((وما ذاك؟)) قالوا: صليت خمسا، فثنى رجليه، فسجد سجدتين. قد بين البخاري في أول الباب وجه الاستدلال بحديث سجود السهو على أن السهو عن استقبال القبلة لا يبطل الصلاة، وهو أن النبي ﷺ سلم من ركعتين في الظهر وأقبل على الناس بوجهه ثم أتم ما بقي، وهذا إشارة منه إلى حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين. وقد خرجه البخاري في ((أبواب سجود السهو)) ، لكن ليس عنده أنه أقبل على الناس بوجهه، وإنما فيه: أنه قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها. وفي ((صحيح مسلم)) أنه أتى جذعا في قبلة المستجد فاستند إليها. وهذا يدل على أنه ولى ظهره إلى القبلة واستقبل الناس بوجهه، إلا أن يكون استند إليها وظهره إلى الناس ووجهه إلى القبلة. وإنما يعرف لفظ: ((ثم أقبل على الناس بوجهه)) في حديث ابن مسعود

стр. 1131

الذي خرجه البخاري هاهنا. وقد خرجه النسائي من طريق شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، ولفظه: أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الظهر، ثم أقبل عليهم بوجهه، فقالوا: أحدث في الصلاة حدث؟ قال: ((وما ذاك؟)) فأخبروه بصنيعه، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، فسجد سجدتين، ثم سلم. ولكن هنا لم يكن قد بقي عليه غير سجدتي السهو، على تقدير أن يكون زاد في الصلاة؛ فإن إبراهيم شك: هل كان زاد فيها أو نقص، كذا في ((صحيح مسلم)) التصريح بأن هذا الشك من إبراهيم. وفي صحيح مسلم - أيضا -، عن عمران بن حصين، قال: سلم رسول الله ﷺ في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبا، فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم. ودخوله الحجرة يلزم منه الانحراف عن القبلة بالكلية؛ لأن الحجرة كانت عن يساره. ومقصود البخاري: أن استدبار القبلة والانحراف عنها في الصَّلاة سهوا عن غير تعمد لا تبطل به الصَّلاة، كما دل عليه حديث سجود

стр. 1132

السهو، وقد نص عليه أحمد وغيره، فيستدل بذلك على أن من صلى إلى غير القبلة عن غير تعمد أنه لا تبطل صلاته بذلك، ولا إعادة عليه، والله أعلم. ورواية النسائي لحديث ابن مسعود يستدل بها على أن من نسي سجود السهو حتى سلم ثم ذكر فإنه يسجد، وأن كان قد صرف وجهه عن قبلته، وهو قول الجمهور، خلافا للحسن وابن سيرين في قولهما: لا يسجد حينئذ. وقصة ذي اليدين يستدل بها على أن كلام الناسي لا يبطل؛ كما هو قول الشافعي، وأحمد في إحدى الروايات عنه. وعلى أن العمل الكثير في الصلاة نسيانا يعفى عنه، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي. واستدل به بعضهم: على أن من سلم من نقصان فإنه يبني على ما مضى من صلاته، وأن طال الفصل، وهو قول الأوزاعي وغيره. وسيأتي ذكر ذلك مفصلا في موضعه - أن شاء الله تعالى.

стр. 1133

٣٣ - باب حك البزاق باليد من المسجد لما ذكر البخاري ﵀ أبواب استقبال القبلة في الصلاة أتبعها بما تصان منه قبلة المصلي التي يصلي إليها، من البصاق ونحوه. وخرج الحديث في هذا الباب ثلاثة أحاديث: الحديث الأول:

стр. 1134

٤٠٥ - حدثنا قتيبة: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس، أن النبي ﷺ رأى نخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رئي ذلك في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: ((إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه - أو أن ربه بينه وبين القبلة -، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلة، ولكن عن يساره أو تحت قدمه)) وثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض، فقال: ((أو يفعل هكذا)) . وخرجه البخاري في موضع آخر من ((كتابه)) من طريق زهير، عن حميد. ولم يخرجه مسلم؛ لما تقدم من قول حماد بن سلمة: أكثر

стр. 1135

ما رواه حميد، عن أنس لم يسمعه منه، إنما سمعه من ثابت. وقد قال ذلك في هذا الحديث بخصوصه، فذكر علي بن المديني، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان حماد بن سلمة يقول: حديث حميد عن انس، أن النبي ﷺ بزق في ثوبه، ثم دلك بعضه ببعض، إنما رواه حميد، عن ثابت، عن أبي حمزة. قال يحيى: ولم يقل شيئا؛ هذا قد رواه قتادة عن أنس. فجعل يحيى القطان رواية قتادة عن أنس لهذا الحديث شاهدة لرواية حميد عن أنس، وأن لم يصرح بسماعه منه، واكتفى بذلك. وتبعه البخاري على ذلك، وقد خرج حديث قتادة عن أنس فيما بعد. وقد أشار البخاري في ((كتاب: الوضوء)) في ((باب: البصاق والمخاط يصيب الثوب)) أن سعيد بن أبي مريم روى هذا الحديث، عن يحيى بن أيوب وعن حميد: سمعت أنسا، فذكره، فصرح فيه بالسماع. وقد تقدم القول في قول يحيى بن أيوب: ((ثنا)) . وهذا الحديث دال على كراهة أن يبصق المصلي في قبلة التي يصلي إليها، سواء كان في مسجد، أو لا، فإن كان مسجد تأكدت الكراهة بأن البزاق في المسجد خطيئة، كما يأتي الحديث بذلك في بابه، فإن كان

стр. 1136

في قبلة المسجد كان اشد كراهة. وقد أمر النبي ﷺ ببناء المساجد في الدور: أن تنظف وتطيب، وسنذكره في موضع آخر - أن شاء الله. وقد فسر قول الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] : ببنائها وتطهيرها وتنزيهها عما لا يليق بها. وفي الحديث: نهى المصلي أن يبزق وهو في الصلاة قبل قبلته بكل حال، وليس فيه التصريح بالنهي عن أن يبزاق عن يمينه، وورد التصريح به في أحاديث آخر، وهو يفهم من أمره بأن يبزق عن يساره أو تحت قدمه أو في طرف ردائه. وذكر اليسار وتحت القدم بلفظه، والبصاق في طرف ردائه بينه بفعله وفكان دليلا على طهارة البزاق، وهو رد على من قال بنجاسته، كما سبق ذكره في ((أبواب: الوضوء)) ودليلا على أن تلويث طرف الثوب بالبزاق لحاجة إليه ليس مما ينبغي استقذاره والتنزه منه؛ فلهذا بينه بالفعل مع القول. وفي هذا الحديث: أنه حكه بيده، فيحتمل أنه أراد أنه باشر ذلك

стр. 1137

بنفسه، ولم يوله غيره من أصحابه، وبهذا فسره الإسماعيلي، ويحتمل أنه أراد أنه باشر حكه بيده من غير حائل حكه به. وتبويب البخاري يدل على هذا؛ ولهذا بوب بعده: ((باب: حك المخاط بالحصى من المسجد)) . وقد روى عائد بن حبيب، عن حميد، عن انس، أن النبي ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فجاءته امرأة من الأنصار، فحكتها، وجعلت مكانها خلوقا، فقال رسول الله ﷺ : ((ما أحسن هذا)) . خرجه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة في ((صحيحه)) . وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله - يعني: أحمد - ذكر عائد بن حبيب، فأحسن الثناء عليه. قلت له: روى عن حميد عن انس - فذكر له الحديث -؟ فقال: قد روى الناس هذا على غير هذا الوجه. يشير إلى رواية حميد التي خرجها البخاري؛ فإنها مخالفة لرواية عائد في حكه بيده، وليس فيها ذكر الخلوق، لكنها زيادة لم تنفها رواية البخاري ولم تثبتها. وصرح بعض أصحابنا بوجوب حك النخامة عن حائط المسجد، وباستحباب تخليق موضعها.

стр. 1138

وإنما يكره البصاق إلى القبلة في الصلاة أو المسجد، فإما من بصق إلى القبلة في غير مسجد فلا يكره له ذلك. وقد سبق ذكره في ((باب: استقبال القبلة بالغائط والبول)) . وقوله ﷺ ((أن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه، أو أن ربه بينه وبين القبلة)) يدل على قرب الله تعالى من المصلي في حال صلاته، وقد تكاثرت النصوص بذلك، قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩] . وفي ((صحيح مسلم)) ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء)) . وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) من حديث الحارث الأشعري، عن النبي، قال: ((أن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات، أن يعمل بهن، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن)) - فذكر الحديث -، وفيه: ((وآمركم بالصلاة؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا)) . وصححه

стр. 1139

الترمذي. وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في ((صحيحه)) من حديث أبي ذر، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه)) . وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا صلى أحدكم فلا يلتفت؛ فإنه يناجي ربه، أن ربه أمامه، وإنه يناجيه. قال عطاء: وبلغنا أن الرب يقول: ((يا بن آدم إلى من تلتفت، أنا خير لك ممن تلتفت إليه)) . وقد رواه إبراهيم بن يزيد وعمر بن قيس، عن عطاء، عن أبي هريرة - مرفوعا كله. ورواية ابن جريج أصح -: قاله العقيلي وغيره. وكأن مقصود النبي ﷺ بذكر هذا: أن يستشعر المصلي في صلاته قرب الله منه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وانه مناج له وانه يسمع كلامه ويرد عليه جواب مناجاته له. كما في ((صحيح مسلم)) ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : ((أن العبد إذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله:

стр. 1140

حمدني عبدي)) - وذكر رده عليه في آيات الفاتحة إلى آخرها. فمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه، وخشوعه له، وتأدبه في وقوفه بين يديه، فلا يلتفت إلى غيره بقلبه ولا ببدنه، ولا يعبث وهو واقف بين يديه، ولا يبصق أمامه، فيصير في عبادته في مقام الإحسان، يعبد الله كأنه يراه، كما فسر النبي ﷺ الإحسان بذلك في سؤال جبريل ﵇ له، وقد سبق حديثه في ((كتاب: الإيمان)) . وخرج النسائي من حديث ابن عمر، قال: أخذ النبي ﷺ ببعض جسدي، فقال: ((أعبد الله كأنك تراه)) . وقد كان ابن عمر قبل هذه الوصية وامتثلها، فكان يستحضر في جميع أعماله وعباداته قرب الله منه واطلاعه عليه. وكان عروة بن الزبير قد لقيه مرة في الطواف بالبيت فخطب إليه ابنته سودة، فسكت ابن عمر ولم يرد عليه شيئا، ثم لقيه بعد ذلك بعدما تقدم المدينة، فاعتذر له عن سكوته عنه، بأنا كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا. وقد أخبر الله تعالى بقربه ممن دعاه، وإجابته له، فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] .

стр. 1141

وقد روي في سبب نزولها: أن أعرابيا قال: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:

стр. 1142

١٨٦] . خرجه ابن جرير وابن أبي حاتم. وروي عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن عوف، عن الحسن، قال: سأل أصحاب رسول الله ﷺ : أين ربنا؟ فأنزل الله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] . وروى عبد بن حميد بإسناده، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قَالَ: نزلت هذه الآية: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ، قالوا: كيف لنا به أن نلقاه حتى ندعوه؟ فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ، فقالوا: صدق ربنا، هو بكل مكان. وقد خرج البخاري في ((الدعوات)) حديث أبي موسى، أنهم رفعوا أصواتهم بالتكبير، فقال لهم النبي ﷺ : ((إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا،

стр. 1143

إنكم تدعون سميعا قريبا)) . وفي رواية: ((أنه أقرب إليكم من أعناق رواحلكم)) . ولم يكن أصحاب النبي ﷺ يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها، يستفيدون بذلك معرفة عظمة الله وجلاله، وإطلاعه على عباده وإحاطته بهم، وقربه من عابديه، وإجابته لدعائهم، فيزدادون به خشية لله وتعظيما وإجلالا ومهابة ومراقبة واستحياء، ويعبدونه كأنهم يرونه. ثم حدث بعدهم من قل ورعه، وساء فهمه وقصده، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره، وأراد أن يري الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر، فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان، كما يحكى ذلك عن طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة ﵃، وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقد حذر النبي ﷺ أمته منهم في حديث عائشة الصحيح المتفق عليه. وتعلقوا - أيضا - بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

стр. 1144

[الحديد:٤] وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ، فقال من قال من علماء السلف حينئذ: إنما أراد أنه معهم بعلمه، وقصدوا بذلك إبطال ما قاله أولئك، مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن. وممن قال: أن هذه المعية بالعلم مقاتل بن حيان، وروي عنه أنه رواه عن عكرمة، عن ابن عباس. وقاله الضحاك، قال: الله فوق عرشه، وعلمه بكل مكان. وروي نحوه عن مالك وعبد العزيز الماجشون والثوري واحمد وإسحاق وغيرهم من أئمة السلف. وروى الإمام أحمد: ثنا عبد الله بن نافع، قال: قال مالك: الله في السماء، وعلمه بكل مكان. وروي هذا المعنى عن علي وابن مسعود - أيضا. وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠] ، قال: علمه بالناس. وحكى ابن عبد البر وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] أن المراد علمه. وكل هذا قصدوا به رد قول من قال: أنه تعالى بذاته في كل مكان.

стр. 1145

وزعم بعض من تحذلق أن ما قاله هؤلاء الأئمة خطأ؛ لأن علم الله صفة لا تفارق ذاته، وهذا سوء ظن منه بأئمة الإسلام؛ فإنهم لم يريدوا ما ظنه بهم، وإنما أرادوا أن علم الله متعلق بما في الأمكنة كلها ففيها معلوماته، لا صفة ذاته، كما وقعت الإشارة في القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [طه:٩٨] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر:٧] وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] . وقال حرب: سألت إسحاق عن قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] ؟ قال: حيث ما كنت هو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه. وروى عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب مر بقاص، وقد رفعوا أيديهم، فقال: ويلكم! أن ربكم أقرب مما ترفعون، وهو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد.

стр. 1146

وخرجه أبو نعيم، وعنده: أن المار والقائل بذلك هو ابن عمر. وخطب عمر بن عبد العزيز، فذكر في خطبته: أن الله أقرب إلى عباده من حبل الوريد. وكان مجاهد حاضرا يسمع، فأعجبه حسن كلام عمر. وهذا كله يدل على أن قرب الله من خلقه شامل لهم، وقربه من أهل طاعته فيه مزيد خصوصية، كما أن معيته مع عباده عامة حتى ممن عصاه؛ قالَ تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء:١٠٨] ، ومعيته مع أهل طاعته خاصة لهم، فهوَ سبحانه مع الذين اتقوا ومع الذين هم محسنون. وقال لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] وقال موسى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] وقال في حق محمد وصاحبه ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] . ولهذا قال النبي ﷺ لأبي بكر في الغار: ((ما ظنك بأثنين الله ثالثهما)) . فهذه معية خاصة غير قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] الآية، فالمعية العامة تقتضي التحذير من علمه وإطلاعه وقدرته وبطشه وانتقامه. والمعية الخاصة تقتضي حسن الظن بإجابته ورضاه وحفظه وصيانته، فكذلك القرب. وليس هذا القرب كقرب الخلق المعهود منهم،

стр. 1147

كما ظنه من ظنه من أهل الضلال، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين، كما أن الموصوف به ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . وهكذا القول في أحاديث النزول إلى سماء الدنيا فإنه من نوع قرب الرب من داعيه وسائليه ومستغفريه. وقد سئل عنه حماد بن زيد فقال: هو في مكانه يقرب من خلقه كما يشاء. ومراده أن نزوله ليس هو انتقال من مكان إلى مكان كنزول المخلوقين. وقال حنبل: سألت أبا عبد الله: ينزل الله إلى سماء الدنيا؟ قالَ: نعم. قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ قال: اسكت عن هذا، مالك ولهذا؟ أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، إلا بما جاءت به الآثار، وجاء به الكتاب، قال الله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] ينزل كيف يشاء، بعلمه وقدرته وعظمته، أحاط بكل شيء علما، لا يبلغ قدره واصف، ولا ينأى عنه هرب هارب، . ومراده: أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوقين، بل هو نزول يليق بقدرته وعظمته وعلمه المحيط بكل شيء، والمخلوقون لا يحيطون به علما، وإنما ينتهون إلى ما أخبرهم به عن نفسه، أو أخبر به عنه رسوله. فلهذا اتفق السلف الصالح على إمرار هذه النصوص كما جاءت من

стр. 1148

غير زيادة ولا نقص، وما أشكل فهمه منها، وقصر العقل عن إدراكه وكل إلى عالمه. الحديث الثاني:

стр. 1149

٤٠٦ - حدثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ رأى بصاقا في جدار القبلة فحكه، ثم أقبل على الناس، فقال: ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه؛ فإن الله قبل وجهه إذا صلى)) . الحديث الثالث:

стр. 1150

٤٠٧ - ثنا عبد الله بن يوسف: ثنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ رأى في جدار القبلة مخاطا - أو بصاقا، أو نخامة - فحكه. قد ذكرنا في الكلام على حديث انس ما يكون شرحا لهذين الحديثين، فلا حاجة إلى إعادته.

стр. 1151

٣٤ - باب حك المخاط بالحصى من المسجد وقال ابن عباس: أن وطئت على قذر رطب فاغسله، وأن كان يابسا فلا. روى وكيع في ((كتابه)) عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن وثاب، قال: قلت لابن عباس: أتوضأ ثم أمشي إلى المسجد حافيا؟ قال: صل، لا بأس به، إلا أن يصيبك نتن رطب فتغسله. قال: وثنا أصحابنا، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: لقد رأيتنا وما نتوضأ من موطئ إلا أن يكون رطبا فنغسل أثره. ومعنى هذا: أن من كان حافيا فوطئ على نجاسة يابسة لم تعلق برجله فإنه يصلي ولا يغسل رجليه، وأن أصابه نجاسة رطبة غسلها. وروي هذا المعنى عن كثير من التابعين، منهم: الحسن والشعبي وعطاء والنخعي، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري والشافعي

стр. 1152

واحمد، ولا نعلم عن أحد من العلماء خلاف ذلك. وأما أن كان ماشيا في نعل أو خف فأصاب أسفله نجاسة، فقد سبق ذكر الاختلاف في وجوب غسله والاكتفاء بمسحه ودلكه بالتراب. ولعل البخاري إنما أدخل هذه المسألة في هذا الباب؛ ليستدل بها على طهارة المخاط والنخامة والبصاق؛ فإنه لو كان نجسا لوجب غسله من حائط المسجد، ولم يكتف بمسحه بالحصى. قال البخاري ﵀:

стр. 1153

٤٠٨، ٤٠٩ - ثنا موسى بن إسماعيل: ثنا إبراهيم بن سعد: أبنا ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمان، أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه، أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة فحكها، فقال: ((إذا تنخم أحدكم فلا يتخمن قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى)) . والظاهر: أن مراد البخاري بهذا الحديث في هذا الباب: أنه يجوز حك النخامة بحصاة من المسجد؛ فإن الظاهر يدل على أنه تناول من المسجد حصاة وحك بها ما في قبلته. وقد يكون ذكره لقول ابن عباس في اليابس أنه لا يغسله من رجله، ثم يدخل ويصلي به؛ ليبين به: أن ما يصيب تراب المسجد وحصاه من اليابسات المستقذرة لا تجب صيانتها

стр. 1154

عنه، كما أن النبي ﷺ حك النخامة اليابسة بحصاة من حصى المسجد، فكذلك ما يصيب الأرجل من اليابسات المستقذرة لا تصان المساجد عنه، بل يدخل الحافي، ويصلي بها في المساجد، وكذلك المتنعل يصلي في نعليه - كما تقدم -، وقد يكون فيهما طين أو غير ذلك من الأعيان المستقذرة، ولا تستحب صيانة المساجد عن ذلك.

стр. 1155

٣٥ - باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة خرج فيه حديثين: الأول:

стр. 1156

٤١٠، ٤١١ - حديث: أبي هريرة وأبي سعيد الذي خرجه في الباب الماضي، خرجه من طريق عقيل، عن الزهري، ولفظه مثل لفظه، إلا أنه قال: ((في حائط المسجد)) والثاني: قال:

стр. 1157

٤١٢ - ثنا حفص بن عمر: ثنا شعبة: أخبرني قتادة، قال: سمعت أنسا، قال: قال النبي ﷺ : ((لا يتفلن أحدكم بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، أو تحت رجله)) . وليس في لفظ الحديثين تخصيص ذلك بالصلاة، كما بوب عليه، ولكن هو في رواية أخرى لحديث أنس ذكرها في الباب الآتي. وقد يفهم من تبويب البخاري اختصاص كراهة البصاق عن اليمين بحال الصلاة، وهو قول المالكية، كما سنذكره فيما بعد - أن شاء الله. والأكثرون على خلاف ذلك. قال معاذ: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت.

стр. 1158

خرجه ابن سعد. وروي كراهته عن ابن مسعود وابن سيرين. قال أحمد في رواية مهنا: يكره أن يبزق الرجل عن يمينه في الصلاة، وفي غير الصلاة؛ لأن عن يمينه ملك الحسنات. يشير إلى حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبزق عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكا)) . وقد خرجه البخاري فيما بعد. وخرج أبي داود هذه اللفظة من حديث أبي سعيد، عن النبي ﷺ . وخرج الطبراني بإسناد ضعيف، عن أبي أمامة، قال: قام النبي ﷺ ، فاستفتح الصلاة، فرأى نخامة في القبلة، فخلع نعله، ثم مشى إليها فحتها، يفعل ذلك ثلاث مرات، فلما قضى صلاته أقبل على الناس، فقال: ((أن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يقوم بين يدي الله مستقبل ربه ﵎، وملكه عن يمينه، وقرينه عن يساره، فلا يتفلن أحدكم بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، وتحت قدمه اليسرى، ثم ليعرك فليشدد عركه، فإنما يعرك أذني الشيطان)) . وروى وكيع في ((كتابه)) عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة،

стр. 1159

قال: المصلي لا يبزق في القبلة، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه كاتب الحسنات، ولكن عن شماله، أو خلف ظهره. وقد قالَ كثير من السلف في قول الله : ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] : أن الذي عن اليمين كاتب الحسنات، والذي عن الشمال كاتب السيئات، منهم: الحسن، والأحنف بن قيس، ومجاهد، وابن جريج، والإمام أحمد. وزاد ابن جريج، قال: أن قعد فأحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وأن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه، وأن رقد فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه. وعلى هذا، فقد يخلو اليمين عن الملك إذا مشى أو رقد. وحديث أبي أمامة فيه أن الذي على الشمال هو القرين. يريد به: الشيطان الموكل بالعبد، كما في ((صحيح مسلم)) عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ ، قال: ((ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة)) . قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: ((وإياي، ولكن الله أعانني عليه، فلا يأمرني إلا بخير)) . وقد ورد في حديث خرجه الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري - مرفوعاً -: ((أن القرين هو كاتب السيئات)) . وإسناده شامي ضعيف.

стр. 1160

٣٦ - باب ليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى فيه حديثان: أحدهما:
следующие страницы →