← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

القرآن، كما روى البخاري في ((التفسير)) من رواية الشعبي، عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ آية الربا. وفي ((الصحيحين)) عن جابر، أنه سمع النبي ﷺ عام الفتح وهو بمكة يقول: ((أن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)) . وخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: ((يا أيها الناس، إن الله يعرض بالخمر، ولعل الله سينزل فيها أمرا، فمن كان عنده منها شيء فليبيعه ولينتفع به)) . قال: فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال: ((أن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع)) . قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة فسفكوها. وهذا نص في تحريم بيعها مع تحريم شربها. والثاني: أن آيات الربا ليس فيها ذكر الخمر، فكيف ذكر تحريم التجارة في الخمر مع تحريم الربا؟ ويجاب عن ذلك: بأن مراد عائشة: أن النبي ﷺ أخبر بتحريم التجارة في الخمر مع الربا، وأن كان قد سبق ذكر تحريم بيع الخمر. وقد روى حجاج بن أرطاة - حديث عائشة -، عن الأعمش بإسناد البخاري، ولفظه: لما نزلت الآيات التي في سورة البقرة نهى رسول الله ﷺ عن الخمر والربا.

стр. 1437

وإنما أراد النبي ﷺ والله أعلم - بتحريم التجارة في الخمر مع الربا ليعلم بذلك أن الربا الذي حرمه الله يشمل جميع أكل المال مما حرمه الله من المعاوضات، كما قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٥] ، فما كان بيعا فهو حلال، وما لم يكن بيعا فهو ربا حرام: أي: هو زيادة على البيع الذي أحله الله. فدخل في تحريم الربا جميع أكل المال بالمعاوضات الباطلة المحرمة، مثل ربا الفضل فيما حرم فيه التفاضل، وربا النساء فيما حرم فيه النسأ، ومثل أثمان الأعيان المحرمة، كالخمر والميتة والخنزير والأصنام، ومثل قبول الهدية على الشفاعة، ومثل العقود الباطلة، كبيع الملامسة والمنابذة، وبيع حبل الحبلة، وبيع الغرر، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، والمخابرة، والسلف فيما لا يجوز السلف فيه. وكلام الصحابة في تسمية ذلك ربا كثير، وقد قالوا: القبالات ربا، وفي النجش أنه ربا، وفي الصفقتين في الصفقة أنه ربا، وفي بيع الثمرة قبل صلاحها أنه ربا. وروي: أن غبن المسترسل ربا، وأن كل قرض جر نفعا فهو ربا. وقال ابن مسعود: الربا ثلاثة وسبعون بابا.

стр. 1438

وخرجه ابن ماجه والحاكم عنه مرفوعا. وخرج الإمام أحمد وابن ماجه، أن عمر قال: من آخر ما نزل آية الربا، وأن رسول الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة. يشير عمر إلى أن أنواع الربا كثيرة، وأن من المشتبهات ما لا يتحقق دخوله في الربا الذي حرمه الله، فما رابكم منه فدعوه. وفي ((صحيح مسلم)) عن عمر، أنه قال: ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا. وبعض البيوع المنهي عنها نهي عنها سدا لذريعة الربا، كالمحاقلة، والمزابنة، وكذلك قيل في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، وعن بيعتين في بيعة، وعن ربح ما لم يضمن، وبسط هذا موضعه ((البيوع)) . وإنما أشرنا هنا إلى ما يبين كثرة أنواع أبواب الربا، وأنها تشمل جميع المعاوضات المحرمة، فلذلك لما نزل تحريم الربا نهى النبي ﷺ عن الربا، وعن بيع الخمر؛ ليبين أن جميع ما نهى عن بيعه داخل في الربا المنهي عنه. والله أعلم.

стр. 1439

٧٤ - باب الخدم للمسجد وقال ابن عباس ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ [آل عمران:٣٥] : للمسجد يخدمها. هذا من رواية عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقاله - أيضا -: مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والربيع بن أنس وغيرهم. وقال قتادة والربيع وغيرهما: كانوا يحررون الذكور من أولادهم للكنيسة يخدمها، فكانت تظن أن ما في بطنها ذكرا، فلما وضعت أنثى اعتذرت من ذلك إلى الله، وقالت: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦] ؛ لأن الأنثى لا تقوى على ما يقوى عليه الذكر من الخدمة، ولا تستطيع أن تلازم المسجد في حيضها ومع الله، فقال الله : ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران:٣٧]- يعني: أن الله قبل نذرها، وأن كان أنثى؛ فإنه أعلم بما وضعت، وهذا كان في دين بني إسرائيل. وقد ذكر طائفة من المفسرين: أن هذا كان شرعا لهم، وأن شرعنا غير موافق له. وخالفهم آخرون:

стр. 1440

قال القاضي أبو يعلى في ((كتاب أحكام القرآن)) : هذا النذر صحيح في شريعتنا، فإنه إذا نذر الإنسان أن ينشئ ولده الصغير على عبادة الله وطاعته، وأن يعلمه القرآن والفقه وعلوم الدين صح النذر. وهذا الذي قاله حق؛ فقد قال النبي ﷺ : ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) ، فلو نذر أحد أن يخدم مسجداً لله لزمه الوفاء بذلك مع القدرة، وأما إن نذر أن يجعل ولده لله ملازما لمسجد يخدمه ويتعبد فيه، فلا يبعد أن يلزمه الوفاء بذلك، فإنه نذر طاعة فيلزمه أن يجرد ولده لما نذره له، ويجب على الولد طاعة أبيه إذا أمره بطاعة الله . وقد نص الإمام أحمد على أن الكافرين إذا جعلا ولدهما الصغير مسلما صار مسلما بذلك. ولو وقف عبده على خدمة الكعبة صح -: نص عليه أحمد - أيضا. ونص في عبد موقوف على خدمة الكعبة أنه إذا أبى أن يخدم بيع واشترى بثمنه عبد يخدم مكانه. وروى سعيد بن سالم القداح، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، أن معاوية أخدم الكعبة عبيدا بعث بهم إليها، ثم اتبعت ذلك الولاة بعده. خرجه الأزرقي.

стр. 1441

قال البخاري:

стр. 1442

٤٦٠ - حدثنا أحمد بن واقد: ثنا حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن أمرأة - أو رجلا - كانت تقم المسجد - ولا أراه إلا أمرأة - فذكر حديث النبي ﷺ أنه صلى على قبرها. وقد سبق الحديث قريبا بتمامه مع الكلام عليه. وإنما خرج هاهنا منه ما يدخل في هذا الباب، وهو: أن هذه المرأة كانت تقم المسجد، وتقوم بخدمته وتنظيفه وإخراج القمامة منه.

стр. 1443

٧٥، ٧٦ - باب الأسير والغريم يربط إلى سارية المسجد فيه حديثان: أحدهما: قال:

стр. 1444

٤٦١ - ثنا اسحاق بن إبراهيم: ثنا روح ومحمد بن جعفر، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((أن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة)) - أو كلمة نحوها - ((ليقطع علي الصلاة، فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] )) . قال روح: ((فرده خاسئا)) .

стр. 1445

والثاني: قال:

стр. 1446

٤٦٢ - ثنا عبد الله بن يوسف: ثنا الليث: حدثني سعيد بن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة قال: بعث النبي ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ ، فقال: ((أطلقوا ثمامة)) ، فان طلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. دل هذان الحديثان: على ربط الأسير إلى سارية من سواري المسجد؛ فإن النبي ﷺ لم يكن في زمانه سجن يسجن فيه الأسارى، ولهذا لما ندم أبو لبابة على ما قال لبني قريظة ربط نفسه بسارية من سواري المسجد. وفي بعض نسخ ((كتاب البخاري)) في هذا الباب زيادة: وكان شريح يأمر بالغريم أن يحبس إلى سارية المسجد. وروي ذلك عن علي - أيضا -: قال يعقوب بن شيبة: ثنا عبيد بن يعيش: ثنا صيفي بن ربعي الأنصاري، عن أبيه: حدثني مشيخة الحي، أن عليا استعمل رجلا على عمل، فأتاه، فسأله عن المال، فلم يرفع إليه ما أراد. قال: فشده على أسطوانة من أساطين المسجد، فقال: أد مال الله.

стр. 1447

وربط الأسير، أن كان من الكفار فربطه من مصالح الدين، وقد أمر الله تعالى به بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد:٤] . وإن كان من المسلمين على دين له أو حق ليخرج منه فهو من مصالح المسلمين المحتاج إليها، لحفظ أموالهم واستيفاء حقوقهم، وهو من جنس القضاء في المسجد، وأمر الخصوم بإنصاف بعضهم لبعض، والخروج من الحقوق اللازمة لبعضهم بعضا، وقد سبق أن القضاء في المسجد جائز. وهم النبي ﷺ بربط الشيطان هو من عقوبات العصاة المتمردين المتعرضين لإفساد الدين، وليس من جنس إقامة الحدود بالضرب والقطع حتى تصان عنه المساجد، إنما هو حبس مجرد، فهو كحبس الأسارى من الكفار. وبقية فوائد الحديثين تذكر في مواضع أخر - إن شاء الله تعالى.

стр. 1448

٧٧ - باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم

стр. 1449

٤٦٣ - حدثنا زكريا بن يحيى: ثنا عبد الله بن نمير: ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أصيب سعد يوم الخندق في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلم يرعهم - وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما، فمات فيها. في الحديث: دليل على جواز ضرب الخيام في المسجد؛ فإنه كان فيه خيمة لبني غفار، وضرب النبي ﷺ خيمة لسعد بن معاذ لما رمي بسهم في أكحله يوم الخندق، وقصد بذلك أن يعوده من قرب؛ فإن منزله كان فيه بعد عن المسجد. وقد كان النبي ﷺ يضرب له قبة في اعتكافه في المسجد، وأزواجه معه، وقد كان للأمة السوداء حفش أو خباء في المسجد كما سبق، وروي أن النبي ﷺ أنزل وفد ثقيف في قبة في المسجد. وقد اختلف العلماء في ذلك: فكره أحمد للمعتكف أن يضرب خيمة ونحوها في المسجد، إلا لشدة البرد، ورخص فيه إسحاق

стр. 1450

إذا كان قصده أن يصون المسجد عما يكون منه من حدث أو سقوط شيء من طعامه في المسجد -: نقله عنهما إسحاق بن منصور في ((مسائله)) . ومن رخص في ضرب الأخبية ونحوها في المساجد - كما دلت عليه الأحاديث في هذا الباب - قال: هي لا تتأبد، فلا تكون ممنوعة، بخلاف ما يتأبد كالغراس والبناء، فإنه لا يجوز. وقد نص أحمد على منع الغراس في المساجد، وهو قول مالك: وقال أصحاب الشافعي: يكره. وحكي جوازه عن الأوزاعي.

стр. 1451

٧٨ - باب إدخال البعير في المسجد للعلة وقال ابن عباس: طاف النبي ﷺ على بعير.

стр. 1452

٤٦٤ - حدثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي. قال: ((طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة)) ، فطفت ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت، يقرا بالطور وكتاب مسطور. حديث ابن عباس في طواف النبي ﷺ على بعير، قد خرجه البخاري في ((كتاب: الحج)) مع حديث أم سلمة هذا في ((باب: طواف المريض راكبا)) . وبوب على الحديثين هاهنا: ((إدخال البعير في المسجد للعلة)) - يعني: لحاجة إلى إدخاله، مثل أن يطوف عليه في مرضه. وقد جاء في رواية أخرى في هذا الحديث: أن النبي ﷺ أمر أم سلمة أن تطوف على بعيرها. وإدخال ما يوكل لحمه من الحيوانات إلى المساجد ينبني على حكم بولها وروثها: فمن قال: أنه طاهر أجازه، ولم يكرهه للحاجة إليه.

стр. 1453

وقد استدل أصحابنا وأصحاب مالك بهذه الأحاديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وقالوا: لو كان بول البعير نجسا لم يدخل المسجد. وقد خرج البخاري في ((كتاب: العلم)) حديث قدوم ضمان بن ثعلبة ودخوله المسجد وعقله بعيره فيه، والنبي ﷺ متكئ في المسجد. ومن قال: أنه نجس كره دخولها، وقد صرح به أصحاب الشافعي، وقالوا: إنما طاف النبي ﷺ على بعيره لبيان الجواز. وهذا مردود بأمره أم سلمة بالطواف راكبة، وبإقراره ضماما على عقل بعيره في المسجد. وأما ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات، فيكره إدخاله المسجد بغير خلاف، وقد نص عليه مالك في الكلاب وجوارح الطير، ورخص أحمد في غلق المساجد؛ لئلا تدخلها الكلاب. وقد روي عن عمر، أنه نهى عن الطواف بالبيت راكبا على فرس ونحوها. فروى سفيان: عن عمرو بن دينار، قال: طاف رجل بالبيت على فرس، فمنعوه، فقال: أتمنعوني؟ فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر: أن امنعوه. وإنما منع عمر من ذلك مبالغة في صيانة المسجد؛ ولئلا يؤذي الراكب الماشين في الطواف. والله أعلم.

стр. 1454

٧٩ - باب

стр. 1455

٤٦٥ - حدثنا محمد بن المثنى: ثنا معاذ بن هشام: ثنا أبي، عن قتادة: ثنا أنس، أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة، ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله. وخرج في ((المناقب)) من رواية همام: ثنا قتادة، عن أنس، أن رجلين خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فإذا نور بين أيديهما، حتى تفرقا فتفرق النور معهما. قال البخاري: وقال معمر، عن ثابت، عن أنس، أن أسيد بن حضير ورجلا من الأنصار. وقال حماد: أبنا ثابت، عن أنس: كان أسيد بن حضير وعباد بن بشر عند النبي ﷺ . وهاتان الروايتان المعلقتان ليستا على شرطه؛ لأن روايات معمر عن ثابت رديئة -: قاله ابن معين وابن المديني وغيرهما؛ فلذلك لا

стр. 1456

يخرج البخاري منها شيئا، وحماد بن سلمة لم يخرج له شيئا استقلالا. وفي رواية حماد بن سلمة: أن هما كانا عند النبي ﷺ وتحدثا عنده في ليلة ظلماء حندس، ثم خرجا من عنده. فيحتمل أنهما كانا عنده في المسجد، وأنهما كانا عنده في بيته: فإن كان اجتماعهما به في المسجد فإنه يستفاد من الحديث أن المشي إلى المساجد والرجوع منها في الليالي المظلمة ثوابه النور من الله ، وذلك يظهر في الآخرة عيانا، وأما في الدنيا فقد يستكن النور في القلوب، وقد يظهر أحيانا كرامة لمن أراد الله كرامته ولم يرد فتنته. وإن اجتماعهما عند النبي ﷺ في بيته، فإنه يستنبط منه فضيلة الذهاب إلى المساجد والرجوع منها في الظلم – أيضا -؛ فإنه أفضل

стр. 1457

ما مشى إليه المسلمون في الدنيا، فيلتحق بالمشي إلى النبي ﷺ في حياته ذهابا إليه ورجوعا من عنده. وإنما اقتصر البخاري على هذا الحديث في هذا الباب؛ لأن الأحاديث الصريحة فِي تبشير المشائين إلى المساجد فِي الظلم بالنور التام يوم القيامة ليس شيء مِنْهَا عَلَى شرطه، وإن كانت قد رويت من وجوه كثيرة. ولكن يستدل - أيضا - لفضيلة المشي إلى المساجد في الظلم بما في ((الصحيحين)) من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا)) . ويستدل - أيضا - بحديث أنس الذي خرجه البخاري هاهنا على جواز الاستضاءة في الرجوع من المسجد في الليالي المظلمة. وقد ورد حديث أصرح من هذا: خرجه الإمام أحمد من رواية فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، عن أبي سلمة، سمع أبا سعيد الخدري، قال: هاجت السماء ليلة، فلما خرج النبي ﷺ لصلاة العشاء الآخرة برقت برقة، فرأى قتادة بن النعمان، فقال: ((ما السرى يا قتادة؟)) قال: علمت أن شاهد الصلاة قليل، فأحببت أن أشهدها. قال: ((فإذا صليت فاثبت حتى أمر بك)) ، فلما انصرف أعطاه عرجونا، وقال: ((خذ هذا يستضيء لك أمامك عشرا وخلفك عشرا)) - وذكر حديثا فيه طول. وهذا إسناد جيد.

стр. 1458

وقد كان السلف يختارون المشي إلى صلاة العشاء والصبح في غير ضوء. وروي عن سعيد بن المسيب، أنه قال لقوم معهم ضوء يمشون به إلى المساجد: ضوء الله خير من ضوئكم. ولما ولى عمر بن عبد العزيز أبا بكر بن حزم إمرة المدينة مع قضائها أرسل إلى عمر يطلب منه شمعا كان للأمراء قبله يمشون به إلى المسجد في الليل، فأرسل إليه عمر ﵀ يعاتبه على ذلك، ويأمره أن يفعل كما كان يفعل من قبل ولايته، ويمشي إلى المسجد في الظلمة، وإن ذلك خيرا له. وقال النخعي: كانوا يرون أن المشي في الليلة الظلماء إلى الصلاة موجبة. يعني: توجب المغفرة. وروينا عن الحسن، قال: أهل التوحيد في النار لا يقيدون، فتقول الخزنة بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء لا يقيدون وهؤلاء يقيدون؟ فيناديهم مناد: إن هؤلاء كانوا يمشون في ظلم الليل إلى المساجد. وقد كان بعض المتقدمين يمشي بين يديه الشيطان في الليل إلى المسجد بضوء، فمنهم من يفطن لذلك فلم يغتر به، ومنهم من قل علمه فاغتر وافتتن بذلك؛ فإن جنس هذه الخوارق يخشى منها الفتنة، إلا لمن قوي إيمانه ورسخ في العلم قدمه، وميز بين حقها وباطلها. والحق منها فتنة - أيضا -؛ فإنه شبيه بالقدرة والسلطان الذي يعجز عنه كثير من الناس، فالوقوف معه والعجب به مهلك، وقد اتفق على ذلك مشايخ العارفين الصادقين، كما ذكره عنهم أبو طالب المكي في كتابه ((قوت القلوب)) ،

стр. 1459

وأنهم رأوا الزهد فيه كما آثروا الزهد في الملك والسلطان والرياسة والشهرة؛ فإن ذلك كله فتنة ووبال على صاحبه، إلا لمن شكر عليه وتواضع فيه وخشي من الافتتان به. وقد اخبر الله تعالى عن سليمان ﵇ أنه لما رأى عرش ملكة سبأ عنده قال: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠] . وقد قيل: إن مراد البخاري بهذا الباب، وتخريج هذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ كان يصلي في مسجده بالليل في الظلمة، من غير سراج ولا ضوء، ولهذا خرجا من عنده ومعهما مثل المصباحين، وهذا يدل على أن هذا الضوء صحبهما من قبل مفارقته من المسجد، فلو كان في المسجد مصباح لما احتاجا إلى الضوء إلا بعد خروجهما. وهذا حق - أعني: صلاة النبي ﷺ وأصحابه في المسجد في غير مصباح -، وقد اخبر أنس أنه رأى بريق خاتم النبي ﷺ الذي في يده من فضة في الليل، وهذا إنما يكون في الظلمة. وقيل: أن أول من أسرج مسجد المدينة تميم الداري في عهد عمر. وكان تميما اخذ الإيقاد في المساجد مما عرفه بالشام من إيقاد المسجد الأقصى. وقد روى عن النبي ﷺ أنه أمر بإرسال زيت إلى المسجد الأقصى يسرج في قناديله، وقال: أن ذلك يقوم مقام الصلاة فيه.

стр. 1460

وقد أبو داود. وفي إسناده نظر. وفي ((سنن ابن ماجه)) بإسناد ضعيف، عن أبي سعيد الخدري، قال: أول من أسرج المساجد تميم الداري. والمراد به: المساجد في الإسلام.

стр. 1461

٨٠ - باب الخوخة والممر في المسجد

стр. 1462

٤٦٦ - حدثنا محمد بن سنان: ثنا فليح: ثنا أبو النضر، عن عبيد بن حنين، عن بسر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدري، قال: خطب النبي ﷺ ، فقال: ((أن الله خير عبدا بَيْن الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله)) ، فبكى أبو بكر، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله ، فكان رسول الله ﷺ هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال: ((يا أبا بكر، لا تبك، أن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر)) .

стр. 1463

٤٦٧ - حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي: ثنا وهب بن جرير: ثنا أبي، قال: سمعت يعلي بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذا من الناس

стр. 1464

خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر ﵁)) . حديث أبي سعيد، قد رواه - أيضا - مالك، عن أبي النضر. وخرجه البخاري من طريقه في موضع أخر، وخرجه مسلم من طريق مالك وفليح - أيضا. وإنما خرج لفليح متابعة، ولم يخرج حديث ابن عباس؛ فإنه لا يخرج لعكرمة إلا متابعة - أيضا -، وحديث ابن عباس إنما يرويه عنه عكرمة. وقد روى بعضه أيوب، عن عكرمة، وخرجه البخاري في موضع أخر. هذه الخطبة التي خطبها النبي ﷺ في هذا اليوم كانت أخر خطبة خطبها على المنبر، فعرض فيها باختياره لقاء الله على المقام في الدنيا، واخبر أنه أعطى مفاتيح خزائن الدنيا، وخير بين أن يبقى ما شاء الله وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه، ولكنه لم يصرح بتخييره، واختار في نفسه وإنما قال: ((إن عبدا خير)) ، فلم يتفطن لذلك احد غير أبي بكر الصديق، وكان أبو بَكْر أعلمهم برسول الله ﷺ وأفهمهم عنه، وهذا من الفهم في العلم الذي يخص الله به من شاء من عباده.

стр. 1465

وذكر في هذه الخطبة تخصيص أبي بكر من بين الصحابة كلهم بالفضل، وأومأ إلى خلافته بفتح بابه إلى المسجد، وسد أبواب الناس كلهم، ففي ذلك إشارة إلى أنه هو القائم بالإمامة بعده، فإن الإمام يحتاج إلى استطراق المسجد، وذلك من مصالح المصلين فيه. وفي هذه الخطبة وصى بالأنصار، وأمر من يلي الأمر بالإحسان إليهم، وفيه إشارة إلى أنه ليس لهم من الأمر شيء، كما ظنه من قال منهم للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير. وفي هذه الخطبة اخبر عن نفسه ﷺ أنه فرط لهم على الحوض - يعني: أنه سابق لهم إلى الحوض -، وهو ينتظرهم عنده، فهو الموعد بينه وبينهم، وحذر من الاغترار بزهرة الدنيا، والركون اليها؛ فإنه كان قد أعطى خزائنها فاختار لقاء ربه قبل ذلك، وفتحت بعده على أمته. وهذا كله ثابت عنه ﷺ ، وقد خرج البخاري في ((كتابه)) هذا، فبعضه من حديث أبي سعيد، وبعضه من حديث عقبة بن عامر، وبعضه من حديث ابن عباس، وبعضه من حديث أنس. وروى - أيضا - أنه ﷺ وصى في تلك الخطبة بتنفيذ جيش أسامة، وذكر فضله، ووصى به خيرا.

стр. 1466

ونحن نذكر هذه الأحاديث هاهنا. فأما حديث أبي سعيد: فقد خرجه البخاري ها هنا، وفي غير موضع، وخرجه مسلم - أيضا. وخرج الإمام أحمد وابن حبان في ((صحيحه)) من رواية أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه، وهو معصوب الرأس، فاتبعه حتى قام على المنبر، فقال: ((إني الساعة قائم على الحوض)) ، ثم قال: ((إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة)) . قال: فلم يفطن لها أحد من القوم إلا أبو بكر، فقال: بأبي وأمي، بل نفديك بأموالنا وأنفسنا. قال: ثم هبط من المنبر، فما رئي عليه حتى الساعة. وأما حديث عقبة بن عامر: فخرجه البخاري في ((غزوة أحد)) من رواية أبي الخير، عن عقبة، قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى احد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر، فقال: ((إني بين أيديكم فرط، وأنا شهيد عليكم، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها)) .

стр. 1467

قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ . وخرجه مسلم - أيضا -، وعنده: قال عقبة: فكانت أخر ما رأيت رسول الله على المنبر. وتوديعه للأحياء والأموات: هو أنه صلى على الموتى واستغفر لهم وهنأهم بما هم فيه من سبقهم للفتن. وتوديعه للأحياء: هو نصيحتهم وتحذيرهم من الاغترار بالدنيا، وإيماؤه إلى أنه منتقل عنهم إلى الآخرة، وأنه سابق لهم إلى الحوض، فهو موعدهم. وقد كان ﷺ أتى أهل البقيع بالليل فاستغفر لهم، ثم ذهب إلى شهداء احد بالنهار فاستغفر لهم، ثم رجع فخطب هذه الخطبة، وودع الأحياء. ففي ((المسند)) عن أبي مويهبة، أن رسول الله ﷺ خرج ليلة إلى البقيع فاستغفر لأهل البقيع، وقال: ((ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس، أقبلت الفتن - كقطع الليل المظلم، يتبع بعضها بعضا، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى)) ، ثم قال: ((يا أبا مويهبة إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي، فاخترت لقاء ربي والجنة)) . ثم انصرف، فابتدأه وجعه الذي

стр. 1468

قبضه الله فيه. وذكر ابن سعد بإسناده عن زيد بن أسلم، قال: أمر رسول الله ﷺ ثلاث مرات، كل مرة يقال له: صل على أهل البقيع، فيفعل ذلك، وقال: ((اللهم اغفر لأهل البقيع)) ، ثم أمر أن يأتي الشهداء، فذهب إلى أحد، فصلى على قتلى أحد، فرجع معصوب الرأس، فكان بدء الوجع الذي مات فيه ﷺ . وأما حديث ابن عباس: فقد خرجه البخاري هاهنا. وخرج في ((المناقب)) - أيضا - من حديث عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ خرج وعليه ملحفة متعطفا بها، وعليه عصابة برد دسماء حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ((أما بعد، أيها الناس، فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا آو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم)) . وخرجه ابن سعد في ((طبقاته)) ، وزاد فيه: ((وكان آخر مجلس جلسه حتى قبض ﷺ )) . وأما حديث أنس: فخرجه البخاري في ((المناقب)) من حديث هشام بن زيد، عن أنس، قال: خرج النبي ﷺ قد عصب على رأسه حاشية برد

стр. 1469

فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم -، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أوصيكم بالأنصار؛ فأنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم)) . وأما أمره ﷺ بتجهيز جيش أسامة: فقد خرجه ابن سعد بإسناد فيه ضعف عن عروة - مرسلا -، قال: كان رسول الله ﷺ قد بعث أسامة وأمره أن يوطئ الخيل نحو البلقاء حيث قتل أبوه وجعفر، فجعل أسامة وأصاحبه يتجهزون، وقد عسكر بالجرف، فاشتكى رسول الله ﷺ وهو على ذلك، ثم وجد من نفسه راحة، فخرج عاصبا رأسه، فقال: ((أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة)) - ثلاث مرات -، ثم دخل النبي ﷺ فاستعز به، فتوفي ﷺ . وقد خرجا في ((الصحيحين)) من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ أثنى على أسامة ووصى به، وقال: ((أنه لخليق بالإمارة)) . وقوله ﷺ : ((إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر)) . قال الخطابي: معنى قوله: ((أمن)) ، أي: أبذل لنفسه وأعطى لماله، والمن: العطاء من غير استثابة، ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ [ص:٣٩] وقوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] أي: لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت، ولم يرد به المنة؛ فإنها تفسد الصنيعة، ولا منة لأحد على رسول الله ﷺ ، بل له المنة على جميع

стр. 1470

الأمة. وأما قوله ﷺ : ((لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا)) يدل على أن مقام الخلة أفضل من مقام المحبة؛ فإنه ﷺ كان يحب أبا بكر وقد نفى عنه الخلة، والله تعالى يحب أنبياءه ورسله كلهم، ولم يخص بالخلة غير محمد وإبراهيم صلى الله عليهما. وفي ((صحيح مسلم)) ، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ ، قال: ((ألا إني أبرأ إلى كل خل من خلته، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، وإن صاحبكم خليل الله)) . وفي رواية له - أيضا -: ((لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا)) . وخرج مسلم - أيضا - من حديث جندب بن عبد الله: سمعت النبي ﷺ قبل موته بخمس يقول: ((قد كان لي منكم أخلاء وأصدقاء، وإني أبرأ إلى كل ذي خلة من خلتة، ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا)) . والظاهر: أن جندب سمع النبي ﷺ يقول ذلك في خطبته هذه، فإن كان كذلك فلعل خطبته ﷺ كانت يوم الأربعاء؛ فإنه توفي يوم الاثنين، واشتد وجعه يوم الخميس، كما قال ذلك ابن عباس، فالظاهر أنه لم يخرج

стр. 1471

فيه إلى الناس، أو لعله أعاد هذا القول في بيته فسمعه جندب، وهذا أظهر - والله أعلم -؛ فإن خطبة النبي ﷺ هذه كانت في ابتداء مرضه، وكانت مدة مرضه فوق عشرة أيام. والله أعلم. وقد أشار ﷺ إلى سبب براءته من خلة المخلوقين، وهو أن الله اتخذه خليلا لنفسه كما اتخذ إبراهيم خليلا، ومن كان خليلا لله فلا يصلح له أن يخالل بشرا. ومن هنا قيل: إن إبراهيم ﵇ إنما أمر بذبح ولده إسماعيل لتفريغ قلبه من محبته وشدة تعلقه به، حيث وهب له على الكبر، فلما بادر إلى اضطجاعه وإخراجه من قلبه امتثالا لأمر الله وطاعته أسقط عنه ذبحه بعد ذلك؛ لأنه لم يكن المقصود إراقة دمه، بل تفريغ محل الخلة منه، حتى لا تزاحم خلة الواحد الأحد محبة الولد. والخلة: هي المحبة المبالغة المخللة لمسالك الروح من القلب والجسد، كما قيل. قد تخللت مسلك الروح مني … وبهذا سمي الخليل خليلا وهذا لا يصح لغير الله، وإنما يصلح للمخلوق المحبة، وهي درجة دون الخلة، فلهذا اقتصر ﷺ في حق الصديق على الأخوة

стр. 1472

والمودة، وهي أخوة الإسلام المشار إليها في حديث ابن عباس الذي خرجه هاهنا. وقد خرجه في ((المناقب)) من حديث أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، وفيه: ((ولكن أخوة الإسلام أفضل)) . ولعل هذه الرواية أصح، وأيوب يقدم على يعلى بن حكيم في الحفظ والضبط. وكان أبو بكر مقدما على سائر الرجال في المحبة من النبي ﷺ ؛ ولهذا لما سأله عمرو بن العاص عن أحب الناس إليه؟ قال: ((عائشة)) قال: ((فمن الرجال؟ قال: ((أبوها)) . وقال عمر لأبي بكر يوم السقيفة: أنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ . وقوله: ((سدوا عني كل باب في المسجد، إلا باب أبي بكر)) ، وفي حديث ابن عباس: ((كل خوخة)) . قال الخطابي: الخوخة: بويب صغير. قال: وفي أمره ﷺ بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد غير بابه اختصاص شديد له، وأنه أفرده بأمر لا يشاركه فيه أحد، وأول ما يصرف التأويل فيه الخلافة، وقد أكد الدلالة عليها بأمره إياه بإمامة الصلاة التي لها بني المسجد، ولأجلها يدخل إليه من أبوابه. قال: ولا أعلم دليلا في إثبات القياس والرد على نفاته أقوى من

стр. 1473

إجماع الصحابة ﵃ على استخلاف أبي بكر؛ مستدلين في ذلك باستخلاف النبي ﷺ إياه في أعظم أمور الدين وهو الصلاة، وإقامته إياه فيها مقام نفسه، فقاسوا عليها سائر أمور الدين. انتهى. وأشار بإجماع الصحابة في ذلك إلى ما روى ابن مسعود، قال: لما قبض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. قال: فأتاهم عمر، فقال: يا معاشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر. خرجه الإمام أحمد، وعلي بن المديني، وقال: هو صحيح، والحاكم، وقال: هُوَ صحيح الإسناد. وقد روي هذا المعنى عن طائفة من الصحابة، منهم: علي والزبير وأبو عبيدة بن الجراح، ﵃ أجمعين. وقد دل أمر النبي ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد على منع إحداث الاستطراق إلى المساجد من البيوت؛ فإن ذلك نفع يختص به صاحب الاستطراق، فلا يجوز في المساجد كما لا يجوز الاستطراق إلى أملاك الناس بغير إذنهم. وهذا بخلاف وضع الخشب على جدار المسجد، فإن فيه عن الإمام أحمد روايتين؛ لأن هذا النفع يجوز عنده في ملك الجار بغير إذنه، بخلاف الاستطراق إلى ملك الجار، فإنه غير

стр. 1474

جائز. واستثنى من ذلك الإمام ومن يتبعه؛ فإن استطراقه إلى المسجد فيه نفع يعود بمصلحة المصلين عموما، فكان النبي ﷺ في حياته يستطرق إلى المسجد هو وآل بيته تبعا له، ولهذا روي أنه أمر بسد الأبواب غير باب علي، كما خرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما من وجوه. فلما انقضت مدته ﷺ من الدنيا سد الأبواب كلها إلى المسجد غير باب أبي بكر؛ لأنه الإمام بعده، واستطراقه إلى المسجد من بيته فيه نفع عام يعود على المصلين كلهم. والله أعلم.

стр. 1475

٨١ - باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد وقال لي عبد الله بن محمد: ثنا سفيان، عن ابن جريج، قال: قال لي ابن أبي مليكة: يا عبد الملك، لو رأيت مساجد ابن عباس وأبوابها. هذا الأثر رواه الإمام أحمد، عن ابن عيينة. قال يعقوب بن بختان: سئل أبو عبد الله - يعني: أحمد - عن المسجد يجعل له أبواب؟ فلم ير به بأسا، وقال: ثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، قال: قال لي ابن أبي مليكة: لو رأيت مساجد ابن عباس وأبوابها. وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المسجد يغلق بابه؟ قال: إذا خاف أن يدخله كلب او صبيان. وقال في رواية مهنا: ينبغي أن تجنب الصبيان المساجد. وقال أصحاب الشافعي: لا بأس بإغلاق المسجد في غير وقت الصلاة؛ لصيانته أو حفظ آلاته. قال بعضهم: هذا إذا خيف امتهانه وضياع ما فيه، ولم تدع إلى فتحه حاجة، فأما إذا لم يخف من فتحه مفسدة ولا انتهاك حرمة، وكان فيه
следующие страницы →