← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

فيه إلى الناس، أو لعله أعاد هذا القول في بيته فسمعه جندب، وهذا أظهر - والله أعلم -؛ فإن خطبة النبي ﷺ هذه كانت في ابتداء مرضه، وكانت مدة مرضه فوق عشرة أيام. والله أعلم. وقد أشار ﷺ إلى سبب براءته من خلة المخلوقين، وهو أن الله اتخذه خليلا لنفسه كما اتخذ إبراهيم خليلا، ومن كان خليلا لله فلا يصلح له أن يخالل بشرا. ومن هنا قيل: إن إبراهيم ﵇ إنما أمر بذبح ولده إسماعيل لتفريغ قلبه من محبته وشدة تعلقه به، حيث وهب له على الكبر، فلما بادر إلى اضطجاعه وإخراجه من قلبه امتثالا لأمر الله وطاعته أسقط عنه ذبحه بعد ذلك؛ لأنه لم يكن المقصود إراقة دمه، بل تفريغ محل الخلة منه، حتى لا تزاحم خلة الواحد الأحد محبة الولد. والخلة: هي المحبة المبالغة المخللة لمسالك الروح من القلب والجسد، كما قيل. قد تخللت مسلك الروح مني … وبهذا سمي الخليل خليلا وهذا لا يصح لغير الله، وإنما يصلح للمخلوق المحبة، وهي درجة دون الخلة، فلهذا اقتصر ﷺ في حق الصديق على الأخوة

стр. 1472

والمودة، وهي أخوة الإسلام المشار إليها في حديث ابن عباس الذي خرجه هاهنا. وقد خرجه في ((المناقب)) من حديث أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، وفيه: ((ولكن أخوة الإسلام أفضل)) . ولعل هذه الرواية أصح، وأيوب يقدم على يعلى بن حكيم في الحفظ والضبط. وكان أبو بكر مقدما على سائر الرجال في المحبة من النبي ﷺ ؛ ولهذا لما سأله عمرو بن العاص عن أحب الناس إليه؟ قال: ((عائشة)) قال: ((فمن الرجال؟ قال: ((أبوها)) . وقال عمر لأبي بكر يوم السقيفة: أنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ . وقوله: ((سدوا عني كل باب في المسجد، إلا باب أبي بكر)) ، وفي حديث ابن عباس: ((كل خوخة)) . قال الخطابي: الخوخة: بويب صغير. قال: وفي أمره ﷺ بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد غير بابه اختصاص شديد له، وأنه أفرده بأمر لا يشاركه فيه أحد، وأول ما يصرف التأويل فيه الخلافة، وقد أكد الدلالة عليها بأمره إياه بإمامة الصلاة التي لها بني المسجد، ولأجلها يدخل إليه من أبوابه. قال: ولا أعلم دليلا في إثبات القياس والرد على نفاته أقوى من

стр. 1473

إجماع الصحابة ﵃ على استخلاف أبي بكر؛ مستدلين في ذلك باستخلاف النبي ﷺ إياه في أعظم أمور الدين وهو الصلاة، وإقامته إياه فيها مقام نفسه، فقاسوا عليها سائر أمور الدين. انتهى. وأشار بإجماع الصحابة في ذلك إلى ما روى ابن مسعود، قال: لما قبض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. قال: فأتاهم عمر، فقال: يا معاشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر. خرجه الإمام أحمد، وعلي بن المديني، وقال: هو صحيح، والحاكم، وقال: هُوَ صحيح الإسناد. وقد روي هذا المعنى عن طائفة من الصحابة، منهم: علي والزبير وأبو عبيدة بن الجراح، ﵃ أجمعين. وقد دل أمر النبي ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد على منع إحداث الاستطراق إلى المساجد من البيوت؛ فإن ذلك نفع يختص به صاحب الاستطراق، فلا يجوز في المساجد كما لا يجوز الاستطراق إلى أملاك الناس بغير إذنهم. وهذا بخلاف وضع الخشب على جدار المسجد، فإن فيه عن الإمام أحمد روايتين؛ لأن هذا النفع يجوز عنده في ملك الجار بغير إذنه، بخلاف الاستطراق إلى ملك الجار، فإنه غير

стр. 1474

جائز. واستثنى من ذلك الإمام ومن يتبعه؛ فإن استطراقه إلى المسجد فيه نفع يعود بمصلحة المصلين عموما، فكان النبي ﷺ في حياته يستطرق إلى المسجد هو وآل بيته تبعا له، ولهذا روي أنه أمر بسد الأبواب غير باب علي، كما خرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما من وجوه. فلما انقضت مدته ﷺ من الدنيا سد الأبواب كلها إلى المسجد غير باب أبي بكر؛ لأنه الإمام بعده، واستطراقه إلى المسجد من بيته فيه نفع عام يعود على المصلين كلهم. والله أعلم.

стр. 1475

٨١ - باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد وقال لي عبد الله بن محمد: ثنا سفيان، عن ابن جريج، قال: قال لي ابن أبي مليكة: يا عبد الملك، لو رأيت مساجد ابن عباس وأبوابها. هذا الأثر رواه الإمام أحمد، عن ابن عيينة. قال يعقوب بن بختان: سئل أبو عبد الله - يعني: أحمد - عن المسجد يجعل له أبواب؟ فلم ير به بأسا، وقال: ثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، قال: قال لي ابن أبي مليكة: لو رأيت مساجد ابن عباس وأبوابها. وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المسجد يغلق بابه؟ قال: إذا خاف أن يدخله كلب او صبيان. وقال في رواية مهنا: ينبغي أن تجنب الصبيان المساجد. وقال أصحاب الشافعي: لا بأس بإغلاق المسجد في غير وقت الصلاة؛ لصيانته أو حفظ آلاته. قال بعضهم: هذا إذا خيف امتهانه وضياع ما فيه، ولم تدع إلى فتحه حاجة، فأما إذا لم يخف من فتحه مفسدة ولا انتهاك حرمة، وكان فيه

стр. 1476

رفق بالناس، فالسنة فتحه، كما لم يغلق مسجد النبي ﷺ في زمنه ولا بعده. وقالوا: يكره إدخال المجانين والصبيان - الذين لا يميزون - المساجد، ولا يحرم ذلك؛ فإن النبي ﷺ صلى وهو حامل أمامة، وفعله لبيان الجواز. وقال أصحاب مالك: إذا كان الصبي يعبث فلا يؤت به المسجد، وإن كان لا يعبث ويكف إن نهي فجائز. قالوا: وإن أتى أباه وهو في الصلاة المكتوبة نحاه عن نفسه، ولا بأس بتركه في النافلة. وخرج ابن ماجه بإسناد ضعيف، عن واثلة مرفوعا: ((جنبوا مساجدنا صبيانكم، ومجانينكم)) . وروي عن بعض السلف أن أول ما استنكر من أمر الدين لعب الصبيان في المساجد. واختلف الحنفية في إغلاق المساجد في غير أوقات الصلوات: فمنهم من كرهه؛ لما فيه من المنع من العبادات. ومنهم من أجازه؛ لصيانته وحفظ ما فيه. قال البخاري ﵀:

стр. 1477

٤٦٨ - ثنا أبو النعمان وقتيبة بن سعيد، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قدم مكة، فدعا عثمان بن طلحة ففتح الباب، فدخل النبي ﷺ وبلال وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة، ثم أغلق الباب، فلبث فيه ساعة، ثم خرجوا. قال ابن عمر: فبدرت فسألت بلالا، فقال: صلى فيه، فقلت في أي؟ قال: بين الأسطوانتين. قال ابن عمر: فذهب علي أن أساله: كم صلى؟ هذا الحديث يدل على أن الكعبة كان لها باب يغلق عليهم ويفتح، ولم يزل ذلك في الجاهلية والإسلام، وقد أقر النبي ﷺ أمرها على ما كانت عليه، ودفع مفتاح الكعبة إلى عثمان بن

стр. 1478

طلحة، وأقره بيده على ما كان. وفي ((المسند)) أن النبي ﷺ أمر عائشة أن تطلب من شيبة أن يفتح لها الكعبة ليلا، فأتى النبي ﷺ ، قال: والله ما فتحته بليل في جاهلية ولا في إسلام، فقال: ((فانظر ما كنت تصنع فافعله، ولا تفتحه)) وأمر عائشة أن تصلي في الحجر. وقد روي عن ابن جريج وغيره، أن أول من جعل للكعبة بابا يغلق وكساها كسوة كاملة تبع. وذكر ابن إسحاق أن ذلك بلغه عن غير واحد من أهل العلم -: ذكره الأزرقي في ((أخبار مكة)) . ولكن الكعبة لا تقاس بها سائر المساجد في صيانتها

стр. 1479

واحترامها؛ فإن سائر المساجد إنما تراد ليعبد الله فيها، فإغلاقها لغير حاجة يمنع من المقصود منها، وأما الكعبة فالعبادة حولها لا فيها؛ فإن أخص العبادات منها الطواف، وإنما يطاف حولها ثم الصلاة، وإنما يصلى إليها. وقد اختلف العلماء في الصلاة فيها كما سبق ذكره، وكذلك الاعتكاف، فإغلاقها لا يمنع حصول المقصود منها من عبادة الله حولها. وأما غلق المسجد الحرام المبني حولها، فحكمه حكم غلق سائر المساجد أو أشد؛ لما فيه من منع الطواف الذي لا يتمكن منه في غير ذلك المسجد، بخلاف غلق سائر المساجد؛ فإنه لا يتعذر بإغلاقها الصلاة؛ فإن الأرض كلها مسجد. والله أعلم.

стр. 1480

٨٢ - باب دخول المشرك المسجد

стр. 1481

٤٦٩ - حدثنا قتيبة: ثنا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة يقول: بعث رسول الله ﷺ بخيل قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد. قد سبق هذا الحديث بأتم من هذا السياق في ((باب: الأسير يربط في المسجد)) ، وفيه: أن ثمامة حين ربط كان مشركا، وأنه إنما أسلم بعد إطلاقه. وفي هذا: دليل على جواز إدخال المشرك إلى المسجد، لكن بإذن المسلمين. وقد أنزل النبي ﷺ وفد ثقيف في المسجد؛ ليكون أرق لقلوبهم. خرجه أبو داود من رواية الحسن، عن عثمان بن أبي العاص. وروى وكيع، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن، قال: إن وفدا

стр. 1482

قدموا على النبي ﷺ من ثقيف، فدخلوا عليه المسجد، فقيل له: إنهم مشركون؟ قال: ((الأرض لا ينجسها شيء)) . وخرجه أبو داود في ((المراسيل)) من رواية أشعث، عن الحسن، أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فضرب لهم قبة في مؤخرة المسجد؛ لينظروا صلاة المسلمين، إلى ركوعهم، وسجودهم، فقيل: يا رسول الله، أتنزلهم المسجد وهم مشركون؟ قال: ((أن الأرض لا تنجس، إنما ينجس ابن آدم)) . وكذلك سائر وفود العرب ونصارى نجران، كلهم كانوا يدخلون المسجد إلى النبي ﷺ ويجلسون فيه عنده. ولما قدم مشركو قريش في فداء أسارى بدر كانوا يبيتون في المسجد. وقد روى ذلك الشافعي بإسناد له. وقد خرج البخاري حديث جبير بن مطعم - وكان ممن قدم في فداء الاسارى -، أنه سمع النبي ﷺ يقرا في المغرب بالطور. قال: وكان ذلك أول ما وقر الأيمان في قلبي. وخرج البخاري فيما سبق في ((كتاب: العلم)) حديث دخول ضمام بن ثعلبة المسجد، وعقله بعيره فيه، وسؤاله النبي ﷺ عن الإسلام، ثم أسلم عقب ذلك. وروى أبو داود في المراسيل بإسناد عن الزهري، قال: اخبرني

стр. 1483

سعيد بن المسيب، أن أبا سفيان كان يدخل المسجد بالمدينة وهو كافر، غير أن ذلك لا يصلح في المسجد الحرام؛ لما قَالَ الله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] وقد اختلف أهل العلم منهم في دخول الكافر المسجد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وحكي رواية عن أحمد، رجحها طائفة من أصحابنا. قال أصحاب الشافعي: وليس له أن يدخل المسجد إلا بأذن المسلم. ووافقهم طائفة من أصحابنا على ذلك. وقال بعضهم: لا يجوز للمسلم أن يأذن فيه إلا لمصلحة من سماع قرآن، أو رجاء إسلام، أو إصلاح شيء ونحو ذلك، فأما لمجرد الأكل واللبث والاستراحة فلا. ومن أصحابنا: من أطلق الجواز، ولم يقيده بإذن المسلم. وهذا كله في مساجد الحل، فأما المسجد الحرام فلا يجوز للمسلمين الإذن في دخوله للكافر، بل لا يمكن الكافر من دخول الحرم بالكلية عند الشافعي وأحمد وأصحابهما. واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] ، وكان النبي ﷺ أمر مناديا ينادي: ((لا يحج بعد العام مشرك)) . وأجازه أبو حنيفة وأصحابه.

стр. 1484

فأما مسجد المدينة، فالمشهور عندنا وعند الشافعية أن حكمه حكم مساجد الحل. ولأصحابنا وجه: أنه ملحق بالمسجد الحرام؛ لأن المدينة حرم، وحكي عن ابن حامد، وقاله القاضي أبو يعلى في بعض كتبه. وهذا بعيد؛ فإن الأحاديث الدالة على الجواز إنما وردت في مسجد المدينة بخصوصه، فكيف يمنع منه ويخص الجواز بغيره؟ وقالت طائفة: لا يجوز تمكين الكافر من دخول المساجد بحال، وهذا هو المروي عن الصحابة، منهم: عمر، وعلي، وأبو موسى الأشعري، وعن عمر بن عبد العزيز، وهو قول مالك، والمنصوص عن أحمد، قال: لا يدخلون المسجد ولا ينبغي لهم أن يدخلوهم. واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ﴾ [البقرة:١١٤] . وظاهره: يدل على أن الكفار لا يمكنون من دخول المساجد، فإن دخلوا أخيفوا وعوقبوا، فيكونون في حال دخولهم خائفين من عقوبة المسلمين لهم. وقد روي عن علي، أنه كان على المنبر فبصر بمجوسي، فنزل وضربه وأخرجه. خرجه الأثرم.

стр. 1485

وعلى هذا القول، فأحاديث الرخصة قد تحمل على أن ذلك قبل النهي عنه، أو أن ذلك كان جائزا حيث كان يحتاج إلى تألف قلوبهم، وقد زال ذلك. وفرقت طائفة بَيْن أهل الذمة وبين أهل الحرب، فقالوا: يجوز إدخال أهل الذمة دون أهل الحرب، وروي عن جابر بن عبد الله وقتادة. وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] قال: إلا أن يكون عبدا أو أحداً من أهل الذمة. وقد روى مرفوعا من رواية شريك: ثنا أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا يدخل مسجدنا هذا مشرك بعد عامنا هذا، غير أهل الكتاب وخدمهم)) . خرجه الإمام أحمد. وفي رواية له: ((غير أهل العهد وخدمهم)) . وأشعث بن سوار، ضعيف الحديث. وقد خص بعض أصحابنا حكاية الخلاف المحكي عن أحمد في المسألة بأهل الذمة.

стр. 1486

٨٣ - باب رفع الصوت في المسجد خرج فيه حديثين: الحديث الأول: موقوف:

стр. 1487

٤٧٠ - ثنا علي بن المديني: ثنا يحيى بن سعيد القطان: ثنا الجعيد بن عبد الرحمن: ثنا يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، قال: كنت قائما في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين. قال: فجئته بهما، فقال: من أنتما - ومن أين أنتما؟ - قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ! إنما فرق عمر بين أهل المدينة وغيرها في هذا؛ لأن أهل المدينة لا يخفى عليهم حرمة مسجد رسول الله ﷺ وتعظيمه، بخلاف من لم يكن من أهلها؛ فإنه قد يخفى عليه مثل هذا القدر من احترام المسجد، فعفى عنه بجهله. ولعل البخاري يرى هذا القبيل من المسند - أعني: إذا أخبر الصحابي عن شهرة أمر وتقريره، وأنه مما لا يخفى على أهل مدينة النبي ﷺ ، وأن

стр. 1488

ذلك يكون كرفعه. ويشبه هذا: ما قال الفقهاء: أن من ارتكب حدا كالزنا ونحوه ممن نشأ في بادية بعيدة عن الإسلام، وادعى الجهل بتحريمه، فإنه لا يقام عليه ويعذر بذلك، بخلاف من نشأ ببلاد الإسلام. وفيه: أن التنبيه في المسجد بالحصب بالحصى جائز، وقد كان ابن عمر إذا رأى من يصلي ولا يرفع يديه حصبه بالحصى. وكذلك إذا رأى من يتكلم والإمام يخطب. وفي هذه الرواية: ((كنت قائما في المسجد)) ، كذا هو في كثير من نسخ ((صحيح البخاري)) ، وقد خرجه البيهقي في سننه، وقرأته بخطه من رواية أبي خليفة، عن علي بن المديني، وفيه: ((كنت نائما)) بالنون. وقد خرجه الإسماعيلي في مسند عمر من طرق، وعنده: أنه قال: كنت مضطجعا وهذه صريحة في النوم، ولم ينكر عليه عمر نومه في المسجد. وخرجه الإسماعيلي - أيضا - من رواية حاتم - هو: ابن إسماعيل -، عن الجعيد، عن السائب - لم يذكر بينهما: ((يزيد بن خصيفة)) . وأشار إلى ترجيح هذه الرواية على رواية القطان وفي قوله نظر. والجعيد - ويقال: الجعد - بن عبد الرحمن بن أوس، وينسب تارة إلى جده. وقد وقع في بعض

стр. 1489

روايات هذا الحديث تسميه: ((الجعد)) ، وفي بعضها تسميته: ((الجعد بن أوس)) ، وهو رجل واحد، فلا يتوهمن غير ذلك. وقد روي هذا عن عمر من وجه آخر: خرجه الإسماعيلي في مسند عمر من طريق عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، أن رجلا من ثقيف أخبره، أن عمر بن الخطاب سمع ضحك رجل في المسجد، فأرسل إليه، فدعاه، فقال: ممن أنت؟ فقال: أنا رجل من أهل الطائف، فقال: أما إنك لو كنت من أهل البلد لنكلت بك، أن مسجدنا هذا لا يرفع فيه صوت. وقد روي في حديث واثلة المرفوع: ((جنبوا مساجدكم خصوماتكم ورفع أصواتكم)) . خرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف جدا. وروي عن ابن مسعود، أنه كان يكره أن ترفع الأصوات في المسجد. وقد سبق. ورفع الأصوات في المسجد على وجهين: أحدهما: أن يكون بذكر الله وقراءة القرآن والمواعظ وتعليم العلم وتعليمه، فما كان من ذلك لحاجة عموم أهل المسجد إليه، مثل الأذان والإقامة

стр. 1490

وقراءة الإمام في الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، فهذا كله حسن مأمور به. وقد كان النبي ﷺ إذا خطب علا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش، يقول: ((صبحكم ومساكم)) ، وكان إذا قرأ في الصلاة بالناس تسمع قراءته خارج المسجد، وكان بلال يؤذن بين يديه ويقيم في يوم الجمعة في المسجد. وقد كره بعض علماء المالكية في مسجد المدينة خاصة لمن بعد النبي ﷺ أن يزيد في رفع صوته في الخطب والمواعظ على حاجة إسماع الحاضرين، تأدبا مع النبي ﷺ ؛ لأنه ﷺ حاضر يسمع ذلك، فيلزم التأدب معه، كما لو كان حيا. وما لا حاجة إلى الجهر فيه، فإن كان فيه أذى لغيره ممن يشتغل بالطاعات كمن يصلي لنفسه ويجهر بقراءته، حتى يغلط من يقرأ إلى جانبه أن يصلي، فإنه منهي عنه. وقد خرج النبي ﷺ ليلة على أصحابه وهم يصلون في المسجد ويجهرون بالقراءة، فقال: ((كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن. وفي رواية: ((فلا يؤذ بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة. خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي سعيد. وكذلك رفع الصوت بالعلم زائدا على الحاجة مكروه عند أكثر العلماء، وقد سبق ذكره مستوفى في أوائل ((كتاب: العلم))

стр. 1491

في باب رفع الصوت بالعلم. الوجه الثاني: رفع الصوت بالاختصام ونحوه من أمور الدنيا، فهذا هو الذي نهى عنه عمر وغيره من الصحابة. ويشبه: إنشاد الضالة في المسجد، وفي صحيح مسلم، عن النبي ﷺ كراهته والزجر عنه، من رواية أبي هريرة وبريدة. وأشد منه كراهة: رفع الصوت بالخصام بالباطل في أمور الدين؛ فإن الله ذم الجدال في الله بغير علم، والجدال بالباطل، فإذا وقع ذلك في المسجد ورفعت الأصوات به تضاعف قبحه وتحريمه. وقد كره مالك رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره. ورخص أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك في رفع الصوت في المسجد بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس؛ لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه. وهذا مبني على جواز القضاء في المساجد. وقد سبق ذكره. الحديث الثاني: قال البخاري:

стр. 1492

٤٧١ - حدثنا أحمد: ثنا ابن وهب: اخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: حدثني عبد الله بن كعب بن مالك، أن كعب بن مالك

стр. 1493

اخبره، أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت اصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته، ونادى كعب بن مالك، فقال: ((يا كعب)) قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ((ضع الشطر من دينك)) . قال كعب: قد فعلت يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ : ((قم فاقضه)) . البخاري يروي في كتابه هذا عن أحمد - غير منسوب -، عن ابن وهب، وقد اختلف فيه: فقيل: هو: ابن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي ابن وهب -: قاله أبو أحمد الحاكم وغيره. وأنكر آخرون أن يكون يروي عن ابن أخي ابن وهب هذا شيئا في كتابه؛ فإنه قد كثر الطعن عليه. قالوا: ويحتمل أنه أحمد بن صالح المصري الحافظ، أو أحمد بن عيسى التستري؛ فإنه روى عنهما صريحا في مواضع. والله أعلم. ويستدل بهذا الحديث من يجيز رفع الأصوات بالخصومات في المساجد عند الحكام وغيرهم؛ فإن النبي ﷺ لم ينكر ذلك عليهما، إنما أصلح بينهما، وأمر صاحب الحق بأن يضع شيئا منه، ثم أمر المدين بالقضاء لما بقي عليه، وهذا إصلاح. ومن كره ذلك أجاب: بأن ما وقع من النبي ﷺ هو قطع لما وقع

стр. 1494

بينهما من التشاجر، ورفع الأصوات في المسجد، فهو في معنى الإنكار؛ لأن المقصود من الإنكار إزالة ما ينكر، وقد حصل بذلك لا سيما والنبي ﷺ إنما خرج من بيته لسماع أصواتهما المرتفعة، فدل على أنه قصد إزالة ذلك، ومنعهما منه، فأزال ذلك وأزال المشاجرة بينهما، وأصلح ذات بينهما، وأمر كل واحد منهما بالإحسان إلى صاحبه برفق ورأفة من غير عنف. ولعل هذين كانا غير عالمين بكراهة رفع الصوت في المسجد، فلهذا أزال ما وقع منهما من المكروه برفق ورأفة ﷺ تسليما كثيرا.

стр. 1495

٨٤ - باب الحلق والجلوس في المسجد خرج فيه ثلاثة أحاديث: الحديث الأول:

стр. 1496

٤٧٢ - من رواية: عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سأل رجل النبي ﷺ وهو على المنبر: ما ترى في صلاة الليل؟ قال: ((مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة، فأوترت له ما صلى)) ، وأنه كان يقول: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا؛ فإن النبي ﷺ أمر به. الضمير في: ((أنه كان يقول)) يعود إلى ابن عمر ﵄. والحديث الثاني:

стр. 1497

٤٧٣ - من رواية: أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ وهو يخطب، فقال: كيف صلاة الليل؟ قال: ((مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة، توتر لك ما قَدْ صليت)) .

стр. 1498

ثم قال: وقال الوليد بن كثير: حدثني عبيد الله بن عبد الله، أن ابن عمر حدثهم أن رجلا نادى النبي ﷺ وهو في المسجد. وإنما ذكر رواية الوليد بن كثير تعليقا - وقد خرجها مسلم في ((صحيحه)) مسندة -؛ لأن فيما التصريح بأن ذلك كان في المسجد. وفي الروايتين اللتين أسندهما البخاري أنه ﷺ كان يخطب، وكان أكثر خطبه على المنبر في المسجد، إلا خطبه في العيدين وفي موسم الحج ونحو ذلك. وإنما أدخل البخاري هذا الحديث في هذا الباب؛ لأن النبي ﷺ كان إذا خطب على المنبر جلس الناس حوله، واستقبلوه بوجوههم. وقد خرج البخاري في ((كتاب: الجمعة)) حديث أبي سعيد، قال: جلس النبي ﷺ ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله. فكانت خطبه على المنبر مثل حلق الذكر والعلم، وكان يسأل في حال الخطبة عن مسائل من الدين، ويجيب عنها، وقد سبق ذكر ذلك في أول ((كتاب: العلم)) ، وفي آخره - أيضا - في ((باب: ذكر العلم والفتيا في المسجد)) . الحديث الثالث:

стр. 1499

٤٧٤ - من رواية: مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن

стр. 1500

أبا مرة مولى عقيل أخبره، عن أبي واقد الليثي، قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد، فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الآخر فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: ((ألا أخبركم عن الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه)) . وقد سبق في ((كتاب: العلم)) ، واستوفينا الكلام عليه هناك بما فيه كفاية - إن شاء الله تعالى.

стр. 1501

٨٥ - باب الاستلقاء في المسجد

стр. 1502

٤٧٥ - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عباد بن تميم، عن عمه، أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقيا في المسجد، واضعا إحدى رجليه على الأخرى. وعن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: كان عمر وعثمان يفعلان ذلك. هذا الحديث رواه أكابر أصحاب الزهري، عنه، عن عباد، عن عمه. وخالفهم عبد العزيز بن الماجشون، فرواه عن الزهري: حدثني محمود بن لبيد، عن عباد. فزاد في إسناده: ((محمود بن لبيد)) ، وهو وهم -: قاله مسلم بن الحجاج، وأبو بكر الخطيب وغيرهما. وعم عباد بن تميم، هو: عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، صاحب حديث الوضوء. والاستلقاء في المسجد جائز على أي وجه كان، ما لم يكن منبطحا على وجهه؛ فإنه يروى عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذلك، وقال: ((إنها

стр. 1503

ضجعة يبغضها الله ) . وقد ذكرنا إسناده في ((باب: النوم في المسجد)) . وقد ذكر الزهري، عن ابن المسيب، عن عمر وعثمان، إنهما كانا يفعلان ذلك. وأما الاستلقاء على هذا الوجه، وهو وضع إحدى الرجلين على الأخرى في المسجد وغيره فقد اختلف فيه: فروي كراهته والتغليظ فيه عن كعب بن عجرة، وأبي سعيد، وقتادة بن النعمان، وسعيد بن جبير. وقد روي النهي عنه مرفوعا. خرجه مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ . ويروى - أيضا - من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وأخي أبي سعيد - وهو: قتادة بن النعمان. وأما أكثر العلماء، فرخصوا فيه. وممن روي أنه كان يفعله: عمر، وعثمان، وابن مسعود، ونص أحمد على جوازه. واختلفوا في أحاديث النهي: فمنهم من قال: هي منسوخة بحديث الرخصة، ورجحه الطحاوي وغيره. ومنهم من قال: هي محمولة على من كان بين الناس فيخاف أن تنكشف عورته، أو لم يكن عليه سراويل، روي ذلك عن الحسن. وروي عنه، أنه قال فيمن كره ذلك: ما أخذوا ذلك إلا عن

стр. 1504

اليهود. خرجه الطحاوي. وروى عبد الرزاق في ((كتابه)) عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني ابن المسيب، قال: كان ذلك من عمر وعثمان ما لا يحصى منهما. قال الزهري: وجاء الناس بأمر عظيم. وقال الحكم: سئل أبو مجلز عن الرجل يضع إحدى رجليه على الأخرى؟ فقال: لا بأس به، إنما هذا شيء قاله اليهود: أن الله لما خلق السموات والأرض استراح، فجلس هذه الجلسة، فأنزل الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] . خرجه أبو جعفر ابن أبي شيبة في ((تاريخه)) . وقد ذكر غير واحد من التابعين: أن هذه الآية نزلت بسبب قول اليهود: أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع، منهم: عكرمة وقتادة. فهذا كلام أئمة السلف في إنكار ذلك ونسبته إلى اليهود، وهذا يدل على أن الحديث المرفوع المروي في ذلك لا أصل لرفعه، وإنما هو متلقى عن اليهود، ومن قال: أنه على شرط الشيخين فقد أخطأ. وهو من رواية محمد بن فليح بن سليمان، عن أبيه، عن سعيد بن الحارث، عن عبيد

стр. 1505

بن حنين: سمع قتادة بن النعمان يحدثه، عن النبي ﷺ بمعنى قول أبي مجلز. وفي آخره: وقال : ((إنها لا تصلح لبشر)) . وعبيد بن حنين، قيل: أنه لم يسمع من قتادة بن النعمان - قاله البيهقي. وفليح، وإن خرج له البخاري فقد سبق كلام أئمة الحفاظ في تضعيفه، وكان يحيى بن سعيد يقشعر من أحاديثه، وقال أبو زرعة - فيما رواه عنه سعيد البرذعي -: فليح واهي الحديث، وابنه محمد واهي الحديث. ولو كان النبي ﷺ يروي عن ربه أنه قال: ((إنها لا تصلح لبشر)) لم

стр. 1506

يفعله رسول الله ﷺ ، ولو كان قد انتسخ فعله الأول بهذا النهي لم يستمر على فعله خلفاؤه الراشدون الذين هم أعلم أصحابه به، وأتبعهم لهديه وسنته. وقد روي عن قتادة بن النعمان من وجه أخر منقطع، من رواية سالم أبي النضر، عن قتادة بن النعمان - ولم يدركه -، أنه روى عن النبي ﷺ ، أنه نهى عن ذلك. خرجه الإمام أحمد. وهذا محتمل، كما رواه عنه جابر وغيره. فأما هذه الطامة، فلا تحتمل أصلاً. وقد قيل: أن هذه مما اشتبه على بعض الرواة فيه ما قاله بعض اليهود، فظنه مرفوعاً فرفعه، وقد وقع مثل هذا لغير واحد من متقدمي الرواة، وأنكر ذلك عليهم، وأنكر الزبير على من سمعه يحدث عن النبي ﷺ ، وقال: إنما حكاه النبي ﷺ عن بعض أهل الكتاب. فروى مسلم بن الحجاج في ((كتاب التفصيل)) والبيهقي فِي ((المدخل)) من رواية ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن عروة، عن عروة، أن الزبير سمع رجلاً يحدث حديثاً عن النبي ﷺ ، فاستمع الزبير له، حتى إذا قضى الرجل حديثه قال له الزبير: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قَالَ الرَّجُلُ: نَعَمْ. فَقَالَ الزُّبَيْر: هَذَا وأشباهه مِمَّا يمنعنا أن نحدث عَن رَسُول الله ﷺ ، قَدْ – لعمري – سَمِعْت

стр. 1507

هَذَا من رسول الله ﷺ وأنا يومئذ حاضر، ولكن رسول الله ﷺ ابتدأ هذا الحديث، فحدثاه عن رجل من أهل الكتاب حدثه إياه، فجئت أنت بعد أن تقضى صدر الحديث وذكر الرجل الذي من أهل الكتاب، فظننت أنه من حديث رسول الله ﷺ . وروى مسلم - أيضا - في ((كتاب التفصيل)) بإسناد صحيح، عن بكير بن الأشج، قال: لنا بسر بن سعيد: أيها الناس، اتقوا الله، وتحفظوا في الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدثنا عن رسول الله ﷺ ، ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله ﷺ عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله ﷺ . ولو ذكرنا الأحاديث المرفوعة التي أعلت بأنها موقوفة: إما على عبد الله بن سلام، أو على كعب، واشتبهت على بعض الرواة فرفعها، لطال الأمر.

стр. 1508

٨٦ - باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر للناس فيه وبه قال الحسن وأيوب ومالك.

стр. 1509

٤٧٦ - حدثنا يحيى بن بكير: ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، ويعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين. هذه قطعة من حديث الهجرة الطويل، وقد خرجه بتمامه في ((باب: الهجرة)) . والمقصود منه هاهنا: أن أبا بكر ﵁ ابتنى مسجدا بفناء داره بمكة، والنبي ﷺ بمكة، وكان يأتي بيت أبي بكر كل يوم مرتين بكرة

стр. 1510

وعشية، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك على أبي بكر، ولم يغيره، فدل على جواز بناء المسجد في الطريق الواسع إذا لم يضر بالناس. وقد حكى البخاري جوازه عن الحسن وأيوب ومالك، وهو - أيضا - قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد - في رواية عنه -، وأبي حنيفة، وسليمان بن داود الهاشمي. واختلفوا: هل يجوز ذلك بدون إذن الإمام، أم لا يجوز بدون إذنه؟ على قولين: أحدهما: أن إذنه معتبر لذلك، وهو قول الثوري ورواية عن أحمد، وحكي عن ابن مسعود وقتادة ما يدل عليه؛ لأن نفع الطريق حق مشترك بين المسلمين، فلا يجوز تخصيصه بجهة خاصة بدون إذن الإمام كقسمة الأموال المشتركة بين المسلمين. والثاني: لا يعتبر إذن الإمام، وهو المحكي عن الحسن وأيوب وأبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم ممن جوزه، وهو رواية عن أحمد - أيضا - لأن الطريق إذا كان متسعا لا يضر بالمارة بناء مسجد فيه، فحق الناس في المرور فيه المحتاج إليه باق لم يتغير، بخلاف قسمة أموال بيت المال؛ فإن مصارفها كثيرة جدا، فيرجع فيها إلى اختيار الإمام. وعن أحمد رِوَايَة ثالثة: أنه لا يجوز بناء المساجد فِي الطريق بحال، بل تهدم ولا يصلى فيها. فمن أصحابنا من حكاها مطلقة، ومنهم من خصها بما إذا لم يأذن
следующие страницы →