← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

يفعله رسول الله ﷺ ، ولو كان قد انتسخ فعله الأول بهذا النهي لم يستمر على فعله خلفاؤه الراشدون الذين هم أعلم أصحابه به، وأتبعهم لهديه وسنته. وقد روي عن قتادة بن النعمان من وجه أخر منقطع، من رواية سالم أبي النضر، عن قتادة بن النعمان - ولم يدركه -، أنه روى عن النبي ﷺ ، أنه نهى عن ذلك. خرجه الإمام أحمد. وهذا محتمل، كما رواه عنه جابر وغيره. فأما هذه الطامة، فلا تحتمل أصلاً. وقد قيل: أن هذه مما اشتبه على بعض الرواة فيه ما قاله بعض اليهود، فظنه مرفوعاً فرفعه، وقد وقع مثل هذا لغير واحد من متقدمي الرواة، وأنكر ذلك عليهم، وأنكر الزبير على من سمعه يحدث عن النبي ﷺ ، وقال: إنما حكاه النبي ﷺ عن بعض أهل الكتاب. فروى مسلم بن الحجاج في ((كتاب التفصيل)) والبيهقي فِي ((المدخل)) من رواية ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن عروة، عن عروة، أن الزبير سمع رجلاً يحدث حديثاً عن النبي ﷺ ، فاستمع الزبير له، حتى إذا قضى الرجل حديثه قال له الزبير: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قَالَ الرَّجُلُ: نَعَمْ. فَقَالَ الزُّبَيْر: هَذَا وأشباهه مِمَّا يمنعنا أن نحدث عَن رَسُول الله ﷺ ، قَدْ – لعمري – سَمِعْت

стр. 1507

هَذَا من رسول الله ﷺ وأنا يومئذ حاضر، ولكن رسول الله ﷺ ابتدأ هذا الحديث، فحدثاه عن رجل من أهل الكتاب حدثه إياه، فجئت أنت بعد أن تقضى صدر الحديث وذكر الرجل الذي من أهل الكتاب، فظننت أنه من حديث رسول الله ﷺ . وروى مسلم - أيضا - في ((كتاب التفصيل)) بإسناد صحيح، عن بكير بن الأشج، قال: لنا بسر بن سعيد: أيها الناس، اتقوا الله، وتحفظوا في الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدثنا عن رسول الله ﷺ ، ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله ﷺ عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله ﷺ . ولو ذكرنا الأحاديث المرفوعة التي أعلت بأنها موقوفة: إما على عبد الله بن سلام، أو على كعب، واشتبهت على بعض الرواة فرفعها، لطال الأمر.

стр. 1508

٨٦ - باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر للناس فيه وبه قال الحسن وأيوب ومالك.

стр. 1509

٤٧٦ - حدثنا يحيى بن بكير: ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، ويعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين. هذه قطعة من حديث الهجرة الطويل، وقد خرجه بتمامه في ((باب: الهجرة)) . والمقصود منه هاهنا: أن أبا بكر ﵁ ابتنى مسجدا بفناء داره بمكة، والنبي ﷺ بمكة، وكان يأتي بيت أبي بكر كل يوم مرتين بكرة

стр. 1510

وعشية، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك على أبي بكر، ولم يغيره، فدل على جواز بناء المسجد في الطريق الواسع إذا لم يضر بالناس. وقد حكى البخاري جوازه عن الحسن وأيوب ومالك، وهو - أيضا - قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد - في رواية عنه -، وأبي حنيفة، وسليمان بن داود الهاشمي. واختلفوا: هل يجوز ذلك بدون إذن الإمام، أم لا يجوز بدون إذنه؟ على قولين: أحدهما: أن إذنه معتبر لذلك، وهو قول الثوري ورواية عن أحمد، وحكي عن ابن مسعود وقتادة ما يدل عليه؛ لأن نفع الطريق حق مشترك بين المسلمين، فلا يجوز تخصيصه بجهة خاصة بدون إذن الإمام كقسمة الأموال المشتركة بين المسلمين. والثاني: لا يعتبر إذن الإمام، وهو المحكي عن الحسن وأيوب وأبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم ممن جوزه، وهو رواية عن أحمد - أيضا - لأن الطريق إذا كان متسعا لا يضر بالمارة بناء مسجد فيه، فحق الناس في المرور فيه المحتاج إليه باق لم يتغير، بخلاف قسمة أموال بيت المال؛ فإن مصارفها كثيرة جدا، فيرجع فيها إلى اختيار الإمام. وعن أحمد رِوَايَة ثالثة: أنه لا يجوز بناء المساجد فِي الطريق بحال، بل تهدم ولا يصلى فيها. فمن أصحابنا من حكاها مطلقة، ومنهم من خصها بما إذا لم يأذن

стр. 1511

فيها الإمام، وهذا أقرب. وأجاز الجوزجاني بناء المساجد في الطريق، بشرط أن يبقى من الطريق بعد المسجد سبعة أذرع. ونسب ذلك إلى أحمد، ولا يصح ذلك عن أحمد. وقول النبي ﷺ ((إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع)) ، معناه - عند أحمد وأصحابه -: إذا أرادوا أن يحدثوا طريقا في ارض موات أو مملوكة، وليس معناه - عندهم - أنه يجوز البناء في الطريق الواسع حتى يبقى منه سبعة أذرع، كما قاله الجوزجاني.

стр. 1512

٨٧ - باب الصلاة في مسجد السوق وصلى ابن عون في مسجد في دار يغلق عليهم الباب. قد سبق ذكر مساجد البيوت والصلاة فيها، وما ذكره البخاري هناك أن البراء ابن عازب صلى في مسجد بيته جماعة، وذكرنا قول أحمد، أنه لا يحصل بالصلاة فيها فضيلة الصلاة في المسجد، إلا أن يكون يؤذن فيه ويقام، كأنه يشير إلى أن يكون في حال الصلاة غير ممنوع، وأن إسحاق قال: لا يحصل بالصلاة فيه جماعة فضل الجماعة في المسجد، إلا أن يكون له عذر. وما حكاه البخاري هنا عن ابن عون، ظاهره: يدل على حصول فضل الجماعة في المسجد بذلك، وإن كان مغلقا، وهو قياس قول من أجاز الاعتكاف فيه، كما سبق ذكره، ويحتمل أن يكون ابن عون لا يرى حضور المساجد في الجماعة واجبا، أو أنه كان لهم عذر. والله أعلم. وأما مساجد الأسواق، إذا كانت مسبلة، فحكمها حكم سائر المساجد المسبلة. وقد كره طلحة اليامي الصلاة في مساجد السوق. خرجه حرب الكرماني من رواية ليث عنه.

стр. 1513

وكأنه يشير إلى أنه إنما يستحب الصلاة في المسجد الأعظم الذي يجمع فيه. وقد ورد التصريح بفضل الصلاة في مسجد الجامع على الصلاة في مساجد القبائل التي لا يجمع فيها. خرجه ابن ماجه: ثنا هشام بن عمار: ثنا أبو الخطاب الدمشقي: ثنا رزيق أبو عبد الله الألهاني، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة)) . رزيق الألهاني - بتقديم الراء على الزاي -، قال أبو زرعة الرازي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في ((ثقاته)) وذكره - أيضا في ((الضعفاء)) ، وقال: لا يحتج به. وأما أبو الخطاب الدمشقي، فقيل: اسمه: حماد، وقع كذلك مصرحا به في ((معجم الطبراني الأوسط)) ، وذكر ابن عدي أنه: معروف الخياط الذي رأى واثلة بن الأسقع، وأن هشام بن عمار يروي عنه وفيه ضعف. وقال ابن ماكولا:

стр. 1514

اسمه: سلمة بن علي، كان يسكن اللاذقية، روى عنه هشام بن عمار والربيع بن نافع. قال: والحديث منكر، ورجاله مجهولون. كذا قال، وليس فيهم من يجهل حاله سوى أبي الخطاب هذا. وقد كان بالمدينة مساجد في قبائل الأنصار، وهي دورهم، يصلون فيها الجماعات سوى الجمع. وروى ابن لهيعة، أن بكير بن الأشج حدثه، أنه كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجد النبي ﷺ ، يسمع أهلها تأذين بلال على عهد رسول الله ﷺ فيصلون في مساجدهم بني عمرو بن مبذول من بني النجار، ومسجد بني ساعدة، ومسجد بني عبيد، ومسجد بني سلمة، ومسجد بني رابح من بني عبد الاشهل، ومسجد بني زريق، ومسجد بني غفار، ومسجد أسلم، ومسجد جهينة. وشك في التاسع. خرجه أبو داود في ((المراسيل)) . قال البخاري ﵀:

стр. 1515

٤٧٧ - حدثنا مسدد: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته

стр. 1516

وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة، فإن أحدكم إذا توضأ فأحسن وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه وتصلي الملائكة عليه مادام في مجلسه الذي يصلي فيه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث فيه)) . وقد خرجه البخاري - أيضا - في موضع أخر من كتابه بزيادة تصريح الأعمش بالسماع له من أبي صالح، فزال ما كان يتوهم من تدليس الأعمش له. والحديث: نص في أن الصلاة في المسجد تزيد على صلاة المرء في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين درجة، وهو أعم من أن تكون صلاته في بيته وفي سوقه في جماعة أو منفردا. ويدل على ذلك: أنه ذكر سبب المضاعفة، وهو فضل مشيه إلى المسجد على طهارة،

стр. 1517

وفضل انتظاره للصلاة حتى تقام، وفضل قعوده في المسجد حتى يحدث، وهذا كله لا يوجد شيء منه في صلاته في بيته وفي سوقه. لكن المراد - والله أعلم -: صلاته في سوقه في غير مسجد، فإنه لو صلى في سوقه في مسجد لكان قد حصل له فضل المشي إلى المسجد، وانتظار الصلاة فيه، والجلوس فيه بعد الصلاة - أيضا -، وإن كان المسجد الأعظم يمتاز بكثرة الخطا إليه، وبكثرة الجماعة فيه، وذلك يتضاعف به الفضل - أيضا - عند جمهور العلماء، خلافا لمالك. وقد روي من حديث أبي بن كعب، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله)) . خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) والحاكم. وقال علي بن المديني: ما أراه إلا صحيحا. ويفضل - أيضا - المسجد الأعظم بكونه عتيقا: قال أبو نعيم الفضل بن دكين: ثنا عمارة بن زاذان، عن ثابت البناني، قال كنت اقبل مع أنس بن مالك من الزاوية، فإذا مر بمسجد قال: أمحدث هذا؟ فإن قلت: نعم مضى، وأن قلت: عتيق صلى.

стр. 1518

٨٨ - باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره فيه حديثان: أحدهما: قال:

стр. 1519

٤٨١ - ثنا خلاد بن يحيى: ثنا سفيان: عن أبي بردة بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا)) - وشبك أصابعه. ليس في هذا الحديث أن النبي ﷺ كان حينئذ في المسجد؛ فلهذا بوب على تشبيك الأصابع في المسجد وغيره. وهذا التشبيك من النبي ﷺ في هذا الحديث كان لمصلحة وفائدة، لم يكن عبثا؛ فإنه لما شبه شد المؤمنين بعضهم بعضا بالبنيان، كان ذلك تشبيها بالقول، ثم أوضحه بالفعل، فشبك أصابعه بعضها في بعض؛ ليتأكد بذلك المثال الذي

стр. 1520

ضربه لهم بقوله، ويزداد بيانا وظهورا. ويفهم من تشبيكه: أن تعاضد المؤمنين بينهم كتشبيك الأصابع بعضها في بعض، فكما أن أصابع اليدين متعددة فهي ترجع إلى اصل واحد ورجل واحد، فكذلك المؤمنون وإن تعددت أشخاصهم فهم يرجعون إلى اصل واحد، وتجمعهم أخوة النسب إلى آدم ونوح، وأخوة الإيمان. وهذا كقوله ﷺ في حديث النعمان بن بشير: ((مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائره بالحمى والسهر)) . خرجاه في الصحيحين. وفي رواية: ((المؤمنون كرجل واحد، أن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)) . الحديث الثاني:

стр. 1521

٤٨٢ - ثنا إسحاق: ثنا ابن شميل: أبنا ابن عون: عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ أحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين: قد سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا - قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه

стр. 1522

غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: ((لم أنس، ولم تقصر)) . فقال: ((أكما يقول ذو اليدين؟)) قالوا: نعم فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر. فربما سألوه: ثم سلم؟ فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم. المسئول: ((ثم سلم)) ؟ هو ابن سيرين. وقد أعاده البخاري في ((أبواب: سجود السهو)) ، ويأتي الكلام عليه هناك مستوفي - إن شاء الله تعالى. إنما المقصود في هذا الباب منه: أن النبي ﷺ قام بعد سلامه من الصلاة إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها، ووضع يده اليمنى

стр. 1523

على ظهر كفه اليسرى، وشبك بين أصابعه، فدل على جواز تشبيك أصابع اليدين في المسجد لغير حاجة إليه. والظاهر: أنه إنما فعله لما غلبه من الهم؛ فإن ذلك يفعله المهموم كثيرا. وقد رخص في التشبيك في المسجد جماعة: قال وكيع: ثنا الربيع بن صبيح، قال رأيت الحسن في المسجد هكذا - وشبك وكيع بين أصابعه. وقال حرب: رأيت إسحاق جالسا في المسجد يقرأ وشبك أصابعه. وقد روي النهي عن التشبيك في المسجد من رواية مولى لأبي سعيد الخدري، أنه كان مع سعيد وهو مع رسول الله، قال: فدخل النبي ﷺ ، فرأى رجلا جالسا في وسط المسجد مشبكا أصابعه يحدث نفسه فأومأ إليه النبي ﷺ فلم يفطن، فالتفت إلى أبي سعيد، فقال: ((إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإن التشبيك من الشيطان؛ وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه)) . خرجه الإمام أحمد. وفي إسناده عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، ضعفه ابن معين. وروي - أيضا - النهي عن تشبيك الأصابع لمن هو

стр. 1524

ماش إلى المسجد للصلاة فيه، من حديث كعب بن عجرة، عن النبي ﷺ قال: ((إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة)) . خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وفي إسناده اختلاف كثير واضطراب. وقد ذكر أبو بكر الإسماعيلي في ((صحيحه)) المخرج على ((صحيح البخاري)) أن حديث كعب بن عجرة وما في معناه لا ينافي حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري في هذا الباب، وأنه يمكن الجمع بينهما، بأنه إنما يكره التشبيك لمن كان في صلاة، أو حكمه حكم من كان في صلاة، كمن يمشي إلى المسجد أو يجلس فيه لانتظار الصلاة، فأما من قام من الصلاة وانصرف منها، كما فعل النبي ﷺ لما سلم من ركعتين وقام إلى الخشبة المعترضة، فإنه صار منصرفا من الصلاة لا منتظرا لها، فلا يضره التشبيك حينئذ. قال: وقد قيل إن من كان في صلاة ومنتظرا الصلاة في جماعة فهم على ائتلاف، فإذا شبك لم يؤمن أن يتطير بهم عدوهم، بأنهم سيختلفون، ألا تراه في حديث عبد الله بن عمرو يقول: ((مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا وصاروا هكذا)) - وشبك بين أصابعه، ولم يؤمن أن يكون ذلك سببا أو أمارة لاختلاف فهم،

стр. 1525

كما أمرهم بأن يستووا في صفوفهم، وقال: ((لا تختلفوا فتختلف قلوبكم)) . انتهى ما ذكره. وهو مناسبة بعيدة جدا؛ فإن التشبيك كما مثل به الاختلاف والافتراق فقد مثل به الائتلاف والتعاون والتناصر، كما في حديث أبي موسى الذي خرجه البخاري في أول الباب، فليس كراهته لمشابهته لمثل الافتراق بأولى من عدم كراهته لمشابهته لمثل التعاون والتعاضد والتناصر. ومثل هذه المعاني توجد كثيرا في كتب شروح الحديث المتأخرة، وأكثرها مدخول، ولم يكن علماء سلف الأمة يقعون في شيء من ذلك، وكذلك لم أستكثر من ذكر مثله في هذا الكتاب، وإنما ذكرت هذا لأن الإسماعيلي مع تقدمه ذكره في ((صحيحه)) ، ونبهت على ما فيه. وجمع الخطابي في ((الأعلام)) بين حديث كعب بن عجرة في النهي وحديث أبي هريرة في فعل التشبيك، بأن النهي إنما يحمل على الاحتباء بالتشبيك للأصابع؛ لأنه يجلب النوم الناقض للوضوء، وما سواه فمباح. فخص الكراهة بحالة الاحتباء، وهذا في غاية البعد؛ لأن حديث كعب فيه النهي عن التشبيك للعامد إلى المسجد، والمراد به الماشي إليه، والماشي لا يحتبي،

стр. 1526

وقد ورد مصرحا بذلك في رواية خرجها مسلم في كتاب ((العلل)) له عن أبي ثمامة القماح، قال: لقيني كعب بن عجرة وأنا رائح إلى المسجد مشبك بين أصابعي، فضرب يدي ضربة ففرق بينهما، وقال: نهينا أن نشبك بين أصابعنا في الصلاة. فقلت: إني لست في صلاة. فقال: أن الرجل إذا توضأ فأحسن وضوءه، ثم خرج يؤم المسجد فهو في صلاة. وخرجه أبو داود بمعناه، إلا أنه لم يذكر قوله: ((إني لست في صلاة)) ، وصرح برفع آخر الحديث إلى النبي ﷺ . وأعل محمد بن يحيى الهمداني في ((صحيحه)) حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري في هذا الباب، وقال: ذكر تشبيك الأصابع ووضع الخد لا أعلم ذكره غير النضر - يعني: ابن شميل -، عن ابن عون. وأما تشبيك الأصابع في الصلاة فمكروه. وقد خرج ابن ماجه حديث كعب بن عجرة المتقدم، ولفظه: إن رسول الله ﷺ رأى رجلا قد شبك بين أصابعه في الصلاة، ففرج رسول الله ﷺ بين أصابعه.

стр. 1527

وخرج وكيع، عن عاصم بن محمد العمري، عن ابن المنكدر، عن النبي ﷺ نحوه، مرسلا. وخرج أبو داود بإسناده عن نافع، أنه سئل عن الرجل يصلي وهو مشبك أصابعه؟ فقال: قال ابن عمر: تلك صلاة المغضوب عليهم. وكرهه طاوس والنخعي. وقال النعمان بن أبي عياش: كانوا ينهون عن ذلك. وكلام ابن عمر يدل على أنه كره لما فيه من مشابهة أهل الكتاب، وهو - أيضا - من نوع العبث الذي تنزه عنه الصلاة، ومثله تفقيع الأصابع. وقد روى الحارث، عن علي، أن النبي ﷺ نهاه أن يفقع أصابعه في الصلاة. وخرجه ابن ماجه. وخرج الإمام أحمد من رواية زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: ((إن الضاحك في الصلاة، والملتفت، والمفقع أصابعه بمنزلة واحدة)) . وزبان وسهل، فيهما ضعف. وفيه إشارة إلى أن ذلك كله من العبث المنافي للخشوع في الصلاة.

стр. 1528

٨٩ - باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ - خرج فيه حديثين: أحدهما: قال:

стр. 1529

٤٨٣ - ثنا محمد بن بكر المقدمي: ثنا فضيل بن سليمان: ثنا موسى بن عقبة، قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي ﷺ يصلي في تلك الأمكنة. وحدثني نافع، عن ابن عمر، أنه كان يصلي في تلك الأمكنة. وسألت سالما، ولا أعلمه إلا وافق نافعا في الأمكنة كلها، إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء. قد ذكرنا فيما سبق في ((باب: اتخاذ المساجد في البيوت)) حكم أتباع آثار النبي ﷺ ، والصلاة في مواضع صلاته، وأن ابن عمر كان يفعل ذلك، وكذلك ابنه سالم. وقد رخص أحمد في ذلك على ما فعله ابن عمر، وكره ما أحدثه الناس بعد ذلك من الغلو والإفراط، والأشياء المحدثة التي لا أصل لها في

стр. 1530

الشريعة. وقد كان ابن عمر مشهورا بتتبع آثار النبي ﷺ ، ومن ذلك صلاته في المواضع التي كان يصلي فيها. وهي على نوعين: أحدهما: ما كان النبي ﷺ يقصده للصلاة فيه، كمسجد قباء، ويأتي ذكره في موضعه من ((الكتاب)) - إن شاء الله تعالى. والثاني: ما صلى فيه النبي ﷺ اتفاقا لإدراك الصلاة له عنده، فهذا هو الذي اختص ابن عمر بأتباعه. وقد روى ابن سعد: أنا معن بن عيسى: ثنا عبد الله بن المؤمل، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: ما كان أحد يتبع آثار النبي ﷺ في منازله، كما كان ابن عمر يتبعه. وروى أبو نعيم من رواية خارجة بن مصعب، عن موسى بن عقبة، عن نافع، قال: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتبع أثر النبي ﷺ لقلت: هذا مجنون. ومن طريق عاصم الأحول، عمن حدثه، قال: كان ابن عمر إذا رآه أحد ظن أن به شيئا من تتبعه آثار النبي ﷺ . ومن طريق أبي مودود، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان في طريق مكة يقود برأس راحلته يثنيها، ويقول: لعل خفا يقع على خف -

стр. 1531

يعني: خف راحلة النبي ﷺ . والمسجد الذي وقع فيه الاختلاف بشرف الروحاء، والروحاء من الفرع، بينها وبين المدينة مرحلتان، يقال: بينهما أربعون ميلا، وقيل ثلاثون ميلا. وفي ((صحيح مسلم)) : بينهما ستة وثلاثون ميلا. يقال: أنه نزل بها تبع حين رجع من قتال أهل المدينة يريد مكة، فأقام بها وأراح، فسماها: الروحاء. وقيل: إن بها قبر مضر بن نزار. وقد روى الزبير بن بكار بإسناد له، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ : صلى بشرف الروحاء، عن يمين الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، وعن يسارها وأنت مقبل من مكة. ودون هذا الشرف الذي به هذا المسجد موضع يقال له: ((السيالة)) ، ضبطها صاحب ((معجم البلدان)) بتخفيف الياء، كان قرية مسكونة بعد النبي ﷺ ، وبها آثار البناء والأسواق، وآخرها شرف الروحاء، والمسجد المذكور عنده قبور عتيقة، كانت مدفن أهل السيالة، ثم تهبط منه في وادي الروحاء، ويعرف اليوم بوادي بني سالم. الحديث الثاني: هو حديث طويل، فنذكره قطعا قطعا، ونشرح كل قطعة منه بانفرادها: قال البخاري ﵀:

стр. 1532

٤٨٤ - حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي: ثنا أنس بن عياض: ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، أن عبد الله بن عمر أخبره، أن رسول الله ﷺ كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة، وكان إذا رجع من غزوة، وكان في تلك الطريق أو حج أو عمرة هبط بطن واد، فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية، فعرس ثم حتى يصبح، ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد، كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده في بطنه كثب، كان رسول الله ﷺ ثم يصلي، فدحا فيه السيل بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه. ذو الحليفة: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وهي ميقات أهل المدينة، وتسمى - أيضا -: الشجرة، وكان النبي ﷺ ينزل بها حين يعتمر وحين حج حجة الوداع، وقد اعتمر منها مرتين: عمرة الحديبية، وعمرة القضية. وقد ذكر ابن عمر في حديثه هذا أن النبي ﷺ كان ينزل بها

стр. 1533

تحت سمرة في موضع المسجد الذي بني بها، وهذا يدل على أن المسجد لم يكن حينئذ مبنيا، إنما بني بعد ذلك في مكان منزل النبي ﷺ منها، وكان النبي ﷺ يحرم منها، وكان يصلي بها في موضع المسجد. وقد روي أنه صلى في المسجد، ولعل المراد في بقعته وأرضه، قبل أن يجعل مسجدا، حتى يجمع بذلك بين الحديثين. وقد خرج البخاري في ((الحج)) عن إبراهيم بن المنذر - أيضا -، عن أنس ابن عياض، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة وخرج مسلم من حديث الزهري، أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ نزل بذي الحليفة مبدأه، وصلى في مسجدها. ومن حديث الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل. وفي ((الصحيحين)) من حديث مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه، قال: ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد - يعني: مسجد ذي الحليفة.

стр. 1534

وفي رواية لمسلم من رواية حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة: إلا من عند الشجرة. وخرج البخاري - أيضا - في ((الحج)) من حديث عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: ((أتاني الليلة آت من ربي ، فقال: صل في هذا الوادي المبارك؛ وقل: عمرة في حجة)) . ووادي العقيق متصل بذي الحليفة. فهذا كان حال النبي ﷺ في سفره إلى مكة. فأما حاله في رجوعه إلى المدينة إذا رجع على ذي الحليفة من حج أو عمرة، أو من غزاة في تلك الجهة، فإنه كان يهبط بطن واد هنالك، فإذا ظهر من بطن الوادي أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية، فيعرس هناك حتى يصبح. قال الخطابي: التعريس: نزول استراحة بغير إقامة، وفي الأكثر يكون آخر الليل، ينْزلون فينامون نومة خفيفة، ثم يرتحلون. قال: والبطحاء: حجارة ورمل. قلت: المراد بالتعريس هنا: نومة حتى يصبح. وقد خرجه البخاري في ((الحج)) عن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن

стр. 1535

عياض، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتى يصبح. وخرج فيه - أيضا - من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ أناخ بالبطحاء بذي الحليفة فصلى بها، وكان عبد الله يفعل ذلك. ومن طريق موسى بن عقبة، قال: حدثني سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه رئي وهو معرس بذي الحليفة ببطن الوادي، قيل له: إنك ببطحاء مباركة. وقد أناخ بنا سالم يتوخى بالمناخ الذي كان عبد الله ينيخ يتحرى معرس النبي ﷺ ، وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي، بينه وبين الطريق وسط من ذلك. وقد خرجه مسلم مع حديث مالك الذي قبله، وخرج حديث أنس بن عياض بلفظ أخر. فظهر من هذه الأحاديث كلها: أن النبي ﷺ كان يبيت بالمعرس، وهو ببطحاء ذي الحليفة حتى يصبح، وأن النبي ﷺ كان يصلي هناك، وأنه كان هناك مسجد قد بني ولم يكن في موضع صلاة النبي ﷺ ، بل

стр. 1536

كان قريباً منه. وفي حديث سالم: أن المسجد كان ببطن الوادي، وفي حديث موسى بن عقبة بن نافع - الطويل الذي خرجه البخاري هنا -، أنه كان مبنياً بحجارة على أكمة، وفي حديثه: أنه كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده، في بطنه كثب، كان النبي ﷺ ثم يصلي. قال الخطابي: الخليج: واد له عمق، ينشق من آخر أعظم منه. والكثب: جمع كثيب، وهو ما غلظ وأرتفع عن وجه الأرض. وقوله: ((فدحا السيل فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه)) . قال الخطابي: معنى ((دحا السيل)) : سواه بما حمل من البطحاء. والبطحاء: حجارة ورمل. وهذه الصلاة التي كان النبي ﷺ يصلي في هذا الموضع قد جاء في رواية إنها كانت صلاة الصبح إذا أصبح. وقد خرجه الأمام أحمد عن موسى بن قرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، أن عبد الله حدثه، أن رسول الله ﷺ كان يعرس بها حتى يصلي صلاة الصبح. قال ابن عبد البر في كلامه على حديث مالك الذي ذكرناه من قبل:

стр. 1537

هذه البطحاء المذكورة في هذا الحديث هي المعروفة عند أهل المدينة وغيرهم بالمعرس. قال مالك في ((الموطإ)) : لا ينبغي لأحد أن يتجاوز المعرس إذا قفل حتى يصلي فيه، وأنه من مر به في غير وقت صلاة فليقم حتى تحل الصلاة ثم يصلي ما بدا له؛ لأنه بلغني أن رسول الله ﷺ عرس به، وأن ابن عمر أناخ به. قال ابن عبد البر: واستحبه الشافعي، ولم يأمر به. وقال أبو حنيفة: من مر بالمعرس من ذي الحليفة فإن أحب أن يعرس به حتى يصلي فعل، وليس ذلك عليه. وقال محمد بن الحسن: وهو عندنا من المنازل التي نزلها رسول الله ﷺ في طريق مكة، وبلغنا أن ابن عمر كان يتبع آثاره، فلذلك كان ينزل بالمعرس، لا أنه كان يراه واجباً ولا سنة على الناس. قال ولو كان واجباً أو سنه من سنن الحج لكان سائر أصحاب رسول الله ﷺ يقفون وينزلون ويصلون، ولم يكن ابن عمر ينفرد بذلك دونهم. وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: ليس نزوله ﷺ بالمعرس كسائر نزوله بطريق مكة؛ لأنه كان يصلي الفريضة حيث أمكنه، والمعرس إنما كان يصلي فيه نافلة. قال: ولو كان المعرس كسائر المنازل ما أنكر ابن عمر على نافع تأخره عنه. وذكر حديث موسى بن عقبه، عن نافع، أن ابن عمر سبقه إلى المعرس فأبطأ عليه، فقال له: ما حسبك؟ فذكر

стр. 1538

عذراً، قال: ما ظننت انك أخذت الطريق ولو فعلت لأوجعتك ضرباً. انتهى. وفي قوله: ((أنه صلى بالمعرس نافلة)) نظر، وقد قدمنا أنه إنما صلى به الصبح لما أصبح. وظاهر كلام أحمد: استحباب الصلاة بالمعرس، فإنه قال في رواية صالح: كان ابن عمر لا يمر بموضع صلى فيه النبي ﷺ إلا صلى فيه، حتى أنه صب الماء في أصل شجرة، فكان ابن عمر يصب الماء في أصلها. وإنما أخرج أحمد ذلك مخرج الاحتجاج به؛ فإنه في أول هذه الرواية استحب ما كان ابن عمر يفعله من مسح منبر النبي ﷺ ومقعده منه. وقد تبين بهذه النصوص المذكورة في هذا الموضع: أن النبي ﷺ كان يخرج من المدينة إلى مكة في طريق ويرجع في غيره، كما كان يفعل ذلك في العيدين، وكما كان يدخل مكة من أعلاها ويخرج من أسفلها. وقد خرج البخاري في ((الحج)) من حديث ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس. وخرجه مسلم - أيضا. وهذا يدل على أن موضع الشجرة - وهو مسجد ذي الحليفة - غير طريق المعرس، والذي كان يرجع منه.

стр. 1539

وخرج البزار نحوه من حديث أبي هريرة. ثم رجعنا إلى بقية حديث موسى بن عقبة عن نافع الذي خرجه البخاري هاهنا:

стр. 1540

٤٨٥ - وأن عبد الله بن عمر حدثه، أن النبي ﷺ صلى حيث المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الروحاء، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي صلى فيه النبي ﷺ ، يقول ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي، وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى، وأنت ذاهب إلى مكة، بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر، أو نحو ذلك. هذا هو المسجد الذي اختلف فيه سالم ونافع، كما ذكرناه في شرح الحديث الأول. وهذا الحديث: يدل على أن بالروحاء مسجدين: كبير وصغير، فالكبير بشرف الروحاء، ولم يصل النبي ﷺ عنده، إنما صلى موضع الصغير عن يمين ذلك المسجد، وأن بين المسجدين رمية بحجر. ثم رجعنا إلى بقية الحديث.

стр. 1541

٤٨٦ - وأن ابن عمر كان يصلي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق، دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف، وأنت ذاهب إلى مكة وقد ابتني ثم مسجد، فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد، كان يتركه عن يساره ووراءه ويصلي أمامه إلى العرق نفسه، وكان عبد الله يروح من الروحاء فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان، فيصلي فيه الظهر، وإذا أقبل من مكة فإن مر به قبل الصبح بساعة أو من آخر السحر عرس حتى يصلي بها الصبح. قال الخطابي: العرق: جبيل صغير. ومنصرف الروحاء: المنصرف - بفتح الراء -، ويقال: أن بينه وبين بدر أربعة برد، والمسجد المبني هناك، قيل: أنه في آخر وادي الروحاء مع طرف الجبل على يسار الذاهب إلى مكة. وقيل: أنه لم يبق منه زمان إلا آثار يسيرة، وأنه كان يعرف حينئذ بمسجد الغزالة. وذكروا: أن عن يمين الطريق لمن كان بهذا المسجد وهو مستقبل النازية موضع كان ابن عمر ينزل فيه، ويقول: هذا منزل رسول الله ﷺ ، وكان ثم شجرة، كان ابن عمر إذا نزل وتوضأ صب فضل وضوئه

стр. 1542

في أصلها، ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل. والنازية: قال صاحب ((معجم البلدان)) : - بالزاي وتخفيف الياء -: عين على طريق لآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصفراء، وهي إلى المدينة أقرب. ولم يصرح ابن عمر في صلاته إلى هذا العرق بأنه رأى النبي ﷺ صلى إليه، ولكن محافظته على الصلاة في هذا المكان ذاهبا وراجعا وتعريسه به حتى يصلي به يدل على أنه إنما فعل ذلك إقتداء بصلاة النبي ﷺ فيه. ثم رجعنا إلى بقية الحديث:

стр. 1543

٤٨٧ - وأن عبد الله حدثه، أن رسول الله ﷺ كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطريق، ووجاه الطريق في مكان بطح سهل حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها، وهي قائمة على ساق، وفي ساقها كثب كثيرة. السرحة: شجرة، وتجمع على سرح كتمرة وتمر، وهو ضرب من الشجر له ثمر، وقيل: هي شجرة بيضاء. وقيل: كل شجرة طويلة سرحة. وقال إبراهيم الحربي: السرح شجر كبار طوال لا ترعى، يستظل به، لا ينبت في رمل أبدا، ولا جبل، ولا تأكله الماشية إلا قليلا، له غصن اصفر.

стр. 1544

وقد وصفها بأنها ضخمة - أي: عظيمة -، وأنه انكسر أعلاها فانثنى في جوفها، وأنها قائمة على ساق، وفي كثب كثيرة. وقد سبق أن الكثب جمع كثيب، وهو ما غلظ وارتفع عن وجه الأرض. والبطح: الواسع. والرويثة مكان معروف بين مكة والمدينة. وأما مكان هذه السرحة، فلا يعرف منذ زمان، وقد ذكر ذلك بعض من صنف في أخبار المدينة بعد السبعمائة، وذكر أنه لا يعرف في يومه ذاك من هذه المساجد المذكورة في هذا الحديث سوى مسجد الروحاء ومسجد الغزالة، وذكر معهما مسجدا ثالثا، وزعم أنه معروف - أيضا - بالروحاء، عند عرق الظبية، عند جبل ورقان، وذكر فيه حديثا رواه الزبير بن بكار بإسناد ضعيف جدا، وأن النبي ﷺ قال: ((لقد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيا)) . وهذا لا يثبت، ولعله أحد المسجدين بالروحاء، وقد تقدم ذكرهما. ثم رجعنا إلى بقية الحديث:

стр. 1545

٤٨٨ - وأن عبد الله بن عمر حدثه، أن النبي ﷺ صلى في طرف تلعة من وراء العرج كبيرة، وأنت ذاهب إلى هضبة عند ذلك المسجد
следующие страницы →