Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
٤٨٦ - وأن ابن عمر كان يصلي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق، دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف، وأنت ذاهب إلى مكة وقد ابتني ثم مسجد، فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد، كان يتركه عن يساره ووراءه ويصلي أمامه إلى العرق نفسه، وكان عبد الله يروح من الروحاء فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان، فيصلي فيه الظهر، وإذا أقبل من مكة فإن مر به قبل الصبح بساعة أو من آخر السحر عرس حتى يصلي بها الصبح.
قال الخطابي: العرق: جبيل صغير.
ومنصرف الروحاء: المنصرف - بفتح الراء -، ويقال: أن بينه وبين بدر أربعة برد، والمسجد المبني هناك، قيل: أنه في آخر وادي الروحاء مع طرف الجبل على يسار الذاهب إلى مكة. وقيل: أنه لم يبق منه زمان إلا آثار يسيرة، وأنه كان يعرف حينئذ بمسجد الغزالة.
وذكروا: أن عن يمين الطريق لمن كان بهذا المسجد وهو مستقبل النازية موضع كان ابن عمر ينزل فيه، ويقول: هذا منزل رسول الله ﷺ ، وكان ثم شجرة، كان ابن عمر إذا نزل وتوضأ صب فضل وضوئه
стр. 1542
في أصلها، ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل.
والنازية: قال صاحب ((معجم البلدان)) : - بالزاي وتخفيف الياء -: عين على طريق لآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصفراء، وهي إلى المدينة أقرب.
ولم يصرح ابن عمر في صلاته إلى هذا العرق بأنه رأى النبي ﷺ صلى إليه، ولكن محافظته على الصلاة في هذا المكان ذاهبا وراجعا وتعريسه به حتى يصلي به يدل على أنه إنما فعل ذلك إقتداء بصلاة النبي ﷺ فيه.
ثم رجعنا إلى بقية الحديث:
стр. 1543
٤٨٧ - وأن عبد الله حدثه، أن رسول الله ﷺ كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطريق، ووجاه الطريق في مكان بطح سهل حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها، وهي قائمة على ساق، وفي ساقها كثب كثيرة.
السرحة: شجرة، وتجمع على سرح كتمرة وتمر، وهو ضرب من الشجر له ثمر، وقيل: هي شجرة بيضاء. وقيل: كل شجرة طويلة سرحة.
وقال إبراهيم الحربي: السرح شجر كبار طوال لا ترعى، يستظل به، لا ينبت في رمل أبدا، ولا جبل، ولا تأكله الماشية إلا قليلا، له غصن اصفر.
стр. 1544
وقد وصفها بأنها ضخمة - أي: عظيمة -، وأنه انكسر أعلاها فانثنى في جوفها، وأنها قائمة على ساق، وفي كثب كثيرة.
وقد سبق أن الكثب جمع كثيب، وهو ما غلظ وارتفع عن وجه الأرض.
والبطح: الواسع. والرويثة مكان معروف بين مكة والمدينة.
وأما مكان هذه السرحة، فلا يعرف منذ زمان، وقد ذكر ذلك بعض من صنف في أخبار المدينة بعد السبعمائة، وذكر أنه لا يعرف في يومه ذاك من هذه المساجد المذكورة في هذا الحديث سوى مسجد الروحاء ومسجد الغزالة، وذكر معهما مسجدا ثالثا، وزعم أنه معروف - أيضا - بالروحاء، عند عرق الظبية، عند جبل ورقان، وذكر فيه حديثا رواه الزبير بن بكار بإسناد ضعيف جدا، وأن النبي ﷺ قال: ((لقد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيا)) . وهذا لا يثبت، ولعله أحد المسجدين بالروحاء، وقد تقدم ذكرهما.
ثم رجعنا إلى بقية الحديث:
стр. 1545
٤٨٨ - وأن عبد الله بن عمر حدثه، أن النبي ﷺ صلى في طرف تلعة من وراء العرج كبيرة، وأنت ذاهب إلى هضبة عند ذلك المسجد
стр. 1546
قبران أو ثلاثة، على القبور رضم من حجارة، عن يمين الطريق عند سلمات الطريق، بين أولئك السلمات كان
عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة، فيصلي الظهر في ذلك المسجد.
وفي رواية الإمام أحمد لهذا الحديث زيادة في هذا بعد قوله: ((وأنت ذاهب على راس خمسة أميال من العرج فِي مسجد إلى هضبة)) - وذكر باقيه.
والتلعة: المكان المرتفع من الأرض.
قال الخطابي: التلعة مسيل الماء من فوق لأسفل. قال: والهضبة فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل. والرضم: حجارة كبار واحدتها رضمة. والسلمات: جمع سلمة، وهي شجرة ورقها القرظ الذي يدبغ به الأدم. وقيل: السلم يشبه القرظ وليس به. انتهى ما ذكره.
وحكى غيره أن الهضبة كل جبل خلق من صخرة واحدة وكل صخرة راسية تسمى هضبة، وجمعها هضاب -: قاله الخليل.
وقال الأصمعي: الهضبة: الجبل المنبسط على الأرض.
стр. 1547
والسلمات - بالفتح -: شجر، والسلمات بالكسر -: حجارة. والرضم والرضام: دون الهضاب -: قاله أبو عمرو. والوحدة منها رضمة. والعرج: مكان معروف بين مكة والمدينة؛ يقال: أنه عقبة.
رجعنا إلى بقية الحديث:
стр. 1548
٤٨٩ - وأن عبد الله بن عمر حدثه، أن رسول الله ﷺ نزل عند سرحات عن يسار الطريق، في مسيل دون هرشي، ذلك المسيل لاصق بكراع هرشي، بينه وبين الطريق قريب من غلوة، وكان عبد الله بن عمر يصلي إلى سرحة هي اقرب السرحات إلى الطريق، وهي أطولهن.
قال الخطابي: هرشي: ثنية معروفة، وكراعها: ما يمتد منها دون سفحها.
وقال غيره: الغلوة - بفتح الغين المعجمة -: قدر رمية بعيدة بسهم أو حجر.
وعند الإمام أحمد في حديث ابن عمر هذا، في هذا الموضع زيادة: ((غلوة
سهم)) .
وقال صاحب ((معجم البلدان)) هرشي: ثنية في طريق مكة، قريبة من
الجحفة، يرى منها البحر ولها طريقان، فكل من سلك واحدا منهما أفضى به إلى موضع واحد.
стр. 1549
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ مر بوادي الأزرق، فقال: ((أي واد هذا؟)) قالوا: وادي الأزرق. قال: ((كأني أنظر إلى موسى هابطا من الثنية وله جؤار إلى الله بالتلبية)) ، ثم أتى على ثنية هرشي، فقال: ((أي ثنية هذا؟)) قالوا: هرشي. قال: ((كأني أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء جعدة، عليه جبة من صوف، خطام ناقته خلبة، وهو يلبي)) .
قال هشيم: يعني: ليفا.
رجعنا إلى بقية الحديث:
стр. 1550
٤٩٠ - وأن عبد الله بن عمر حدثه، أن النبي ﷺ كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مر الظهران قبل المدينة حين يهبط من الصفراوات، ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق، وأنت ذاهب إلى مكة، ليس بين منزل رسول الله ﷺ وبين الطريق إلا رمية بحجر.
مر الظهران: معروف قريب من مكة ويسمى بطن مر.
والصفراوات: موضع قريب منه بينه وبين عسفان.
رجعنا إلى بقية الحديث:
стр. 1551
٤٩١ - وأن عبد الله بن عمر حدثه، أن النبي ﷺ كان ينزل بذي طوى، ويبيت حتى يصبح،
стр. 1552
يصلي الصبح حين يقدم مكة، ومصلى رسول الله ﷺ ذلك على أكمة غليظة، ليس في المسجد الذي بني ثم، ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة.
هذه القطعة من هذا الحديث خرجها مسلم في ((صحيحه)) عن محمد بن إسحاق المسيبي، عن أبي ضمرة أنس بن عياض، بإسناد البخاري.
وذو طوى: يروى بضم الطاء وكسرها وفتحها، وهو واد معروف بمكة بين الثنيتين، وتسمى أحداهما: ثنية المدنيين، تشرف على مقبرة مكة، وثنية تهبط على جبل يسمى: الحصحاص، بحاء مهملة وصادين مهملين.
وكان بذي طوى مسجد بني بعد النبي ﷺ ، ولم يكن النبي ﷺ صلى فيه، وإنما صلى أسفل منه على أكمة غليظة.
وذكر الأزرقي في ((أخبار مكة)) أن المسجد بنته زبيدة.
وخرج من طريق مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عم موسى بن عقبة، أن نافعا حدثه، أن ابن عمر اخبره، أن رسول الله ﷺ كان ينزل بذي طوى حين يعتمر وفي حجته حين حج، تحت سمرة في موضع المسجد.
قال ابن جريج: وحدثني نافع، أن ابن عمر حدثه، أن رسول الله ﷺ كان ينزل ذا طوى فيبيت به حتى يصلي
стр. 1553
الصبح حين يقدم مكة، ومصلى رسول الله ﷺ ذلك على أكمة غليظة الذي بالمسجد الذي بني ثم، ولكنه أسفل من الجبل الطويل الذي قبل مكة، تجعل المسجد الذي بني يسار المسجد بطرف الأكمة، ومصلى رسول الله ﷺ أسفل منه على الأكمة السوداء، تدع من الأكمة عشرة اذرع ونحوها بيمين، ثم تصلى مستقبل الفرضتين من الجبل الطويل الذي بينه وبين الكعبة.
كذا ذكره الأزرقي.
ومسلم بن خالد، لم يكن بالحافظ.
وهذا إنما يعرف عن موسى بن عقبة عن نافع، فجعله عن ابن جريج، عنه.
وبقي من الحديث الذي خرجه البخاري:
стр. 1554
٤٩٢ - وأن عبد الله بن عمر حدثه، أن النبي ﷺ استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة، فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد بطرف الأكمة، ومصلى النبي ﷺ أسفل منه على الأكمة السوداء، تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها، ثم تصلي مستقبل
стр. 1555
الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة.
وهذه القطعة خرجها - أيضا - مسلم عن المسيبي، عن أبي ضمرة، وأعاد إسنادها بعد تخريج القطعة التي قبلها.
وهذا كله يوهم أن هذه صفة موضع آخر صلى فيه النبي ﷺ قبل دخوله مكة، وليس كذلك، وإنما هو من تمام صفة موضع صلاته بذي طوى كما ساقه الأزرقي في رواية.
والظاهر: أنه هناك مسجدان مبنيان بعد النبي ﷺ ، ولا يعرف منهما اليوم شيء.
وفرضة الجبل - بضم الفاء - مدخل الطريق إليه؛ وأصله مأخوذ من الفرض وهو القطع غير البليغ -: قاله الخطابي.
وفي مبيت النبي ﷺ بذي طوى، وصلاته الصبح في هذا المكان: دليل على أن من كان قادرا على الدخول إلى مكة معاينة الكعبة فله أن يصلي خارجا منها بغير معاينة، وأن من كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل أصلي كالجبل فله أن يصلي بالاجتهاد إلى الكعبة، ولا يلزمه أن يعلو فوق الجبال حتى يشهد الكعبة؛ لما في ذلك من الحرج والمشقة.
وهذا قول أصحابنا والشافعية، ولا نعلم فيه خلافا.
وهذا ((أخر أبواب المساجد)) ، وبعدها ((أبواب السترة)) ، وما يصلى إليه، والمرور بين يدي المصلي، ونحو ذلك.
стр. 1556
٩٠ - باب
سترة الإمام سترة لمن خلفه
خرج فيه ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول:
قال:
стр. 1557
٤٩٣ - ثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: أقبلت راكبا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد.
وقد خرجه - أيضا - في ((كتاب العلم)) عن إسماعيل، عن مالك.
وخرجه في آخر ((المغازي)) في ((باب: حجة الوداع)) عن يحيى بن قزعة، عن مالك.
وذكره تعليقا، قال: وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله، أن ابن عباس أخبره، أنه أقبل يسير على حمار، ورسول الله ﷺ قائم بمنى في حجة الوداع يصلي بالناس، فسار الحمار بين يدي بعض الصف، ثم نزل عنه فصف مع الناس.
ولكن هذا لفظ رواية يونس.
стр. 1558
وقد خرجه به مسلم في ((صحيحه)) من طريق ابن وهب، عنه.
وخرجه مسلم - أيضا - من طريق ابن عينية، عن الزهري، وقال: والنبي ﷺ يصلي بعرفة.
ومن طريق معمر، عن الزهري، ولم يذكر فيه: منى ولا عرفة، وقال في حجة الوداع - أو يوم الفتح.
واقتصر من حديث ابن عيينة ومعمر على هذا.
وذكر يوم الفتح لا وجه له؛ فإن ابن عباس لم يكن قد ناهز يومئذ الاحتلام، ولا كان النبي ﷺ يصلي يومئذ بمنى ولا عرفة.
وفي رواية ابن عيينة: جئت أنا والفضل على أتان لنا.
وفي رواية - أيضا - فلم يقل رسول الله ﷺ لنا شيئا.
وقد خرجه النسائي بتمامه هكذا.
وخرج الترمذي حديث معمر بتمامه، ولفظه: كنت رديف الفضل على أتان، فجئنا والنبي ﷺ يصلي بأصحابه بمنى، فنزلنا عنها، فوصلنا الصف، فمرت بين أيديهم، فلم تقطع صلاتهم.
ففي هذه الروايات: أن ابن عباس مر على حماره بين يدي بعض الصف والنبي ﷺ يصلي بالناس، فلم ينكر ذلك عليه أحد، لا النبي ﷺ ولا أحد ممن صلى خلفه.
وبهذا استدل البخاري وغيره من العلماء على أن سترة الإمام سترة لمن خلف؛ لأن سترة الإمام إذا كَانَتْ محفوظة كفى ذَلِكَ المأمومين، ولم يضرهم مرور من مر بَيْن
أيديهم؛ ولذلك لا يشرع للمأمومين اتخاذ سترة لهم وهم خلف الإمام.
стр. 1559
ولا نعلم أحدا ذكر في حديث ابن عباس: ((إلى غير جدار)) غير مالك. وقد خرجه في ((الموطإ)) في موضعين، ذكر في أحدهما هذه الكلمة، وأسقطها في الأخرى.
وقد قال الشافعي: قول ابن عباس: ((إلى غير جدار)) ، أراد - والله أعلم -: إلى غير سترة.
واستدل بذلك على أن السترة غير واجبة في الصلاة.
وحمله غيره على أن النبي ﷺ كان يصلي إلى عنزة، فإن هذه كانت عادته في الأسفار، على ما يأتي - إن شاء الله تعالى.
فكلام البخاري قد يدل على هذا؛ لإدخاله هذا الحديث في أن سترة الإمام سترة لمن خلفه.
وحمله الإمام أحمد - في رواية ابن منصور والأثرم - على مثل هذا.
لكن البخاري قد خرج الحديث، وفيه: أن النبي ﷺ صلى إلى غير جدار، كما تقدم، إلا أن يقال: لا يلزم من عدم الجدار نفي استتاره بحربة ونحوها.
وقد ذكر الأثرم أن ابن أخي الزهري روى هذا الحديث عن الزهري، وذكر فيه: أن النبي ﷺ صلى إلى غير سترة.
وقد روي عن الإمام أحمد مثل قول الشافعي، وأنه حمل الحديث على أن النبي ﷺ صلى إلى غير سترة -: نقله عنه الحسن بن ثواب.
стр. 1560
واستدل بالحديث - في رواية جماعة من أصحابه عنه - على أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، وعارض به حديث أبي ذر.
وهذا إنما يكون إذا كان يصلي إلى غير سترة.
وقد ورد في رواية التصريح بأن النبي ﷺ كان يصلي إلى غير سترة. وفي حديث آخر التصريح بأن ابن عباس مر بين يدي النبي ﷺ .
فأما الأول، فمن طريق الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي الصهباء، قال: تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس، قال: جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار، ورسول الله ﷺ يصلي، فنزل ونزلت وتركنا الحمار أمام الصف، فما بالاه، وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب فدخلتا بين الصف، فما بالى ذلك.
خرجه أبو داود - وهذا لفظه -، والنسائي.
وخرجه الأثرم، وعنده: ورسول الله ﷺ يصلي في أرض خلاء.
وخرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافي)) من طريق شعبة، ولفظه: أن النبي ﷺ صلى في فضاء ليس بين يديه سترة.
وقد ذكره الإمام أحمد بهذا اللفظ من حديث شعبة، واحتج به، ولم
стр. 1561
نجده في ((المسند)) بهذا اللفظ.
وذكر الأثرم أن شعبة ومنصورا رويا في هذا الحديث: أن النبي ﷺ صلى في فضاء من الأرض، ليس بين يديه سترة، ولعل هذا مما تصرفوا في لفظه لما فهموه من معناه، هكذا رواه شعبة ومنصور، عن الحكم، عن يحيى، عن صهيب.
ورواه شعبة - أيضا - عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن عباس - من غير ذكر: ((صهيب)) في إسناده.
خرجه الإمام أحمد كذلك.
وقد روي عن منصور، عن الحكم كذلك - أيضا.
خرجه ابن حبان في ((صحيحه)) كذلك.
стр. 1562
ورواه حجاج، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن ابن عباس - من غير ذكر: ((أبي الصهباء)) - أيضا - ولفظ حديثه: صلى رسول الله ﷺ في فضاء، ليس بين يديه شيء - ولم يزد على ذلك.
خرجه من طريقه الإمام أحمد.
وأبو الصهباء، اسمه: صهيب المدني، وهو ثقة، وثقه أبو زرعة وغيره. ويقال أنه البكري، وهو مدني، لكن سئل عن صهيب هذا، فقال: شيخ من أهل البصرة. وهذا يدل على أنه غير المدني.
وصحح أبو حاتم الرازي - فيما نقله عنه ابنه - كلا القولين: إدخال صهيب في إسناده، وإسقاطه.
وفي ((مسند الإمام أحمد)) : أن يحيى بن الجزار لم يسمعه من ابن عباس.
والظاهر: أن ذلك من قول شعبة.
وكلام أحمد يدل على أن الصحيح دخوله في الإسناد.
وذكر الإمام أحمد هذا الحديث، واستدل به على أن الصلاة إلى غير سترة صحيحة، وقال: ليس هو بذاك.
يعني: من جهة إسناده، ولعله رأى أن صهيبا هذا غير معروف، وليس هو بأبي الصهباء البكري مولى ابن عباس؛ فإن ذاك مدني.
وأما الثاني: فمن طريق ابن جُرَيْج: حَدَّثَنِي عَبْد الكريم الجزري، أن
стр. 1563
مجاهدا
أخبره، عن ابن عباس، قال: أتيت النبي ﷺ أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله ﷺ بعرفة وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره، يحول بيننا وبينه.
خرجه البزار.
وخرج الإمام أحمد من طريق ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: جئت أنا والفضل على حمار، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس في فضاء من الأرض، فمررنا بين يديه ونحن عليه، حتى جاوزنا عامة الصف، فما نهانا ولا ردنا.
وشعبة هذا، تكلم فيه.
فعلى تقدير أن يكون ابن عباس مر بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي إلى غير سترة، فإنه يحمل على أنه مر بين يديه من بعد؛ فإنه لا يظن بالفضل وأخيه أن يمرا على حمار بين يدي النبي ﷺ بالقرب منه، وإذا كان مرورهما بين يديه متباعدا فإنه لا يضر، ومرورهما على هذه الحال وجوده كعدمه.
وعلى تقدير أن يكونا لم يمرا إلا بين يدي بعض الصف، ولم يمرا بين يدي النبي ﷺ ، والروايات الصحيحة إنما تدل على ذلك فمع ما علم من عادة النبي ﷺ من صلاته إلى العنزة في أسفاره.
وقد روي ذلك من حديث
стр. 1564
ابن عباس - أيضا.
خرجه الإمام أحمد: ثنا يزيد بن أبي حكيم: حدثني الحكم بن أبان، قال: سمعت عكرمة يقول: قال ابن عباس قال: ركزت العنزة بين يدي النبي ﷺ بعرفات، فصلى والحمار من وراء العنزة.
والظاهر: أنه أشار إلى مروره على الحمار بين يديه، فيستدل بالحديث حينئذ على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، كما استدل به البخاري.
وسواء كان النبي ﷺ حينئذ يصلي إلى سترة أو إلى غير سترة؛ لأن قبلته كانت محفوظة عن المرور فيها، وكان هو ﷺ سترة لمن وراءه؛ فلذلك لم يضرهم مرور الحمار بين أيديهم.
وهذا قول جمهور العلماء: إن سترة الإمام سترة لمن خلفه.
قال ابن المنذر: روي ذلك عن ابن عمر، وبه قال النخعي ومالك والأوزاعي واحمد. انتهى.
وروي - أيضا - عن أبي قلابة وعن الشعبي.
وروي عنه، عن مسروق.
ولكن أنكره الإمام أحمد، وذكره عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن فقهاء المدينة السبعة
стр. 1565
في مشيخة سواهم من نظرائهم أهل ثقة وفضل، وهو قول الثوري.
وقد روي فيه حديث مرفوع:
خرجه الطبراني من رواية سويد بن عبد العزيز، عن عاصم الأحول، عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: ((سترة الإمام سترة لمن خلفه)) .
ولكن لا يصح؛ وسويد هذا ضعيف جدا.
وقد أنكر الإمام أحمد عليه أنه روى عن حصين، عن الشعبي، عن مسروق أنه قال: سترة الإمام سترة لمن خلفه، وقال: إنما هو قول الشعبي. فكيف لو سمع أنه روى ذلك بإسناد له عن النبي ﷺ ؟
ومنهم من قال: الإمام سترة لمن خلفه، وهو قول طائفة من أصحاب مالك.
ومعنى كون سترة الإمام سترة لمن خلفه: أن المأمومين لا يشرع لهم أن ينصبوا بين أيديهم سترة إمامهم، وأنه لا يضرهم من مر بين أيديهم إذا لم يمر بين يدي إمامهم.
ويدل على ذلك - أيضا -: ما روى هشام بن الغاز، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: هبطنا مع النبي ﷺ -
стр. 1566
ثنية أذاخر، فحضرت الصلاة - يعني: إلى جدر - فاتخذه قبلة ونحن خلفه، فجاءت بهيمة تمر بين يديه، فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدر، ومرت من ورائه.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود.
وهذا يدل على أن المرور بين الإمام وسترته محذور، بخلاف المرور بين يدي من خلفه، إذا كانت سترة الإمام محفوظة.
وأما جواز المرور بين يدي المأمومين إذا كانت سترة إمامهم محفوظة ففيه قولان:
أحدهما: أنه منهي عنه - أيضا - نص عليه في رواية الأثرم، في الرجل يكون خلف الإمام وبين يديه صف، فيكون في الصف الذي بين يديه خلل عن يساره ليس هو بحذائه، أيمشي إليه فيسده؟ قال: إن كان بحذائه فعل فأما أن يمشي معترضا فيؤذي الذي إلى جنبه ويمر بين يديه فلا.
وهذا يدل على أن المشي بين يدي المأمومين داخل في النهي.
ومن أصحابنا من حمل ذلك على كراهة التنزيه، بخلاف المشي بين الإمام والمنفرد.
والكراهة قول أصحاب الشافعي - أيضا - وسيأتي عن الشافعي ما يدل عليه.
وقال سفيان: لا يعجبني ذلك.
وذكر مالك في ((الموطإ)) أنه بلغه، أن ابن عمر كان يكره أن يمر بين يدي النساء وهن
стр. 1567
يصلين.
وحمله بعضهم على كراهة المرور بين يدي صفوف النساء في مؤخرة المسجد إذا صلين مع الإمام.
والقول الثاني: جوازه من غير كراهة، وأنه غير داخل في النهي، وقد حكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد، إذا كان مشيه لحاجة؛ كمشيه إلى فرجة في الصف، أو إذا لم يجد موضعا يصلي قيه.
وهو ظاهر كلام كثير من أصحابنا؛ فإنهم استدلوا بحديث ابن عباس على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وجعلوا عدم الإنكار على ابن عباس دليلا على ذلك.
وكلام ابن عباس يدل عليه - أيضا - فإنه استدل بعدم الإنكار على الجواز.
وهو مستلزم لعدم بطلان الصلاة، وهذا مذهب مالك وأصحابه.
ذكر مالك في ((الموطإ)) : ((باب: الرخصة في المرور بين يدي المصلي)) ، وخرج فيه حديث ابن عباس هذا، ثم قال: بلغني أن سعد بن وقاص كان يمر بين يدي بعض الصفوف والصلاة قائمة.
قال مالك: وأنا أرى ذلك واسعا، إذا أقيمت الصلاة بعد أن يحرم الإمام ولم يجد المرء مدخلا إلى المسجد إلا بين الصفوف.
وقد ذكر أبو داود في ((سننه)) بعض كلام مالك، عن القعنبي، عنه.
وقال سفيان الثوري: إذ انتهى إلى المسجد والطريق بين أيديهم، فانه يمشي معترضا حتى يدخل المسجد.
стр. 1568
وفي ((تهذيب المدونة)) للبرادعي: ولا بأس بالمرور بين الصفوف عرضا، والإمام سترة لهم، وإن لم يكونوا إلى سترة، وكذلك من رعف وأحدث فليخرج عرضا، وليس عليه أن يرجع الى عجز المسجد.
وذكر ابن عبد البر في ((التمهيد)) أن المأموم لا يدفع من مر بين يديه، وقال: لا أعلم بين أهل العلم فيه خلافا.
وذكر في ((الاستذكار)) قول مالك الذي ذكره في ((الموطإ)) ، وذكر أن مالكا يرخص في ذلك لمن لم يجد منه بدا، وأن غيره لا يرى به بأسا - يعني: بكل حال، سواء اضطر إليه أو لا -؛ لحديث ابن عباس. قال: وقد قدمنا أن الإمام سترة لمن خلفه، فالماشي خلفه أمام الصف كالماشي خلفه دون صف. قال: ويحتمل هذا أن يكون المار لم يجد بدا كما قال مالك. ولكن الظاهر ما قدمنا من الآثار الدالة على أن الإمام سترة لمن خلفه.
وهذا الكلام يدل على أن للعلماء اختلافا: هل الرخصة تختص بحال الضرورة أم تعم؟
وقد حكى بعض أصحابنا رواية أخرى عن أحمد، بأن من كان بين يديه فرجة فلا يكره له أن يمشي عرضا بين الصفوف حتى يقوم فيها.
стр. 1569
وهذا قول ثالث بالرخصة في ذلك لحاجة إليه، وإن لم يكن ضرورة.
وذكر البيهقي في كتابه ((المعرفة)) عن الشافعي في القديم، أنه ذكر قول مالك في هذا، واعتراض من اعترض عليه ثم أخذ في الذب عنه، واحتج بحديث ابن عباس
وغيره، وأشار إلى أن ذلك إنما قاله في المرور بين يدي المتنفلين الذين عليهم قطع النافلة للمكتوبة، ولا يجد الداخل طريقا غير الممر بين أيديهم.
ومعنى هذا أنه إنما يجوز المرور للضرورة بين يدي من يصلي صلاة مكروهة، هو من يتنفل بعد إقامة الصلاة، أو يطيل في نافلته وقد أقيمت الصلاة.
ولكن أصحاب مالك حملوا كلام مالك على عمومه في حال الضرورة كما تقدم، وهذا الكلام من الشافعي يدل على أن المأمومين لا يجوز المرور بين أيديهم إذا كانوا يقتدون بصلاة الإمام لضرورة ولا غيرها، كما قاله أحمد في غير حال الضرورة في رواية الأثرم.
وقال أصحاب الشافعي: إذا وجد الداخل فرجة في الصف الأول، فله أن يمر بين يدي الصف الثاني ويصف فيها؛ لتقصير أهل الثاني بتركها.
وهذا موافق لكلام الشافعي، حيث لم يجز المرور إلا مع تقصير المصلين، لكنه يخصه بحال الضرورة وأصحابه لم يخصوه بذلك.
ونص الشافعي في كتاب ((مختلف الحديث)) على أن المرور بين يدي المصلي إلى غير سترة مباح غير مكروه، واستدل بحديث
стр. 1570
ابن عباس هذا، وبحديث المطلب بن أبي وداعة.
وذهبت طائفة من العلماء إلى أن سترة الإمام ليست سترة لمن خلفه من المأمومين:
فروى الجوزجاني وغيره من طريق ابن سيرين، أنه بلغه، أن الحكم الغفاري أم جيشا، وأنه كان بين يديه رمح، فمر به ما يقطع الصلاة، فأعاد بالقوم الصلاة، فلما انصرف ذكر ذلك له، فقال: أولم تروا إلى ما مر بين أيدينا؟ فأنا ومن يليني قد سترنا الرمح، فإنما أعدت الصلاة من أجل العامة.
قال ابن المنذر في ((كتابه الكبير)) : وروي عن عطاء نحوه.
وروى عمر بن شبة في كتاب ((أخبار قضاة البصرة)) : ثنا محمد بن حاتم: ثنا إسماعيل بن إبراهيم: ثنا يونس؛ قال: كان موسى بن أنس يصلي بالناس في صحن المسجد، فكان كلب يمر بين أيديهم، فسألوا الحسن، فقال: أما الإمام ومن كان إلى سارية ومن كان خلف الصف فلا يعيد، ومن كان بين السواري فليعد.
وأما على تقدير أن يكون ابن عباس مر على الأتان بين يدي النبي ﷺ ، وهو يصلي إلى غير سترة، ولم ينهه عن ذلك، فهذا يحتمل وجوها:
أحدها: أن يكون مر بين يديه من بعد، والمار أمام المصلي إلى غير
стр. 1571
سترة عن بعد كالمار خلف سترته.
ولكن خرج الإمام أحمد من حديث الحسن العرني، عن ابن عباس، قال: أقبلت على حمار ورسول الله ﷺ يصلي بالناس، حتى إذا كنت قريبا منه نزلت عنه، وخليت عنه، ودخلت مع النبي ﷺ في صلاته، فما أعاد صلاته، ولا نهاني عما صنعت.
والحسن العرني لم يسمع من ابن عباس -: قاله الإمام أحمد، فحديثه عنه منقطع.
والثاني: أن يحمل على أن الاستتار في الصلاة غير واجب، وإنما هو على الاختيار، وهذا حكاه البيهقي عن الشافعي.
ولكن يقال: فالمرور بين يدي المصلي إلى غير سترة، إما أنه حرام، أو مكروه، فكيف أقر عليه ولم ينكر؟
وقد يجاب: بأنه إذا كان مكروها، فإنكاره غير واجب.
ولأصحابنا وجه: أن من صلى إلى غير سترة لم يكن المرور بين يديه منهيا عنه إنما النهي يختص بمن صلى إلى سترة، فينهى عن المرور بينه وبين السترة، وهو قول ابن المنذر.
وقال أصحاب الشافعي: لا يحرم المرور بين يدي المصلي إلى غير
стр. 1572
سترة، بل يكره.
وهل للمصلي إلى غير سترة أن يدفع المار بين يديه؟ على وجهين لهم، أصحهما: ليس له الدفع.
والثالث: أن يكون مرور ابن عباس بين يدي النبي ﷺ بمنى كما في رواية مالك وغيره من أصحاب الزهري، وحكم الحرم أنه يجوز المرور فيه بين يدي المصلي دون سائر البلدان -: قاله طائفة من أصحابنا، وستأتي هذه المسألة فيما بعد حيث بوب البخاري عليها.
وقد روي ما يخالف هذا، وأن المار يرد بالأبطح، فروى ابن لهيعة: حدثني حبان بن واسع، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد وأبي بشير الأنصاري، أن رسول الله ﷺ صلى بهم ذات يوم وامرأة بالبطحاء، فأشار إليها النبي ﷺ أن تأخري، فرجعت حتى صلى ثم مرت.
خرجه الإمام أحمد.
وابن لهيعة، حاله مشهور.
الحديث الثاني:
قال:
стр. 1573
٤٩٤ - ثنا إسحاق: ثنا عبد الله بن نمير: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس من ورائه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثم اتخذها الأمراء.
стр. 1574
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان إذا صلى في فضاء من الأرض صلى إلى الحربة، فيركزها بين يديه، ثم يصلي إليها، فكان يفعل ذلك في العيدين؛ لأنه كان يصليهما بالمصلى، ولم يكن فيه بناء ولا سترة، وكان يفعل ذلك في أسفاره – أيضا -؛ لأن المسافر لا يجد غالبا جدارا يستتر به، وأكثر ما يصلي في فضاء من الأرض.
وخرج ابن ماجه من طريق الأوزاعي: أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان يغدو إلى المصلى في يوم عيد، والعنزة تحمل بين يديه، فإذا بلغ المصلى نصبت بين يديه، فيصلي إليها، وذلك أن المصلى كان فضاء ليس شيء يستتر به.
وخرج البخاري أوله دون آخره.
وقال أبو نعيم: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن مكحول، قال: كانت تحمل الحربة مع رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان يصلي إليها.
وما ذكر في حديث ابن عمر من اتخاذ الأمراء لها، فالأمراء الذين عناهم في زمنه إنما اتخذوها تعاظما وكبرا، لم يتخذوها لأجل الصلاة كما كان النبي ﷺ يتخذها للصلاة.
وفي الحديث: دليل على استحباب السترة للمصلي وإن كان في فضاء، وهو قول الأكثرين.
ورخص طائفة من العلماء لمن في فضاء أن يصلي إلى غير سترة، منهم: الحسن وعروة.
وكان القاسم وسالم يصليان في السفر إلى غير سترة. وروي عن الإمام أحمد نحوه -: نقله
стр. 1575
عنه الأثرم وغيره. وهو - أيضا - مذهب مالك.
قال صاحب ((تهذيب المدونة)) : ولا يصلي في الحضر إلا إلى سترة، ويصلي في السفر أو بموضع يأمن فيه مرور شيء بين يديه إلى غير سترة.
ويستدل لذلك بصلاة النبي ﷺ بمنى إلى غير جدار، كما تقدم في رواية مالك لحديث ابن عباس، وان الشافعي وغيره فسروه بصلاته إلى غير سترة بالكلية.
وقد قيل: إن فائدة السترة منع المرور بين يدي المصلي.
وقيل: كف النظر عما وراء السترة.
والأول أظهر وأشبه بظواهر النصوص، والعنزة ونحوها لا تكف النظر.
وحيث تستحب الصلاة إلى السترة، فليس ذلك على الوجوب عند الأكثرين، وهو المشهور عند أصحاب الإمام أحمد.
ومنهم من قال: هي واجبة، لكن لا تبطل الصلاة بتركها حتى يوجد المرور المبطل للصلاة الذي لأجله شرعت السترة.
وقال الأثرم: حديث ابن عباس في صلاة النبي ﷺ إلى غير سترة إن كان محفوظا فإنما وجهه إذا لم يجد سترة أجزأه.
فحمله على حالة تعذر وجود السترة، وفيه نظر؛ فان النبي ﷺ لا يتعذر عليه تحصيل ما يستتر به، وهو بمنى أو بعرفة، ومعه الخلق العظيم من
стр. 1576
المسلمين.
ورخصت طائفة في الصلاة إلى غير سترة مطلقا؛ روى جابر، عن الشعبي، قال: لا بأس أن يصلي إلى غير سترة.
وقال ابن سيرين قلت لعبيدة: ما يستر المصلي، وما يقطع الصلاة؟ قال: يسترها التقوى ويقطعها الفجور. قال: فذكرته لشريح، فقال: أطيب لنفسك أن تجعل بين يديك شيئا.
خرجهما وكيع.
وروى بإسناده، عن ابن مسعود، قال: من الجفاء أن يصلي الرجل إلى غير سترة.
الحديث الثاني:
стр. 1577
٤٩٥ - ثنا أبو الوليد: ثنا شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، قال: سمعت أبي يحدث، أن النبي ﷺ صلى بهم بالبطحاء - وبين يديه عنزة - الظهر ركعتين والعصر ركعتين، يمر بين يديه المرأة والحمار.
هذا - أيضا - يدل - كما دل عليه حديث ابن عمر - أن النبي ﷺ كان يصلي في أسفاره إلى عنزة تستره ممن يمر بين يديه،
стр. 1578
وهذا مما يضعف حمل الأثرم لصلاة النبي ﷺ بمنى أو عرفة إلى غير سترة على أنه تعذر عليه السترة؛ فان حديث أبي جحيفة يدل على أن العنزة كانت معه في حجة الوداع، وانه صلى إليها بمكة.
وقوله: ((يمر بين يديه المرأة والحمار)) مما يسدل به على أن مرورها بين يدي المصلي إلى غير سترة يقطع عليه صلاته، ولولا ذلك لم يكن لتخصيص المرأة والحمار بمرورهما بين يديه من وراء السترة - معنى.
وقوله: ((يمر بين يديه المرأة والحمار)) - يعني: من وراء العنزة، كما في الرواية الأخرى: يمرون من ورائها، وستأتي قريبا - إن شاء الله تعالى.
стр. 1579
٩١ - باب
قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة ؟
стр. 1580
٤٩٦ - حدثنا عمرو بن زرارة: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل، قال: كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر مشاة.
следующие страницы →