← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

٢٢ - باب فضل العشاء فيه حديثان: الأول:

стр. 1997

٥٦٦ - حدثنا يحيى بن بكير: ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، أن عائشة أخبرته، قالت: أعتم رسول الله ﷺ ليلة بالعشاء، وذلك قبل أن يفشو الإسلام، فلم يخرج حتى قال عمر: نام النساء والصبيان، فخرج، فقال لأهل المسجد: (ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم) . قوله ﷺ : (ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم) ، قد فهمت منه عائشة – ﵂ – أن الصلاة لم يكن يجتمع لها بغير المدينة. وقد خرجه البخاري في موضع آخر، وفيه: قال: (ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة) ، ولعل هذا مدرج من قول الزهري أو عروة، وقد كان يصلي بالمدينة في غير مسجد النبي ﷺ ، كمسجد قباء وغيره من مساجد قبائل الأنصار. وقد روي ما يدل على أن مراد النبي ﷺ : أنه لا يصليها أحد من أهل الأديان غير المسلمين.

стр. 1998

ففي (صحيح مسلم) من حديث منصور، عن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله ﷺ لصلاة عشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك؟ فقال حين خرج: (إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة) ، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى. وخرج الإمام أحمد من رواية عاصم، عن زر، عن ابن مسعود، قال: أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: (أماإنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم) ، قال: وأنزلت هؤلاء الآيات: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] . وخرجه يعقوب بن شيبة في (مسنده) ، وقال: صالح الإسناد. وخرج الإمام أحمد وأبو داود من رواية عاصم بن حميد السكوني، أنه سمع معاذ بن جبل قال: رقبنا النبي ﷺ في صلاة العتمة، فتأخر حتى خرج، فقال: (أعتموا بهذه الصلاة؛ فإنكم قد فضلتم بها على

стр. 1999

سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم) . وعاصم هذا؛ وثقه ابن حبان والدارقطني، وهو من أصحاب معاذ. وخرج أبو مسلم الكجي في (سننه) من حديث الشعبي، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ أخر صلاة العشاء ذات ليلة حتى ذهب من الليل ما شاء الله، ثم جاء، فقال: (هذه الصلاة لم يعطها أحد من الأمم قبلكم – أو غيركم - فمن كان طالباً إلى الله حاجة لآخرة أو دنيا فليطلبها في هذا الصلاة) . وقد دلت هذه الأحاديث على فضل ذكر الله تعالى في الأوقات التي يغفل عموم الناس فيها، ولهذا فضل التهجد في وسط الليل على غيره من الأوقات؛ لقلة من يذكر الله في تلك الحال. وفي (المسند) عن أبي ذر، قال: سألت النبي ﷺ : أي قيام الليل أفضل؟ قال: (جوف الليل الغابر – أو نصف الليل – وقليل فاعله) . وفي الترمذي عن عمرو بن عبسة، عن النبي ﷺ ، قال: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) .

стр. 2000

قال بعض السلف: ذاكر الله في الغافلين كمثل الذي يحمي الفئة المنهزمة، ولولا من يذكر الله في غفلة الناس هلك الناس. ورويناه مرفوعاً بإسناد ضعيف، عن ابن عمر – مرفوعاً -: (ذاكر الله في الغافلين كالذي يقاتل عن الفارين، وذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الشجر الذي تحات ورقه من الصريد) – والصريد: البرد الشديد – (والذاكر الله في الغافلين يغفر له بعدد كل رطب ويابس، وذاكر الله في الغافلين يعرف مقعده من الجنة) . الحديث الثاني:

стр. 2001

٥٦٧ - حدثنا محمد بن العلاء: ثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة نزولاً في بقيع بطحان، والنبي ﷺ بالمدينة، فكان يتناوب النبي ﷺ عند صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم، فوافقنا النبي ﷺ أنا وأصحابي، وله بعض الشغل في بعض أمره، فأعتم بالصلاة، حتى أبهار الليل، ثم خرج النبي ﷺ فصلى بهم، فلما قضى صلاته قال لمن حضره: (على رسلكم، أبشروا، إن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم) – أو قال: (ما صلى هذه الساعة أحد غيركم) ، لا أدري أي الكلمتين قال – قال أبو موسى: فرجعنا فرحى، وفرحنا بما سمعنا من رسول الله ﷺ . البقيع – في اللغة -: المكان الذي فيه شجر من ضروب شتى. وبطحان: أحد أودية المدينة المشهورة، وهي ثلاثة: بطحان، والعقيق، وقناة. وبطحان: يقوله أهل الحديث بضم أوله، وسكون ثانيه، وقيل: بفتح أوله، وأهل اللغة يقولونه بفتح أوله وكسر ثانيه، وقالوا: لا يجوز فيه غير ذلك -: ذكره صاحب (معجم البلدان) . وقوله: (أعتم بالصلاة) أي أخرها، ومنه قيل: (قرى عاتم) إذا لم يقدم العجالة للضيف، وأبطأ عليه بالطعام. ومعنى: (أبهار الليل) انتصف -: قاله الأصمعي وغيره، وقالوا: بهرة كل شيء وسطه. وقيل: معناه: استنار الليل [باستهام] طلوع نجومه بعد أن تذهب فحمة الليل وظلمته بساعة، وهذا بعيد. وقوله: (ليس أحد من الناس يصلي هذه

стр. 2002

الساعة غيركم) – أو (ما صلى هذه الساعة أحد غيركم) – يحتمل أنه أراد به أهل الأديان، كما تقدم وأنه أراد به المسلمين - أيضا. وفي هذا الحديث والذي قبله: دليل على استحباب تأخير العشاء. وفي حديث أبي موسى: دلالة على جواز تأخيرها إلى انتصاف الليل، وسيأتي القول في ذلك مبسوطاً – إن شاء الله تعالى.

стр. 2003

٢٣ - باب ما يكره من النوم قبل العشاء

стр. 2004

٥٦٨ - حدثنا محمد بن سلام: ثنا عبد الوهاب الثقفي: ثنا خالد الحذاء، عن أبي المنهال، عن أبي برزة، أن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها. قد اخذ بظاهر هذا الحديث طائفة من العلماء، وكرهوا النوم قبل العشاء بكل حال. قال ابن المبارك: أكثر الأحاديث على ذلك. ورويت الكراهة عن عمر، وابن عمر وابن عباس، وأبي هريرة، وعن مجاهد، وطاوس، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي، وهو قول أصحاب الشافعي، وحكي عن مالك وأبي حنيفة والشافعي -: حكاه ابن عبد البر. وذكره ابن أبي موسى من أصحابنا مذهباً لنا، وهو قول الثوري. وروي عن ابن عمر كراهة النوم قبل العشاء وإن وكل به من يوقظه من رواية الفقير وغيره، عنه. وعن مجاهد: لأن أصلي صلاة العشاء قبل أن يغيب الشفق وحدي أحب إلي من أن أنام ثم أدركها مع الإمام.

стр. 2005

كذا رواه عبد الكريم البصري، عنه. وروى عنه – أيضا -، أن النبي ﷺ قال: (لا نامت عين رجل نام قبل أن يصلي العشاء) . وعبد الكريم هذا، ضعيف. وروى عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلي الطائفي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما نام رسول الله ﷺ قبل العشاء الآخرة ولا سمر بعدها. خرجه ابن ماجه. وعبد الله هذا، قال ابن معين: صويلح. وقال البخاري: مقارب الحديث. وقال الدارقطني: يعتبر به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وروى يحيى بن سليم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ نائماَ قبل العشاء ولا متحدثاً بعدها. ذكره الأثرم، وضعفه من أجل يحيى بن سليم، وقال: لم يروه غيره. كذا قاله. وخرجه ابن حبان في (صحيحه) من طريق جعفر بن سليمان، عن هشام.

стр. 2006

وخرجه البزار من طريق محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير – وهو متروك -، عن ابن أبي مليكة، عن عروة، عن عائشة – وزاد فيه، في أوله: عن النبي ﷺ ، قال: (من نام قبل العشاء فلا أنام الله عينه) . وهذا لا يثبت مرفوعاً، وإنما روي عن عمر من قوله. وروى ابن وهب في (مسنده) ، قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، أن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الأنسان يرقد عن العشاء قبل أن يصلي؟ قال: (لا نامت عينه) – ثلاث مرات. وخرجه بقي بن مخلد من طريقه. وهو منقطع بين بكير بن الأشج وعائشة. وخرجه بقي من وجه آخر ضعيف، عن عائشة، مرفوعاً – بمعناه.

стр. 2007

٢٤ - باب النوم قبل العشاء لمن غلب خرج فيه حديثين: الأول: قال:

стр. 2008

٥٦٩ - حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال: حدثني أبو بكر، عن سليمان – هو ابن بلال -: ثنا صالح بن كيسان، قال: أخبرني ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: أعتم رسول الله ﷺ بالعشاء حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان. فخرج فقال: (ما ينتظرها من أهل الأرض أحد غيركم) . قال: ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة، قال: وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول. (أبو بكر) هو عبد الحميد بن أبي أويس، وهذا الحديث من جملة نسخة تروى بهذا الإسناد، قد سبق بعضها. وقوله: (قال: ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة) قال: (وكانوا يصلون) – إلى آخره. الظاهر أنه مدرج من قول الزهري.

стр. 2009

وقد خرج هذا الحديث مسلم بدون هذا الكلام في آخره من رواية يونس وعقيل، عن ابن شهاب، وزاد فيه: وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس. وقد خرجه البخاري قبل هذا من حديث عقيل كذلك. وخرجه فيما يأتي في أواخر الصلاة في (باب: وضوء الصبيان) : حدثنا أبو اليمان: أبنا شعيب، عن الزهري. ثم قال: وقال عياش: ثنا عبد الأعلى: ثنا معمر، عن الزهري – فذكر هذا الحديث بمعناه. وفيه: قال: (إنه ليس أحد من أهل الأرض يصلي هذه الصلاة غيركم) . ولم يكن يومئذ يصلي غير أهل المدينة. ثم خرجه في الباب الذي يليه: (باب: خروج النساء إلى المساجد) عن أبي اليمان، عن شعيب، وقال في حديثه: ولا يصلي يومئذ إلا بالمدينة، وكانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل. وخرجه النسائي من طريق شعيب، عن الزهري. ومن طريق محمد بن حمير، عن ابن أبي عبلة، عن الزهري، به، وزاد فيه: (ولم يكن يصلي يومئذ إلا بالمدينة) . ثم قال: (صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل) . قال: ولفظه لمحمد بن حمير.

стр. 2010

فجعله من قول النبي ﷺ ، وهذا غير محفوظ؛ والظاهر أنه مدرج من قول الزهري. والله أعلم. وقد خرجه الطبراني في (مسند إبراهيم بن [أبي] عبلة) من غير وجه، عن محمد بن حمير، وفيه: (وكانوا يصلونها) ، وهذا يبين أنه مدرج. وعند مسلم فيه زيادة اخرى مرسلة. قال ابن شهاب: وذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: (ما كان لكم أن تنزروا رسول الله ﷺ للصلاة) . وذلك حين صاح عمر بن الخطاب. وهذا يدل على أن في هذا الحديث ألفاظاً أرسلها الزهري، وكانت تلك عادته أنه يدرج في أحاديثه كلمات يرسلها أو يقولها من عنده. وفي هذا ما يستدل به على وقت العشاء، وأنه من مغيب الشفق إلى ثلث الليل، وهذا القدر متفق على أنه وقت للعشاء، وأن المصلي فيه مصل للعشاء في وقتها، إلا ما حكاه ابن المنذر عن النخعي: أن وقت العشاء إلى ربع الليل، ونقله ابن منصور عن إسحاق. واختلفوا: فيمن صلى بعد ذهاب ثلث الليل، وفيمن صلى قبل الشفق؟ فأمامن صلى بعد ثلث الليل فسيأتي الكلام عليه في موضعه من الكتاب – إن شاء الله.

стр. 2011

وأماتقديم صلاة العشاء على مغيب الشفق: فحكى طائفة من العلماء الإجماع على أن من صلى العشاء قبل مغيب الشفق فعليه الإعادة؛ لأنه مصل في غير الوقت، وحكي فيه خلاف شاذ. وقد تقدم عن عبد الكريم، عن مجاهد، أنه قال: لأن أصلي صلاة العشاء وحدي قبل أن يغيب الشفق أحب إلي من أن أنام ثم أدركها مع الإمام. خرجه أبو نعيم في (كتاب الصلاة) له. وعبد الكريم، هو أبو أمية، ضعيف جداً، مع أن البخاري حسن الرأي فيه. وقال حرب: سئل أحمد عن الرجل يصلي المغرب قبل أن يغيب الشفق؟ قال: لا أدري. وروى الإمام أحمد: ثنا عبد الله بن الحارث المخزومي: ثنا ثور بن يزيد، عن سليمان بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر، عن النبي ﷺ فذكر حديث صلاة جبريل به في اليومين، وقال في الأول: (ثم صلى العشاء قبل غيبوبة الشفق) . قال البيهقي: هذا مخالف لسائر الروايات.

стр. 2012

وقد خرجه النسائي عن عبيد الله بن سعيد، عن المخزومي به، وقال في الأول: (والعشاء حين غاب الشفق) . وقد يحمل الشفق في هذا الحديث – على تقدير كونه محفوظاً -، وفي كلام مجاهد وأحمد على البياض، أو يكون مجاهد يرى أن وقت العشاء يدخل بدخول وقت المغرب. وقد اختلف العلماء في الشفق الذي يدخل به وقت العشاء: هل هو البياض، أو الحمرة؟ فقال طائفة: هو الحمرة، وهو قول ابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس. وروي عن عمر وعلي وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وقول كثير من التابعين، ومذهب الثوري والأوزاعي والحسن بن حي ومالك والشافعي وإسحاق وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور. ورواه عتيق بن يعقوب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر – مرفوعاً. خرجه الدارقطني وغيره. ورفعه وهم. وقال البيهقي في (كتاب المعرفة) : لا يصح فيه عن النبي ﷺ شيء. وفي (صحيح ابن خزيمة) في حديث عبد الله بن عمرو المرفوع:

стр. 2013

(ووقت المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق) . وقد أعلت هذه اللفظة بتفرد محمد بن يزيد الواسطي بها عن سائر أصحاب شعبة. وقال طائفة: الشفق البياض الباقي بعد الحمرة. وروي عن عمر بن عبد العزيز، وقو قول أبي حنيفة، وزفر، والمزني، وروي – أيضا - عن الثوري والأوزاعي. وأماالإمام أحمد فالمشهور عند القاضي أبي يعلي ومن بعده من أصحابه أن مذهبه أن الشفق الحمرة حضراً وسفراً. وقد نص أحمد في رواية الأثرم فيمن صلى العشاء في الحضر قبل مغيب البياض: يجزئه، ولكن أحب إلي أن لا يصلي في الحضر حتى يغيب البياض. ونقل عنه جمهور أصحابه: أن الشفق في الحضر البياض، وفي السفر الحمرة وهو الذي ذكره الخرقي في (كتابه) ، قال: لأن في الحضر قد تنزل الحمرة فيواريها الجدران، فيظن أنها قد غابت، فإذا غاب البياض فقد تيقن. وحمل القاضي ومن بعده هذا على مجرد الاحتياط والاستحباب دون الوجوب. ومن الأصحاب من حكى رواية أخرى عن أحمد: أن الشفق

стр. 2014

البياض في السفر والحضر، ولا يكاد يثبت عنه. وقال ابن أبي موسى: لم يختلف قول أحمد: أن الشفق الحمرة في السفر، واختلف قوله في الحضر على روايتين. ونقل ابن منصور في (مسائله) ، قال: قلت لأحمد: ما الشفق؟ قال: في الحضر البياض، وفي السفر أرجو أن يكون الحمرة؛ لأن في السفر يجمع بين الصلاتين جد به السير أو لم يجد، فإذا جمع بينهما فلا يبالي متى صلاها. وهذا تعليل آخر بجواز الجمع بين الصلاتين، وهو يدل على جواز جمع التقديم مع التفريق بين الصلاتين، وعلى أنه لا يشترط للجمع نية الجمع، وقد سبق التنبيه على ذلك. ومقصود البخاري بتخريج هذا الحديث في هذا الباب: أن من نام قبل صلاة العشاء مغلوباً على ذلك من غير تعمد له فإنه لا يدخل في النهي، لأن النهي إنما هو عن تعمد ذلك، فأمامن لم يتعمده فلا يتوجه إليه النهي. الحديث الثاني: قال:

стр. 2015

٥٧٠ - حدثنا محمود: ثنا عبد الرزاق: أبنا ابن جريج: أخبرني نافع: ثنا عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ شغل عنها ليلة، فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا

стр. 2016

النبي ﷺ ، ثم قال: (ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم) . وكان ابن عمر لا يبالي أقدمها أم أخرها، إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها، وقد كان يرقد قبلها.

стр. 2017

٥٧١ - قال ابن جريج: قلت لعطاء، فقال: سمعت ابن عباس يقول: أعتم رسول الله ﷺ ليلة بالعشاء حتى رقد الناس، واستيقظوا، ورقدوا واستيقظوا، فقام عمر بن الخطاب، فقال: الصلاة. قال عطاء: قال ابن عباس: فخرج رسول الله ﷺ كأني أنظر إليه الآن يقطر رأسَهُ ماءً، واضعاً يده على رأسه، فقال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا) . فاستثبت عطاء: كيف وضع النبي ﷺ يده على رأسه كما أنبأه ابن عباس.؟ فبدد لي عطاء بين أصابعه شيئاً من تبديد، ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس، ثم ضمها يمر بها كذلك على الرأس حتى

стр. 2018

مست إبهامه طرف الأذن مما يلي الوجه على الصدغ وناحية اللحية، لا يقصر ولا يبطش إلا كذلك، وقال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها كذلك) . في حديث ابن عمر أن تأخيرها ليلتئذ كان لشغل شغل النبي ﷺ عنها، ولم يكن عمداً. وفي رواية لمسلم عنه، قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده قليلاً، فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك؟ – وذكر بقية الحديث. وخرجه الإمام أحمد من رواية فليح، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ أخر ليلة العشاء حتى رقدنا، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، وإنما حبسنا لوفدٍ جاءه، ثم خرج – فذكر الحديث. وخرج – أيضا – من رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: جهز رسول الله ﷺ جيشاً ليلة حتى ذهب نصف الليل أو بلغ ذلك، ثم خرج، فقال: (قد صلى الناس ورقدوا وأنتم تنتظرون هذه الصلاة، أماإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها) .

стр. 2019

وقوله: (حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا، ثم رقدنا ثم استيقظنا) . إدخال البخاري له في هذا الباب يدل على أنه يرى أن رقود من رقد إنما كان عن غلبة لم يكن تعمداً وقد كان الصحابة ينامون عن غلبة في انتظار الصلوات. وقد خرج البخاري فيما بعد حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلاً في جانب المسجد فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم. وفي (صحيح مسلم) عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: أقيمت صلاة العشاء فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي ﷺ يناجيه حتى نام القوم – أو بعض القوم – ثم صلوا. فحاصل ما ذهب إليه البخاري، وبوب عليه: أنه يكره النوم قبل العشاء إلا لمن غلب، وهو قريب من قول من قال: يكره النوم قبلها مطلقاً كما سبق؛ فإن النوم المغلوب عليه لا يوصف بالكراهة. وفي حديث عائشة المتقدم ما يدل على ذلك، وأنه إنما نام النساء والصبيان لضعفهم وقلة ضبط نفوسهم عن النوم دون الرجال. وقد ذهب قوم من العلماء إلى جواز تعمد النوم قبلها، كما في رواية البخاري، أن ابن عمر كان يرقد قبلها وروى أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان ينام قبل العشاء ويوكل من أهله من يوقظه.

стр. 2020

وروى زفر بن الحارث أنه نام عند عائشة – يعني: قبل العشاء – فذهب بعض أهلها يوقظه، فقال: دعوه؛ فإنه في وقت ما بينه وبين نصف الليل. وقال أبو حصين، عن أصحاب ابن مسعود، أنهم كانوا ينامون قبل العشاء. وقال: وكان الأسود ينام بين المغرب والعشاء في رمضان. وقال حجاج: قلت لعطاء: إن أناساً يقولون: من نام قبل العشاء، فلا نامت عليه؟ فقال: بئس ما قالوا. وروي – أيضا – عن علي وخباب وأبي وائل وعروة وسعيد بن جبير، وابن سيرين وغيرهم. وقال الحاكم: كانوا يفعلون ذلك. وروى الإمام أحمد في (المسند) : ثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا ابن أبي ليلى، عن ابن الأصبهاني، عن جدةٍ له – وكانت سرية لعلي -، قالت: قال علي: كنت رجلاً نئوماً، وكنت إذا صليت المغرب وعلي ثيأبي نمت – ثم قال يحيى بن سعيد: فأنام -، فسألت رسول الله ﷺ -

стр. 2021

عن ذلك، فرخص لي. وروي موقوفاً، وهو أشبه. رواه أبو بكر الحنفي، عن سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عبد الله، عن جده، عن علي، أنه كان يتعشى ثم يلتف في ثيابه، فينام قبل أن يصلي العشاء. ذكره ابن أبي حاتم، وقال: سألت أبي عنه؟ فقال: هو عبد الله بن عبد الله الرازي، عن جدته أسيلة، عن علي، وغلط من قال: عن جده. وروى أبو نعيم في (كتاب الصلاة) : ثنا إسرائيل، عن حجاج، عن عبد الله ابن عبد الله، عن جدته – وكانت تحت رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أنه كان ينام قبل العشاء، فإذا قام كان أنشط له. وروي – مرفوعاً – من وجه آخر، رويناه من طريق سوار بن مصعب، عن المنهال، عن أبي عبد الله – أبو عبد الله -، عن علي، قال: قلت: يا رسول الله إني رجل نئوم، وقد نهيت عن النوم قبل العشاء، وعن السمر بعدها؟ فقال: (إن يوقظك فلا بأس) . سوار، متروك الحديث، ورفعه لا يثبت. ونص أحمد على جواز النوم قبل العشاء -: نقله عنه حنبل. وقال عبد الله: سألت أبي عن الحديث الذي نهى النبي ﷺ عن النوم قبل العشاء الآخرة؟ فقال: كان ابن عمر ينام قبل العشاء ويوكل

стр. 2022

من يوقظه من نومه. وهذا هو المذهب عند القاضي أبي يعلي وأصحابه. وحكى الترمذي في (جامعة) عن بعضهم، أنه رخص في النوم قبل العشاء في رمضان خاصة. وهذا مأخوذ مما روى إبراهيم، عن الأسود، أنه كان ينام في رمضان ما بين المغرب والعشاء، ولعل من خص ذلك برمضان رأى أن قيام ليله يستحب من أول الليل بخلاف سائر الشهور؛ فإن المستحب فيها التهجد بعد هجعة بعد صلاة العشاء. وذكر عبد الرزاق بإسناده، عن الحسن، قال: كان الناس يقومون في رمضان، فيصلون العشاء إذا ذهب ربع الليل، وينصرفون وعليهم ربع. وهذا يدل على أنهم كانوا يؤخرون العشاء إلى آخر وقتها المختار ثم يقومون عقيب ذلك. ومن فعل هذا فإنه يحتاج أن ينام قبل صلاة العشاء لينشط للقيام. واستدل من لم يكره النوم قبل العشاء إذا كان له من يوقظه بأن الذي يخشى من النوم قبل العشاء هو خوف فوات وقتها المختار، أو فوات الصلاة مع الجماعة وهذا يزول إذا كان له من يوقظه للوقت أو للجماعة.

стр. 2023

ويدل على ذلك: أن النبي ﷺ لما عرس من آخر الليل وأراد النوم وخشي أن تفوته الصلاة قال: (من يكلؤنا الليلة لا نرقد عن صلاة الصبح؟) قال بلال: أنا، فنام هو وبقية أصحابه وجلس بلال يرقب لهم الصبح، حتى غلبته عيناه، فدل على أن النوم قبل الصلاة وإن قرب وقتها إذا وكل من يوقظه غير مكروه. وفي ذلك دليل على جواز إيقاظ النائم للصلاة المكتوبة، ولا سيما إذا ضاق وقتها، وقد تقدم أن ابن عمر كان ينام قبل العشاء ويوكل من يوقظه، وأن أحمد استدل به. وهذا يدل على أن أحمد يرى إيقاظ النائم للصلاة المكتوبة مطلقاً، وصرح به بعض أصحابنا، وهو قول الشافعية وغيرهم. وقال الشافعية: إنه يستحب، لاسيما إن ضاق الوقت. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] ، وبأن النبي ﷺ كان يوقظ عائشة لتوتر. وبما روى أبو داود من حديث أبي بكرة، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ لصلاة الصبح، فكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة، أو حركه برجله. ويدل عليه – أيضا - أن النبي ﷺ كان يطرق علياً وفاطمة بالليل،

стр. 2024

ويوقظهما للصلاة. وورد الحث على إيقاظ أحد الزوجين الآخر بالليل للصلاة. فإذا استحب إيقاظ النائم لصلاة التطوع، فالفرض أولى. وكان عمر وعلي – ﵄ إذا خرجا لصلاة الصبح أيقظا الناس للصلاة. وقد روي ذلك في خبر مقتل عمر وعلي – ﵄. وقد خرج البخاري في (التيمم) حديث عمران بن حصين في نوم النبي ﷺ عن الصلاة بطوله، وفيه: وكان النبي ﷺ إذا نام لم نوقظه حتى يكون هو يستيقظ، لأنا لا ندري ما يحديث له في نومه – وذكر الحديث. وهذا يفهم منه أنهم كان يوقظ بعضهم بعضاً للصلاة؛ فإن هذا المعنى غير موجود في حق أحد غير النبي ﷺ . وقد ذهب بعض المتأخرين من أصحابنا إلى أنه لا يوقظ النائم للصلاة إلا عند تضايق الوقت، وبعضهم إلى أنه لا يوقظه بحال لأنه غير مكلف، ويلزمه أن لا يذكر الناسي بالصلاة؛ فإنه معفو عنه – أيضا. ومن أصحابنا من حكى هذا الاختلاف في لزوم إيقاظه وعدم لزومه، وهذا أشبه.

стр. 2025

وكان سفيان الثوري ينهى عن إيقاظ أحد من أعوان الظلمة للصلاة، لما يخشى من تسلطه على الناس بالظلم. وهذا يدل على أنه يرى إيقاظ من لا يخشى منه الأذى للصلاة. والله أعلم. وحمل أبن خزيمة حديث النهي عن النوم قبل الصلاة على ما إذا عجلت الصلاة في أول وقتها، والجواز على ما إذا أخرت إلى آخر وقتها وطال تأخيرها؛ لأن النبي ﷺ لما خرج إليهم ليلة تأخيرها وقد ناموا لم ينكر عليهم النوم حينئذ. ويشبه هذا قول الليث بن سعد، قال: إنما معنى قول عمر: فلا نامت عينه: من نام قبل ثلث الليل. وفي حديث ابن عباس الذي خرجه البخاري هاهنا زيادة خرجها مسلم، وهي: قال ابن جريج: قلت لعطاء: كم ذكر لك أن النبي ﷺ أخرها ليلتئذ؟ قال: لا أدري. وفيه – أيضا - قول عطاء: في وقت استحباب صلاة العشاء. وقد ذكرنا مذهبه في ذلك فيما مضى.

стр. 2026

٢٥ - باب وقت العشاء إلى نصف الليل وقال أبو برزة: كان النبي ﷺ يستحب تأخيرها. حديث أبي برزة، قد خرجه فيما تقدم بألفاظ مختلفة. ففي رواية عوف، عن أبي المنهال، عن أبي برزة، أن النبي ﷺ كان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة. وفي رواية شعبة، عن أبي المنهال، عن أبي برزة، أن النبي ﷺ كان لا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل. ثم قال: إلى شطر الليل. وفي رواية: قال شعبة: ثم لقيته مرة، فقال: أو ثلث الليل. فقد روى شعبة أن أبا المنهال شك: هل كان تأخيره للعشاء إلى ثلث الليل أو نصفه؟ وكذا خرجه مسلم من حديث شعبة. وخرجه من حديث حماد بن سلمة، عن أبي المنهال، وقال في حديثه: كان يؤخر العشاء إلى ثلث الليل.

стр. 2027

وقد تقدم – أيضا – حديث أبي موسى في تأخير النبي ﷺ العشاء حتى ابهار الليل – أي: توسط وانتصف. قال البخاري:

стр. 2028

٥٧٢ - حدثنا عبد الرحيم المحاربي: ثنا زائدة، عن حميد الطويل، عن أنس، قال: أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم صلى، ثم قال: (قد صلى الناس وناموا، أماإنكم في صلاة ما انتظرتموها) . وزاد ابن أبي مريم: أبنا يحيى بن أيوب: حدثني حميد: سمع أنسا: كأني أنظر إلى وبيص خاتمه ليلتئذ. هذا الحديث صريح في تأخير العشاء إلى نصف الليل. وعبد الرحيم المحاربي، هو: ابن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، وكان أفضل من أبيه. وإنما ذكر حديث يحيى بن أيوب، عنه تعليقاً؛ لأنه ذكر فيه سماع حميد له من أنس، فزال ما كان يتوهم من تدليسه؛ فإنه قد قيل: إن أكثر رواياته عن أنس مدلسة. وقد تقدم عن الإسماعيلي، أنه قال في المصريين: إنهم يتسامحون في لفظة الإخبار بخلاف أهل العراق. ولفظة السماع قريب من ذلك.

стр. 2029

وقد خرج البخاري هذا الحديث في (اللباس) من رواية يزيد بن زريع، عن حميد، قال: سئل أنس: هل اتخذ النبي ﷺ خاتماً - فذكره. ورواه يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس، وزاد فيه: فجعل الناس يصلون، فخرج وقد بقيت عصابة، فصلى بهم، فلما سلم أقبل عليهم بوجهه - وذكر باقي الحديث. خرجه أحمد بن منيع في (مسنده) ، عن يزيد كذلك. وخرجه البخاري في (باب: يستقبل الإمام الناس) . وكذا مسلم - مختصراً. وقد روي هذا الحديث عن أنس من وجوه أخر: وخرجه البخاري في أواخر (المواقيت) من حديث الحسن، عن أنس، قال: نظرنا رسول الله ﷺ ذات ليلة، حتى كان شطر الليل يبلغه، فجاء فصلى لنا، ثم خطبنا، فقال: (ألا إن الناس قد صلوا ثم رقدوا، وإنكم لن تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة) .

стр. 2030

وخرج مسلم من حديث قتادة، عن أنس، قال: نظرنا رسول الله ﷺ ليلة حتى كان قريب من نصف الليل، ثم جاء فصلى، ثم أقبل علينا بوجهه، فكأنما أنظر إلى وبيض خاتمه في يده من فضة. ومن حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، أنهم سألوا أنساً عن خاتم النبي ﷺ ، فقال: أخر رسول الله ﷺ العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل، أو كاد يذهب شطر الليل، ثم جاء فقال: (إن الناس قد صلوا وناموا، وإنكم لم تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة) . قال أنس: كأني أنظر إلى وبيص خاتمه من فضة، ورفع إصبعه اليسرى بالخنصر. وفي تأخير العشاء إلى نصف الليل أحاديث أخر، لم تخرج في (الصحيح) . وروى داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة العتمة، فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل، فقال: (خذوا مقاعدكم) ، فأخذنا مقاعدنا، فقال: (إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل) . خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه وابن خزيمة

стр. 2031

في (صحيحه) . وإسناده على شرط مسلم، إلا أن أبا معاوية رواه عن داود، فقال: عن أبي نضرة، عن جابر. والصواب: قول سائر أصحاب داود في قولهم: عن أبي سعيد -: قاله أبو زرعة، وابن أبي حاتم، والدارقطني وغيرهم. وقد سبق في حديث ابن عباس الذي خرجه البخاري قول النبي ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوا هكذا) . وهذا مما استدل به من قال: إن تعجيل العشاء أفضل؛ لأنه لم يأمرهم بالتأخير، بل أخبر أنه لولا أنه يشق عليهم لأمرهم. وما كان ليؤثر ما يشق على أمته، فلذلك لم يأمرهم. وكذلك قوله: (لولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لأخرت) ، فإنه يدل على أنه لم يؤخر، وإذا كان الأمر بذلك مستلزماً للمشقة فهو لا يأمر بما يشق عليهم. وقد تقدم أنه ﷺ كان يراعي حال المأمومين في تأخير العشاء وتقديمها، فإن اجتمعوا عجل، وإن أبطئوا أخر.

стр. 2032

وقد أجاب عن ذلك من قال باستحباب التأخير: أن المنتفي هو أمر الإيجاب، دون أمر الاستحباب، كما في السواك. وقد خرج النسائي الحديث، وقال فيه: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن لا يصلوها إلا هكذا) . ويدل على ذلك أن (لولا) تقتضي جملتين: اسمية، ثم فعلية، فيربط امتناع الثانية فيهما بوجود الأولى، والأولى هنا: خوف المشقة، وهو موجود، فالثانية منتفية، وهو الأمر. وليس الأمر للإيجاب؛ لأنه ندب إلى تأخيرها، والمندوب مأمور به؛ ولأن في حديث معاذ، عن النبي ﷺ ، قال: (اعتموا بهذه الصلاة) . خرجه أبو داود. وهذا أمر. وهاهنا مسألتان يحتاج إلى ذكرهما: المسألة الأولى: هل تأخير العشاء إلى آخر وقتها المختار أفضل؟ أم تعجيلها أفضل؟ أم الأفضل مراعاة حال المأمومين؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن تعجيلها أفضل، وهو أحد قولي الشافعي، بل أشهرهما، وقول مالك.

стр. 2033

وفي (المدونة) عنه: أنه قال: أحب للقبائل تأخيرها قليلاً بعد مغيب الشفق، وكذلك في الحرس، ولا تؤخر إلى ثلث الليل. وقال ابن عبد البر: المشهور عن مالك أنه يستحب لأهل مساجد الجماعات أن لا يعجلوا بها في أول وقتها، إذا كان ذلك غير مضر بالناس، وتأخيرها قليلاً عنده أفضل. وروي عنه: أن أول الوقت أفضل في كل الصلوات إلا الظهر في شدة الحر. ورجح الجوزجاني القول باستحباب تعجيل العشاء، وادعى أن التأخير منسوخ، واستدل بما روى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ أخر صلاة العشاء الآخرة تسع ليال – وفي رواية: ثمان ليال -، فقال أبو بكر الصديق: لو عجلت يا رسول الله كان أمثل لقيامنا بالليل، فكان بعد ذلك يعجل. خرجه الإمام أحمد. وعلي بن زيد جدعان، ليس بالقوي. وروى سويد بن غفلة، قال: قال عمر: عجلوا العشاء قبل أن يكسل العامل. وقال مكحول: كان عبادة بن الصامت وشداد بن أوس إذا غابت الحمرة ببيت المقدس صلوا العشاء. خرجهما أبو نعيم. وهذا منقطع.

стр. 2034

والقول الثاني: أن تأخيرها أفضل، وحكاه الترمذي في (جامعه) عن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين. قال عبد الرحمن بن يزيد: كنت أشهد مع عبد الله – يعني: ابن مسعود – الجماعة، فكان يؤخر العشاء. وكان ابن عباس يستحب تأخير العشاء، ويقرأ: ﴿زُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ﴾ [هود:

стр. 2035

١١٤] . وممن رأى تأخير العشاء: أبو حنفية وأصحابه، والشافعي في أحد قوليه – وقيل: إنه نص على ذلك في أكثر كتبه الجديدة -، وأحمد وإسحاق. وعلى هذا؛ فقال أصحابنا وأصحاب الشافعي: يكون تأخيرها إلى آخر وقتها المختار أفضل. والمنصوص عن أحمد: أن تأخيرها في الحضر حتى يغيب البياض؛ لأنه يكون بذلك مصلياً بعد مغيب الشفق المتفق عليه. وهذا يدل على أن تأخيرها بعد مغيب البياض لا يستحب مطلقاً، أو يكون مراعى بقدر ما لا يشق على الجيران -: كما نقله عنه الأثرم. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: قدر كم تأخير العشاء الآخرة؟ قال: ما قدر ما يؤخر بعد أن لا يشق على الجيران. فقد نص في رواية غير واحد على أنه يستحب للحاضر تأخير العشاء
следующие страницы →