Полный текст (4 834 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
في (صحيحه) .
وإسناده على شرط مسلم، إلا أن أبا معاوية رواه عن داود، فقال: عن أبي نضرة، عن جابر.
والصواب: قول سائر أصحاب داود في قولهم: عن أبي سعيد -: قاله أبو زرعة، وابن أبي حاتم، والدارقطني وغيرهم.
وقد سبق في حديث ابن عباس الذي خرجه البخاري قول النبي ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوا هكذا) .
وهذا مما استدل به من قال: إن تعجيل العشاء أفضل؛ لأنه لم يأمرهم بالتأخير، بل أخبر أنه لولا أنه يشق عليهم لأمرهم. وما كان ليؤثر ما يشق على أمته، فلذلك لم يأمرهم.
وكذلك قوله: (لولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لأخرت) ، فإنه يدل على أنه لم يؤخر، وإذا كان الأمر بذلك مستلزماً للمشقة فهو لا يأمر بما يشق عليهم.
وقد تقدم أنه ﷺ كان يراعي حال المأمومين في تأخير العشاء وتقديمها، فإن اجتمعوا عجل، وإن أبطئوا أخر.
стр. 2032
وقد أجاب عن ذلك من قال باستحباب التأخير: أن المنتفي هو أمر الإيجاب، دون أمر الاستحباب، كما في السواك.
وقد خرج النسائي الحديث، وقال فيه: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن لا يصلوها إلا هكذا) .
ويدل على ذلك أن (لولا) تقتضي جملتين: اسمية، ثم فعلية، فيربط امتناع الثانية فيهما بوجود الأولى، والأولى هنا: خوف المشقة، وهو موجود، فالثانية منتفية، وهو الأمر.
وليس الأمر للإيجاب؛ لأنه ندب إلى تأخيرها، والمندوب مأمور به؛ ولأن في حديث معاذ، عن النبي ﷺ ، قال: (اعتموا بهذه الصلاة) .
خرجه أبو داود.
وهذا أمر.
وهاهنا مسألتان يحتاج إلى ذكرهما:
المسألة الأولى:
هل تأخير العشاء إلى آخر وقتها المختار أفضل؟ أم تعجيلها أفضل؟ أم الأفضل مراعاة حال المأمومين؟
فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن تعجيلها أفضل، وهو أحد قولي الشافعي، بل أشهرهما، وقول مالك.
стр. 2033
وفي (المدونة) عنه: أنه قال: أحب للقبائل تأخيرها قليلاً بعد مغيب الشفق، وكذلك في الحرس، ولا تؤخر إلى ثلث الليل.
وقال ابن عبد البر: المشهور عن مالك أنه يستحب لأهل مساجد الجماعات أن لا يعجلوا بها في أول وقتها، إذا كان ذلك غير مضر بالناس، وتأخيرها قليلاً عنده أفضل.
وروي عنه: أن أول الوقت أفضل في كل الصلوات إلا الظهر في شدة الحر.
ورجح الجوزجاني القول باستحباب تعجيل العشاء، وادعى أن التأخير منسوخ، واستدل بما روى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ أخر صلاة العشاء الآخرة تسع ليال – وفي رواية: ثمان ليال -، فقال أبو بكر الصديق: لو عجلت يا رسول الله كان أمثل لقيامنا بالليل، فكان بعد ذلك يعجل.
خرجه الإمام أحمد.
وعلي بن زيد جدعان، ليس بالقوي.
وروى سويد بن غفلة، قال: قال عمر: عجلوا العشاء قبل أن يكسل العامل.
وقال مكحول: كان عبادة بن الصامت وشداد بن أوس إذا غابت الحمرة ببيت المقدس صلوا العشاء.
خرجهما أبو نعيم.
وهذا منقطع.
стр. 2034
والقول الثاني: أن تأخيرها أفضل، وحكاه الترمذي في (جامعه) عن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين.
قال عبد الرحمن بن يزيد: كنت أشهد مع عبد الله – يعني: ابن مسعود – الجماعة، فكان يؤخر العشاء.
وكان ابن عباس يستحب تأخير العشاء، ويقرأ: ﴿زُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ﴾ [هود:
стр. 2035
١١٤] .
وممن رأى تأخير العشاء: أبو حنفية وأصحابه، والشافعي في أحد قوليه – وقيل: إنه نص على ذلك في أكثر كتبه الجديدة -، وأحمد وإسحاق.
وعلى هذا؛ فقال أصحابنا وأصحاب الشافعي: يكون تأخيرها إلى آخر وقتها المختار أفضل.
والمنصوص عن أحمد: أن تأخيرها في الحضر حتى يغيب البياض؛ لأنه يكون بذلك مصلياً بعد مغيب الشفق المتفق عليه.
وهذا يدل على أن تأخيرها بعد مغيب البياض لا يستحب مطلقاً، أو يكون مراعى بقدر ما لا يشق على الجيران -: كما نقله عنه الأثرم.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: قدر كم تأخير العشاء الآخرة؟ قال: ما قدر ما يؤخر بعد أن لا يشق على الجيران.
فقد نص في رواية غير واحد على أنه يستحب للحاضر تأخير العشاء
стр. 2036
حتى يغيب البياض من غير اعتبار للمشقة، ونص على أنه يستحب التأخير مهما قدر بحيث لا يشق على الجيران، فيحمل هذا على ما بعد مغيب الشفق الأبيض.
ويدل على صحة هذا، وأن التأخير لا يكون على الدوام إلى نصف الليل ولا إلى ثلثه: أن النبي ﷺ لم يؤخر على الدوام العشاء إلى آخر وقتها، وإنما أخرها ليلة واحدة أو ليالي يسيرة، وشق ذلك على أصحابه فأخبرهم أنه وقتها لولا أن يشق عليهم، ولم يكن ﷺ يشق عليهم، بل كان يراعي التخفيف.
ولهذا صح عنه، أنه كان أحياناً وأحياناً: إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم ابطئوا أخر.
وحديث أبي بكر المتقدم يدل على مثل ذلك – أيضا.
وخرج ابن خزيمة في (صحيحه) وغيره من حديث أبي مسعود الأنصاري، عن النبي ﷺ فذكر مواقيت الصلاة، وقال: ويصلي العشاء حين يسود الأفق، وربما أخرها حتى يجتمع الناس.
ومما يدل على أنه ﷺ كان يؤخرها دائماً قليلاً، ولم يكن يؤخرها إلى آخر وقتها: ما خرجه مسلم من رواية سماك، عن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الصلوات نحواً من صلاتكم، وكان
стр. 2037
يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئاً، وكان يخف.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث النعمان بن بشير، قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة – يعني: العشاء -، كان رسو الله ﷺ يصليها لسقوط القمر لثالثة.
وفي رواية الإمام أحمد: كان يصليها بعد سقوط القمر في الليلة الثالثة من أول الشهر.
وفي رواية له: كان يصليها مقدار ما يغيب القمر ليلة ثالثة – أو ليلة رابعة.
وهذا الشك من شعبة، ولم يذكر الرابعة غيره.
قال أحمد: وهم فيه – يعني: في ذكر الرابعة.
ومما يدل على اعتبار حال المأمومين، وأنه لا يشق عليهم: ما روى أسامة ابن زيد، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن جابر بن عبد الله، قال: كان معاذ يتخلف عند النبي ﷺ ، فإذا جاء أم قومه، فاحتبس عنهم معاذ ليلة فصلى سليم وحده وانصرف، فأخبر معاذ ذلك رسول الله ﷺ ، فأرسل إلى سليم، فسأله عن ذلك، فقال: إني رجل أعمل نهاري، حتى إذا أمسيت أمسيت ناعساً، فيأتينا معاذ وقد
стр. 2038
أبطأ علينا، فلما أبطأ عليّ أمسيت، ثم انقلبت إلى أهلي. قال: فأرسل رسول الله ﷺ إلى معاذ: (لا تكن فاتنا تفتن الناس، ارجع إليهم فصل بهم قبل أن يناموا) .
خرجه البزار.
وخرجه الخرائطي من حديث عثمان بن أبي العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما بال رجال ينفرون عن هذا الدين، يمسون بعشاء الآخرة) .
وإسناده ضعيف.
وقال سويد بن غفلة: قال عمر: عجلوا العشاء قبل أن يكسل العامل، وينام المريض.
فقد تبين بهذا أن هذا القول الثالث، وهو مراعاة حال المأمومين في التأخير الكثير دون اليسير، هو الأرجح في هذا المسألة.
وقد عقد له البخاري باباً منفرداً، سبق ذكره والكلام عليه.
المسألة الثانية:
في آخر وقت العشاء الآخرة، وفيه أقوال:
стр. 2039
أحدها: ربع الليل، حكاه ابن المنذر عن النخعي، ونقله ابن منصور، عن إسحاق.
والقول الثاني: إلى ثلث الليل، روي ذلك عن عمر، وأبي هريرة وعمر ابن عبد العزيز، وهو المشهور عن مالك، وأحد قولي الشافعي، بل هو أشهرهما، ورواية عن أحمد، وقول أبي ثور وغيره.
والقول الثالث: إلى نصف الليل، وروي عن عمر بن الخطاب – أيضا -، وهو قول الثوري والحسن بن حي وابن المبارك وأبي حنفية، والشافعي في قوله الآخر، وأحمد في الرواية الأخرى، وإسحاق، وحكي عن أبي ثور – أيضا.
وتبويب البخاري هاهنا يدل عليه.
وحمل ابن سريج من أصحاب الشافعي قوليه في هذا المسألة على أنه أراد أن أول ابتدائها ثلث الليل، وآخر انتهائها نصفه، وبذلك جمع بين الأحاديث الواردة في ذلك، ولم يوافق على ما قاله في هذا.
والقول الرابع: ينتهي وقت العشاء إلى طلوع الفجر.
رواه ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، وعن أبي هريرة، قال: إفراط صلاة العشاء طلوع الفجر.
وهو قول داود.
ورواه ابن وهب، عن مالك، إلا أن أصحابه حملوه
стр. 2040
على حال أهل الأعذار؛ فإن قول من قال: آخر وقتها ثلث الليل أو نصفه، إنما أراد وقت الاختيار.
وقالوا: يبقى وقت الضرورة ممتداً إلى طلوع الفجر، فلو استيقظ نائم، أو أفاق مغمى عليه، أو طهرت حائض، أو بلغ صبي، أو أسلم كافر بعد نصف الليل لزمهم صلاة العشاء، وفي لزوم صلاة المغرب لهم قولان مشهوران للعلماء.
وقد روي عن عبد الرحمن بن عوف: أن المرأة إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، وعن ابن عباس – أيضا - وحكي مثله عن الفقهاء السبعة، وهو قول أحمد.
وقال الحسن وقتادة وحماد والثوري وأبو حنيفة ومالك: يلزمهم العشاء دون المغرب.
وللشافعي قولان، أصحهما: لزوم الصلاتين.
واختلفوا في تأخير العشاء اختياراً إلى بعد نصف الليل: فكرهه الأكثرون، منهم: مالك وأبو حنيفة.
ولأصحابنا وجهان في كراهته وتحريمه.
وقال عامة أصحاب الشافعي: هو وقت جواز.
واستدل من لم يحرمه بما في (صحيح مسلم) من حديث ابن جريج: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، أنها أخبرته، عن عائشة، قالت: أعتم رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، ونام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: (إنه لوقتها، لولا
стр. 2041
أن أشق على أمتي) .
وهذا إن كان محفوظاً دل على استحباب التأخير إلى النصف الثاني، ولا قائل بذلك، ولا يعرف له شاهد.
وإنما يتعلق بهذا من يقول: يمتد وقت العشاء المختار إلى طلوع الفجر، كما روي عن ابن عباس، وهو قول داود وغيره، إلا أنهم لا يقولون باستحباب التأخير إلى النصف الثاني، هذا مما لا يعرف به قائل، والأحاديث كلها تدل على خلاف ذلك، مثل أحاديث صلاة جبريل بالنبي ﷺ عند مغيب الشفق في اليوم الأول، وفي الثاني إلى ثلث الليل، وقوله: (الوقت ما بين هذين) .
ومثل حديث بريدة الذي فيه أن سائلاً سأل النبي ﷺ عن وقت العشاء، فأمره أن يشهد معه الصلاة، فصلى بهم في أول مرة العشاء لما غاب الشفق، وفي الثانية إلى ثلث الليل، وقال: (ما بين هذين وقت) .
وقد خرجه مسلم.
وخرج نحوه من حديث أبي موسى.
وخرج – أيضا – من حديث عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال:
стр. 2042
(وقت العشاء إلى نصف الليل) .
وهذا كله يدل على أن ما بعد ذلك ليس بوقت، والمراد: أنه ليس بوقت اختيار، بل وقت ضرورة.
وذهب الاصطخري من أصحاب الشافعي إلى أن الوقت بالكلية يخرج بنصف الليل أو ثلثه ويبقى قضاء.
وقد قال الشافعي: إذا ذهب ثلث الليل لا أراها إلا فائتة.
وحمله عامة أصحابه على فوات وقت الاختيار خاصة. والله أعلم.
стр. 2043
٢٦ - باب
فضل صلاة الفجر
وفيه حديثان:
الأول:
стр. 2044
٥٧٣ - حدثنا مسدد: ثنا يحيى، عن إسماعيل: ثنا قيس، قال لي جرير بن عبد الله: كنا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: (أماإنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون – أو لا تضاهون – في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) . ثم قال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ .
قد سبق هذا الحديث والكلام عليه في (باب: فضل صلاة العصر) ، وليس في هذه الرواية زيادة على ما في الرواية السابقة، إلا الشك في (تضامون أو تضاهون) ، وقد سبق تفسير: تضامون.
وأما (تضاهون) : فإن كانت محفوظة، فالمعنى – والله أعلم -: أنكم لا تشبهون به عند رؤيته شيئاً من خلقه؛ فإنه لا مثل له
стр. 2045
ولا عدل ولا كفء.
ويشهد لهذا: ما روى علي بن زيد بن جدعان، عن عمارة القرشي عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: (يجمع الله الأمم في صعيد واحد يوم القيامة، ثم يأتينا ربنا ونحن على مكان مرتفع فيقول: من أنتم؟ فنقول: نحن المسلمون. فيقول: ما تنتظرون. فنقول: ننتظر ربنا ، فيقول: وهل تعرفون إن رأيتموه؟ فنقول: نعم؛ إنه لا عدل له، فيتجلى لنا ضاحكاً، فيقول: أبشروا معاشر المسلمين؛ فإنه ليس منكم أحد إلا جعلت في النار يهودياً أو نصرانياً مكانه) .
خرجه الإمام أحمد.
وخرجه أبو بكر الآجري في كتاب (التصديق بالنظر) ، ولفظه: (فيقولون: إن لنا رباً كنا نعبده في الدنيا لم نره. قال: وتعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم. فيقال لهم: وكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: إنه لا شبه له، فيشكف لهم الحجاب، فينظرون إلى الله ، فيخرون له سجداً) – ذكر الحديث.
وروى أبو حمة محمد بن يوسف: حدثنا أبو قرة الزبيدي، عن
стр. 2046
مالك بن أنس، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا كان يوم القيامة جمعت الأمم، ودعي كل أناس بإمامهم) – فذكر الحديث بطوله، إلى أن قال: (حتى يبقى المسلمون، فيقف عليهم، فيقول: من أنتم؟ فيقولون: نحن المسلمون. قال: خير اسم وخير داعية. فيقول: من نبيكم؟ فيقولون: محمد، فيقول: ما كتابكم؟ فيقولون: القرآن، فيقول: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله وحده، لا شريك له. قال: سينفعكم ذلك إن صدقتم. قالوا: هذا يومنا الذي وعدنا. فيقول: أتعرفون الله إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم. فيقول: وكيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: نعلم أنه لا عدل له. قال: فيتجلى لهم ﵎، فيقولون: أنت ربنا تباركت أسماؤك، ويخرون له سجداً، ثم يمضي النور بأهله) .
خرجه أبو إسماعيل الأنصاري في (كتاب الفاروق) .
وروى شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد حديث جرير بن عبد الله، وقال في روايته: (لا تضارون في رؤيته) .
وكذا في رواية أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﷺ .
وقد خرج حديثهما البخاري في آخر (كتابه) .
ورويت: (تضارون) بتشديد الراء وتخفيفها.
فمن رواه بالتشديد، فالمعنى: لا يخالف بعضكم بعضاً فيكذبه، كما يفعل الناس في رؤية الأشياء الخفية عليهم كالأهلة. يقال: ضاررته مضارة إذا خالفته، ومنه سميت الضرة لمخالفتها الأخرى.
وقيل: المعنى: لا تضايقون، والمضارة: المضايقة -: ذكره الهروي.
стр. 2047
ومن رواه بتخفيف الراء، فهي من الضير، والضير: الضر، يقال: ضاره يضيره ويضروه، إذا ضره. وهي قريبة من المعنى إلى الأولى.
وفي رواية أبي هريرة، عن النبي ﷺ : (هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟) قالوا: لا. قال: (فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟) قالوا: لا. قال: (فإنكم ترونه كذلك) .
وفسر قوله: (هل تمارون) بأن المعنى: هل تشكون، والمرية: الشك.
ويحتمل أن يكون المراد: هل يحصل لكم تمار واختلاف في رؤيتهما؟ فكما لا يحصل لكم في رؤيتهما تمارٍ واختصام، فكذلك رؤية الله .
والتماري والتنازع إنما يقع من الشك وعدم اليقين، كما يقع في رؤية الأهلة.
وقوله في هذه الرواية: (ثم قال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾ هكذا في هذه الرواية، وهذا إشارة إلى آية سورة ﴿طه﴾ ، وتلك إنما هي بالواو ﴿وَسَبِّحْ﴾ ، وفي الرواية السابقة ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] . وهو إشارة إلى آية سورة ﴿ق﴾ وهي بالفاء كما في الرواية.
الحديث الثاني:
стр. 2048
٥٧٤ - حدثنا هدبة بن خالد: ثنا همام: حدثني أبو جمرة، عن أبي بكر، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى البردين دخل الجنة) .
стр. 2049
وقال ابن رجاء: حدثنا همام، عن أبي جمرة، أن أبا بكر بن عبد الله بن قيس أخبره بهذا.
حدثنا إسحاق: ثنا حبان: ثنا همام: ثنا أبو جمرة، عن أبي بكر بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ مثله.
(أبو جمرة) ، هو: نصر بن عمران الضبعي، وهو بالجيم والراء المهملة.
وقد خرج هذا الحديث مسلم عن هداب بن خالد، وهو هدبة الذي خرجه عنه البخاري، ونسب فيه أبا جمرة، فقال: حدثني أبو جمرة الضبعي.
وأما أبو بكر، فقد أشار البخاري إلى انه أبو بكر بن أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس، واستشهد له بشيئين:
أحدهما: رواية ابن رجاء التي ذكرها تعليقاً، عنه، عن همام، عن أبي جمرة، أن أبا بكر بن عبد الله بن قيس أخبره.
والثاني: أنه أسنده من رواية حبان بن موسى، عن همام: ثنا أبو جمرة، عن أبي بكر بن عبد الله – وهو: ابن أبي موسى عبد الله بن قيس.
وخرجه مسلم من طريق بشر بن السري عمرو بن عاصم، قالا: ثنا همام – بهذا الإسناد، ونسبا أبا بكر، فقالا: ابن أبي موسى.
стр. 2050
وإنما احتيج إلى هذا؛ لاختلاف وقع بين الحفاظ في نسبة أبي بكر هذا:
فمنهم من قال: هو أبو بكر بن أبي موسى، وتصرف الشيخين في (صحيحهما) يدل على ذلك.
ومنهم من قال: هو أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة.
واستدلوا بما خرجه مسلم من رواية وكيع، عن ابن أبي خالد ومسعر والبختري بن المختار، سمعوا من أبي بكر بن عمارة بن رؤيبة، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) – يعني: الفجر والعصر. وعنده رجل من أهل البصرة، فقال له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال الرجل: وأنا أشهد أني سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعته أذناي، ووعاه قلبي.
وخرجه –أيضا – من حديث ابن عمارة بن رؤيبة، عن أبيه والرجل البصري. وزاد البصري: قال: سمعته من رسول الله ﷺ بالمكان الذي سمعته منه.
فمن هنا قال بعضهم: أبو بكر الذي روى أبو جمرة هو ابن عمارة بن رؤيبة، عن أبيه عمارة بن رؤيبة، لأن معنى الحديثين متقارب.
قال ابن أبي خيثمة في (كتابه) : سألت يحيى بن معين عن أبي بكر الذي روى حديث (البردين) : من أبوه؟ قال: يرون أنه أبو بكر بن أبي موسى؛ فلذلك استغربوه. قال: فقال له أبي: يشبه أن يكون: أبو بكر بن عمارة
стр. 2051
بن رؤيبة؛ لأنه يروي عن أبيه عمارة: (من صلى قبل الغداة وقبل غروب الشمس) .
وقال صالح بن محمد، عن علي بن المديني: هو عندي أبو بكر بن عمارة؛ لأن معنى الحديثين واحد. قيل له: إن أبا داود الطيالسي وهدبة نسباء، فقالا: عن أبي بكر بن أبي موسى؟ فقال: ليسا ممن يضبط هذا؛ حدثاه بهز وحبان ولم ينسباه.
قال أبو بكر الخطيب: قد نسبه جماعة عن همام، منهم: بشر بن السري، وعبد الله بن رجاء، وعمرو بن عاصم وللناسب فضل تعرف وبيان على من لم ينسبه.
قال: وكان عفان بنسبه كذلك حتى قال له بلبل وعلي بن المديني: إنه أبو بكر بن عمارة، فترك نسبته، وقال: عن أبي بكر، عن أبيه.
ونقل البرقاني عن الدارقطني، أنه كان يقول: هو أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة،
стр. 2052
وعن الإسماعيلي عن مطين مثله.
وقال أبو الحسن [العقيلي] : اختلف فيه، فالأقوى أنه ابو بكر بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه. ويقال: هو أبو بكر بن عمارة بن رؤبية، عن أبيه.
وكذلك قال مطين، وإليه كان يميل شيخنا أبو الحسن – يعني: الدارقطني ﵀.
و (البردان) : صلاة الصبح والعصر؛ لأنهما يصليان في برد النهار من أوله وآخره.
وأماالظهر فتسمى الهجير كما في حديث أبي برزة؛ لأنها تصلي بالهاجرة.
ويقال للعصر والفجر: العصران؛ كذلك روي عن النبي ﷺ من حديث فضالة الليثي، وأنه وصاه بالمحافظة عليهما.
وصلاة الصبح من صلاها فهو في ذمة الله، كما في حديث جندب ابن سفيان، عن النبي ﷺ ، قال: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا تخفروا الله في ذمته)
خرجه مسلم.
وفي رواية له – أيضا – زيادة: (فإنه من يطلبه من
стр. 2053
ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم) .
وقد روي مثله في صلاة العصر – أيضا.
خرجه نعيم بن حماد في (كتاب الفتن) عن عبد العزيز الدراوردي، عن زيد ابن أسلم، عمن حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى الصبح كان في جوار الله حتى يمسي، ومن صلى العصر كان في جوار الله حتى يصبح، فلا تخفروا الله في جواره؟ فإنه من أخفر الله في جواره طلبه الله، ثم أدركه، ثم كبه على منخره) – أي: في جهنم.
стр. 2054
٢٧ - باب
وقت الفجر
صلاة الفجر تسمى صلاة الفجر؛ قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ﴾ [النور: ٥٨] وقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] .
وتسمى صلا الصبح، والأحاديث بذلك كثيرة.
قال الشافعي: ولا أحب أن تسمى صلاة الغداة، وكرهه بعض أصحابه، ولا دليل لقوله، والأحاديث تدل على خلافه، وقد سبق حديث جابر: (والصبح كان النبي ﷺ يصليها بغلس) ، وحديث أبي برزة، (أن النبي ﷺ كان ينصرف من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة) ، وهذا يدل على شدة التغليس بها.
وخرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول:
стр. 2055
٥٧٥ - حدثنا عمرو بن عاصم: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس، أن زيد بن ثابت حدثه، أنهم تسحروا مع النبي ﷺ ثم قاموا إلى الصلاة.
قلت: كم كان بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين - يعني: آية.
стр. 2056
٥٧٦ - حدثنا الحسن بن الصباح: سمع روح بن عبادة: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله ﷺ فصليا.
قلت لأنس: كم بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.
مقصود البخاري: تبيين الاختلاف في إسناد هذا الحديث على قتادة، فهمام جعله عن قتادة عن أنس عن زيد بن ثابت، وسعيد بن أبي عروبة جعله عن قتادة عن أنس من مسنده.
وقد خرجه البخاري في (الصيام) من حديث هشام الدستوائي، عن قتادة ومسلم من رواية هشام وهمام وعمر بن عامر، كلهم عن قتادة، عن أنس، عن زيد.
وفي رواية البخاري: (كم بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية) .
وقال عفان وبهز بن أسد، عن همام في حديثه: قلت لزيد: كم بين ذلك؟
فصرح بأن المسؤل زيد.
وقد خرجه عنهما الإمام أحمد.
стр. 2057
وكذا رواه خالد بن الحارث، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس عن زيد، وقال في حديثه: (أنس القائل: كم كان بينهما) .
فخالف خالد سائر أصحاب سعيد في ذكره زيداً في الإسناد.
وقد خرجه الإسماعيلي في (صحيحه) ، وقال: يحتمل أن يكون أنس سأل زيداً فأخبره، وأن يكون قتادة أو غيره سأل أنساً فأرسل له قدر ما كان بينهما، كما أرسل أصل الخبر، ولم يقل: عن زيد.
وهذا يدل على أن الصواب عنده: أن الحديث عن أنس، عن زيد، فهو من مسند زيد، لا من مسند أنس.
ورواه معمر، عن قتادة كما رواه سعيد، جعله من مسند أنس.
خرجه النسائي من طريقه.
ولفظ حديثه: عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ وذلك عند السحر -: (يا أنس، إني أريد الصيام، أطعمني شيئاً) ، فأتيته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذن بلال. قال: (يا أنس، انظر رجلاً يأكل معي) ، فدعوت زيد بن ثابت، فجاءه، فقال: (إني شربت شربة من سويق، وأنا أريد الصيام. فقال رسول الله ﷺ : (وأنا أريد الصيام) ، فتسحر معه، ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة.
ومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب: الاستدلال به على تغليس النبي ﷺ بصلاة الفجر؛ فإنه تسحر ثم قام إلى الصلاة، ولم يكن بينهما إلا قدر خمسين آية.
وأكثر الروايات تدل على أن ذلك قدر ما بين السحور والصلاة.
وفي رواية البخاري المخرجة في (الصيام) : أن ذلك قدر ما بين
стр. 2058
[الأذان و] السحور.
وهذه صريحة بأن السحور كان بعد أذان بلال بمدة قراءة خمسية آية.
وفي رواية معمر: أنه لم يكن بين سحوره وصلاة الفجر سوى ركعتي الفجر، والخروج إلى المسجد.
وهذا مما يستدل به على أنه ﷺ صلى يومئذ الصبح حين بزغ الفجر.
وقد روى حذيفة، عن النبي ﷺ نحو حديث زيد، لكنه استدل به على تأخير السحور، وأنه كان بعد الفجر.
فروى عاصم، عن زر بن حبيش، قال: تسحرت، ثم انطلقت إلى المسجد، فمررت بمنزل حذيفة بن اليمان، فدخلت عليه، فأمر بلقحة فحلبت وبقدر فسخنت، ثم قال: ادن فكل. فقلت: إني أريد الصوم. فقال: وأنا أريد الصوم، فأكلنا وشربنا، وأتينا المسجد، فأقيمت الصلاة، فقال حذيفة: هكذا فعل بي رسول الله ﷺ . قلت: أبعد الصبح؟ قال: نعم، هو الصبح غير أن لم تطلع الشمس.
خرجه الإمام أحمد.
وخرج منه النسائي وابن ماجه: أن حذيفة قال: تسحرت مع النبي ﷺ ، هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع.
وقد روي من غير وجه، عن حذيفة.
قال الجوزجاني: هو حديث أعيا أهل العلم معرفته.
стр. 2059
وقد حمل طائفة من الكوفيين، منهم: النخعي وغيره هذا الحديث على جواز السحور بعد طلوع الفجر في السماء، حتى ينتشر الضوء على وجه الأرض.
وروي عن ابن عباس وغيره: حتى ينتشر الضوء على رؤوس الجبال.
ومن حكى عنهم، أنهم استباحوا الأكل حتى تطلع الشمس فقد أخطأ.
وأدعى طائفة: أن حديث حذيفة كان في أول الإسلام ونسخ.
ومن المتأخرين من حمل حديث حذيفة على أنه يجوز الأكل في نهار الصيام حتى يتحقق طلوع الفجر، ولا يكتفي بغلبة الظن بطلوعه.
وقد نص على ذلك أحمد وغيره؛ فإن تحريم الأكل معلق بتبين الفجر، وقد قال علي بعد صلاته للفجر: الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
وأنه يجوز الدخول في صلاة الفجر بغلبة ظن طلوع الفجر كما هو قول أكثر العلماء على ما سبق ذكره.
وعلى هذا، فيجوز السحور في وقت تجوز فيه صلاة الفجر، إذا غلب على الظن طلوع الفجر، ولم يتيقن ذلك.
وإذا حملنا حديث حذيفة على هذا، وأنهم أكلوا مع عدم تيقن طلوع الفجر، فيكون دخولهم في الصلاة عند تيقن طلوعه والله أعلم.
стр. 2060
ونقل حنبل عن أحمد، قال: إذا نور الفجر وتبين طلوعه حلت الصلاة، وحرم الطعام والشراب على الصائم.
وهذا يدل على تلازمهما، ولعله يرجع إلى أنه لا يجوز الدخول في الصلاة إلا بعد تيقن دخول الوقت.
وقد روي عن ابن عباس وغيره من السلف تلازم وقت صلاة الفجر وتحريم الطعام على الصائم.
وروي في حديث ابن عباس المرفوع، أن جبريل صلى بالنبي ﷺ في اليوم الأول حين حرم الطعام على الصائم.
وقد خرج البخاري في (الحج) حديث ابن مسعود، أنه قال بالمزدلفة حين طلع الفجر: إن رسول الله ﷺ كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم.
وفي رواية له: أنه صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول: قد طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع الفجر، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: (إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب والعشاء فلا يقدم الناس جمعاً حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه
стр. 2061
الساعة) .
وهذا كله يدل على أن النبي ﷺ لم تكن عادته أنه يصلي الفجر ساعة بزوغ الفجر، وإنما فعل ذلك بمزدلفة يوم النحر. والله أعلم.
الحديث الثاني:
قال:
стр. 2062
٥٧٧ - حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان، عن أبي حازم، أنه سمع سهل بن سعد يقول: كنت أتسحر في أهلي، ثم يكون سرعة بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ .
رواه عن أبي حازم: سليمان بن بلال وعبد الله بن عامر.
وفيه: دلالة على تعجيل النبي ﷺ لصلاة الفجر - أيضا -، كحديث زيد بن ثابت الذي قبله.
الحديث الثالث:
стр. 2063
٥٧٨ - حدثنا يحيى بن بكير: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته، قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحد من الغلس.
(المروط) : الأكسية، وقد سبق تفسيرها.
стр. 2064
و (التلفع) : تغطية الرأس.
وروي عن مالك: (متلففات) - بفائين -، والمشهور عنه: (متلفعات) أيضا - بالعين، كرواية الأكثرين.
والحديث عند مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة.
وقد خرجه من طريقه البخاري في موضع آخر من (كتابه) ومسلم - أيضا.
وخرجه البخاري - أيضا - من رواية فليح، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - بنحوه.
والحديث: يدل على تغليس النبي ﷺ بالفجر، فإنه كان يطيل فيها القراءة، ومع هذا فكان ينصرف منها بغلس.
فإن قيل: ففي حديث أبي برزة، أنه كان ينصرف من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، وهذا يخالف حديث عائشة.
قيل: لا اختلاف بينهما، فإن معرفة الرجل رجلاً يجالسه في ظلمة الغلس لا يلزم منه معرفته في ذلك الوقت أمرأة منصرفة متلفعة بمرطها، متباعدة عنه.
وروى الشافعي حديث أبي برزة في كتاب (اختلاف علي عبد الله) ، عن ابن علية، عن عوف، عن أبي المنهال، عن أبي برزة، أن النبي ﷺ كان يصلي الصبح، ثم ننصرف وما يعرف الرجل منا جليسه.
стр. 2065
قال البيهقي: هذا الكتاب لم يقرأ على الشافعي، فيحتمل أن يكون قوله: (وما يعرف الرجل منا جليسه) وهما من الكاتب؛ ففي سائر الروايات: (حتى يعرف الرجل منا جليسه) . انتهى.
والظاهر: أن أبا برزة أراد أن الرجل إنما كان يعرف جليسه إذا تأمل وردد فيه نظره.
ويدل عليه: أحاديث أخر، منها: حديث قيلة بنت مخرمة، أنها قدمت على رسول الله ﷺ وهو يصلي بالناس صلاة الغداة، وقد أقيمت حين انشق الفجر، والنجوم شابكة في السماء، والرجال لا تكاد تتعارف مع ظلمة الليل.
خرجه الإمام أحمد.
وهو إخبار عن حال الصلاة دون الانصراف منها.
وروى أبو داود الطيالسي وغيره من رواية حرملة العنبري، قال: أتيت النبي ﷺ فصليت معه الغداة، فلما قضى الصلاة نظرت في وجوه
стр. 2066
القوم، ما أكاد أعرفهم.
وخرج البزار والإسماعيلي من رواية حرب بن سريج، عن محمد بن علي ابن حسين، عن محمد بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب، قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الصبح، وما يعرف بعضنا وجه بعض.
حرب بن سريج، قال أحمد: ليس به بأس، ووثقه ابن معين. قال أبو حاتم: ليس بقوي؛ منكر عن الثقات.
وفي الباب أحاديث أخر.
والكلام هاهنا في مسألتين:
المسألة الأولى:
في وقت الفجر:
أماأول وقتها: فطلوع الفجر الثاني، هذا مما لا اختلاف فيه.
وقد اعاد أبو موسى وابن عمر صلاة الفجر لما تبين لهما أنهما صليا قبل طلوع الفجر.
وروى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: الفجر فجران: فجر يطلع بليل، يحل فيه الطعام والشراب ولا يحل فيه الصلاة. وفجر تحل فيه الصلاة ويحرم فيه الطعام والشراب، وهو الذي ينتشر على رؤوس الجبال.
стр. 2067
ورواه أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن ابن جريج، فرفعه.
خرجه من طريقه ابن خزيمة وغيره.
والموقوف أصح -: قاله البيهقي وغيره.
وروى ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر عن النبي ﷺ ، قال: (الفجر فجران، فإن الفجر الذي يكون كذنب السرحان فلا يحل الصلاة فيه ولا يحرم الطعام) .
وروي عن ابن أبي ذئب - بهذا الإسناد - مرسلاً من غير ذكر: جابر.
قال البيهقي: هو أصح.
وأماآخر وقت الفجر: فطلوع الشمس، هذا قول جمهور العلماء من السلف والخلف، ولا يعرف فيه خلاف، إلا عن الاصطخري من الشافعية، فإنه قال: إذا أسفر الوقت جداً خرج وقتها وصارت قضاء.
ويرد قوله: قول النبي ﷺ : (من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها) .
وفي (صحيح مسلم) عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: (وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس) .
стр. 2068
وفي رواية له - أيضا -: (وقت الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول) .
المسألة الثانية:
في أن الأفضل: هل هو التغليس بها في أول وقتها، أم الإسفار بها؟ وفيه قولان:
أحدهما: أن التغليس بها أفضل، وروي التغليس بها عن أبي بكر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وابن عمر، وابن الزبير، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، ومعاوية، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول الليث، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وإسحاق، وأبي ثور، وداود.
وقد ذكرنا في هذا الباب عامة أحاديث التغليس بالفجر.
وذهب آخرون إلى أن الإسفار بها أفضل، وروي الإسفار بها عن عثمان، وعلي وابن مسعود.
روى الأوزاعي: حدثني نهيك بن يريم الأوزاعي: حدثني مغيث بن سمي، قال: صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس، فلما سلم أقبلت على ابن عمر، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاتنا، كانت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما طعن عمر أسفر بها عثمان.
خرجه ابن ماجه.
وذكر الترمذي في (علله) عن البخاري، أنه قال: هو حديث
стр. 2069
حسن.
وقال يزيد الأودي: كنت أصلي مع علي صلاة الغداة، فتخيل إلى أنه يستطلع الشمس.
وقال علي بن ربيعة: سمعت علياً يقول: يابن التياح، أسفر أسفر بالفجر.
وقال أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود، أنه كان يسفر بصلاة الغداة.
وقال نافع بن جبير: كتب عمر إلى أبي موسى أن صل الفجر إذا نور النور.
وممن كان يرى التنوير بها: الربيع بن خثيم وسعيد بن جبير، وكان النخعي يسفر بها.
ذكر ذلك كله أبو نعيم في (كتاب الصلاة) بأسانيده.
وقال: رأينا سفيان يسفر بها.
وممن رأى الإسفار بها: طاوس وفقهاء الكوفيين، مثل: سفيان والحسن ابن حي وأبي حنيفة وأصحابه.
وروى وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، قال: ما اجتمع
стр. 2070
أصحاب محمد ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر.
وروى ابن أبي شيبة بإسناده، عن أبي الدرداء، قال: أسفروا بهذه الصلاة، فإنه أفقه لكم.
واستدل من رأى الإسفار: بما روى عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود ابن لبيد، عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ ، قال: (أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر) .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وخرجه ابن حبان في (صحيحه) .
وقال العقيلي: إسناده جيد.
قال الأثرم: ليس في أحاديث هذا الباب أثبت منه.
يشير إلى أن في الباب أحاديث وهذا أثبتها، وهو
следующие страницы →