Полный текст (4 834 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
٤١ - باب
السمر مع الأهل والضيف
стр. 2277
٦٠٢ - ثنا أبو النعمان: ثنا المعتمر بن سليمان: ثنا أبي: ثنا أبو عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: إن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وأن النبي ﷺ قال: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإن أربعة فخامس أو سادس) وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي ﷺ بعشرة. قال: فهو أنا وأبي وأمي – ولا أدري هل قال: وامرأتي – وخادم بين بيتنا وبيت أبي بكر، وإن أبا بكر تعشى عند النبي ﷺ ، ثم لبث حتى صليت العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى النبي ﷺ ، فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله. قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك – أو قال: ضيفك -؟ قال: أو ما عشيتيهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، قد عرضوا فأبوا. قال: فذهبت أنا فاختبأت، قال: يا غنثر، فجدع وسب، وقال: كلوا لا هنيئاً. فقال: والله، لا أطعمه أبداً، وايم الله، ما كنا ناخذ من لقمة
стр. 2278
إلا ربا من أسفلها أكثر منها، حتى شبعوا، وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر. قال لامرأته: يا أخت بني فراس، ما هذا؟ قالت: لا وقرة عيني، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات، فأكل منها أبو بكر، وقال: إنما كان ذلك من الشيطان – يعني: يمينه -، ثم أكل منها لقمة، ثم حملها إلى النبي ﷺ ، فأصبحت عنده، وكان بيننا وبين قوم عقد، فمضى الأجل، فعرفنا اثني عشر رجلاً، مع كل رجل منهم أناس، الله أعلم كم مع كل رجل، فأكلوا منها أجمعون – أو كما قال.
في هذا الحديث فوائد كثيرة:
منها: استحباب إيثار الفقراء بالشبع من الطعام ومواساتهم فيه، فلهذا أمر من كان عنده طعام اثنين أن يذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة أن يذهب بخامس – أو سادس -، وهذا شك من الراوي.
ولفظ مسلم في هذا الحديث: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس – بسادس) - أو كما قال.
وهذا يدل على أن الراوي شك.
وفي (الصحيحين) ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: (طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة) .
стр. 2279
وفي (صحيح مسلم) ، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ : (طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية) .
وفي هذا إشارة إلى أن البركة تتضاعف مع الكثرة والاجتماع على الطعام.
وفي (سنن ابن ماجه) بإسناد ضعيف، عن عمر – مرفوعاً -: (كلوا جميعاً ولا تفرقوا؛ فإن البركة مع الجماعة) .
وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث وحشي، أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله، إنا نأكل ولا نشبع؟ قال: (فلعلكم تتفرقون؟) قالوا: نعم. قال: (فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه) .
ومعنى: (يكفي) : أنه يكتفي به، وإن لم يشبعه.
وكان عمر في عام الرمادة يدخل على أهل البيت من المسلمين مثلهم، ويقول: لن يهلك امرؤ وعنده نصف قوته.
فهذا مأخوذ من هذا الحديث. والله أعلم.
ومجئ أبي بكر بثلاثة، إن كان هو وامرأته وابنه فقط، فقد أتى بنظير
стр. 2280
عدتهم، وإن كانوا خمسة – على رواية الشك -، فقد صاروا ثمانية، وطعام الأربعة يكفي الثمانية.
وأخذ النبي ﷺ عشرة على قدر قوته على الإيثار، وما خصه الله به من الجود والكرم في اليسر والإعسار.
ومنها: أنه إذ أتى الأنسان بضيوف إلى منزله، فإنه يجوز له أن يكلهم إلى أهله وولده، ولا يحضر معهم في الأكل؛ فإن في ذلك كفاية إذا وثق من اهله وولده بالقيام بحقهم.
ومنها: اختصاص أبي بكر بالنبي ﷺ في عشائه عنده، واحتباسه إلى أن يمضي ما شاء الله من الليل.
وقد سبق حديث عمر في سمر أبي بكر وعمر عند النبي ﷺ في الباب الماضي.
وأماسب أبي بكر ولده؛ فظنه أنه قصر في حق ضيفه، ولم يقم به كما ينبغي.
ومعنى (جدع) – أي: قطعه بالقول الغليظ.
وأماقوله: (يا غنثر) ، فروي بوجهين – ذكرهما الخطأبي -:
أحدهما: (عنتر) بالعين المهملة، والتاء المثناة من فوق، وهما مفتوحتان.
قال الخطأبي: إن كانت هذه محفوظة، فالعنتر: الذباب -: قاله ثعلب.
سمي به لصوته؛ وكأنه حين حقره وصغره شبهه بالذباب.
والثاني: (غنثر) بالغين المعجمة المضمومة وبالثاء المثلثة -، فهو مأخوذ من الغثارة، وهي: الجهل، يقال: رجل أغثر وغنثر. والنون زائدة.
стр. 2281
ومنها: إثبات كرامات الأولياء وخرق العوائد لهم.
وهو قول عامة أهل السنة، ووافق على ذلك المعتزلة في زمن الأنبياء خاصة، كما جرى لأبي بكر في هذه القضية، وجعلوها من جملة معجزاتهم حينئذ.
والتحقيق: أنها من جملة معجزات الأنبياء على كل حال، وفي كل زمان؛ لأن ما يكرم الله بذلك أولياءه، فإنما هو من بركة اتباعهم للأنبياء، وحسن اقتدائهم بهم، فدوام ذلك لأتباعهم وخواصهم من جملة معجزاتهم وآياتهم.
ومنها: جواز الإهداء إلى الأخوان الطعام بالليل، مع العلم بأنهم قد تعشوا واكتفوا، وإن أدى ذلك إلى أن يبيت الطعام عندهم.
واستمرت هذه الآية في ذلك الطعام حتى أكل منه الجمع الكثير من الغد.
ومعنى: (عرفنا اثني عشر رجلاً) – أي: جعلناهم عرفاً.
وروي: (ففرقنا) .
ومنها: من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فإنه يأتي الذي هو خير، ولا تحرم عليه يمينه فعل ما حلف على الامتناع منه، وهذا قول جمهور العلماء.
وقد ثبت، أن النبي ﷺ أمر بأن يأتي الذي هو خير ويكفر، وكان في نفسه يفعل ذلك.
وقد قيل: إن اليمين تحرم المحلوف عليه تحريماً ترفعه الكفارة.
والصحيح: خلافه؛ لأنه يجوز الإقدام على فعل المحلوف قبل التكفير بالاتفاق، ولو كان محرماً لوجب تحليله بالكفارة قبله، كالظهار.
وفي (سنن أبي داود) هذا الحديث، قال: (ولم يبلغني كفارة) وهذا
стр. 2282
من قول بعض الرواة.
وهذا بمجرده لا ينفي أن يكون أبو بكر كفر عن يمينه، بل الظاهر – أو المجزوم به – انه كفرها.
وقد ثبت من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان أبو بكر إذا حلف على يمين لا يحنث، حتى نزلت آية الكفارة، فقال: لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت يميني.
كذا رواه يحيى القطان والليث والثوري وابن المبارك وغيرهم، عن هشام.
وخرجه البخاري في (صحيحه هذا) من رواية النضر بن شميل، عن هشام.
وخالفهم الطفاوي، فرواه عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.
ورفعه وهم منه،
стр. 2283
والصحيح: كان أبو بكر -: كذا قاله البخاري والدارقطني.
وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة، قال: أعتم رجل عند النبي ﷺ ، ثم رجع إلى أهله، فوجد الصبية قد ناموا، فاتاه أهله بطعام، فحلف لا يأكل؛ من أجل صبيته، ثم بدا له فأكل، فأتي رسول الله ﷺ [فذكر] ذلك [له] ، فقال رسول الله ﷺ : (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأتها، وليكفر [عن] يمينه) .
ولعل هذا الرجل هو أبو بكر الصديق، وتكون الإشارة إلى هذا القصة، إلا أن حديث عبد الرحمن يدل على أنه لم يكن لأبي بكر صبية.
وقد ذهب قوم إلى أن من حلف على شيء فرأى غيره خيراً منه أنه يأتي الذي هو خير، ويكون ذلك كفارة يمينه، ولا يحتاج إلى كفارة بمال أو صوم.
وهذا معروف عن ابن المسيب والشعبي وسعيد بن جبير وسالم وعكرمة، وزاد عليه، فجعل من حلف بطلاق على معصية، أنه لا يفعل ما حلف عليه، ولا طلاق عليه.
وهذا شذوذ.
وروي أصل هذا عن ابن عباس.
وروي عنه مرفوعاً.
стр. 2284
خرجه ابن حبان في (صحيحه) .
ولا يصح رفعه.
وروى مالك بن يحيى بن عمرو بن مالك النكري، عن أبيه، عن جده، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : (من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليأتها؛ فإنها كفارتها، إلا طلاقاً أو عتاقاً) .
خرجه ابن عدي.
وقال: هو غير محفوظ؛ تفرد به يحيى، عن أبيه.
ويحيى هذا، ضعفه ابن معين وغيره.
وقد روي عن النبي ﷺ من وجوه متعددة، أنها كفارتها أن يأتي الذي هو خير، وفي أسانيدها كلها مقال.
والأحاديث الصحاح كلها تدل على أنه يكفر يمينه، قال ذلك أبو داود ومسلم في (كتاب التمييز) وغيرهما.
وكانت يمين أبي بكر ألا يأكل هذا الطعام في غضب، ولهذا قال: إنما ذلك من الشيطان –يعني: يمينه.
وفيه: دليل على انعقاد يمين الغضبان، كما حلف النبي ﷺ في غضبه ألا يحمل النفر من الأشعريين، ثم حملهم، وقال: (لا احلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير) .
стр. 2285
وفي الحديث: جواز الحلف بقرة العين؛ فإن امرأة أبي بكر حلفت بذلك، ولم ينكره عليها.
وقرة عين المؤمن: هو ربه وكلامه وذكره وطاعته.
ومقصود البخاري من هذا الحديث: جواز السمر عند الأهل والضيف؛ فإن أبا بكر سمر عند أهله وضيفه لما رجع من عند النبي ﷺ ، بعد أن ذهب من الليل ما ذهب منه. والظاهر – أيضا -: أنه سمر عند النبي ﷺ .
وفي السمر عند الأهل: حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ صلى العشاء، ثم دخل بيته، فتحدث مع أهله ساعة.
وقد خرجه [البخاري] في موضع آخر.
وقد روي عن عائشة، أنها رأت قوماً يسمرون، فقالت: انصرفوا إلى أهليكم، فإن لهم فيكم نصيباً.
وهذا يلد على انها استحبت السمر عند الأهل لما فيه من المؤأنسة لهم، وهو من حسن العشرة.
وقد روي عن النبي ﷺ ، أنه كان يسمر مع بعض الوفود الذين يفدون عليه المدينة، وهو من نوع السمر مع الضيف.
فخرج أبو داود وابن ماجه من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلي الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده أوس بن حذيفة، قال: كنت في وفد
стр. 2286
ثقيف، فكان النبي ﷺ يأتينا كل ليلة بعد العشاء، فيحدثنا قائماً على رجليه، حتى يتراوح بين رجليه، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش – وذكر الحديث.
وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث، فقال: حديث أبي برزة أصح منه.
يعني: حديثه: كان يكره الحديث بعدها.
وروي الرخصة في السمر للمصلي والمسافر [..] خاصة.
خرجه الإمام أحمد من رواية خيثمة، عن رجل من قومه من قريش، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا سمر بعد الصلاة) – يعني: العشاء الآخرة - (إلا لمصل أو مسافر) .
قال ابن المديني: في إسناده انقطاع؛ لأن الرجل الذي لم يسمه خيثمة لا أدري هو من أصحاب عبد الله، أو لا؟ وقد روى خيثمة عن غير واحد من أصحاب عبد الله، منهم: سويد بن غفلة، وأرجو أن يكون هذا الرجل منهم.
стр. 2287
وقال الأثرم: هو حديث غير قوي؛ لأن في إسناده رجلاً لم يسم.
وقد أخذ به الإمام أحمد، فكره السمر في حديث الدنيا، ورخص فيه للمسافر.
وروي من وجه آخر بزيادة، من رواية ابن وهب، عن معاوية، عن أبي عبد الله الأنصاري، عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: (لا سمر إلا لثلاثة: مصل، أو مسافر، أو عروس) .
خرجه سمويه الأصبهاني الحافظ: نا عبد الله بن الزبير: نا ابن وهب – فذكره.
وخرجه بقي بن مخلد في (مسنده) : ثنا ابن مقلاص: ثنا ابن وهب: أخبرني معاوية، عن أبي حمزة، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ نائماً قبل العشاء، ولا لاغياً بعدها، أماذاكراً فيغنم، أو نائماً فيسلم.
قال معاوية: وحدثني أبو عبد الله الأنصاري، عن زوج النبي ﷺ ، قالت: السمر لثلاثة: لعروس، أو لمسافر، أو لمتهجد بالليل.
стр. 2288
وهذا موقوف على عائشة.
وأبو عبد الله وأبو حمزة، مجهولان.
وروى الحسين بن إسحاق التستري، عن أحمد، أنه سئل عن السمر بعد العشاء الآخر؟ قل: لا، إلا لمسافر أو مصل، فأماالفقه فأرجو أن لا يكون به بأس.
ونقل عبد الله بن أحمد، عن أبيه، أنه سئل عن الحديث [الذي] نهى رسول الله ﷺ عن النوم قبل العشاء، والحديث بعدها، والرجل يقعد مع عياله بعدما يصلي يتحدث ثم ينام: هل يحرج؟ قال: ينبغي أن يجتنب الحديث والسمر بعدها.
وهذا يدل على كراهة السمر مع الأهل - أيضا.
وقال سفيان الثوري: كان يقال: لا سمر بعد العشاء، إلا لمصل، أو مسافر. قال: ولا بأس أن يكتب الشيء، أو يعمل بعد العشاء.
وهذا يدل على أن سهر الأنسان في عمل يعمله وحده، من غير مسامرة لغيره، أنه لا كراهة فيه، بخلاف المسامرة والمحادثة. والله أعلم.
стр. 2289
١٠ - كتاب الآذان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - باب
بدء الأذان
وقول الله : ﴿وَإذا نَادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] . وقول تعالى: ﴿إذا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] .
يشير إلى أن الأذان مذكور في القرآن في هاتين الآيتين:
الأولى منهما: تشتمل النداء إلى جميع الصلوات؛ فإن الأفعال نكرات، والنكرة في سياق الشرط تعم كل صلاة.
والثانية منهما: تختص بالنداء إلى صلاة الجمعة.
وقد روى عبد العزيز بن عمران، عن إبراهيم بن أبي حبيبة، عن
стр. 2290
داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الأذان نزل على رسول الله ﷺ مع فرض الصلاة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
هذا إسناد ساقط لا يصح.
وهذه الآية مدنية، والصلاة فرضت بمكة، ولم يصح أن النبي ﷺ صلى بمكة جمعة. وقوله: ﴿وَإذا نَادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا﴾ [المائدة: ٥٨] مدنية - أيضا -، ولم يؤذن للصلاة بمكة.
والحديث الذي روي أن جبريل لما أم النبي ﷺ أول ما فرضت الصلاة أمره أن يؤذن بالصلاة، قد جاء مفسراً في رواية أخرى، أنه يؤذن: الصلاة جامعة.
وقد سبق ذكره في أول " كتاب الصلاة".
وقد روي أن النبي ﷺ ليلة أسري خرج ملك من وراء الحجاب فأذن، فحدثه ربه والنبي ﷺ يسمع ذلك، ثم أخذ الملك بيد محمد فقدمه فأم أهل السماء، منهم آدم ونوح.
قال أبو جعفر محمد بن علي: فيومئذ أكمل الله لمحمد ﷺ الشرف على أهل السماء وأهل الأرض.
وقد خرجه البزار والهيثم بن كليب في " مسنديهما" بسياق مطول من طريق زياد بن المنذر أبي الجارود، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي.
стр. 2291
وهو حديث لا يصح.
وزياد بن المنذر أبو الجارود الكوفي، قال فيه الإمام أحمد: متروك. وقال ابن معين: كذاب عدو الله، لا يساوي فلساً. وقال ابن حبان: كان رافضياً يضع الحديث.
وروى طلحة بن زيد الرقي، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن النبي ﷺ لما أسري به إلى السماء أوحى الله إليه الأذان، فنزل به، فعلمه جبريل.
خرجه الطبراني.
وهو موضوع بهذا الإسناد بغير شك.
وطلحة هذا، كذاب مشهور.
ونبهنا على ذلك لئلا يغتر بشيء منه.
وإنما شرع الأذان بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، والأحاديث الصحيحة كلها تدل على ذلك.
والأذان له فوائد:
منها: أنه إعلام بوقت الصلاة أو فعلها.
ومن هذا الوجه هو إخبار بالوقت أو الفعل. ولهذا كان المؤذن مؤتمنا.
ومنها: أنه إعلام للغائبين عن المسجد؛ فلهذا شرع فيه رفع الصوت، وسمي نداءً؛ فإن النداء هو الصوت الرفيع.
ولهذا المعنى قال النبي ﷺ لعبد الله بن زيد: " قم فألقه على بلال؛ فإنه أندي صوتاً منك".
стр. 2292
ومنها: أنه دعاء إلى الصلاة؛ فإنه معنى قوله: " حي على الصلاة، حي على الفلاح".
وقد قيل: إن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: ٣٣] الآية: نزلت في المؤذنين، روي عن طائفة من الصحابة.
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] : إنها الصلوات الخمس حين ينادي بها.
ومنها: أنه إعلان بشرائع الإسلام من التوحيد والتكبير والتهليل والشهادة بالوحدانية والرسالة.
خرج البخاري في هذا الباب حديثين:
الحديث [الأول] :
قال:
стр. 2293
٦٠٣ - ثنا عمران بن ميسرة: ثنا عبد الوارث: ثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: ذكروا النار والناقوس، فذكروا اليهود والنصارى، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
وخرجه البخاري في الباب الآتي، بلفظ آخر، وهو: " قال: لما كثر
стр. 2294
الناس وانتشروا في المدينة. قال: ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يوروا ناراً أو يضربوا ناقوساً، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة".
وخرجه مسلم - أيضا.
وهذا يدل على أن الأذان تأخر عن أول قدوم النبي ? ﷺ المدينة حتى كثر الناس وانتشروا في المدينة ومن حولها، واحتاجوا حينئذ إلى تعليم وقت الصلاة بشيء يعرفونه معرفة تامة.
وقوله في هذه الرواية: " فذكروا اليهود والنصارى" - يعني: أنهم كرهوا النار والناقوس؛ لمشابهة اليهود والنصارى في أفعالهم.
ولا يعرف ذكر " النار" إلا في هذه الرواية، وإنما في أكثر الأحاديث ذكر الناقوس والبوق، وفي بعضها ذكر راية تنصب ليراها الناس.
وقد روي من حديث خالد، عن أبي قلابة ذكر الناقوس والبوق - أيضا.
خرجها ابن خزيمة في " صحيحه" والطبراني من رواية روح بن عطاء بن أبي ميمونة، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: كانت الصلاة إذا حضرت على عهد النبي ﷺ سعى رجل إلى
стр. 2295
الطريق، فنادى: الصلاة الصلاة، فاشتد ذلك على الناس، فقالوا: لو اتخذنا ناقوساً يا رسول الله؟ قال: " ذلك للنصارى". قالوا: فلو اتخذنا بوقاً؟ قال: " ذلك لليهود". فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
وقال الطبراني: لم يروه - بهذا التمام - عن خالد إلا روح. انتهى.
وروح، متكلم فيه.
وفي حديث عبد الله بن زيد، أن النبي ﷺ أمر بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة.
خرجه أبو داود وغيره.
ويعضده: أن النبي ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء.
وفي رواية إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق لحديث عبد الله بن زيد، قال: لما أجمع رسول الله ﷺ أن يضرب بالناقوس لجمع الناس للصلاة، وهو كاره لموافقة النصارى.
وهذا يدل على أن الناس قد اجتمعوا على ذلك، ووافقهم ﷺ مع كراهته له.
стр. 2296
وقوله: " فأمر بلال" لا يشك أن الآمر له هو رسول الله ﷺ ، كما صرح به ابن عمر في حديثه الآتي.
قال الخطأبي: الأذان شريعة من الشرائع، والأمر المضاف إلى الشريعة في زمان النبي ﷺ لا يضاف إلى غيره. قال: ومن زعم ان الآمر لبلال به أبو بكر فقد غلط؛ لأن بلالاً لم يقم بالمدينة بعد موت النبي ﷺ ، وإنما لحق بالشام أيام أبي بكر. أنتهى.
ولقد أبطل من زعم أن أمر بلال بالأذان تأخر إلى زمن أبي بكر، وأن مدة النبي ﷺ خلت عن أذان، وهذا لا يقوله من يعقل ما يقول.
ولعل هذا الزاعم إنما زعم أن أبا بكر أمر بابتار الإقامة بعد أن كانت على غير ذلك في زمن النبي ﷺ .
وهذا في غاية البطلان - أيضا -، وإنما يحمل عليه الهوى والتعصب، وكيف يغير أبو بكر بعد موت النبي ﷺ شريعته في إقامة الصلاة ويقره الناس على ذلك؟
والحديث صريح في أن أمر بلال بذلك كان في أول أمر الأذان، حيث كانوا يترددون فيما يحصل به إعلام الناس بوقت الصلاة، فيحنئذ أمر بلال بأن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، لا يحتمل الكلام غير هذا المعنى. والله اعلم.
стр. 2297
وقد خرج النسائي هذا الحديث من رواية عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، أن النبي ﷺ أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
ونقل عباس الدوري، عن ابن معين، قال: لم يرفعه إلا الثقفي.
وقد خرجه الدارقطني من طرق أخرى مصرحاً برفعه - أيضا - كما رواه الثقفي.
стр. 2298
الحديث الثاني:
стр. 2299
٦٠٤ - ثنا محمود بن غيلان: ثنا عبد الرزاق: ثنا ابن جريج: أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، ليس ينادى لها، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى. وقال بعضهم: بل بوقاً مثل قرن اليهود. فقال عمر: أولا تبعثون رجلاً منكم ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : " يا بلال، قم فناد بالصلاة".
وخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق وحجاج، كلاهما عن ابن جريج به، بنحوه.
والحديث صريح في أن المسلمين اول ما قدموا المدينة ورسول الله ﷺ معهم لم يكونوا ينادون للصلاة، وإنما كانوا أولاً يتحينون الصلاة - يعني: يقدرون احيانها لياتوا إليها - والحين: الوقت والزمان -، ثم إنهم تشاوروا في ذلك وتكلموا فيه لما شق عليهم التحين، فربما كان منهم من يتقدم قبل الوقت، فيفوته ما كان يعمل، ومنهم من كان يتأخر فتفوته الصلاة.
وقد روى فليح، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ، أن الناس كانوا يتحينون وقت الصلاة، فيصلون
стр. 2300
بغير أذان، فإذا حضرت الصلاة فمنهم من يدرك، وأكثرهم لا يدرك، فهم النبي ﷺ ذلك - وذكر حديث عبد الله بن زيد بطوله -، فلما أهم النبي ﷺ وأصحابه ذلك اجتمعوا فتشاوروا في امر يعلمون به وقت الصلاة ويجتمعون عليه في المسجد.
وفي هذا: دليل على استحباب التشاور في مصالح الدين والاهتمام بها، فلما تشاوروا أشار بعضهم بالناقوس كفعل النصارى، وأشار بعضهم بالبوق كفعل اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة.
وهذا من إلهام عمر للحق ونطقه به، وقد كان كثيراً ما ينطق بالشيء فينزل الوحي بموافقته، وهذا مما نزل القرآن بتصويب قوله.
وقول النبي ﷺ : " يا بلال، قم فناد بالصلاة" يدل على ان النبي ﷺ قبل ما أشار به عمر دون غيره.
وأمره ﷺ بالنداء بالصلاة، يحتمل انه أمره أن ينادي في الطرقات: " الصلاة، الصلاة" كما تقدم في الحديث الذي خرجه ابن خزيمة، ويكون
стр. 2301
ذلك قبل ان يشرع الأذان. ويحتمل أنه أمره بالأذان، وهو اظهر.
ويحتمل أن عمر إنما أشار بذلك بعد أن رآه في منامه، ويدل عليه ما روي عن عمر، وعن ابن عمر –أيضا -:
أماالمروي عن عمر، فمن طريق سفيان بن وكيع: ابنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عمر، قال: ائتمر النبي ﷺ وأصحابه حين قدموا المدينة: كيف يجعلون الأذان بالصلاة يجتمعون لها؟ فائتمروا بالناقوس. قال عمر: فرايت في المنام: لم تجعلون الناقوس بل أذنوا. فذهب عمر إلى النبي ﷺ ليخبره بالذي رأى، وقد جاء النبي ﷺ الوحي بذلك، فقال النبي ﷺ : "سبقك الوحي بذلك يا عمر". قال: فذهبت إلى الصلاة، فإذا بلال يهتف بالأذان.
خرجه الإسماعيلي في " مسند عمر".
وسفيان بن وكيع، فيه ضعف.
وهو مرسل.
وخرجه ابو داود في " المراسيل": ثنا أحمد بن إبراهيم: ثنا حجاج، عن ابن جريج: أخبرني عطاء، أنه سمع عبيد بن عمير يقول: ائتمر النبي ﷺ هو وأصحابه، كيف يجعلون شيئاً إذا أرادوا جمع الصلاة اجتمعوا لها [به] ، فائتمروا بالناقوس، فبينما عمر يريد أن يبتاع خشبتين لناقوس إذ رأى عمر في المنام أن لا تجعلوا الناقوس، بل أذنوا بالصلاة، فذهب عمر إلى النبي ﷺ ليخبره بالذي رأى، وقد جاء الوحي بذلك، فما راع عمر إلا بلال يؤذن، فقال النبي ﷺ : " سبقك بذلك الوحي"، حين
стр. 2302
أخبره عمر بذلك.
وقد روى مالك في " الموطا" عن يحيى بن سعيد، قال: كان النبي ﷺ قد أراد أن يتخذ خشبتين يضربهما ليجمع الناس للصلاة، فأري عبد الله بن زيد خشبتين في النوم، فقال: إن هاتين الخشبتين لنحو مما يريده رسول الله ﷺ ، فقيل: ألا تؤذنون للصلاة، فأتى رسول الله ﷺ حين استيقظ، فذكر ذلك له، فأمر رسول الله ﷺ [بالآذان] .
وأماالمروي عن ابن عمر، فمن طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: إن النبي ﷺ استشار الناس لما يهمهم للصلاة، فذكروا البوق، فكرهه من أجل اليهود. ثم ذكروا الناقوس، فكرهه من أجل النصارى، فأري النداء تلك الليلة رجل من الأنصار - يقال له: عبد الله ابن زيد - وعمر بن الخطاب، فطرق الانصاري رسول الله ﷺ [ليلاً، فأمر رسول الله ﷺ ] بلالاً فاذن به.
قال الزهري: وزاد بلال في نداء الغداة: " الصلاة خير من النوم" - مرتين -، فأقرها رسول الله ﷺ .
قال عمر: يا رسول الله؛ قد رأيت مثل الذي رأى، ولكنه سبقني.
خرجه ابن ماجه.
стр. 2303
وخرجه ابن سعد من طريق مسلم بن خالد: حدثني عبد الرحيم بن عمر، عن ابن شهاب - بإسناده، ومعناه.
وفي كون هذا الحديث محفوظاً عن الزهري بهذا الإسناد نظر؛ فإن المعروف: رواية الزهري، عن ابن المسيب - مرسلاً.
وروي عن الزهري، عن ابن المسيب، عن عبد الله بن زيد.
وحديث عبد الله بن زيد، قد روي من وجوه:
أحدها: رواية ابن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه - بسياق مطول -، وفيه: أن النبي ﷺ لما امر بعمل الناقوس طاف بعبد الله وهو نائم رجل يحمل ناقوساً، فقال له: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: فما تصنع به؟ قال: ندعوا به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قال: بلى، قال: تقول:
" الله أكبر"، فعلمه الأذان مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة. فما اصبح اتى النبي ﷺ فأخبره، فقال له: " الرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت؛ فإنه أندى صوتاً منك". قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه، وبلال يؤذن به. قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجر رداءه، ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما رأى. فقال رسول الله ﷺ : " فلله الحمد".
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي، وصححه، وابن خريمة وابن حبان في " صحيحهما".
وحكى البيهقي أن الترمذي حكى في " علله" عن البخاري، أنه قال: هو عندي صحيح.
стр. 2304
وبه استدل الإمام أحمد، وعليه اعتمد.
وقال الخطأبي: قد روي هذا الحديث والقصة باسانيد مختلفة، وهذا الإسناد أصحها.
وحكى ابن خزيمة عن محمد بن يحيى الذهلي، أنه قال: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان خبر اصح من هذا؛ لأن محمد بن عبد الله سمعه من أبيه.
قال ابن خزيمة: خبر ابن إسحاق ثابت صحيح؛ لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه، وابن إسحاق سمعه من التيمي.
стр. 2305
كذا قال؛ وقد توقف البخاري في " تاريخه" في سماع محمد بن عبد الله ابن زيد من أبيه، فقال: عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه، عن جده، لم يذكر سماع بعضهم من بعض.
قال الحاكم: إنما ترك الشيخان حديث عبد الله بن زيد بهذا الإسناد؛ لتقدم موت عبد الله بن زيد، فقد قيل: إنه [استشهد بأحد] . وقيل: بعد ذلك بيسير. انتهى.
وعلى هذا؛ فجميع الروايات عنه مرسلة.
وخرج أبو داود من حديث أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار، قالوا: اهتم النبي ﷺ للصلاة كيف يجمع لها الناس؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها أخبر بعضهم بعضاً، فلم يعجبه - وذكر الحديث بطوله، ورؤيا عبد الله بن زيد الأذان في منامه - قال: وكان عمر ابن الخطاب قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوماً - وذكر بقية الحديث.
وخرج – أيضا - من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت
стр. 2306
ابن أبي ليلى يقول: ثنا أصحابنا، أن رسول الله ﷺ قال: لقد أعجبني ان تكون صلاة المسلمين واحدة، حتى لقد هممت أن أبث رجالاً في الدور، ينادون الناس بحين الصلاة، وحتى هممت أن آمر رجالاً يقومون على الآكام، ينادون المسلمين بحين الصلاة. قال: فجاء رجل من الانصار، فقال: يا رسول الله، إني لما رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلا كان عليه ثوبان أخضران، فقام على المسجد فأذن، ثم قعد قعدةً، ثم قام فقال مثلها، إلا أنه يقول: " قد قامت الصلاة"، ولولا أن يقولوا لقلت إني كنت يقظاناً غير نائم. فقال رسول الله ﷺ : " لقد أراد الله خيراً، فمر بلالاً فيؤذن". قال: فقال عمر: إني قد رأيت مثل ما رأى، ولكني لما سبقت استحييت.
وخرجه - أيضا - من طريق المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ - فذكره.
ورواه حصين وغيره، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله ابن زيد.
وابن أبي ليلى، لم يسمع من معاذ، ولا من عبد الله بن زيد، فروايته عنهما منقطعة.
ورواية شعبة أصح.
وتابعه الأعمش، فرواه عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ثنا أصحاب محمد، أن عبد الله بن زيد رأى الأذان في المنام - فذكره.
وهذا إسناد جيد متصل، وعدم تسمية الصحابة لا
стр. 2307
يضر؛ فإنهم كلهم عدول ﵃.
لكن اختلف على الأعمش، وروي عنه، عن عمرو، عن ابن أبي ليلى - مرسلاً.
وقال العقيلي: الرواية في هذا الباب فيها لين، وبعضها أفضل من بعض.
يشير إلى حديث عبد الله بن زيد ورؤية الأذان في منامه.
وعبد الله بن زيد هذا، هو: ابن عبد ربه الأنصاري، من الخزوج.
قال الترمذي: لا يصح له غير حديث الأذان.
وزعم ابن عيينة أنه صاحب " حديث الوضوء" عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، أنصاري من بني النجار، وهو عم عباد بن تميم.
وله أحاديث متعددة مرسلة، منها: عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قالوا:
стр. 2308
كان النبي ﷺ قبل أن يؤمر بالأذان ينادي منادي النبي ﷺ : الصلاة جامعة، فيجتمع الناس، فلما صرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان، وكان رسول الله ﷺ قد أهمه أمر الأذان، وأنهم ذكروا أشياء يجمعون بها الناس للصلاة - وذكر بقية الحديث، ورؤيا عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب -، ثم قال: قالوا: [وأذن بالأذان وبقي مناد في الناس: " الصلاة جامعة"، للأمر بحديث] ، وإن كان في غير وقت صلاة.
ففي هذه الرواية: أن الأذان كان بعد صرف القبلة إلى الكعبة، وكان صرف القبلة إلى الكعبة في السنة الثانية.
وقد روي ما يستدل به على أن الأذان إنما شرع بعد غزوة بدر بعد صرف القبلة بيسير.
ففي " المسند" وغيره عن حارثة بن مضرب، عن علي، قال: لما كان ليلة بدر وطلع الفجر نادى: " الصلاة عباد الله "، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله ﷺ .
وقد روى وكيع في " كتابه" عن هشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: كان بدء الأذان إذا حضرت الصلاة نودي: " الصلاة الجامعة"، فقال رسول الله ﷺ : " لو اتخذتم ناقوساً أو كبراً" - الكبر - بفتحتين -: الطبل ذو الرأسين. وقيل: الطبل الذي له وجه واحد - فرأى ابن زيد في المنام رجلاً في يده عود، قال: ما تصنع به؟ قال: نتخذه ناقوساً،
стр. 2309
قال: أولا أدلك على ما هو خير من ذلك، إذا حضرت الصلاة قام أحدكم فيشهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
وقد روي أنه زيد في الأذان كلمات، كما سبق عن الزهري، ان بلالاً زاد في أذان الفجر: "الصلاة خير من النوم" - مرتين -، فأقرها رسول الله ﷺ .
وقد خرجه الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، عن عبد الله بن زيد - في سياق حديثه الطويل -، وقال في آخره: قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر.
وخرجه ابن أبي شيبة، عن عبدة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن ابن المسيب، ولم يذكر فيه: " عبد الله بن زيد"، وجعله كله من رواية ابن المسيب.
والأشبه: أن ذكر زيادة بلال في آخر الحديث مدرجة من قول الزهري؛ كما سبق. ورواها معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن بلال.
خرجه من طريقه ابن ماجه.
وابن المسيب، لم يسمع من بلال - أيضا.
ورواها النعمان بن المنذر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
ورواها صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
стр. 2310
خرجه الطبراني من الطريقين.
ورواها يونس، عن الزهري، عن حفص بن عمر بن سعد المؤذن، قال: حدثني اهلي، أن بلالاً أتى النبي ﷺ فذكره.
ورواها شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب - مرسلاً.
خرجه من الطريقين البيهقي.
والمرسل أشبه.
وخرج أبو داود في " مراسيله" من طريق يونس، عن ابن شهاب: أخبرني حفص بن عمر بن سعد المؤذن، أن بلالاً أتى النبي ﷺ فذكره.
وفي رواية له: عن حفص بن عمر بن سعد: حدثني اهلي، عن بلال.
وروى الحديث بطوله، بدون هذه الزيادة: أبو صالح، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب: أخبرني سعيد بن المسيب - فذكره كله مرسلاً.
وكذا رواه معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب - مرسلاً.
وروي: أن عمر أمر بلالاً بزيادة الشهادة بالرسالة في الأذان.
خرجه ابن خزيمة في " صحيحه" والإسماعيلي، من رواية عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، أن بلالاً كان يقول إذا أذن: " أشهد ان لا إله الله، حي على الصلاة"، فقال عمر: قل في إثرها: " أشهد أن محمداً رسول الله"، فقال رسول الله ﷺ : "قل ما أمرك عمر".
عبد الله بن نافع، ضعيف جداً.
стр. 2311
٢ - باب
الأذان مثنى مثنى
стр. 2312
٦٠٥ - ثنا سليمان بن حرب: ثنا حماد بن زيد، عن سماك بن عطية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: أمر بلال ان يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا الإقامة.
стр. 2313
٦٠٦ - حدثني محمد - هو: ابن سلام -، قال: حدثني عبد الوهاب الثقفي: ثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: لما كثر الناس، قال: ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يوروا ناراً، أو يضربوا ناقوساً، فأمر بلال ان يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة.
سماك بن عطية، قال: حماد: كان من جلساء أيوب، ومات قبل أيوب.
وقد تقدم أن عبد الوهاب الثقفي روى عنه هذا الحديث بالتصريح برفعه، وذكر النبي ﷺ .
وكذا روي، عن ابن إسحاق، عن أيوب.
وكذا رواه خارجة بن مصعب، عن أيوب.
وروي مثله، عن الثوري، عن أيوب. وعن الثوري عن خالد الحذاء.
стр. 2314
والصحيح عن الثوري - كقول الجماعة -: " أمر بلال".
وقد تقدم أنه لا يشك في أن الآمر له هو النبي ﷺ .
ومعنى قوله: " يشفع الأذان" أن يجعله شفعاً: مثنى مثنى.
ومعنى: "يوتر الإقامة" أن يجعلها وتراً، أي: فرداً فرداً.
والشفع ضد الوتر: فالوتر: الفرد، والشفع الزوج.
ولهذا فسر " الشفع" في الآية بالخلق؛ لأن الخلق كله زوج؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات:٤٩] ، وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦] .
وفسر" الوتر" بالله ؛ لأنه وتر يحب الوتر.
والمقصود بهذا الباب: أن كلمات الأذان شفع.
لكن اختلف في التكبير في اوله: هل هو تكبيرتان، أو أربع؟
وقد اختلفت في ذلك روايات عبد الله بن زيد في قصة المنام، وحديث أبي محذورة حيث علمه النبي ﷺ الأذان مرجعه من حنين، وأمره أن يؤذن لأهل مكة.
وقد خرج مسلم في " صحيحه" حديث أبي محذورة، وفي اوله: التكبير مرتين.
وخرج أبو داود وغيره حديث عبد الله بن زيد بالوجهين.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث أبي
стр. 2315
محذورة: ان النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة.
وإنما يكون الأذان تسع عشرة كلمة إلا إذا كان التكبير في أوله اربعاً.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود حديث عبد الله بن زيد، وفي أوله: أربع تكبيرات.
وأشار أبو داود إلى الاختلاف في ذلك، وخرج من حديث ابن أبي ليلى، عن معاذ التكبير في أوله مرتين.
وكذلك الشهادتان، ففي حديث عبد الله بن زيد: ان الشهادتين في الأذان أربع، وفي حديث أبي محذورة: أن الشهادتين ثمان مرات، يعيدها مرتين، وسمي الترجيع، وقد خرجه مسلم كذلك.
ولا اختلاف فيما بقي من الأذان بين أذان أبي محذورة وعبد الله بن زيد الذي ألقاه على بلال في الروايات المشهورة في " السنن" و" المسانيد"، وليس في الأذان كلمة إلا شفع غير كلمة التهليل في آخر [الأذان] .
وقد روي أن أبا محذورة كان يقدم التهليل على التكبير في آخر أذانه من وجه منقطع.
قال أبو نعيم في " كتاب الصلاة": ثنا عيسى بن المسيب، عن إبراهيم، قال: كان أبو محذورة يقول: " لا إله إلا الله، والله وأكبر"، وكان بلال يقول: " الله أكبر، الله اكبر، لا إله إلا الله"، بلال في السفر وأبو محذورة في الحضر.
следующие страницы →