← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

الكلام. وكذا قال في الايمان ونحوها، لو قال: من دخل داري. او خاطب غيره، فقال: من دخل دارك، وعلق على ذلك طلاقاً او غيره: لم يدخل هو في عموم اليمين في الصورة [الاولى] ، ولا المخاطب في الصورة الثانية. وللمسألة نظائر كثيرة، في بعضها اختلاف، قد ذكرناها في كتاب "القواعد في الفقه". واستحب أحمد للمؤذن ان يبسط يديه ويدعو عنه قوله: "حي على الصلاة". قال: اريت يزيد بن هارون يفعله، وهو حسن. يعني: لما ورد من استحبابه للدعاء عن الاذان، وفيه احاديث كثيرة مرفوعة، وموقوفة. وقوله ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن" يدخل فيه الاذان والاقامة؛ لان كلا منهما نداء إلى الصلاة، صدر من المؤذن. وقد اختلف العلماء: هل يشرع الاجابة في الاقامة؟ على قولين: احدهما: انه يشرع ذلك، وهو قول القاضي أبي يعلى واكثر أصحابنا، وهو ظاهر مذهب الشافعي. وفي "سنن أبي داود" من رواية محمد بن ثابت العبدي: ثنا رجل من اهل الشام، عن شهر بن حوشب، عن أبي امامة - او عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، ان بلالا اخذ في الاقامة، فلما ان قال: "قد قامت الصلاة" قال النبي ﷺ : "اقامها الله وادامها"، وقال في سائر الاقامة كنحو حديث عمر في الاذان.

стр. 2382

وفي هذا [الإسناد] ضعف. والقول الثاني: انه لايسرع الاجابة فيها، الا في كلمة الاقامة خاصة، وهو وجه للشافعية. وقد نقل المروذي عن الامام أحمد، انه كان إذا اخذ المؤذن في الاقامة رفع يديه ودعا. وروي عنه، انه كان يدعو، فإذا قال المؤذن: "لا اله الا الله" قال: لا اله الا الله الحق المبين. وظاهر هذا: ان الدعاء حينئذ افضل من الاجابة. وتأوله القاضي على انه انما كان يدعو إذا فرغ من الاقامة. وهذا مخالف لقوله: ((إذا اخذ المؤذن في الاقامة)) . ولو سمع المؤذن وهو يصلي، فهل يجيبه، ام لا؟ هذا قد ينبني على اصل، وهو: ان العام في الاشخاص: هل هو عام في الاحوال، ام لا؟ وفيه اختلاف، قد اشرنا اليه في غير موضع. ويدل على عمومه في الاحوال: انكار النبي ﷺ على من دعاه فلم يجبه حتى حتى سلم، وقوله لم: ((الم يقل الله)) : ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُمْ﴾ )) [الانفال:٢٤] ". وقد اختلف العلماء في اجابة المؤذن في الصلاة على ثلاثة اقوال: احدها: انه لا يستحب اجابته في الصلاة بحال؛ لقول النبي ﷺ : ((ان في الصلاة لشغلا)) . وهذا ظاهر مذهب الشافعي. وهو قول

стр. 2383

أصحابنا، قالوا: وقد نص أحمد على ان من دخل المسجد فأذن المؤذن، فانه لا يصلي تحية المسجد حتى يجيب المؤذن. وهذا يدل على انه لا يجيبه في الصلاة. وهو - أيضا - قول الحنفية وسحنون من المالكية. الثاني: أنه يستحب انه يجيبه في الفريضة والنافلة، وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك. والثالث: يستحب ان يجيبه في النفل دون الفرض، وهو المنصوص عن مالك. نقله عنه ابن القاسم، وقال: يقع في نفسي انه اريد بالحديث: وقال: "يقول مثل ما يقول": التكبير والتشهد. وكذا قال الليث، الا انه قال: ويقول: "لا حول ولا قوة الا بالله" إذا قال "حي على الصلاة، حي على الفلاح". وفي "تهذيب المدونة" للبرداعي المالكي: ومن سمع المؤذن فليقل كقوله، وان كان في نافلة، إلى قوله: "اشهد ان لا اله الا الله، واشهد ان محمداً رسول الله"، وان اتم الاذان معه فلا باس. ولعل اتمامه مختص بغير المصلي، او بما إذا اجابه في الحيعلة بالحوقلة، كما قال الليث. انه إذا اجابه بذلك لم تبطل صلاته. فريضة كانت او نافلة عند جمهور العلماء. وهو قول مالك والشافعي وأصحابنا. ويخرج من قول أحمد في العاطس في الصلاة: يحمد الله في

стр. 2384

نفسه -: نقله عنه جماعة. ونقل صالح بن أحمد، عن أبيه، قال: إذا رفع صوته به يعيد الصلاة؛ لانه ليس من شأن الصلاة، الا ان لا يجهر به، وان قال في نفسه فلا شيء عليه. وهذا يحتمل انه اراد إذا تلفظ به بطلت صلاته. وحكى الطحاوي عن أبي يوسف، انه لاتبطل صلاته إذا اجاب المؤذن في الصلاة بالتكبير والتشهد عنه أبي يوسف، وتبطل عند أبي حنيفة ومحمد إذا اراد به الاذان، كما لو خاطب أنسانا في صلاته بلا اله الا الله، فان صلاته عنده تفسد. وهو احدى الروايتين عن أحمد. وقد فرق بينهما أصحابنا، بأن هذا قصد خطاب ادمي، بخلاف المجيب للاذان، فانه انما قصد ذكر الله . وقد نقل مهنا، عن أحمد [فيمن] ذكر في صلاته كيسا ذهب له، فقال: انا لله وانا اليه راجعون، فقال أحمد: يعيد صلاته. وهذا يدل على انه إذا اتى في صلاته بذكر غير مشروع فيها انها تبطل. وكذلك روي جعفر بن محمد، عن أحمد، في الرجل يقول قبل ان يتم الصلاة: اللهم انت السلام ومنك السلام؛ فليس هذا من شأن الصلاة [ … ] الصلاة. وروي عنه ابو طالب، انه قال: لا باس بذلك قبل السلام وبعده. وان اجاب المؤذن في قوله "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، بمثل

стр. 2385

قوله بطلت صلاته عند جمهور العلماء. وقالت طائفة: لا تبطل صلاته بذلك – أيضا. وحكاه ابن خويز منداد، عن مالك، وانه يكون بذلك مسيئاً، وصلاته تامة. وكره ان يقول في الفريضة - مثل ما يقول المؤذن، فان قال ذلك في الفريضة لم تبطل – أيضا -، ولكن الكراهة في الفريضة اشد. وكلام صاحب "تهذيب المدونة" ظاهرة موافقة ذلك، الا انه قال: لاباس وهذا يدل على انه يكره، الا ان يختص ذلك بغير المصلي. وقد ورد حديث يستدل به على ان الاذان والاقامة لا [يبطلان] الصلاة. فروي الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، ان سويد بن قيس اخبره، عن معاوية بن حديج، انه رسول الله ﷺ صلى يوماً، فسلم وقد بقيت من الصلاة ركعة، فأدركه رجل، فقال: نسيت من الصلاة ركعة، فرجع فدخل المسجد، وامر بلالا فأقام، فصلى للناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا لي: تعرف الرجل؟ فقلت: لا، الا ان اراه. فمر بي، فقلت: هو هذا. فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله.

стр. 2386

خرجه الامام أحمد وابو داود والنسائي. وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحهما"، وعندهما: انه سلم في ركعتين من صلاة المغرب. والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وسويد هذا، وثقة النسائي وابن حبان. ومعاوية بن حديج، اثبت البخاري وغيره له صحبة، وانكر هـ الامام أحمد في رواية الاثرم، فيكون حديثه هذا مرسلاً عنده. فهذا يدل على [أنَّ] اقامة الصلاة لا يبطلها، وفيها الحيعلتان، ويزيد على الاذان بقوله: "قد قامت الصلاة" – أيضا -؛ ولهذا بني على ما مضى من صلاته هو ومن صلى معه. وهذا قد يبنى على اصول مالك وأحمد – في رواية عنه - على قوليهما: ان كلام العامد في الصلاة لمصلحة الصلاة لا يبطل الصلاة. ويأتي ذكر هذا في موضع اخر - ان شاء الله. وإذا قلنا: لا يجيب المؤذن في الصلاة: فهل يتابع إذا فرغ منها؟ قال طائفة من الشافعية: يجيبه إذا سلم، فان طال الفصل، فهو كترك سجود السهو. وكذلك قال طائفة منهم في المتخلي والمجامع إذا سمع الاذان: انه إذا

стр. 2387

فرغ تابعه. وقال بعضهم: وإذا لم يتابعه حتى فرغ عمداً، فالظاهر انه يتدارك على القرب، ولا يتدارك بعد طول الفصل. والافضل ان يتابعه على كل جملة عقب فراغ المؤذن منها من غير تأخير، كما دل عليه حديث معاوية. ومن زعم من المتاخرين: انه يجوز الاجابة حتى يفرغ ثم يجيبه، وزعم انه لا يسمى مؤذناً حتى يفرغ من اذانه -: فقد ابطل، وقال ما خالف به الاولين والاخرين. وفي تسميته مؤذناً بعد فراغ اذانه - حقيقة اختلاف – أيضا - فأنه ينقضي الفعل الذي اشتق منه الاسم، ولو سابق المؤذن في بعض الكلمات. ففي "تهذيب المدونة" للمالكية: إذا عجل قبل المؤذن بالقول فلا بأس والله اعلم.

стр. 2388

٨ - باب الدعاء عند النداء

стр. 2389

٦١٤ - حدثني ابن عياش: ثنا شعيب بي أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، ان رسول الله ﷺ قال: ((من قال حين يسمع النداء: اللهم، رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، ات محمد الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقأمامحموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة)) . هذا مما وتفرد [به] البخاري دون مسلم. وخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب من حديث ابن المنكدر، لا نعلم احد رواه غير شعيب بن أبي حمزة. وذكر ابن أبي حاتم، عن أبيه، قال: قد طعن في هذا الحديث، وكان

стр. 2390

عرض شعيب بن أبي حمزة على ابن المنكدر كتاباً، فامر بقراءته عليه، فعرف بعضاً وانكر بعضاً، وقال لابنه - او لابن اخيه -: اكتب هذه الاحاديث، فدون شعيب ذلك الكتاب ولم تثبت رواية شعيب تلك الاحاديث على الناس، وعرض علي بعض تلك الكتب [فرأيتها مشابهة] لحديث إسحاق بن أبي فروة، وهذا الحديث من تلك الاحاديث. انتهى.

стр. 2391

وقد روى الاثرم، عن أحمد، قال: نظرت في كتب شعيب، اخرجها الي ابنه، فإذا فيها من الصحة والحسن والمشكل نحو هذا. وقد روي، عن جابر من وجه اخر بلفظ فيه بعض مخالفة، وهو يدل على ان لحديث جابر اصلاً. خرجه الامام أحمد من رواية ابن لهيعة: ثنا ابو الزبير، عن جابر، عن رسول الله ﷺ ، قال: "من قال حين ينادي المنادي: اللهم، رب هذه الدعوة التامة والصلاة النافعة، صل على محمد وارض عنه رضا لا

стр. 2392

سخط بعده؛ استجاب الله دعوته". وقد روي في هذا المعنى وسؤال الوسيلة عند سماع الاذان من حديث أبي الدرداء، وابن مسعود – مرفوعا -، وفي إسنادهما ضعف. ومما يشهد له – أيضا -: حديث خرجه مسلم من طريق كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، انه سمع النبي ﷺ يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فانه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فانها منزلة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله، وارجو ان اكون انا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) . وعبد الرحمن بن جبير هذا: مولى نافع بن عمرو القرشي المصري، وظن بعضهم، انه: ابن جبير بن نفير، فوهم، وقد فرق بينهما البخاري والترمذي وابو حاتم الرازي وابنه.

стр. 2393

وقد روي عن الحسن، ان هذا الدعاء يشرع عند سماع اخر الاقامة. روي ابن أبي شيبة: ثنا ابو الاحوص، عن أبي حمزة، عن الحسن، قال: إذا قال المؤذن: (قد قامت الصلاة) ، فقل: اللهم، رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، اعط محمداً سؤله يوم القيامة. فلا يقولها رجل حين يقيم المؤذن الا ادخله الله في شفاعة محمد يوم القيامة. وروي ابن السني في كتاب "عمل اليوم والليلة" من رواية عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة، انه كان يقول إذا سمع المؤذن يقيم: اللهم، رب هذه الدعوة التامة وهذه الصلاة القائمة، صل على محمد واته سؤله يوم القيامة. وهذه الاثار تشهد للمنصوص عند أحمد، انه يدعو عند الاقامة، كما سبق عنه. وقوله: (من قال حين يسمع النداء) : ظاهره انه يقول ذلك في حال سماع النداء، قبل فراغه. ويحتمل انه يريد به حين يفرغ من سماعه. وحديث عبد الله بن عمرو صريح في انه يسأل الوسيلة بعد اجابة المؤذن والصلاة على رسول الله ﷺ . وهذا هو الاظهر؛ فانه يشرع قبل جميع

стр. 2394

الدعاء تقديم الثناء على الله والصلاة على رسوله، ثم يدعو بعد ذلك. وقوله: (اللهم رب هذه الدعوة التامة) . والمراد بالدعوة التامة: دعوة الاذان؛ فانها دعاء إلى اشرف العبادات، والقيام في مقام القرب والمناجاة؛ فلذلك كانت دعوة تامة - أي: كاملة لا نقص فيها، بخلاف ما كانت دعوات اهل الجاهلية: أمافي استنصار على عدو، او إلى نعي ميت، او إلى طعام، ونحو ذلك مما هو ظاهره النقص والعيب. وروى ابو عيسى الاسواري، قال: كان ابن عمر إذا سمع الاذان قال: اللهم رب هذه الدعوة المستجابة المستجاب لها، دعوة الحق وكلمة التقوى، فتوفني عليها، واحيني عليها، واجعلني من صالح اهلها عملاً يوم القيامة. وقد روي عن ابن عمر - موقوفا - من وجوه اخر. وروي عنه مرفوعا من وجه ضعيف. قال الدارقطني: الصحيح: موقوف. وخرج بقي بن مخلد والحاكم من حديث عفير بن معدان، عن [سليم بن عامر، عن] أبي امامة، عن النبي ﷺ : (إذا نادى المنادي فتحت ابواب السماء واستجيب الدعاء، فمن نزل به كرب او شدة فليتحين المنادي إذا نادى، فليقل مثل مقاله، ثم ليقل: اللهم، رب هذه الدعوة التامة الصادقة الحق المستجابة،

стр. 2395

والمستجاب لها، دعوة الحق وكلمة التقوى، أحينا عليها، وامتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار اهلها محياُ ومماتاً. ثم يسأل حاجته) . وعفير، ضعيف جداً. وقوله: (والصلاة القائمة) – أي: التي ستقوم وتحضر. وقد خرج البيهقي حديث جابر، ولفظه: (اللهم اني اسالك بحق هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة) . وهذا اللفظ لا اشكال فيه؛ فان الله سبحانه جعل لهذه الدعوة وللصلاة حقا كتبه على نفسه، لا يخلفه لمن قام بهما من عباده، فرجع الامر إلى السؤال بصفات الله وكلماته. ولهذا استدل الامام أحمد على ان القران ليس بمخلوق باستعاذة النبي ﷺ بكلمات الله التامة، وقال: انما يستعاذ بالخالق لا بالمخلوق. وأمارواية من روي: (اللهم، رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة) ، كما هي رواية البخاري والترمذي وغيرهما، فيقال: كيف جعل هذه الدعوة مربوبة، مع ان فيها كلمة التوحيد، وهي من القرآن، والقرآن غير مربوب ولا مخلوق؟ وبهذا فرق من فرق من اهل السنة بين افعال الايمان واقواله، فقال: اقواله غير مخلوقة، وافعاله مخلوقة؛ لان اقواله كلها ترجع إلى القران؟

стр. 2396

واجيب عن هذا بوجوه: منها: ان المربوب هو الدعوة إلى الصلاة خاصة، وهو قوله: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) ، وليس ذلك في القرآن، ولم يرد به التكبير والتهليل. وفيه بعد. ومنها: ان المربوب هو ثوابها. وفيه ضعف. ومنها: ان هذه الكلمات من التهليل والتكبير هي من القرآن بوجه، وليست منه بوجهه، كما قال ﷺ : ((افضل الكلام من القران اربع، وهن من القرآن: سبحانه الله، والحمد الله، ولا اله الا الله، والله اكبر)) . فهي من القرآن إذا وقعت في اثناء القرآن، وليست منه إذا وقعت من كلام خارج عنه، فيصح ان تكون الكلمات الواقعة من ذلك في ضمن ذلك مربوبة. وقد كره الامام أحمد ان يؤذن الجنب، وعلل بأن في الاذان كلمات من القرآن. والظاهر: ان هذا على كراهة التنزيه دون التحريم. ومن الأصحاب من حملة على التحريم، وفيه نظر؛ فان الجنب لا يمنع من قول: "سبحان الله، والحمد الله، ولا قوة الا بالله، والله اكبر" على وجه الذكر، دون التلاوة. وسئل إسحاق عن الجنب يجيب المؤذن؟ قال: نعم؛ لانه ليس

стр. 2397

بقران. ومنها: ان الرب ما يضاف اليه الشيء، وان لم يكن خلقا لم، كرب الدار ونحوه، فالكلام يضاف إلى الله؛ لانه هو المتكلم به، ومنه بدأ، واليه يعود، فهذا بمعنى اضافته إلى [ربوبية] الله. وقد صرح بهذا المعنى الاوزاعي، وقال فيمن قال: (برب القران) : ان لم يرد ما يريد الجهمية فلا بأس. يعني: إذا لم يرد بربوبيته خلقه كما يريده الجهمية، بل اراد اضافة الكلام إلى المتكلم به. وقوله: (ات محمداً الوسيلة) ، قد تقدم حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، انه قال: ((ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فانها منزلة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله، وارجو ان اكون انا هو)) . وخرج الامام أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال ((سلوا الله لي الوسيلة)) . قالوا: يارسول الله، وما الوسيلة؟ قال: ((اعلى درجة من الجنة، لاينالها الا رجل واحد ارجو ان اكون انا)) . ولفظ الامام أحمد: ((إذا صليتم علي فسلوا الله لي الوسيلة)) - وذكر باقيه. وخرج الامام أحمد من حديث أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: ((الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة، فسلوا الله ان يؤتيني الوسيلة)) .

стр. 2398

وأما ((الفضيلة)) ، فالمراد – والله اعلم -: اظهار فضيلته على الخلق اجمعين يوم القيامة وبعده، واشهاد تفضيله عليهم في ذلك الموقف، كما قال: ((انا سيد ولد ادم يوم القيامة)) ، ثم ذكر حديث الشفاعة. وقوله: ((وابعثه مقأمامحمودا)) ، هكذا في رواية البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم. وعزا بعضهم إلى النسائي، انه رواه بلفظ: ((المقام المحمود)) بالتعريف، وليس كذلك. [وكذلك] وقعت هذه اللفظة بالالف واللام في بعض طرق روايات الاسماعيلي في ((صحيحه)) . ووجه الرواية المشهورة: ان ذلك متابعة للفظ القرآن، فهو اولى، وعلى هذا فلا يكون ((الذي وعدته)) صفة؛ لانه النكرة لا توصف بالمعرفة وان تخصصت، وانما تكون بدلاً، لان البدل لا يشترط ان يطابق في التعريف والتنكير، او يكون منصوباً بعفل محذوف تقديره: ((اعني: الذي وعدته)) ، او يكون مرفوعاً – خبر مبتدأ محذوف - أي ((هو الذي وعدته)) .

стр. 2399

و ((المقام المحمود)) : فسر بالشفاعة. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وغيرهم. وفسر: بأنه يدعى يوم القيامة ليكسى حلة خضراء، فيقوم عن يمين العرش مقأمالا يقدمه احد، فيغبطه به الاولون والاخرون. وقد روي عن النبي ﷺ من حديث ابن مسعود، ونحوه من حديث كعب بن مالك – أيضا - وكذا روي عن حذيفة - موقوفاً، ومرفوعاً. وهذا يكون قبل الشفاعة. وفسره مجاهد وغيره بغير ذلك. وقوله: ((حلت له شفاعتي)) . قيل: معناه نالته وحصلت له ووجبت. وليس المراد بهذ الشفاعة الشفاعة في فصل القضاء؛ فان تلك عامة لكل احد. ولا الشفاعة في الخروج من النار، ولا بد؛ فانه قد يقول ذلك من لا يدخل النار. وانما المراد – ولله اعلم -: انه يصير في عناية رسول الله ﷺ ، بحيث تتحتم له شفاعته؛ فان كان ممن يدخل النار بذنوبه شفع له [في] اخراجه منها، او في منعه من دخولها. وان لم يكن من اهل النار فيشفع له في دخوله الجنة بغير حساب، او في رفع درجته في الجنة. وقد سبقت الاشارة إلى انواع شفاعة النبي ﷺ في ((كتاب التيمم)) .

стр. 2400

٩ - باب الاستهام في الاذان ويذكر ان قوما اختلفوا في الاذان، فأقرع بينهم سعد. قال عبد الله ابن الامام أحمد: ثنا أبي: ثنا هشيم، قال: ابن شبرمة اخبرنا، قال: تشاح الناس بالقادسية على الاذان، فارتفعوا إلى سعد، فأقرع بينهم. وهذا إسناد منقطع. قال عبد الله ابن الامام أحمد: سألت أبي عن مسجد فيه رجلان يدعيان انهما احق بالمسجد، هذا يؤذن فيه وهذا يؤذن فيه؟ فقال: إذا استووا في الصلاح والورع اقرع بينهما. وكذلك فعل سعد، فان كان احدهما اصلح [في دينه] فينبغي لهم الا يختصموا. فقلت: وان كان احدهما اسن واقدم في هذا المسجد، ينفق عليه ويحوطه ويتعاهده؟ قال: هذا احق به. ومعنى هذا: انه إذا تشاح في الاذان اثنان، فان امتاز احدهما بمزيد فضل في نفسه فانه يقدم، وهو مراد أحمد بقوله: ((ان كان احدهما اصلح [في دينه] فينبغي لهم الا يختصموا)) - يعني: أن الأصلح أحق

стр. 2401

فلا ينازع -، فإن استووا في الفضل في أنفسهم وامتاز أحدهم بخدمة المسجد وعمارته قدم بذلك وقال أصحابنا: إنه يقدم أحد المتنازعين باختصاصه بصفات الأذان المستحبة فيه، مثل أن يكون أحدهما اندى صوتا وأعلم بالمواقيت ونحو ذلك؛ فإن استووا في الفضائل كلها أقرع بينهم حينئذ، كما فعل سعد. والظاهر: أن مراد أحمد: التنازع في [طلب] الأذان ابتداء، فأمامن ثبت له حق في المسجد، وهو مؤذن راتب فيه، فليس لأحد منازعته، ويقدم على كل من نازعه. وقد نقل الشالنجي عن أحمد ما يبين هذا المعنى: قال اسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد عن القوم إذا اختلفوا في الأذان فطلبوه جميعاً؟ فقال: القرعة في ذلك حسن. وقال: ثنا هشيم، عن ابن شبرمة، أن الناس تشاحوا يوم القادسية في الأذان، فأقرع بينهم سعد في ذلك. قال الشالنجي: قال ابو أيوب - يعني: سليمان بن داود الهاشمي -: إن مات المؤذن وله ولد صالح فهو أحق بالأذان، وإن لم يطلبه، وإن لم يكن بأهل لذلك، وطلبه صلحاء المسجد يقرع بينهم في ذلك. وبه

стр. 2402

قال أبو خيثمة - يعني: زهير بن حرب. وقال ابن أبي شيبة في الأذان: على ما جاء: ((يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله)) ، وكذلك الأذان. قال الجوزجاني بعد أن ذكر هذا عن الشالجني - ما معناه -: إن اختلاف الناس يرد إلى السنة. ثم روى حديث النبي ﷺ ((المؤذن مؤتمن)) من طرق. وروى حديث حسين بن عيسى، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : ((ليؤذن لكم خياركم)) . وقد خرجه ابو داود وابن ماجه. وتكلم فيه من جهة الحسين، والحكم – أيضا. وفي مراسيل صفوان بن سليم، أن النبي ﷺ قال لبني خطمة من الانصار: ((يابني خطمة، اجعلوا مؤذنكم أفضلكم في انفسكم)) . ثم قال الجوزجاني: لا بد ان يكون المؤذن خياراً، وبأن يكون مؤتمناً متبعاً للسنة، فالمبتدع غير مؤتمن. فإن اجتمع هذه الخلال في عدة من اهل المسجد، فإن أحقهم بالأذان أنداهم صوتا. ثم ذكر حديث عبد الله بن زيد، أن النبي ﷺ قال له: ((القه على بلال؛ فإنه أندى صوتا منك)) . قال: وإنما أظنهما كانا متقاربين في الفضل والامانة، وفضله بلال

стр. 2403

بالصوت، فلذلك رآه أحق. فإذا اجتمع رجال في المسجد وعلاهم رجل ببعض هذه الخصال كان أحق بالاذان، وإذا استوت فيها حالاتهم فالقرعة عند ذلك حسن. واشار إلى فعل سعد وعضده بقول النبي ﷺ : ((لو يعلم الناس ما في النداء، ثم لم يجدوا الا ان يستهموا عليه لا ستهموا)) . ثم قال: فأماالاباء والابناء والعصبة في الاذان والامامة، فانا لا نعلم فيه سنة ماضية. والله اعلم. انتهى ما ذكره ملخصاً. وخرج ابو داود من رواية غالب القطان، عن رجل، عن أبيه، عن جده، ان رجلا منهم اتى النبي ﷺ ، فقال: ان أبي شيخ كبير، وهو عريف الماء، وانه سألك ان تجعل الي العرافة بعده؟ فقال: ((ان العرافة حق، ولابد للناس من العرفاء، والعرفاء في النار)) . وهذا إسناد مجهول. ولم يذكر انه جعل العرافة له بمجرد كون أبيه عريفاً، والامامة العظمى لا تستحق بالنسب، ولهذا انكر الصحابة على من بايع لولده. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر. جئتم بها هرقلية، تبايعون لابنائكم! وسمع ذلك عائشة والصحابة، ولم ينكروه عليه، فدل على ان البيعة للابناء سنة الروم وفارس، وأماسنة المسلمين فهي البيعة لمن هو افضل واصلح للامة. وما تزعمة الرافضة في ذلك فهو نزعة من نزعات

стр. 2404

المشركين في تقديم الاولاد والعصبات. وسائر الولايات الدينية سبيلها سبيل الامامة العظمى في ذلك. والله اعلم. وقد روي ما يستدل به من جعل الاذان للابناء بعد ابائهم. قال الامام أحمد: ثنا خلف بن الوليد: ثنا الهذيل بن بلال، عن ابن أبي محذورة، عن أبيه - او جده -، قال: جعل رسول الله ﷺ الاذان لنا ولموالينا، والسقاية لبني هاشم، والحجابة لبني عبد الدار. الهذيل بن بلال، ضعفه ابن معين. وقواه الامام أحمد، وابو حاتم. وإسناده مشكوك فيه، ولم يسم ابن أبي محذورة هذا. وخرج الامام أحمد والترمذي من رواية أبي مريم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((الملك في قريش، والقضاء في الانصار، والاذان في الحبشة)) . وخرجه الترمذي موقوفاً على أبي هريرة، وقال: هو اصح. وابو مريم هذا، ليس بالمشهور. والمراد بهذا: ان سيد المؤذنين كان من الحبشة، لا انه يتوارثونه بعد بلال، فانه لا يعرف بعده من الحبشة مؤذن.

стр. 2405

وقد يستدل – أيضا - بان ولد أبي محذورة كانوا يتوارثون الاذان بمكة مدة طويلة، وكذلك اولاد سعد القرظ بالمدينة. وروى الدارقطني بإسناده عن سعد القرظ، ان عمر دعاه، فقال له: الاذان اليك وإلى عقبك من بعدك. وفي الإسناد ضعف. قال الشافعي – ﵀ وأصحابه: يستحب ان يكون المؤذن مولد بعض من جعل بعض الصحابة الاذان فيهم، ثم الاقرب اليهم فالاقرب. وقال الشافعي - أيضا -: إذا تنازع جماعة في الاذان، ولم يكن للمسجد مؤذن راتب اقرع بينهم، وكذا إذا كان له مؤذنون، وتنازعوا في الابتداء، او كان المسجد صغيراً، وادى اختلاف اصواتهم إلى تهويش، فيقرع، ويؤذن من خرجت له القرعة، أماإذا كان هناك راتب، ونازعه غيره، قدم الراتب، وان كان جماعة مرتبون، وامكن اذان كل واحد في موضع من المسجد؛ ولكبره، اذن كل واحد وحده، وان كان صغيراً، ولم يؤد اختلاف اصواتهم إلى تهويش اذنوا جملة واحدة. وهذا كله إذا كان التشاح رغبة في فضله وثوابه، فان كان رغبة في الرياسة والتقدم فينبغي ان يؤخر من قصد ذلك ولا يمكن منه، كما قال النبي ﷺ : ((انا لا نولي عملنا هذا من طلبه او حرص عليه)) . قال سيفان الثوري: إذا رايت الرجل حريصاً على الامامة فأخره.

стр. 2406

وكذلك إذا كان غرضه اخذ العوض الذي يعطاه اهل الاذان في هذه الازمان، أماممن بيت المال - وقد عدم ذلك -، او من الوقف. فان تشاح اثنان: احدهما غرضه ثواب الاذان، والاخر غرضه غرض الدنيا، فلا شك في ان الاول احق. وقد قال عثمان بن أبي العاص: ان من اخر ما عهد إلى النبي ﷺ ان اتخذ مؤذناً لا يأخذ على اذانه اجراً. اخرجه الامام أحمد وابو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي. وقال: حسن، والعمل عليه عند اهل العلم، كرهوا ان يأخذوا على الاذان اجراً، واستحبوا للمؤذن ان يحتسب في اذانه. وروى ابو نعيم: ثنا عمارة بن زاذان، عن يحيى البكاء، قال: كنت اطوف مع سعيد بن جبير، فمر ابن عمر، فاستقبله رجل من مؤذني الكعبة، فقال ابن عمر: والله، اني لابغضك في الله؛ لاخذ الدارهم. قال: وثنا المسعودي، عن القاسم - هو: ابن عبد الرحمن -، قال: كان يقال: اربع لا يؤخذ عليهن رزق: قراءة القرآن، والاذان، والقضاء، والمقاسم.

стр. 2407

وروى وكيع في ((كتابه)) عن عمارة بن زاذان، عن يحيى البكاء، ان ابن عمر قال له رجل في الطواف من مؤذني الكعبة: اني لاحبك في الله. قال: واني لابغضك في الله؛ لتحسينك صوتك لاجل الدراهم. قال: معاوية بن قرة: لا يؤذن الا محتسب. وروى ابن أبي شيبة: ثنا ابن نمير، عن حلام بن صالح، عن فائد بن بكير، قال: خرجت مع حذيفة إلى المسجد صلاة الفجر، وابن النباح مؤذن الوليد بن عقبة يؤذن، وهو يقول: الله اكبر الله اكبر، اشهد ان لا اله الا الله، اشهد ان لا اله الا الله، يهوي بأذانه يمينا وشمالاً. فقال حذيفة: من يرد الله ان يجعل رزقه في صوته فعل. وهذا انما قاله حذيفة على وجه الذم له؛ لانه راه يتمايل في اذانه، كأنه يعجب بحسن صوته، فجعل حذيفة يناكل ذلك، وهذا مثل قول ابن عمر. ونص الشافعي - في الحديث -: ان الامام ليس له أن يرزق المؤذنين وهو يجد من يؤذن له طوعا ممن له امانة. وكذلك قال أصحابنا.

стр. 2408

وقال الشافعي - في القديم -: قد رزقهم امام هدى: عثمان بن عفان. وسئل الضحاك عن مؤذن يؤذن بغي اجر فيعطى: هل يأخذ؟ قال: ان عطى من غير مسألة، وكان فقيراً، فلا باس ان يأخذ. وظاهر مذهب الامام أحمد: انه لايأخذ على شيء من الاذان اجراً، ونص عليه في الاذان بخصوصه. وروي عنه: ان الامام يرزقهم من الفيء، وهو محمول على انه لم يجد من يتطوع بذلك. ونقل عنه ابن منصور في الذي يقوم للناس في رمضان: أيعطى؟ قال: ما يعجبي ان يأخذ على شيء من الخير اجراً. قال: وقال إسحاق بن راهويه: لايسعه ان يؤم على نية اخذ، وان ام ولم ينو شيئا من ذلك، فأعطي او اكرم جاز. ونقل حرب وغيره عن أحمد: انه يقدم عند [النسا] من رضيه اهل المسجد. فحكى القاضي وأصحابه هذه الرواية ثانية عن أحمد؛ لان الحق لهم في ذلك؛ لانهم اعرف بمن يبلغهم صوته، ومن هو اعف عن النظر عند علوة عليهم للاذان. وجعل صاحب ((المغني)) رضا الجيران مقدما على القرعة، وانه انما يقرع بعد ذلك.

стр. 2409

والصحيح: طريقة الاكثرين؛ لان ابا داود نقل عن أحمد: انه لا يعتبر رضا الجيران بالكلية، وانما يعتبر القرعة، فعلم ان رواية ومن وافقه تخالف ذلك. ولا يعتبر رضا من بني المسجد واختياره -: نص عليه أحمد؛ معللا بأن المسجد لله، ليس للذي بناه. يشير إلى انه خرج من ملكه، وصار لله . وهذا يدل على انه لا [تصرف] له على المسجد الذي بناه. وهو المشهور – أيضا - عن الشافعية: ان باني المسجد ليس احق بامامته واذانه من غيره. وقال ابو حنيفة وطائفة من الشافعية – كالروياني -: ان من بني المسجد فهو احق بأذانه وامامته، كما ان من اعتق عبداً فله ولاؤه. وهذا التشبيه لا يصح؛ لان ثبوت الولاء على العبد المعتق لا يستفيد به الولاية عليه في حياته، والحجر عليه، والانتفاع بماله، وانما يستفيد به رجوع ماله اليه بعد موته؛ لانه لا بد من انتقال مال عنه حينئذ، فالمولى المعتق احق به من غيره من المسلمين؛ لاختصاصه بإنعامه عليه. وأماالمسجد، فالمقصود من بنائه انتفاع المسلمين به في صلواتهم واعتكافهم وعباداتهم، والباني له [كبقية] المسلمين في ذلك من غير زيادة. فإن شرط باني المسجد عند وقفه له قبل مصيره مسجداً بالفعل انه وولده احق بإمامته واذانه صح شرطه واتبع، وان كان غيرهم اقرأ منهم واندى صوتاً، إذا كان فيهم من يصلح لذلك، وان كان غيره اولى منه -: نص على ذلك: عبيد الله بن الحسن العنبري. وهو قياس قول أحمد في صحة الواقف

стр. 2410

لنفسه ما شاء من غلة الوقف ومنافعه. قال البخاري –﵀:

стр. 2411

٦١٥ - ثنا عبد الله بن يوسف: ابنا مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ان رسول الله ﷺ قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الاول، ثم لا يجدون الا ان يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا اليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لاتوهما ولو حبوا)) . فقوله: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الاول)) – يعني: لو يعلمون ما فيهما من الفضل والثواب، ثم لم يجدوا الوصول اليهما الا بالاستهام عليهما - ومعناه: الاقراع - لاستهموا عليهما تنافساً فيهما ومشاحة في تحصيل فضلهما واجرهما. وهذا مما استدل به من يرى الترجيح عند التنافس في الاذان بالقرعة، كما سبق. وقد قيل: ان الضمير في قوله: ((لا ستهموا عليه)) يعود إلى الصف الاول؛ لانه اقرب المذكورين، ولم يقل: ((عليهما)) . والاظهر: انه يعود إلى

стр. 2412

النداء والصف الاول، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢] . وقد دل الحديث على القرعة في التنافس في الصف الاول إذا استبق اليه اثنان وضاق عنهما وتشاحا فيه، فانه يقرع بينهما. وهذا مع تساويهما في الصفات، فإن كان احدهما افضل من الاخر توجه ان يقدم الافضل بغير قرعة، عملا بقول النبي ﷺ : ((ليليني منكم اولوا الاحلام والنهي، ثم الذين يلونهم)) . خرجه مسلم من حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي مسعود الانصاري، كلاهما عن النبي ﷺ . وقد ذكر أصحابنا: انه لو قدم بميتين إلى مكان مسبل من مقبرة

стр. 2413

مسبلة في ان واحد، فإن كان لاحدهما هناك ميزة من اهل مدفونين عنده او نحو ذلك قدم، وان استويا اقرع بينهما، ولو دفن اثنان في قبر، واستويا في الصفات اقرع بينهما، فقدم إلى القبلة من خرجت له القرعة. وفعله معاذ بن جبل ﵁ بامرأتين له، دفنهما في قبر. وأماان كان ثبت لاحدهما حق التقدم في الصف، فليس لاحد ان يدفعه عنه، ولو كان افضل منه؛ لقول النبي ﷺ : ((لا يقيم الرجل [الرجل] من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا توسعوا)) . فأن كان السابق إلى الصف غلأمالم يبلغ الحلم جاز تأخيره. فعله أبي بن كعب بقيس بن عبادة، وصرح به أصحابنا، وهو ظاهر كلام الامام أحمد، وقول سفيان. وكذلك ان قدم رجل عبداً له إلى الصف ثم جاء، فله ان يؤخره ويجلس مكانه. وأماان تأخر السابق باختياره، فهل يكره، ام لا؟ فيه قولان، مبنيان على جواز الايثار بالقرب. وظاهر كلام الامام أحمد كراهته، حتى في حق الابن مع أبيه، وحكى عنه جوازه - أيضا. وعلى القول بالجواز، فلو قام من مكانه ايثاراً لرجل، فسبق اليه غير المؤثر، فهل يستحقه؟ فيه وجهان: احدهما: يستحقه؛ لان المؤثر سقط حقه بزواله عنه. والثاني: لا – وهو اصح -؛ لان من كان احق بمكانه، فله ان يجلس به بنفسه، ويؤثر به غيره. وبهذا فسره الامام أحمد، واستحسن ابو عبيد

стр. 2414

ذلك منه. وانما يسقط حقه إذا قام معرضاً عنه؛ ولهذا لو قام لحاجة ثم عاد فهو احق بمجلسه، فكذا إذا قام لايثار غيره. وفي قوله ﷺ : ((لو يعلمون ما في النداء والصف الاول، ولم يجدوا الا ان يستهموا عليه لاستهموا عليه)) : دليل على ان الاذان لا يشرع اعادته مرة بعد مرة، الا في اذان الفجر، كما جاءت السنة به، والا فلو شرعت اعادته لما استهموا، ولاذن واحد بعد واحد. وقد صرح بمثل ذلك بعض أصحابنا، وقال: مع التزاحم يؤذن واحد بعد واحد. وهو مخالف للسنة. وروي عن عمر، انه اختصم اليه ثلاثة في الاذان، فقضى لاحدهم بالفجر، للثاني بالظهر والعصر، وللثالث بالمغرب والعشاء. وقد قيل: ان ابا بكر الخلال خرجه بإسناده، ولم اقف إلى الان عليه. ولو قيل: انه يؤذن المتشاحون جملة لم يبعد. وقد نص أحمد على انه لو اذن على المنارة عدة فلا بأس. وقال القاضي ابو يعلى وأصحابه – متابعة للشافعي وأصحابه -: يستحب ان يقتصر على مؤذنين، ولا يستحب ان يزيد على اربعة. ثم قالوا: ان كان المسجد صغيرا اذن واحد منهم بعد واحد، وان كان كبيراً اذنوا جملة؛ لانه ابلغ في التبليغ والاعلام. وقال أصحاب

стр. 2415

الشافعي: إذا ضاق الوقت والمسجد كبير اذنوا في اقطاره، وان كان صغيرا اذنوا معاً، الا ان تختلف اصواتهم فيؤذن واحد. واستدلوا بإذان بلال وابن ام مكتوم، وذاك انما كان في الفجر خاصة، ولا يعرف في غير الفجر، الا في الجمعة من حين زاد عثمان النداء الثالث على الزوراء. وحمل ابن حبيب المالكي الاستهام على الاذان على الوقت المضيق كالجمعة والمغرب. يشير إلى انه في الاوقات المتسعة ان يؤذن واحد بعد واحد. وقال حرب: قلت لأحمد: فالأذان يوم الجمعة؟ [قال] : إذا اذن على المنارة عدة فلا باس بذلك؛ قد كان يؤذن للنبي ﷺ بلال وابن ام مكتوم، وجاء ابو محذورة وقد اذن رجل قبله فأذن ابو محذورة - أيضا. وهذا النص يشعر بأنه يجوز ان يؤذن واحد بعد واحد في غير الفجر، وهذا محمول على جوازه إذا وقع احيانا، لا انه يستحب المداومة عليه، وأمااذان بلال وابن [ام] مكتوم فكان في الفجر، ولم يؤذنا جملة، فلا يدل على الاجتماع على الاذان بحال. وقد علل النبي ﷺ اذان بلال، فقال: ((ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم)) . وهذا المعنى لا يوجد في غير صلاة الصبح، ولا روي في غير الصبح انه اذن علي عهد رسول الله ﷺ مرتين.

стр. 2416

وفي ((الصحيحين)) عن ابن عمر: كان للنبي ﷺ في مسجد واحد مؤذنان: بلال وابن ام مكتوم. وهذا يستدل به على انه يستحب نصب مؤذنين للمسجد خشية ان يغيب احدهما فيؤذن الاخر؛ لئلا يتعطل الاذان مع غيبته. والذي ذكر الامام أحمد، خرجه ابن أبي شيبة: ثنا حفص، عن الشيباني، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: رأيت ابا محذورة جاء وقد اذن أنسان، فأذن هو واقام. وهذا فعله ابو محذورة مرة؛ لافتئات غيره عليه بأذانه قبله، ولم يكن مع أبي محذورة مؤذن راتب غيره بمكة. قال ابن أبي شيبة: ثنا يزيد من هارون، عن حجاج، عن شيخ من المدينة، عن بعض بني مؤذني النبي ﷺ ، قال: كان ابن ام مكتوم يؤذن ويقيم بلال، وربما اذن بلال واقام ابن ام مكتوم. إسناد ضعيف. ولو صح لكان دليلاً على انهما لم يكونا يجتمعان في اذان واحد في غير صلاة الفجر.

стр. 2417

وروى وكيع في ((كتابه)) ، عن اسرائيل، عن جابر، عن عامر: كان لرسول الله ﷺ ثلاثة مؤذنين: بلال وابو محذورة وابن ام مكتوم، فإذا غاب واحد اذن الاخر. وقال رسول الله ﷺ : ((لقد هممت ان اجعل المؤذنين ستة)) . قال: فإذا اقيمت الصلاة اشتدوا في الطرق، فاذنوا الناس بالصلاة. هذا مرسل ضعيف؛ فان جابراً هو الجعفي. وابو محذورة لم يكن يؤذن للنبي ﷺ بالمدينة. وقد خرجه البيهقي، عن الحاكم، عن أبي بكر ابن إسحاق، عن العباس ابن الفضل الاسفاطي، عن أبي بكر بن أبي شيبة: ثنا يحيى، عن اسرائيل عن أبي إسحاق، عن الاسود، عن عائشة، قالت: كان للنبي ﷺ ثلاثة مؤذنين: بلال، وابو محذورة، وابن ام مكتوم. وقال: قال ابو بكر - يعني: ابن إسحاق -: هو صحيح. وليس كما قال ابن إسحاق. هذا في كتاب ابن أبي شيبة ((المصنف)) .

стр. 2418

والصحيح: حديث وكيع، عن اسرائيل، عن جابر الجعفي، عن الشعبي - مرسلاً. وروى الامام أحمد: ثنا اسماعيل: ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن الاسود، عن عائشة، قالت: كان للنبي ﷺ مؤذنان: بلال وعمرو بن ام مكتوم. وهذه الرواية اصح. وخرج الدارقطني من رواية اولاد سعد القرظ، عن ابائهم، عن جدهم سعد، ان النبي ﷺ قال له: ((يا سعد، إذا لم تر بلالا معي فأذن)) . وفي إسناده ضعف. وفي الحديث: دليل على شرف الاذان وفضله، واستحباب المنافسة فيه لاكابر الناس واعيانهم، وانه لا يوكل إلى اسقاط الناس وسفلتهم، وقد كان الاكابر ينافسون فيه. قال: قيس بن أبي حازم: قال عمر: لو كنت اطيق الاذان مع الخليفى لاذنت. وقال عبد الله بن الحسن: قال ابن أبي طالب: ما اسى على شيء، الا اني كنت وددت اني كنت سألت للحسن والحسين الاذان. وعن سعد بن أبي وقاص، قال: لان اقوى على الاذان احب الي من

стр. 2419

ان احج واعتمر واجاهد. وعن عمر وابن مسعود - معناه. وعن ابن الزبير، قال: وددت ان رسول الله ﷺ اعطانا النداء. وقال النخعي: كانوا يستحبون ان يكون مؤذنيهم فقهاؤهم؛ لانهم ولوا امر دينهم. وقال الحسن: قال عمر: لا يستحي رجل ان يكون مؤذنا. وقال زاذان: لو يعلم الناس ما في فضل الاذان لاضطربوا عليه بالسيوف. وقال شبيل بن عوف، قال عمر: من مؤذنوكم؟ قلنا: عبيدنا وموالينا. قال: ان ذلك لنقص بكم كبير. وروى قيس بن أبي حازم، عن عمر - مثله -، قال: وقال: لو اطقت الاذان مع الخليفى لاذنت. وقال يحيى ابن أبي كثير: حدثت ان رسول الله ﷺ قال: ((لو علم الناس ما في الاذان لتحاوره)) . قال: وكان يقال: ابتدروا الاذان، ولاتبدروا الامامة.

стр. 2420

وقال حماد بن سلمة: ابنا ابو غالب، قال: سمعت ابا امامة يقول: المؤذنون امناء للمسلمين، والائمة ضمناء. قال: والاذان احب الي من الامامة. خرجه البيهقي. وممن راى الاذان افضل من الامامة: الشافعي في اصح قوليه، نص عليه في ((الام)) ، وعلى كراهة الامامة؛ لما فيها من الضمان. وهو – أيضا - اصح الروايتين عن أحمد. وروى ابو حمزة السكري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((الامام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشد الائمة واغفر للمؤذنيين)) . قالوا: يا رسول الله، تركتنا نتنافس في الاذان، فقال: ((ان من بعدكم زمانا سفلتهم مؤذنوهم)) . خرجه البراز. وقال: لم يتابع عليه ابو حمزة. يعني: على الزيادة التي آخره؛ فإن أول الحديث معروف بهذا الإسناد، خرجه أبو داود والترمذي وغيرهما. وقال
следующие страницы →