← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

٦٢٦ - حدثنا ابو اليمان: أبنا شعيب، عن الزهري: أبنا عروة بن الزبير، أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة. قول عائشة: ((كان النبي ﷺ إذا سكت المؤذن)) - أي: فرغ من أذانه. قولها: ((بالأولى [من] صلاة الفجر)) - تعني: بالمرة الأولى. وهذا يحتمل ان تكون ارادت به أنه كان يصلي الركعتين قبل فراغ المؤذن من أذانه قبل الإقامة، فإن الأذان والإقامة يسميان أذانين، كما في حديث عبد الله ابن مغفل المتقدم، ويحتمل أن تكون أرادت أن الأذان نفسه كان يكرر مرتين، فيؤذن بلال وبعده ابن أم مكتوم، فكانت صلاة النبي ﷺ بعد بلال قبل أذان ابن أم مكتوم، إذا تبين الفجر للنبي ﷺ صلى ركعتي الفجر، ولم يتوقف على أذان ابن أم مكتوم، فإن ابن ام مكتوم كان يسفر بأذان الفجر، ولا يؤذن حتى يقال له: أصبحت.

стр. 2487

فإن قيل: فكيف أذن النبي ﷺ في الأكل في الصيام إلى أذان ابن ام مكتوم، والأكل يحرم بمجرد طلوع الفجر؟ وقد روي في حديث انيسة، انهم كانوا يامرونه أن يؤخر الأذان حتى يكملوا السحور. قيل: هذا مما أشكل فهمه على كثير من الناس، وقد تأول بعضهم قولهم لابن أم مكتوم: " أصبحت، أصبحت" على أن المراد قاربت الصباح [بعد تبين طلوع الفجر لا تحرم في وقت طلوعه سواء] . والأحاديث والآثار المروية عن الصحابة في هذا المعنى كثيرة جداً. وليس هذا قول الكوفيين الذين كانوا يستحبون الأكل والشرب إلى انتشار الضوء على وجه الأرض؛ فإن ذلك قول شاذ منكر عند جمهور العلماء، وستأتي المسألة في موضعها مبسوطة - إن شاء الله تعالى. وسيأتي الكلام على الاضطجاع بعد صلاة ركعتي الفجر في موضع آخر - إن شاء الله تعالى. وإنما المقصود هنا: قولها: ((حتى يأتيه المؤذن للإقامة)) ؛ فإن هذا يدل على أنه يجوز انتظار المصلي للإقامة، وأن يؤخر دخول المسجد خارجاً منه حتى تقام الصلاة، فيدخل حينئذ. وهذا هو مقصود البخاري في هذا الباب، وأراد بذلك مخالفة من كره انتظار الإقامة، فإن طائفة من السلف كرهوه وغلظوا. حتى روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: هو هرب من دين محمد والإسلام.

стр. 2488

وقد كرهه من المتاخرين من أصحابنا، وقالوا: يكره للقادر على الدخول إلى المسجد قبل الإقامة ان يجلس خارج المسجد ينتظر الإقامة، ذلك تفوت به فضيلة السبق إلى المسجد وانتظار الصلاة فيه، ولحقوق الصف الأول. وقد ندب النبي ﷺ إلى التهجير إلى الصلاة، وهو القصد إلى المساجد في الهجير، أماقبل الأذان أو بعده، كما ندب إلى التهجير إلى الجمعة: انتظار الصلاة بعد الصلاة، وقال للذين انتظروه إلى قريب من شطر الليل لصلاة العشاء: ((إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها)) . وقد كان كثير من السلف يأتي المسجد قبل الأذان، منهم: سعيد بن المسيب، وكان الإمام أحمد يفعله في صلاة الفجر. وقال ابن عيينة: لا تكن مثل أجير السوء، لا يأتي حتى يدعى. يشير إلى انه يستحب إتيان المسجد قبل أن ينادي المؤذن. وقال بعض السلف في قول الله تعالى: ﴿السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] : إنهم أول الناس خروجاً إلى المسجد وإلى الجهاد. وفي قوله: ﴿سَابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١] قال مكحول: التكبيرة الأولى مع الإمام. وقال غيره: التكبيرة الأولى والصف الأول. قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً بيني العلماء أن من بكر وانتظر الصلاة، وإن لم يصل في الصف الأول أفضل ممن تأخر، وإن صلى في الصف الأول.

стр. 2489

وروى المعافى، عن سفيان الثوري، قال: مجيئك إلى الصلاة قبل الإقامة توقير للصلاة. فمن كان فارغاً لا شغل له، وجلس إلى الصلاة قبل الإقامة على باب المسجد، أو قريباً منه ينتظر أن تقام الصلاة فيدخل المسجد، وخصوصاً إن كان على غير طهارةٍ، وإنما ينتظر في المسجد إذا دخل المسجد بعد الإقامة، فهو مقصر راغب عن الفضائل المندوب إليها. ولكن هذا كله في حق المأموم، وقد تقدم من حديث أبي المثنى، عن ابن عمر، قال: كان أحدنا إذا سمع الإقامة توضأ وخرج من وقته. وفيه دليل على أن الصحابة كانوا ينتظرون الإقامة في عهد النبي ﷺ . فأما الإمام، فإنه إذا انتظر إتيان المؤذن له في بيته حتى يؤذنه بالصلاة ويخرج معه فيقيم الصلاة حينئذ بالمسجد فيصلي بالناس، فهذا غير مكروه بالإجماع، وهذه كانت عادة النبي ﷺ . وفي حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ صلى ركعتي الفجر، واضطجع حتى يأتيه المؤذن بالإقامة؛ فإن الإقامة إنما تكون بإذن الإمام، أو عند خروجه إلى الناس، بخلاف الأذان. وفي " صحيح مسلم " عن جابر بن سمرة، قال: كان بلال يؤذن إذا

стр. 2490

دحضت الشمس، فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ ، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه. وقال علي: المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة. خرجه البيهقي. وقال: روي من حديث أبي هريرة - مرفوعا، وليس بمحفوظ.

стр. 2491

١٦ - باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء

стр. 2492

٦٢٧ - حدثنا عبد الله بن يزيد: ثنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ : " بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: " لمن شاء ". لا اختلاف أن المراد بالأذانين في الحديث: " الأذان والإقامة، وليس المراد الأذانين المتواليين، وإن كانا مشروعين كأذان الفجر إذا تكرر مرتين. وقد توقف بعضهم في دخول الصلاة بين الأذان الأول والثاني يوم الجمعة في هذا الحديث؛ لأنهما أذانان مشروعان، وعلى ما قررناه: لا يدخل في الحديث، وكما لا تدخل الصلاة بين الأذان الأول والثاني للفجر، وإن كانت الصلاة يوم الجمعة بعد الزوال حسنة مندوبا إليها؛ لأدلة أخرى، تذكر في " الجمعة " - إن شاء الله. وحديث ابن مغفل يدخل فيه: الصلاة بين الأذان والإقامة في جميع الصلوات الخمس، فأما أذان الصبح فيشرع بعده ركعتا الفجر، ولا يزاد عليهما عند جمهور العلماء. حتى قال كثير منهم: إن من صلى ركعتي الفجر في بيته، ثم دخل المسجد. يعني أن الأظهر عنه أنه لا يصلي في

стр. 2493

أوقات النهي شيء من ذوات الأسباب ولا غيرها. وعنه رواية أخرى، أنه يصلي ذوات الأسباب، كقول الشافعي، فيصلي الداخل حينئذ تحية المسجد ثم يجلس. وقد تقدمت هذه المسألة في الكلام على احاديث النهي مستوفاة. وأماالظهر، فأنه يستحب التطوع قبلها بركعتين أو اربع ركعات، وهي من الرواتب عند الاكثرين. وقد روي في الصلاة عقب زوال الشمس أحاديث، في أسانيد أكثرها مقال. وبكل حال؛ فما بين الاذانين للظهر هو وقت صلاة، فمن شاء استقل ومن شاء استكثر. وأمابين الاذانين لصلاة العصر، فهذا الحديث يدل على انه يشرع بينهما صلاة، وقد ورد في الاربع قبل العصر أحاديث متعددة، وفي الركعتين - أيضا. واختلفوا: هل يلتحق بالسنن الرواتب؟ والجمهور على انها لا تلتحق بها.

стр. 2494

وأمابين الاذانين قبل المغرب، فهذا الحديث يدل على مشروعية الصلاة فيه. وقد اختلف العلماء في ذلك: فمنهم من كرهه، وقال: لا يزول وقت النهي حتى يصلي المغرب، وهو قول الكوفيين وغيرهم. ومنهم من قال: باسحبابها، وهو رواية عن أحمد، وقول طائفة من السلف؛ لهذا الحديث؛ ولحديث أنس في الباب الماضي. ومنهم من قال: هي مباحة، غير مكروهة ولا مستحبة، والامر بها إطلاق من محظور، فلا يفيد أكثر من الاباحة، وهو رواية عن أحمد، وسيأتي القول فيها بأبسط من هذا في موضع آخر – إن شاء الله تعالى. وأماالصلاة بين الاذانين للعشاء، فهي كالصلاة بين الاذانين للعصر ودونها؛ فإنا لا نعلم قائلا يقول بأنها تلتحق بالسنن الرواتب.

стр. 2495

١٧ - باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد

стр. 2496

٦٢٨ - ثنا معلى بن أسد: ثنا وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، قال: اتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيما رقيقا، فلما رأى شوقنا إلى اهلنا، قال: ((ارجعوا، فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم)) . مراده: أن النبي ﷺ أمر مالك بن الحويرث وأصحابه بالرجوع إلى اهلهم، وأمرهم إذا حضرت الصلاة ان يؤذن احدهم، كان دليلاً على ان المسافرين لا يشرع لهم تكرير الاذان وإعادته مرتين في الفجر ولا في غيره. ويعضد هذا: أنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان له في السفر مؤذنان، يؤذن أحدهما بعد الاخر. وحديث زياد بن الحارث الصدائي المتقدم يدل على ذلك. ولكن اللفظ الذي ساقه البخاري في هذا الباب انما يدل على انه امرهم بذلك إذا رجعوا إلى اهليهم، لا انه أمرهم به في سفرهم قبل وصولهم، وقد نبه على ذلك الاسماعيلي، وترجم عليه النسائي:

стр. 2497

((اجتزاء المرء بأذان غيره في الحضر)) . وقد خرجه البخاري في الباب الذي يلي هذا بلفظ صريح، بأنه أمرهم بذلك في حال رجوعهم إلى أهلهم وسفرهم، فكان تخريجه بذلك اللفظ في هذا الباب أولى من تخرجه بهذا اللفظ الذي يدل على انه لم يأمرهم بذلك في السفر. فإن قيل: بل قوله: ((إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم احدكم)) عام في السفر والحضر، ولا يمنع من عمومه تخصيص أول الكلام بالحضر. قيل: إن سلم ذلك لم يكن فيه دليل على انه لا تستحب الزيادة على مؤذن واحد في السفر خاصة، لان الكلام إذا كان شاملا للحضر والسفر فلا خلاف أنه في الحضر لا يكره اتخاذ مؤذنين، فكيف خص كراهة ذلك بالسفر وقد شملها عموم واحد؟ وفي حديث عمرو بن سلمة الجرمي، عن أبيه، أنه لما قدم على النبي ﷺ قال لهم: ((إذا حضرت صلاة فليؤذن لكم احدكم)) - وذكر الحديث. وقد خرجه البخاري في موضع آخر. وامره هذا لا يختص بحال سفرهم، بل يشمل سفرهم وإقامتهم في حيهم.

стр. 2498

١٨ - باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والاقامة وكذلك بعرفة وجمع وقول المؤذن: ((الصلاة في الرحال)) ، في الليلة الباردة أو المطيرة الاذان بعرفة وجمع، لم [يخرج] فيه هاهنا شيئا، إنما خرج أحاديث في ((ابواب: الجمع بين الصلاتين)) ، وفي ((كتاب الحج)) ، والكلام فيه يأتي في موضوعه - إن شاء الله تعالى. واشار اليه هاهنا اشارة؛ لان فيه ذكر الاذان في السفر، وإنما خرج هاهنا أربعة أحاديث مما يدخل في بقية ترجمة الباب. الحديث الاول:

стр. 2499

٦٢٩ - ثنا مسلم بن ابراهيم: ثنا شعبة، عن المهاجر أبي الحسن، عن زيد ين وهب، عن أبي ذر، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن، فقال له: ((أبرد)) . ثم اراد أن يؤذن، فقال له: ((ابرد)) . ثم

стр. 2500

اراد ان يؤذن، فقال له: ((ابرد)) ، حتى ساوى الظل التلول، فقال النبي: ((إن شدة الحر من فيح جهنم)) . هذا الحديث قد خرجه البخاري فيما سبق في ((ابواب: وقت صلاة الظهر)) . ومقصوده منه هاهنا: ان النبي ﷺ كان يؤذن له في السفر. وقد تقدم الكلام على الابراد، وهل كان بالاذان أو بالاقامة. وقوله في هذه الرواية: ((حتى ساوى الظل التلول)) ظاهره انه اخر صلاة الظهر يومئذ إلى ان صار ظل كل شيء مثله، وهو آخر وقتها. وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أنه صلاها في آخر وقتها قبل دخول وقت العصر. والثاني: أنه أخرها إلى دخول وقت العصر وجمع بينهما في وقت العصر. فإن كان قد اخرها إلى وقت العصر استدل بالحديث حينئذ على أن تاخير الصلاة الاولى من المجموعتين إلى وقت الثانية للجمع في السفر لا يحتاج إلى نية الجمع؛ لانهم كانوا يؤذنونه بالصلاة في وقتها، وهو يأمر بالتأخبر، وهم لا يعلمون أنه يريد جمعها مع الثانية في وقتها، ولا اعلمهم بذلك. ولكن الاظهر هو الاول، ولا يلزم من مصير ظل التلول مثلها أن يكون قد خرج وقت الظهر؛ فإن وقت الظهر إنما يخرج إذا صار ظل الشيء مثله بعد الزوال.

стр. 2501

وقد خرجه البخاري فيما تقدم من وجهين عن شعبة، وفيهما: ((حتى رأينا فيء التلول)) . ويدل على هذا: انه إنما أمره بالابراد، لا بالجمع. الحديث الثاني:

стр. 2502

٦٣٠ - ثنا محمد بن يوسف: ثنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحوبرث، قال: اتى رجلان إلى النبي ﷺ يريدان السفر، فقال النبي ﷺ : ((إذا انتما خرجتما فأذنان ثم أقيما، ثم ليؤمكما اكبركما)) . في هذه الرواية: التصريح بأنه أمرهما بذلك من حين خروجهما من المدينة مسافرين. وخرجه النسائي، ولفظه: قال: ((إذا سافرتما، فأذنا واقيما)) . ولكنه أمرهما معا بالاذان والاقامة، فهذا أماان يحمل على أذانهما مجتمعين أو منفردين. وبكل حال؛ فيدل على انه يستحب في السفر الزيادة على مؤذن واحد. فهذه رواية خالد الحذاء عن أبي قلابة تخالف رواية ايوب عن أبي قلابة في ألفاظ عديدة من هذا الحديث. قال الامام أحمد: لا اعلم أحدا جاء به إلا خالد - يعني: في الاذان والاقامة في السفر -، وقال: هذا شديد على الناس: انتهى. وقد روي بلفظ آخر عن خالد الحذاء، وهو: ((إذا حضرت الصلاة)) - من غير ذكر سفر ولا حضر. وقد حرجه البخاري في موضع آخر.

стр. 2503

الحديث الثالث: قال:

стр. 2504

٦٣٢ -[ثنا] مسدد: ثنا يحيى، عن عبيد الله بن عمر، قال: حدثني نافع، قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان، ثم قال: صلوا في رحالكم، وأخبرنا أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذنا يؤذن، ثم يقول على اثره: ((الا صلوا في الرحال في الليلة الباردة او المطيرة في السفر)) . ((ضجنان)) : بالضاد المعجمة والجيم، كذا محركتان، كذا قيده صاحب ((معجم البلدان)) ، وقال: هو جبل بتهامة، وقيل: هو على بريد من مكة وقيل: بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلاً. والمتداول بين أهل الحديث: انه بسكون الجيم. وقد روى هذا الحديث، عن نافع: مالك - وقد خرج البخاري حديثه في موضع - ويحيى الانصاري، وايوب السجستاني. وفي رواية ابن علية، عنه: أن الذي نادى بضجنان هو منادي النبي ﷺ . والظاهر: انه وهم. ورواه ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: نادى منادي النبي ﷺ -

стр. 2505

بذاك بالمدينة في الليلة المطيرة، والغداة القرة. خرجه ابو داود. فخالف الناس في ((ذكر المدينة)) ، وفي انه انما كان يأمر المنادي ان يقوله بعد تمام اذانه. وقد روي معنى حديث ابن عمر من حديث أبي المليح بن اسامة، عن أبيه، عن النبي ﷺ . خرجه الامام أحمد وابو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما)) والحاكم وصححه. وفي حديث ابن عمر: دليل على ان الاذان في السفر مشروع في غير صلاة الفجر ليلا [كان ينادي بذلك ليلاً] . الحديث الرابع: قال:

стр. 2506

٦٣٣ - ثنا إسحاق: ابنا جعفر بن عون: ثنا ابو العميس، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ بالابطح، فجاءه بلال فاذنه بالصلاة، ثم خرج بلال بالعنزة حتى ركزها بين يدي رسول الله ﷺ بالابطح، واقام الصلاة.

стр. 2507

في هذه الرواية: التصريح بالاقامة دون الاذان، وكان ذلك بالابطح في حجة الوداع. وقد خرج البخاري فيه ذكر الاذان في الباب الاتي، ولكن اختصره، وسنذكره بتمامه فيه - إن شاء الله تعالى. وفي هذا الحديث: أن بلالا آذن النبي ﷺ بالصلاة، وخرج بين يديه بالعنزة، وأقام الصلاة، وهذا موافق لحديث عائشة المتقدم الذي خرجه البخاري في ((باب: انتظار الاقامة)) . وقد دلت هذه الاحاديث على مشروعية الاذان في السفر لجميع الصلوات، فإن منها ما فيه الاذان في السفر ليلاً كحديث ابن عمر، ومنها ما فيه الاذان في السفر نهاراً كحديث أبي جحيفة، فإن فيه الاذان للظهر والعصر بالابطح، وحديث أبي ذر، فإن فيه الاذان للظهر، وحديث مالك بن الحويرث يعم سائر الصلوات، وأحاديث الاذان بعرفة تدل على الاذان للجمع بين الظهر والعصر، واحاديث الاذان بالمزدلفة تدل على الاذان للجمع بين المغرب والعشاء، وقد اختلفت الروايات في ذلك، وتذكر في موضعها – إن شاء الله. وقد تقدم حديث الاذان للصلاة في السفر بعد فوات وقتها. وفي حديث أبي محذورة، انهم سمعوا الاذان مع النبي ﷺ ، وقد قفل من حنين راجعاً

стр. 2508

وقد اختلف العلماء في الاذان في السفر: فذهب كثير منهم إلى انه مشروع للصلوات كلها. قال ابن سيرين: كانوا يؤمرون ان يؤذنوا ويقيموا ويؤمهم أقرؤهم. خرجه الاثرم. وهو قول أبي حنيفة والشافعي. ونقل ابن منصور، عن أحمد وإسحاق، انه يؤذن ويقام في السفر لكل صلاة، واحتجا بحديث مالك بن الحويرث. ولكن اكثر أصحابنا على ان الاذان والاقامة سنة في السفر، ليس بفرض كفاية، بل سنة بخلاف الحضر. ومن متأخريهم من سوى في الوجوب بين السفر والحضر، والواحد والجماعة، وهو قول داود. وقال ابن المنذر: هو فرض في حق الجماعة في الحضر والسفر. وظاهر تبويب البخاري يدل على انه يرى الاذان انما يشرع في السفر للجماعة، دون المنفرد. قال مجاهد: إن نسي الاقامة في السفر أعاد. وهذا يدل على انه رآها شرطاً في حق المسافر وغيره. وقالت طائفة: لا يؤذن الا للفجر خاصة، بل يقيم لكل صلاة. روي هذا عن ابن عمر. وروي عنه مرفوعاً.

стр. 2509

خرجه الحاكم. وفي إسناده ضعف واضطراب. قال البيهقي: رفعه وهم فاحش، ولا يصح رفعه. وروي عن ابن سيرين مثل قول ابن عمر. ونقله حرب، عن إسحاق. ونقل الميموني، عن أحمد، قال في المسافر في الفجر خاصة يؤذن ويقيم، وفي غير الفجر يقيم - إن شاء الله. ونقل ابن منصور، عن إسحاق: لا بد للمسافر أن يقيم بخلاف الحاضر؛ لآن الحاضر يكتفي بأذان غيره وإقامته. وأختلفت الرواية عن مالك: فنقل عنه ابن القاسم: الاذان إنما هو في المصر للجماعة في المساجد. وروى أشهب، عن مالك: ان ترك المسافر الاذان عمداً فعليه إعادة الصلاة. ذكره ابن جرير، عن يونس بن عبد الاعلى، عنه. وقال الحسن والقاسم بن محمد: تجزئه إقامة في السفر. وقالت طائفة: هو بالخيار، إن شاء أذن، وإن شاء أقام في السفر. روى عن علي وعروة بن الزبير، وبه قال سفيان.

стр. 2510

وكان ابن عمر يقول: إنما الاذان للامام الذي يجتمع اليه الناس. رواه مالك عن نافع، عن ابن عمر، انه كان لا يزيد على الاقامة في السفر في الصلاة الا في الصبح؛ فإنه كان يؤذن فيها ويقيم، ويقول: إنما الاذان للامام الذي يجتمع اليه الناس. وقال ابو الزبير، سألت ابن عمر: اؤذن في السفر؟ قال: لمن يؤذن للفأر؟! وأماالذين رأوا الأذان في السفر، فقالوا: الأذان للإعلام بالوقت، وهذا مشروع في الحضر والسفر. وأماإن كان المصلي منفرداً وحده في قرية، فقد ورد في فضل أذانه وإقامته غير حديث: روى سليمان التميمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان، قال: لا يكون رجل بأرض [قي] ، فتوضأ إن وجد ماء وإلا تيمم، فينادي بالصلاة ثم يقيمها إلا ام من جنود الله ما لا يرى طرفاه - أو قال: طرفه. ورواه القاسم بن غصن - وفيه ضعف -، عن داود بن أبي هند، عن أبي عثمان، عن سلمان - مرفوعاً. ولا يصح، والصحيح موقوف -: قاله البيهقي.

стр. 2511

وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول: من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك، وعن شماله ملك، فإن أذن وأقام صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال. وقد روي عن النبي ﷺ ما يدل على استحباب الأذان للمنفرد في السفر: فخرج مسلم من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: كان النبي ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذاناً أمسك، وإلا أغار، فسمع رجلاً يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ على الفطرة "، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال رسول الله ﷺ : " خرجت من النار "، فنظروا فإذا هو راعي معزى. وخرج الإمام أحمد من حديث ابن مسعود، عن النبي ﷺ بمعناه، وفيه: فابتدرناه، فإذا هو صاحب ماشية، فأدركته الصلاة، فنادى بها. وخرج - أيضا - بمعناه من حديث معاذ، عن النبي ﷺ . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ ، قال: " يعجب ربك من راعي غنم، في شظية

стр. 2512

بجبل يؤذن للصلاة ويصلي، فيقول : انظروا إلى عبدي هذا، يؤذن ويقيم ويصلي، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة ". واستدل النسائي للإقامة في حق المنفرد بحديث خرجه من رواية رفاعة بن رافع، أن النبي ﷺ قال للمسي في صلاته: " إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد، ثم كبر " - وذكر له صفة بقية الصلاة، وقال في آخر ذلك: " فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن أنقصت منه شيئا انتقص من صلاتك، ولم تذهب كلها ". وإن صلى وحده في مصر، فإن شاء أذن وأقام، وإن شاء أجزأه أذان أهل المصر، واكتفى بالإقامة -: نص عليه أحمد. وممن قال: يكفيه الإقامة: سعيد، وميمون بن مهران، والزهري، ومالك، والأوزاعي. وقد تقدم عن إسحاق: أن الحاضر إن شاء صلى بغير أذان ولا إقامة، والمسافر لا بد له أن يقيم. وأما الشافعي، فنص على أن المنفرد يؤذن ويقيم. وخرج له أصحابه قولا آخر: أنه لا يؤذن ويكتفي بالإقامة. ومن أصحابه من قال: إن بلغه أذان غيره لم يؤذن، [وإلا أذن] .

стр. 2513

وحكى ابن المنذر، عن الكوفيين، أن له أن يصلي في المصر وحده بغير أذان ولا إقامة، منهم: الشعبي والأسود وأبو مجلز والنخعي. وحكى مثله عن مجاهد وعكرمة. وعن أبي حنيفة وأصحابه وأبي ثور: يجزئه أذان أهل المصر. وعن ابن سيرين والنخعي: تجزئة الإقامة، إلا في الفجر؛ فإنه يؤذن ويقيم. وحكى ابن عبد البر، عن أبي حنيفة وأصحابه: أن المسافر يكره له أن يصلي بغير أذان وإقامة، وأما الحاضر إذا صلى وحده فيستحب أن يؤذن ويقيم، وإن اكتفى بأذان أهل المصر وإقامتهم أجزأه. قلت: وقال سفيان: إن سمع إقامة أهل المصر فاكتفى بها أجزأه، فلم يكتف بالإقامة حتى يسمعها. وروي عن علقمة، قال: صلى ابن مسعود بي وبالأسود بغير أذان ولا إقامة، وربما قال: يجزئنا أذان الحي وأقامتهم. خرجه البيهقي. وخرج - أيضا - بإسناد ضعيف جدا، عن ابن عمر، أنه كان يقول: من صلى في مسجد قد أقيمت فيه الصلاة أجزأته إقامتهم. ثم قال: وبه قال الحسن والشعبي والنخعي. قال: وقال الشافعي: لم أعلم مخالفاً أنه إذا جاء المسجد وقد خرج الإمام من الصلاة كان له أن يصلي بلا أذان ولا إقامة.

стр. 2514

قال البيهقي: وكان عطاء يقول: يقيم لنفسه. ثم روى بإسناد صحيح، عن أبي عثمان، قال: جاءنا أنس بن مالك وقد صلينا الفجر، فأذن وأقام، ثم صلى الفجر لأصحابه. قال ورويناه عن سلمة بن الأكوع في الأذان والإقامة، ثم عن ابن المسيب والزهري. وروى من طريق الشافعي: حدثنا إبراهيم بن محمد: أخبرني عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يؤذن للمغرب، فقال النبي ﷺ مثل ما قال، فأنتهى النبي ﷺ ، وقد قال: قد قامت الصلاة، فقال النبي ﷺ : ((انزلوا فصلوا المغرب بإقامة هذا العبد الأسود)) . وهذا ضعيف، إبراهيم، هو: ابن أبي يحيى، تركوا حديثه. وروى وكيع في ((كتابه)) عن دلهم بن صالح، عن عون بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ كان في سفر، فسمع إقامة مؤذن، فصلى بأصحابه بإقامته. وهو مرسل - أيضا. وقال أكثر أصحابنا: من صلى في مسجد قد صلي فيه بغير أذان ولا إقامة فلا بأس. ومن متأخريهم من قال: لا يسقط وجوب الأذان إلا عمن صلى مع المؤذن، ولا يسقط عمن لم يصل معه وإن سمعه، سواء

стр. 2515

كان واحداً أو جماعة في المسجد الذي صلي فيه بأذان أو غيره. وهذا شذوذ لا يعول عليه. وهو خلاف نص أحمد: أن المصلي وحده في مصر يجزئه اذان المصر. ونص الإمام أحمد في رواية جعفر بن محمد على أنه لا يترك الأذان في المسجد. وظاهره: يدل على أن الأذان واجب في مساجد الجماعات. وقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر: الواجب في المصر أذان واحد، وما زاد عليه في المساجد فهو سنة. ولم يفرق بين أن يكون أهل المصر يبلغهم ذلك الأذان، أو لا. وقال المتأخرون من أصحابنا: الواجب من الأذان في المصر ما حصل به الإعلام في أقطاره ونواحيه غالباً، فلا يجرئ فيه أذان واحد إذا كان لا يبلغ اقطاره. وأماما بوب عليه البخاري من قول المؤذن في الأذان في الليلة المطيرة أو الباردة: ((الصلاة في الرحال)) ، فحديث ابن عمر يدل على أنه يقول بعد فراغ أذانه. وقد تقدم في ((باب: الكلام في الأذان)) : حديث ابن عباس في قولها في الحضر في أثناء الأذان قبل فراغه، وسبق الكلام عليه.

стр. 2516

١٩ - باب هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا؟ وهل يلتفت في الأذان ؟ ويذكر عن بلال، أنه جعل إصبعيه في أذنيه. وكان ابن عمر لا يجعل إصبعيه في أذنيه. وقال إبراهيم: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء. وقال عطاء: الوضوء حق وسنة. وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.

стр. 2517

٦٣٤ - ثنا محمد بن يوسف: ثنا سفيان، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، أنه رأى بلالاً يؤذن، فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا بالأذان. هكذا خرجه البخاري هاهنا عن الفريأبي، عن سفيان الثوري - مختصراً. ورواه وكيع عن سفيان بأتم من هذا السياق. خرجه مسلم من طريقه، ولفظ حديثه: قال: أتيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه، فمن نائل وناضح. قال: فخرج رسول الله ﷺ في حلة حمراء، كأني انظر إلى بياض ساقيه. قال: فتوضأ، وأذن بلال، فجعلت أتتبع فاه هاهنا

стр. 2518

وهاهنا - يقول: يميناً وشمالاً -، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح. قال: ثم ركزت له عنزة، فتقدم فصلى الظهر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع، ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة. ورواه عبد الرزاق، عن سفيان، ولفظ حديثه: عن أبي جحيفة، قال: رأيت بلالاً يؤذن ويدور ويتتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في اذنيه، ورسول الله ﷺ في قبة له حمراء - وذكر بقية الحديث. خرجه الإمام أحمد عن عبد الرزاق. وخرجه من طريقه الترمذي، وقال: حسن صحيح. وخرجه البيهقي، وصححه - أيضا. وهذا هو الذي علقه البخاري هاهنا بقوله: ((ويذكر عن بلال، أنه جعل إصبعيه في أذنيه)) . وقال البيهقي: لفظة الاستدارة في حديث سفيان مدرجة، وسفيان إنما روى هذه اللفظة، في ((الجامع)) – رواية العدني، عنه - عن رجل لم يسمه، عن عون. قال: وروي عن حماد بن سلمة، عن عون بن أبي جحيفة - مرسلاً، لم يقل: ((عن أبيه)) . والله أعلم. قلت: وكذا روى وكيع في ((كتابه)) ، عن سفيان، عن عون، عن أبيه، قال: أتينا النبي ﷺ ، فقام بلال فأذن، فجعل يقول في أذانه، يحرف رأسه

стр. 2519

يميناً وشمالاً. وروى وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن أبي جحيفة، أن بلالاً كان يجعل إصبعيه في أذنية. فرواية وكيع، عن سفيان تعلل بها رواية عبد الرزاق عنه. ولهذا لم يخرجها البخاري مسندة، ولم يخرجها مسلم - أيضا -، وعلقها البخاري بصيغة التمريض، وهذا من دقة نظره ومبالغته في البحث عن العلل والتنقيب عنها ﵁. وقد خرج الحاكم من حديث إبراهيم بن بشار الرمادي، عن ابن عيينة، عن الثوري ومالك بن مغول، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ نزل بالأبطح - فذكر الحديث بنحو رواية عبد الرزاق، وذكر فيه الاستداره، وإدخال الإصبعين في الأذنين. وقال: هو صحيح على شرطهما جميعاً. وليس كما قال؛ وإبراهيم بن بشار لا يقبل ما تفرد به عن ابن عيينة، وقد ذمه الإمام أحمد ذماً شديداً، وضعفه النسائي وغيره. وخرج أبو داود من رواية قيس بن ربيع، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح فإذن، فلما بلغ ((حي

стр. 2520

على الصلاة، حي على الفلاح)) لوى عنقه يميناً وشمالاً، ولم يستدر. وخرج ابن ماجه من رواية حجاج بن ارطاة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ بالأبطح، وهو في قبة حمراء، فخرج بلال فأذن، فاستدار في أذانه، فجعل إصبعيه في أذنيه. وحجاج مدلس. قال ابن خزيمة: لا ندري هل سمعه من عون، أم لا؟ وقال البيهقي: يحتمل ان يكون أراد الحجاج باستدارته التفاته يمينا وشمالاً، فيكون موافقاً لسائر الرواة. قال: وحجاج ليس بحجة. وخرجه من طريق آخر عن حجاج، ولفظ حديثه: رأيت بلالاً يؤذن، وقد جعل إصبعيه في أذنيه، وهو يلتوي في أذانه يميناً وشمالاً. وقد رويت هذه الاستدارة من وجه آخر: من رواية محمد بن خليد الحنفي - وهو ضعيف جداً -، عن عبد الواحد بن زياد، عنه، عن مسعر، عن علي بن الأقمر، عن عون، عن أبيه. ولا يصح - أيضا. وخرج ابن ماجه من حديث اولاد سعد القرظ، عن آبائهم، عن سعد، أن رسول الله ﷺ أمر بلالاً ان يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال: ((أنه أرفع لصوتك)) .

стр. 2521

وهو إسناد ضعيف؛ ضعفه ابن معين وغيره. وروي من وجوه أخر مرسلة. وقد ذكر البخاري في هذا الباب ثلاث مسائل: الأولى: الالتفات في الأذان يميناً وشمالاً. والسنة عند جمهور العلماء أن يؤذن مستقبل القبلة، ويدير وجهه في قول: ((حي على الصلاة، حي على الفلاح)) يميناً وشمالاً. وأنكر ابن سيرين الالتفات، حكاه ابن المنذر وابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن سيرين، أنه إذا اذن المؤذن استقبل القبلة، وكان يكره أن يستدير في المنارة. وروى وكيع، عن الربيع، عن ابن سيرين، قال: المؤذن لا يزيل قدميه. وكأن الروايتين لا تصرحان بكراهة لوي العنق. وكذلك مالك. وفي ((تهذيب المدونة)) : ولا يدور في أذانه، ولا يلتفت، وليس هذا من الأذان، إلا أن يريد بالتفاته أن يسمع الناس فيؤذن كيف تيسر عليه. قال: ورأيت المؤذنين بالمدينة يتوجهون القبلة في أذانهم ويقيمون عرضاً، وذلك واسع يصنع كيف شاء. انتهى. وفي حديث عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في منامه انه رأى الذي

стр. 2522

علمه النداء في نومه قام فاستقبل القبلة فأذن. خرجه أبو داود من حديث معاذ. والذين رأوا الالتفات. قال أكثرهم: يلتفت بوجهه، ولا يلوي عنقه، ولا يزيل قدميه، وهو قول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وأبي ثور، وحكاه ابن المنذر عن أبي حنيفة وأصحابه. وحكي - أيضا - عن الحسن والنخعي والليث بن سعد. وروى الحسن بن عمارة، عن طلحة بن مصرف، عن سويد بن غفلة، عن بلال، قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا أذنا او أقمنا أن لا نزيل أقدامنا عن مواضعها. خرجه الدارقطني في ((أفراده)) . والحسن بن عمارة، متروك. وقالت طائفة: إن كان في منارة ونحوها دار في جوانبها؛ لأنه أبلغ في الاعلام والاسماع، وهو رواية عن أحمد وإسحاق، وظاهر فيه مالك إذا أراد

стр. 2523

الاعلام. وروي عن الحسن أنه يدور. وظاهر كلام أصحابنا اختصاص الالتفات بالاذان. وللشافعية في الالتفات في الاقامة وجهان. والفرق بينهما: أن الاذان إعلام للغائبين، فلذلك يلتفت ليحصل القصد بتبلغيهم، بخلاف الاقامة؛ فإنها اعلام للحاضرين، فلا حاجة إلى التلفت فيها، ولذلك لم يشرع في الموعظة في خطب الجمع وغيرها الالتفات؛ لانها خطاب لمن حضر، فلا معنى للالتفات فيها. وقال النخعي: يستقبل المؤذن بالاذان والشهادة والاقامة القبلة. خرجه ابن أبي شيبة. وروى بإسناده عن حذيفة، انه مر على ابن النباح وهو يؤذن، يقول: الله اكبر [الله] أكبر، أشهد أن لا اله الا الله، يهوي بأذانه يمينا وشمالا، فقال حذيفة: من يرد الله ان يجعل رزقه في صوته فعل. وهذا يدل على انه كره التلفت في غير الحيعلة، وجعله مناكلاً بأذانه.

стр. 2524

المسألة الثانية: جعل الاصبعين في الاذنين. وقد حكى عن ابن عمر، انه كان لا يفعل ذلك. وظاهر كلام البخاري: يدل على انه غير مستحب؛ لانه حكى تركه عن ابن عمر، وأماالحديث المرفوع فيه فعلقه بغير صيغة الجزم، فكأنه لم يثبت عنده. وذكر في ((تاريخه الكبير)) من رواية الربيع بن صبيح، عن ابن سيرين، قال: اول من جعل أصبعيه في أذنيه في الاذان عبد الرحمن بن الأصم مؤذن الحجاج. وهذا الكلام من ابن سيرين يقتضي انه عنده بدعة. وروي عن ابن سيرين بلفظ آخر. قال وكيع في ((كتابه)) : عن يزيد بن إبراهيم والربيع بين صبيح، عن ابن سيرين، قال: أول من جعل اصبعا واحدة في أذانه ابن الأصم مؤذن الحجاج. وقال ابن أبي شيبة: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، قال: كان الأذان أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، ثم يجعل اصبعيه، واول من ترك إحدى أصبعيه في أذنيه ابن الاصم. قال: وثنا أبو أسامة، عن هشام، عن ابن سيرين، انه كان إذا اذن استقبل القبلة، فأرسل يديه، فإذا بلغ: ((حي على الصلاة، حي على الفلاح))

стр. 2525

أدخل إصبعيه في أذانه. وهذا يقتضي انه إنما يجعلهما في أذنيه في أثناء الاذان. وروى وكيع، عن سفيان، عن نسير بن ذعلوق، قال: رأيت ابن عمر يؤذن على بعير. قال سفيان: قلت له: رأيته جعل إصبعيه في أذنيه؟ قال: لا. وهذا هو المروي عن ابن عمر، الذي ذكره البخاري تعليقا. وأكثر العلماء على ان ذلك مستحب. قال الترمذي في ((جامعه)) : العمل عند اهل العلم على ذلك، يستحب ان يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الاذان. وقال بعض اهل العلم: وفي الاقامة – أيضا، وهو قول الاوزاعي. انتهى. وقال إسحاق كقول الاوزاعي. ومذهب مالك: ان شاء جعل اصبعيه في اذانه واقامته، وان شاء ترك - ذكره في ((التهذيب)) . وظاهر هذا: يقتضي انه ليس بسنة.
следующие страницы →