Полный текст (4 834 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الحديث. وإنما كانَ السؤال عن قدر ماء الغسل، لا عن الطيب عندَ الغسل.
ذكره الإسماعيلي في ((صحيحه)) .
وذكر - أيضاً - حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قرب إليه حلاب فيهِ لبن، فشرب منه - يعني: يوم عرفة.
وزعم بعضهم: أنه ((الجلاب)) - بالجيم -، وأن المراد به: ماء الورد.
وهو أيضاً - تصحيف، وخطأ ممن لا يعرف الحديث.
وزعم آخرون: أن ((الحلاب)) - بالحاء - وعاء للطيب. ولا أصل لذلك.
وخرج أبو بكر عبد العزيز بن جعفر الفقيه في ((كتاب الشافي)) ، في هذا الحديث، من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن حنظلة، عن القاسم، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ كانَ يغتسل في حلاب قدر هذا - وأرانا أبو عاصم قدر الحلاب بيده، فإذا هوَ كقدر كوز يسع ثمانية أرطال -، ثم يصب على شق رأسه الأيسر، ثم يأخذ بكفيه فيصب وسط رأسه.
стр. 317
٧ - بَابُ
الْمَضْمَضَةِ وَالاِستْنْشاقِ في الْجَنَابةِ
стр. 318
٢٥٩ - حدثنا عمر بن حفص: ثنا أبي: حدثني الأعمش: حدثني سالم، عن كريب، عن ابن عباس، قالَ: ثنا ميمونة، قالت: صببت للنبي ﷺ غسلاً، فأفرغ يمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه، ثم قالَ بيده على الأرض فمسحها بالتراب، ثم غسلها، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه، وأفاض على رأسه، ثم تنحى فغسل قدميه، ثم أتي بمنديل، فلم ينفض بها.
المضمضمة والاستنشاق في غسل الجنابة، مذكور في حديث ميمونة، وفي حديث عائشة - أيضاً -، كما سبق -، أنه مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً.
وقد أشرنا - فيما تقدم - إلى الاختلاف في وجوب المضمضة [. . .] والاستنشاق في غسل الجنابة.
فمن أوجبهما في الوضوء، أو أوجب الاستنشاق وحده في الوضوء، فإيجابه لهُ في غسل الجنابة أولى، إلا رواية رويت عن الإمام أحمد، أنها في الوضوء أوكد؛ [. . . ..] الأمر بالاستنشاق في الوضوء، دون الغسل.
стр. 319
وهذا؛ بعيد؛ فإن الغسل [. . .] غسل مواضع الوضوء، وزيادة، فما وجب في الوضوء، فهوَ واجب في الغسل بطريق الأولى.
وأما من لم يوجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء، فاختلفوا في إيجابهما في غسل الجنابة:
فأوجبهما الكوفيون، منهم: الشعبي والنخعي وأبو حنيفة وأصحابه وسفيان.
وقال مالك والشافعي: هما مسنونان في الوضوء والغسل سواء.
واستدل من أوجبهما في الغسل بأن غسل الجنابة يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف، مع استتاره بالشعر، فإيجاب إيصال الماء فيهِ إلى باطن الفم والأنف، مع ظهوره، أولى بالوجوب.
وروى وكيع، عن أبي حنيفة، عن عثمان بن راشد، عن عائشة بنت عجرد، قالت: سألت ابن عباس عن الجنب يغتسل، فينسى المضمضة والاستنشاق حتى يصلي؟ قالَ: يتمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة.
وخرجه الدارقطني من طريق سفيان، عن عثمان، عن عائشة، عن ابن عباس، … قالَ: يعيد في الجنابة، ولا يعيد في الوضوء.
وعائشة بنت عجرد، قيل: إنها غير معروفة.
стр. 320
وأنكر الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة التفرقة بين الغسل والوضوء في المضمضة والاستنشاق.
وقالوا: ما وجب غسله من الوجه في الوضوء، وجب في الغسل، وما لا فلا.
وفرقوا بين باطن الفم، والأنف، وما تحت الشعور، بأن ما تحت الشعور ستره
[طارىء] ، بخلاف باطن الفم والأنف، فإن سترهما بأصل الخلقة.
وأما غسل باطن العين في الجنابة، فكان ابن عمر يفعله.
وفي وجوبه عن أحمد روايتان، وأصحهما: لا يجب؛ لمشقته، وخوف الضرر
منه.
стр. 321
٨ - بَابُ
مَسْحِ الْيَدِ بِالتُّرَابِ ليكُونَ أنقَى
стр. 322
٢٦٠ - ثنا عبد الله بن الزبير الحميدي: ثنا سفيان: ثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها على الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه.
هذا الحديث قد سبق بألفاظ أخر.
وقد خرجه في الباب الماضي، ولفظه: ((ثم غسل فرجه، ثم قالَ بيده على الأرض، فمسحها بالتراب)) .
وقد خرجه - فيما بعد - من حديث أبي عوانة، عن الأعمش وقال في حديثه: ((ثم دلك يده بالأرض، أو بالحائط)) .
وخرجه - أيضاً - من رواية الفضل بن موسى، عن الأعمش، وفي حديثه: ((ثم ضرب يده بالأرض - أو الحائط - مرتين أو ثلاثاً)) .
وخرجه مسلم من حديث عيسى بن يونس، عن الأعمش، وعنده: ((ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكاً شديداً)) .
فقد تضمن هذا الحديث: أن المستنجي يدلك يده بالتراب، ثم يغسلها.
стр. 323
وقد روي مثل هذا في حديث عائشة - أيضاً.
خرجه أبو داود من حديث الأسود، عنها.
وخرج - أيضاً - من رواية الشعبي، قالَ: قالت عائشة: لئن شئتم لأرينكم أثر يد رسول الله في الحائط، حيث كانَ يغتسل من الجنابة.
وفي رواية للنسائي، من حديث عطاء بن السائب، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن النبي ﷺ غسل يده اليسرى بعد غسل فرجه.
لكن شك راويها فيها.
وقد روي نحو ذَلِكَ في الاستنجاء قبل الوضوء في غير غسل الجنابة - أيضاً - وأن النبي ﷺ استنجى بالماء ثم دلك يده بالأرض.
وقد خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث إبراهيم بن جرير البجلي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة.
وخرجه ابن ماجه - أيضاً - والنسائي من حديث إبراهيم بن جرير، عن أبيه، عن النبي ﷺ .
وقال النسائي: هوَ أشبه بالصواب.
وإبراهيم بن جرير، لم يسمع من أبيه شيئاً -: قاله ابن معين وغيره.
وهذا السياق الذي خرجه البخاري في هذا الباب مختصراً، والسياق الذي خرجه في هذا الباب الذي قبله أتم منه، وفيه: أنه ﷺ غسل يديه،
стр. 324
ثم غسل فرجه، ثم مسح يده بالتراب، ثم غسلها.
فاقتضى ذَلِكَ: استحباب غسل اليدين قبل الاستنجاء، ثم غسل اليد اليسرى
بعد.
وقال الثوري وإسحاق: إذا اغتسل من الجنابة غسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل
فرجه، ثم دلك يده بالأرض، ثم يديه ثلاثاً، ثم يتوضأ.
وليس هذا في حديث ميمونة، ولا في حديث عائشة، إلا في رواية الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، وعن عمرو بن سعد، عن نافع، عن عمر، وقد سبق لفظها، وهي مروية بالمعنى كما تقدم.
وروي عن ابن عمر من قوله، في صفة غسل الجنابة، أنه يغسل يديه ثلاثاً، ثم يغسل فرجه، ثم يضرب بيده على الحائط، ثم يغسلها، ثم يتوضأ.
خرجه إبراهيم بن مسلم في ((كتاب الطهور)) .
ونص الإمام أحمد: على أن المستنجي يغسل يديه قبل الاستنجاء، ثم إذا
استنجى، فإنه يغسل يديه ويتوضأ.
ولعل هذا لا يحتاج إليه قبل الاستنجاء إذا كانَ يريد أن يدخل يديه في الإناء، ليصب على فرجه منه، فإذا كانَ الماء في مثل الإداوة ونحوها يصب منه على فرجه، فلا حاجة لهُ إلى غسله يديه قبل الاستنجاء.
ونص أحمد في إعادة غسل اليدين ثلاثاً بعد الاستنجاء إنما هوَ في الوضوء من غير الجنابة، فإن الوضوء من الحدث الأصغر ينتقض بمس الفرج، فلذلك لا [. . .] فيهِ على غسل اليدين قبله، وأما غسل الجنابة، فإذا
стр. 325
غسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل فرجه لم يحتج إلى إعادة غسل يديه بعده؛ لأن مس الفرج لا يؤثر في غسل الجنابة، فإنه من حين نوى وسمى وغسل كفيه ثلاثاً [قد بدأ] غسل الجنابة، ولذلك لا يحتاج إلى إعادة غسل فرجه عندَ غسل جسده، بل يكتفى بغسله أولاً.
وقد نقل جعفر بن محمد، عن أحمد، في الجنب يتوضأ قبل أن ينام، ثم يقوم، يغتسل ولا يتوضأ، فرأى أن ذَلِكَ يجزئه.
ولعل مراده: يجزئه غسل أعضاء الوضوء أولاً، عن غسلها في الجنابة ثانياً.
ويحتمل أن مراده: أن الغسل وحده يجزىء بلا وضوء، ويرتفع به الحدثان.
وقد روي عن ابن سيرين، في الجنب يحدث بين ظهراني غسله من االجنابة.
قالَ: الغسل من الجنابة، والوضوء من الحدث.
وعن الحسن، في الجنب يغسل بعض جسده، ثم يبول؟ قالَ: يغسل ما بقي من جسده.
خرجه الخلال في ((الجامع)) من طريق حنبل.
قالَ حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: يبدأ فيتوضأ وضوءه للصلاة ثم يغتسل؛ لأن الغسل ياتي على طهارة الوضوء، وهذا حدث يوجب الوضوء.
وظاهر كلام أحمد وابن سيرين: أنه يعيد الوضوء والغسل؛ لياتي بسنة الغسل بكاملها، وتقديم الوضوء على الغسل، وليس ذَلِكَ على الوجوب.
وروي - أيضاً - عن ابن عمر، بإسناد فيهِ ضعف، أنه يعيد الغسل.
خرجه ابن أبي شيبة.
стр. 326
وأما الحسن، فمراده: أن ما مضى من الغسل لم يبطل بالبول، وأنه إذا أكمله فقد ارتفع حدث الجنابة، ولكن لا يصلي حتى يتوضأ.
وكذا قالَ سفيان الثوري: يتم غسله، ثم يعيد الوضوء.
وحكى ابن المنذر مثل هذا عن عطاء وعمرو بن دينار.
قالَ: وهو يشبه مذهب الشافعي.
وحكى عن الحسن، أنه يستأنف الغسل.
وهذا خلاف ما رواه الخلال، بإسناده عنه.
وما ذكره أنه يشبه مذهب الشافعي، قد قيل: إن الشافعي نص عليهِ في
((الأم)) .
ولا ينبغي أن يكون في هذا خلاف، وإنما أمر من أمر بإعادة الغسل استحباباً؛ ليقع الوضوء قبل الغسل، كما استحب أحمد للحائض إذا اغتسلت بالماء وحده، ثم وجدت السدر، أن تعيد الغسل بماء وسدر؛ لتاتي بالغسل على الوجه الكامل.
فإن قيل: هذا يلزم منه استحباب تجديد الغسل.
قلنا: إنما أعيد لنقص وقع في الأول، فاستحب إعادته على وجه الكمال.
قالَ أصحابنا: وإذا غسل بعض جسده، ناوياً به رفع الحدثين، ارتفع حدثهما، فإذا انتقض وضوؤه، وأعاده لزمه الترتيب والموالاة فيما أرتفع عنه حدث الجنابة خاصة، وما لم يرتفع عنه حدث الجنابة من أعضاء الوضوء، لا يلزم فيهِ ترتيب ولا موالاة، بل يرتفع حدثه تبعاً لحدث الجنابة.
стр. 327
٩ - بَابُ
هَلْ يُدْخِلُ الْجُنُبُ يَدَهُ في الإنَاء قَبْل أنْ يَغْسِلَهَا
إذا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدهِ قَذَرٌ غَيْر الجَنَابةِ؟
وأدخل ابن عمر والبراء بن عازب يده في الطهور، ولم يغسلها، ثم توضأ.
ولم ير ابن عمر وابن عباس بأساً بما ينتضح من غسل الجنابة.
اشار البخاري - هاهنا - إلى مسألتين:
إحداهما:
أن الجنب إذا أدخل يده في الماء قبل غسلها، وليس على يده نجاسة، فإنه لا ينجس الماء، فإن المؤمن لا ينجس.
وقد ذكر، عن ابن عمر والبراء بن عازب، أنهما أدخلا أيديهما في الطهور، من غير غسل، ثم توضأ.
وهذا في الوضوء.
وقد سبق ذكره في الكلام على حديث عثمان بن عفان في صفة الوضوء، وعلى الكلام على حديث: ((إذا استيقظ أحدكم من النوم فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها)) .
وروى وكيع، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، قالَ: رأيت البراء بن عازب بال، فأدخل يده في مطهرة المسجد - يعني: قبل أن يغسلها.
وعن سفيان، عن جابر الجعفي، عن الشعبي، قالَ: كانَ
стр. 328
الرجال على عهد رسول الله ﷺ يدخلون أيديهم في الإناء وهم جنب، والنساء وهن حيض، لا يرون بذلك بأساً.
ورخص فيهِ ابن المسيب وغيره.
واختلف كلام أحمد في ذَلِكَ:
فقالَ مرة، في الجنب والحائض يغمس يده في الإناء إذا كانَ نظيفتين لا بأس به ونقل عنه ابنه عبد الله في الجنب يدخل يده في الإناء، ولم يمسها أذى، ولم ينم؟ قالَ: إن لم ينم فأرجوا ان لا يكون به باس، وإن نام غسلها.
يشير إلى أنه إن كانَ قائما من النوم، فإنه لا يرخص لهُ في ترك غسلها، فجعل القائم من النوم أشد من الجنب.
ونقل عنه كراهة ذَلِكَ:
نقل عنه صالح وابن منصور، في الجنب والحائض، يغمس يده في الإناء؟ قالَ:
كنت لا أرى به بأساً، ثم حدثت عن شعبة، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، فكأني تهيبته.
ونقل عنه صالح - أيضاً - في جنب أدخل يده في الماء، ينظر حره من برده: إن كانَ أصبعاً رجوت أن لا يكون به بأس، وإن كانَ اليد أجمع فكأنه كرهه.
ونقل عنه صالح - أيضاً - في جنب يدخل الحمام، ليس معه أحد، ولا ماء يصب به على يده؟ ترى لهُ أن يأخذ بفمه؟ قالَ: لا، يده وفمه واحد.
وروى رقية، عن الزبيدي، عن علي بن أبي طلحة، في الجنب يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها؟ قالَ: يهريق أعلاه.
وخرج أبو عبيد
стр. 329
بإسناده، عن النخعي، قالَ: إذا غمس الجنب يده في إناء صغير [فأهرقه] ، وإن كانَ كبيراً فلا بأس به.
وهذا قد يرجع إلى القول بنجاسة بدن الجنب، وهو قول شاذ، ترده السنة الصحيحة.
وقد روي عن أحمد، في جنب اغتسل في ماء يسير [. . .] .
ولم ينقل عنه في المحدث يتوضأ في ماء يسير، وإن كانَ أصحابنا قد سووا بينهما.
وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كانَ يكره فضل الحائض والجنب.
وروى أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كانَ لا يرى بسؤر المرأة بأساً، إلا أن تكون حائضاً أو جنباً.
وروي عن معاذة، عن عائشة، أنها كانت تكره سؤر الحائض، وأن يتوضأ به.
وروي عن أحمد، كراهة سؤر الحائض إذا [. .] بالماء.
وفي ((مسند بقي بن مخلد)) من رواية سويد بن عبد العزيز الدمشقي، عن
نوح بن ذكوان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: وضعت
لرسول الله ﷺ ماء، وأدخلت يدي فيهِ، فلم
стр. 330
يتوضا منه.
وهذا منكر، لا يصح.
وسويد ونوح، ضعيفان.
فأما إن أدخل الجنب يده في الماء، بعد أن نوى الغسل، فاعترف منه، وكان الماء قليلاً، فإن نوى الاغتراف من الماء لم يضره، وإن نوى غسل يده من الجنابة في الماء صار الماء مستعملاً.
وإن أطلق النية، ففيه قولان لأصحابنا وغيرهم من الفقهاء، أشهرهما - عندهم -: أنه يصير مستعملاً، وهو قول الشافعية.
والصحيح: أنه لا يصير بذلك مستعملاً.
وعليه يدل حديث عائشة وميمونة، واغتسال النبي ﷺ وأزواجه من إناء واحد، فإنه لو كانَ يصير الماء مستعملاً بغمس اليد في الماء، بدون نية الاغتراف، لوجب بيانه للأمة بياناً عاماً، فإن هذا مما تدعو الضرورة إليه، فإن عامة الناس لا يستحضرون نية الاغتراف، وأكثرهم لا يعلمون حكم ذَلِكَ، بل قد روي عن النبي واصحابه ما يدل على خلاف ذَلِكَ، وأن الماء لا يجنب باغتراف الجنب منه.
وروى سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قالَ: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ من جفنة، فأراد النبي ﷺ أن يتوضأ، فقالت: يا رسول الله، إني كنت جنباً، قالَ: ((إن الماء لا يجنب)) .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي - وقال: حسن صحيح -، وابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم وصححه.
стр. 331
وأعله الإمام أحمد، بأنه روي عنى عكرمة - مرسلاً.
وقد صح عن ابن عباس، أنه سئل عن الجنب يغتسل من ماء الحمام فقالَ: الماء لا يجنب.
وصح عنه، أنه قالَ: الماء لا يجنب.
وكذلك صح عن عائشة من رواية شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة، قالت: سألت عائشة عن الغسل من الجنابة؟ فقالت: إن الماء لا ينجسه شيء؛ كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد.
وخرجه ابن خزيمة في ((صحيحة)) ، ولفظه: إن عائشة قالت: الماء طهور، لا يجنب الماء شيء؛ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ في الإناء الواحد. قالت: أبدؤه فأفرغ على يديه، من قبل أن يغمسهما في الإناء.
وروى المقدام بن شريج، عن أبيه، أنه سأل عائشة عن غسل الجنابة؟
стр. 332
فقالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد. قالَ شريح: كيف يكون؟ قالت عائشة: إنه ليس على الماء جنابة - مرتين أو ثلاثة.
خرجه [. . .] وبقي بن مخلد في ((مسنده)) .
وخرجه إسحاق بن رهواية في ((مسنده)) ، وعنده: فقالت: إن الماء لا
ينجس.
وقد رفع بعضهم آخر الحديث، وهو قوله: ((الماء لا ينجس)) ، فجعله من قول النبي ﷺ .
خرجه الطبراني والقاضي إسماعيل وابن عدي وغيرهم - مرفوعاً.
والصحيح: أنه موقوف على عائشة.
المسألة الثانية:
ما ينتضح من بدن الجنب في الماء الذي يغتسل منه.
وقد ذكر البخاري، عن ابن عمر وابن عباس، أنهما لم يريا به بأساً.
وروى وكيع في ((كتابه)) ، عن سفيان، عن العلاء بن المسيب، عن رجل، عن ابن عباس، أنه لم يكن يرى به بأساً.
وكذلك رخص فيهِ أكثر السلف، منهم: ابن سيرين والحسن والنخعي وأبو جعفر.
قالَ النخعي: أو تجد من ذَلِكَ بداً؟
وعن الحسن - نحوه.
ورخص فيهِ - أيضاً - مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم.
وقد سبق بسط ذَلِكَ في ذكر الماء المستعمل، وأنه ليس بنجس.
ويدل على ذَلِكَ: أن
стр. 333
إغتسال النبي ﷺ مع بعض أزواجه من الإناء الواحد لا يسلم من إصابة رشاش الماء المتقاطر منهما [للماء] ، ولو كانَ ذَلِكَ نجساً لوجب بيانه والأمر بالتحرز منه، فإن هذا مما تعم به البلوى، ولا يكاد يسلم الناس منه.
وكلام أحمد يدل على أن ما ينضح من الماء عندَ الغسل والوضوء على البدن أو الثوب في الماء لا بأس به.
فإن توضأ في طشت، ثم صبه فأصاب ثوبه منه، فإنه يستحب لهُ غسله والتنزه عنه؛ فإن هذا لا يشق التحرز عنه، وهو ماء [قذر] ، قد أخرج الذنوب والخطايا، واختلف في نجاسته.
ثم خرج البخاري في هذا الباب أربعة أحاديث:
الحديث الأول:
стр. 334
٢٦١ - من حديث: أفلح، عن القاسم، عن عائشة، قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، تختلف أيدينا فيهِ.
وخرجه مسلم في ((صحيحه)) وزاد فيهِ: ((من الجنابة)) .
وهذا الحديث: يستدل به على جواز إدخال الجنب يده فبل كمال غسله في الماء الذي يغتسل منه، وعلى أن ما نضح من الماء الغسل في الإناء، الغسل منه لا يضره.
الحديث الثاني:
стр. 335
٢٦٢ - من حديث: حماد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كانَ النبي ﷺ -
стр. 336
إذا اغتسل من الجنابة غسل يده.
وهذا مختصر من حديث عائشة الذي خرجه في أول ((كتاب: الغسل)) .
وإنما قصد الإشارة إلي ذكر طرق الحديث؛ لأنه يستدل به على أن الجنب إذا اغتسل بالاغتراف من الإناء بعد نية الاغتسال، فلا يمكن حمله على أنه غسل يده في الإناء من غير إفراغ.
فإنه قد خرجه مسلم من حديث زائدة، عن هشام، ولفظه: كانَ النَّبيّ ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه قبل أن يدخل يده في الإناء، ثم توضأ مثل وضوئه للصلاة.
وقد خرج أبو داود حديث حماد بن زيد، عن هشام، الذي اختصره البخاري هاهنا، ولفظه: يبدأ فيفرغ على يديه.
وفي رواية أخرى لهُ: غسل يديه، فصب الإناء على يده اليمنى.
الحديث الثالث:
стр. 337
٢٦٣ - نا أبو الوليد: ثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن عروة، عن عائشة، قالت: كنت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، من الجنابة.
стр. 338
وهذا يستدل به كما يستدل بالحديث الأول.
الحديث الرابع:
стр. 339
٢٦٤ - نا أبو الوليد: نا شعبة، عن عبد الله بن عبد الله بن جبر: سمعت أنس بن مالك يقول: كانَ النبي ﷺ والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد.
زاد مسلم ووهيب، عن شعبة: من الجنابة.
وهذا دلالته كدلالة الذي قبله - أيضاً.
و ((عبد الله بن عبد الله بن جبر)) ، هوَ الذي روى عن أنس حديث الوضوء بالمد، وقد سبق شرح [حاله] هناك مبوسطاً.
стр. 340
١٠ - بَابُ
تَفرِيق الْوُضُوِءِ وَالْغُسلِ
ويذكر عن ابن عمر، أنه غسل قدميه بعدما جف وضوؤه.
هذا الأثر، حكاه الإمام أحمد عن ابن عمر، أنه توضأ، ثم غسل رجليه في مكان آخر.
وقال ابن المنذر: ثبت أن ابن عمر توضأ بالسوق، فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه، ثم دعي لجنازة، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها.
وهذا الأثر، رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه توضأ في السوق، فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه، ثم دعي إلى جنازة، فدخل المسجد، ثم مسح على خفيه بعد ما جف وضوؤه.
قالَ البيهقي: هذا صحيح عن ابن عمر، مشهور بهذا اللفظ.
وقد اختلف العلماء في تفريق الوضوء والغسل: هل يصح معه الوضوء والغسل، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه جائز، وهو ظاهر تبويب البخاري هاهنا، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري والشافعي وإسحاق - في رواية -، ورواية عن أحمد - أيضاً.
стр. 341
والثاني: أنه لا يجوز، وتجنب الإعادة بذلك في الوضوء والغسل، وهو قول
مالك، وحكي رواية عن أحمد، وهي غريبة عنه.
والثالث: أنه يجب في الوضوء دون الغسل، وهو ظاهر مذهب أحمد.
وممن قالَ: إنه إذا جف وضوؤه يعيد: قتادة وربيعة والأوزاعي والليث والشافعي - في القديم - وإسحاق - في رواية.
وقال النخعي: لا بأس أن يفرق غسله من الجنابة.
وكذا روي عن أبن المسيب، وعلي بن حسين.
وروي عن الحسن - فيمن أخر غسل رجليه في الوضوء حتى جف -: إن كانَ في عمل الوضوء غسل رجليه، وإلاّ استأنف.
وفرق أحمد بين الوضوء والغسل، بأن الله أمر في الوضوء بغسل أعضاء معدودة، معطوف بعضها على بعض، فوجب غسلها مرتبا متواليا، كما يجب الترتيب والموالاة في ركعات الصلاة، وأشواط الطواف، بخلاف غسل الجنابة، فإنه أمر فيهِ بالتطهر، وهو حاصل بغسل البدن على أي وجه كانَ.
واستدل لإعادة الوضوء، بأن عمر رأى رجلاً على ظهر قدمه لمعة لم يغسلها، فأمره بإعادة الوضوء.
وقد اختلف ألفاظ الرواية عن عمر في ذَلِكَ: ففي بعضها، أنه أمر بغسل ما تركه، وفي بعضها، أمره بإعادة الوضوء.
وفي الباب أحاديث مرفوعة - أيضاً - بهذا المعنى:
من أجودها: حديث رواه بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بعض
стр. 342
أصحاب النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة.
خرجه أبو داود.
وقال أحمد: إسناده جيد.
وأما الغسل، فروي في حديث مرسل، عن العلاء بن زياد، أن النبي ﷺ
اغتسل، ثم رأى لمعة لم يصبها الماء، فعصر عليها شعره.
وأخذ به أحمد - في إحدى الروايتين عنه.
وروي عن ابن مسعود، قالَ: الجنب ما أصاب الماء من جسده فقد طهر وحمله أبو عبيد على أنه إذا فرق غسله وقطع أجزأه.
وروي عن علي وابن مسعود وجماعة من السلف، في الجنب إذا غسل رأسه بالخطمي، أنه يجزئه من غسل الجنابة، وليس عليهِ إعادة غسله.
وهذا يدل على جواز تأخير غسل الجسد عن غسل الرأس في الغسل.
وخرج أبو داود من حديث شريك، عن قيس بن وهب، عن رجل من بني سواءة، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، أنه كانَ يغسل رأسه بالخطمي وهو جنب، يجتزيء بذلك، ولا يصب عليهِ الماء.
يعني: أنه لا يعيد منه
стр. 343
غسل بقية جسده.
خرج البخاري في هذا الباب:
стр. 344
٢٦٥ - حديث ميمونة: قالت: وضعت للنبي ﷺ ماء يغتسل به، فأفرغ على يديه، فغسلهما مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ بيمينيه على شماله فغسل مذاكيره، ثم دلك يده بالأرض، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه، ثم غسل رأسه ثلاثاً، ثم أفرغ على جسده ثم تنحى من مقامه فغسل قدميه.
خرجه من حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، بإسناده المتقدم.
ووجه الاستدلال به على جواز تفريق الوضوء: أنه ﷺ فصل بين تطهير رأسه وقدميه بالإفراغ على جسده، ثم بالتنحي من مقامه.
وللإمام أحمد - ومن وافقه - جوابان:
أحدهما: أن هذا تفريق يسير لا يضر، فإن المعتبر عندهم في التفريق المبطل أن يؤخر غسل بعض الأعضاء حتى يجف غسل ما قبله.
ومنهم من اعتبر لهُ طول الفصل عرفاً.
وهما روايتان عن أحمد، أشهرهما: اعتبار الجفاف.
وهذا التأخير لم يكن طويلاً، ولا حصل معه جفاف ما قبله، فلا يضر.
وقد روي عن مالك، أنه إذا أخر غسل رجليه حتى يكمل غسله، أنه يعيد الوضوء.
ولعله أراد مع طول الفصل. والله اعلم.
والثاني: أن هذا التفريق كانَ في غسل الجنابة، وعند أحمد لا يعتبر
стр. 345
الموالاة للغسل، بخلاف الوضوء.
فإن قيل: إنما وقع التفريق في الوضوء الذي ضمن الغسل.
قيل: أعضاء الجنب ما دام عليها الجنابة، فإنه لا يعتبر لتطهرها موالاة في وضوء ولا غسل.
هذا ظاهر مذهب أحمد الذي عليهِ عامة أصحابه.
وإنما اعتبر الموالاة للوضوء في غسل الجنابة أبو بكر ابن جعفر وطائفة يسيرة من أصحابه، وهو المذهب عندَ الخلال، وسيأتي القول في ذَلِكَ مبسوطاً - إن شاء الله تعالى.
وفي تفريق الغسل صريحاً حديث لا يصح إسناده.
خرجه الدارقطني في ((الأفراد)) والإسماعيلي في ((جمع حديث مسعر)) ، من طريق إسماعيل بن يحيى التميمي، عن مسعر عن حميد بن سعد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبيه، قالَ: قالَ رجل: يا رسول الله ﷺ ، إن أهلي تغار إذا وطئت جواري، قالَ: ((ولم تعلمهم ذَلِكَ؟)) ، قالَ: من قبل الغسل: قالَ: ((إذا كانَ ذَلِكَ منك فاغسل رأسك عندَ أهلك، فإذا حضرت الصلاة فاغسل سائر جسدك)) .
إسماعيل بن يحيى، ضعيف جدا ً.
قالَ: الإسماعيلي: حميد بن سعد مجهول، وأحاديث إسماعيل بن يحيى موضوعة.
وفيه حديث آخر:
رواه جعفر بن محمد الفريابي: نا إسحاق بن موسى: نا عاصم بن عبد العزيز: نا محمد بن زيد بن قنفذ التيمي، عن
стр. 346
جابر بن سيلان، عن ابن مسعود، أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يغتسل من الجنابة، فيخطىء الماء بعض جسده؟ فقالَ: النبي ﷺ : ((يغسل ذَلِكَ المكان، ثم يصلي)) .
رجاله كلهم مشهورون، خلا جابر بن سيلان، وقد خرج لهُ أبو داود، ولم نعلم فيهِ جرحاً، ولا أنه روى عنه سوى محمد بن زيد.
стр. 347
١١ - بَابُ
مَنْ أفَرَغَ بِيمِيِنه علَىَ شِمالِهِ في الْغُسلْ
خرج فيهِ:
стр. 348
٢٦٦ - حديث ميمونة: قالت: وضعت لرسول الله ﷺ غسلاُ وسترته، فصب على يده، فغسلها مرة أو مرتين - ثم قالَ سليمان: لا أدري: أذكر الثالثة أم لا؟ - ثُمَّ أفرغ بيمينه على شماله، فغسل فرجه، ثُمَّ دلك يده بالأرض - أو بالحائط -، ثُمَّ تمضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، وغسل رأسه، ثم صب على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته خرقة، فقالَ بيده هكذا، ولم يردها.
خرجه من حديث أبي عوانة، عن الأعمش، بالإسناد المتقدم.
ومقصوده منه: قولها: ((ثم أفرغ بيمينه على شماله، فغسل فرجه)) .
وقد خرجه البخاري - فيما بعد - من طريق أبي حمزة السكري، عن الأعمش، ولفظه: ((وصب على يديه فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه)) .
وهذه الرواية: تصرح بانه غسل يديه جميعاً قبل إدخال يده اليمنى في الإناء.
وقد سبق من رواية عبد الواحد وغيره، عن الأعمش بنحو
стр. 349
هذا اللفظ - أيضاً.
وسبق - أيضاً - الحديث من رواية حفص بن غياث، عن الأعمش، ولفظه: قالت ميمونة: صببت للنبي ﷺ غسلاً، فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه.
والمراد: أنه تناول الإناء بيمينه، فصبه على يساره، ثم غسلهما معاً.
وفي رواية لأبي داود، من رواية عبد الله بن داود، عن الأعمش: فأكفأ الإناء على يده اليمنى، فغسلها مرتين أو ثلاثاً، ثم صب على فرجه، فغسل فرجه بشماله.
وهذه الرواية: توهم أنه صب من الإناء على يده اليمنى فقط.
وهذه الرواية التي خرجها البخاري في هذا الباب فيها: ((فصب على يده فغسلها مرتين أو ثلاثاً)) ، وهي توهم أنه صب على اليمنى فقط، ولم يغسل اليسرى حتى غسل فرجه بها، ثم دلكها بالتراب، ثم غسلها.
وقد سبق من حديث عمر نحو ذَلِكَ - أيضاً.
وحديث عائشة صريح في أنه ﷺ غسل يديه جميعاً قبل إدخال يده اليمنى في الإناء، ثم أدخلها فأفرغ بها على شماله، ثم غسل فرجه.
وقد قالَ الإمام أحمد: الغسل من الجنابة على حديث عائشة.
ونقل حنبل عنه، أنه يبدأ فيفيض الإناء على يده اليمنى، فيصب [منه] ثلاث مرات، ثم يغمس يده في الإناء، فيصب على يده اليسرى، فيغسلهما جميعاً، ثم يغسل فرجه فينقيه، ثم يتوضأ.
ونقل عنه - مرة أخرى -، أنه قالَ:
стр. 350
يبدأ فيغسل كفيه ثلاثاً.
وهذا يوافق رواية الأكثرين عنه.
فهذا كله في غسل اليدين وفي غسل الفرج.
فأما بقية الغسل، فإن غسل أعضاء الوضوء فيهِ كغسلها في الوضوء من الحدث الأصغر، على ما سبق في موضعه.
وأما غسل الرأس، فإنه يحثي عليهِ ثلاث حثيات باليدين جميعاً.
وقد جاء التصريح بذلك في روايات متعددة، سبق ذكرها.
وأما صب الماء على بقية الجسد، ففي بعض ألفاظ حديث عائشة ما يدل على أنه بالكفين معاً، وقد سبق ذكره - أيضاً.
واما محل الإناء من المتوضيء والمغتسل، فقالَ طائفة من الفقهاء من أصحابنا والشافعية وغيرهم: إن كانَ واسعاً يمكن الاغتراف منه، كانَ من جهة اليمين، ويغرف منه باليمين، وإن كانَ ضيقاً لا يمكن الاغتراف منه، وإنما يصب به صباً وضع من جهة الشمال.
وخرج الطبراني، بإسناد فيهِ جهالة، عن أنس، أنه أراهم الوضوء، فأخذ ركوة فوضعها عن يساره، وصب على يده اليمنى منها ثلاثاً - وذكر بقية الوضوء -، ثم قالَ: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ.
стр. 351
١٢ - بَابُ
إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَاوَدَ، وَمَنْ دار عَلَى نِسائِهِ
في غُسلٍ واحِدٍ
خرج فيهِ حديثين:
أحدهما:
стр. 352
٢٦٧ - من رواية: شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه قالَ: ذكرته لعائشة، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمان، كنت أطيب رسول الله ﷺ ، فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرماً، ينضخ طيباً.
الذي ذكر لعائشة، هوَ: أن ابن عمر كره الطيب عندَ الإحرام، فردت مقالته بهذه الرواية.
قالَ الإسماعيلي في ((صحيحه)) : قول عائشة: ((يطوف على
نسائه)) ، ينظر: هل أردت به الجماع، أو تجديد العهد بهن للخروج، وذلك أنه لو كانَ معنى الطواف عليهن للوقاع لاحتاج إلى الغسل، ولا يكاد الطيب يبقى بعد إنقاء الغسل، لا سيما وهي تقول: ((ينضخ طيباً)) ، بالحاء أو الخاء، وهو بالخاء معجمة أشبه؛ لأنه أخف من النضح، كأنه يتساقط منه الشيء بعد الشيء من الطيب. انتهى ما ذكره.
وما ذكره من احتمال طوافه عليهن للتوديع فبعيد جداً، أو غير صحيح؛ فإن عائشة إنما أخبرت عن حجة الوداع، وقد جاء مصرحاً عنها في رواية خرجها مسلم، أنها طيبته في حجة الوداع،
стр. 353
وحجة الوداع كانَ أزواجه كلهن معه
فيها، فلم يكن يحتاج إلى وداعهن.
ووجه استدلال البخاري بالحديث على أن تكرار الجماع بغسل واحد:
أن النبي ﷺ لو اغتسل من كل واحدة من نسائه لكان قد اغتسل تسع مرات، فيبعد حينئذ أن يبقى للطيب أثر، فلما أخبرت أنه أصبح ينضخ طيباً، استدل بذلك على أنه اكتفى بغسل واحد.
واستبعاد الإسماعيلي بقاء أثر الطيب بعد الغسل الواحد ليس بشيء، فقد اخبرت عائشة أنها نظرت إلى الطيب في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم بعد ثلاث.
وفي رواية، عنها: في رأسه ولحيته.
وقد كانَ ﷺ يوضأ في هذه المدة، بل كانت عادته الوضوء لكل صلاة، ومع هذا فلم يذهب اثره من شعره، وهذا يدل على أنه كانَ طيباً كثيراً لهُ جرم يبقى مدة.
الحديث الثاني:
стр. 354
٢٦٨ - من رواية: هشام، عن قتادة: ثنا أنس بن مالك، قالَ: كانَ النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة.
قلت لأنس: أو كانَ يطيقه؟ قالَ: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين.
وقال سعيد، عن قتادة: إن أنساً حدثهم: تسع نسوة.
ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أن أنساً ذكر أن النبي ﷺ كانَ يدور على إحدى عشرة امرأة في ساعة واحدة من الليل والنهار، وهذا
стр. 355
يدل على أنه لم يغتسل عندَ كل واحدة؛ فإن الساعة الواحدة لا تتسع للوطء إحدى عشرة مرة، مع غسل إحدى عشرة مرة.
وقد ذكر البخاري اختلاف هشام وسعيد بن أبي عروبة على قتادة في عدد النسوة: فذكر هشام: أنهن إحدي عشرة، وذكر سعيد: أنهن تسع.
وحديث سعيد، قد خرجه البخاري - فيما بعد -، وسيأتي قريباً - إن شاء الله تعالى.
وقد روى هذا الحديث معمر، عن قتادة، وذكر فيهِ: أن ذلك كانَ بغسل واحد.
خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه، من رواية سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ كانَ يطوف على نسائه في غسل واحد.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وإنما لم يخرج البخاري هذا؛ لأن رواية معمر، عن قتادة ليست بالقوية.
قالَ ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: قالَ معمر: جلست إلى قتادة وأنا صغير، فلم أحفظ عنه الأسانيد.
قالَ الدارقطني في ((العلل)) : معمر سيء الحفظ لحديث قتادة.
وقد روى هذا الحديث ابن عيينة، عن معمر، عن ثابت، عن
следующие страницы →