Полный текст (4 834 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
٥٩ - بَاب
إذا لَمْ ينوِ الإمامُ أنْ يؤمٌ، ثُمَّ جَاءَ قوْمٌ فَأَمَّهُمْ
стр. 2872
٦٩٩ – حَدَّثَنَا مسدد، قَالَ: ثنا إسماعيل بن إِبْرَاهِيْم، عَن أيوب، عَن عَبْد الله ابن سَعِيد بن جبير، عَن أَبِيه، عَن ابن عَبَّاس، قَالَ: بت عِنْدَ خالتي ميمونة، فقام النَّبِيّ ﷺ يصلي من الليل، فقمت أصلي مَعَهُ، فقمت عَن يساره، فأخذ برأسي وأقامني عَن يمينه.
استدل البخاري بهذا عَلَى أن من أحرم بالصلاة منفرداً، ثُمَّ حضر فِي أثناء الصلاة من ائتم بِهِ، فإنه ينوي الإمامة، وتصح صلاته وصلاة من ائتم بِهِ عَلَى هذه الحال.
فتضمن ذَلِكَ مسألتين مختلفاً فيهما:
إحداهما:
أن من لَمْ ينو الإمامة فِي ابتداء صلاته: هَلْ يصح أن يأتم بِهِ غيره، أم لا؟ وفي المسألة أقوال:
أحدها: يجوز ذَلِكَ، فلا يشترط أن ينوي الإمام الإمامة، بل لَوْ نوى المأموم الاقتداء بمنفرد جاز، هَذَا قَوْلِ مَالِك والشافعي والثوري – فِي رِوَايَة – وزفر، وحكي رِوَايَة عَن أحمد.
والقول الثاني: لا يجوز بحال، وَهُوَ ظاهر مذهب أحمد، وقول الثوري – فِي رِوَايَة إِسْحَاق.
واستدل لهم بأن الجماعة قربة وعبادة، فلا
стр. 2873
تنعقد إلا بإمام ومأموم، وفضلها مشترك بَيْنَهُمَا، فلا يحصل لهما ذَلِكَ بدون النية، عملاً بظاهر قوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لأمرىء مَا نوى)) .
وأجاب بعض أصحابنا عَن حَدِيْث ابن عَبَّاس، بأن النَّبِيّ ﷺ إمام الخلق عَلَى كل حال، فلا يحتاج إلى نيةة الإمامة، فلا يلحق بِهِ غيره.
والقول الثالث: يصح ذَلِكَ فِي الفرض دون النفل، وَهُوَ رِوَايَة منصوصة عَن أحمد، استدلالاً بحديث ابن عَبَّاس هَذَا.
والقول الرابع: إن أم رَجُل رجلاً لَمْ يحتج أن ينوي الإمامة، وإن أم امرأة احتاج إلى نية الإمامة، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة وصاحبيه.
المسألة الثانية:
إذا أحرم منفرداً، ثُمَّ نوى الإمامة، وفي – أَيْضاً – أقوال:
أحدها: أَنَّهُ لا يجوز ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلِ أكثر أصحابنا، وبناء عَلَى أصلهم فِي أن الإمام يشترط أن ينوي الإمامة عَلَى مَا سبق، فيصير ذَلِكَ من ابتداء صلاته.
والثاني: يجوز ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة ومالك والشافعي، بناء عَلَى أصولهم فِي أن نية الإمام للأمامة ليس شرطاً، عَلَى مَا سبق.
ووافقهم بعض أصحابنا لمعنى آخر، وَهُوَ: أن طرفي الصلاة يجوز أن يكون فِي أولها إماماً وفي الآخر منفرداً، وَهُوَ المسبوق إذا استخلفه الإمام،
стр. 2874
فكذا بالعكس.
والثالث: أَنَّهُ يجوز فِي الفرض دون النفل، وَهُوَ المنصوص عَن أحمد؛ لحديث ابن عَبَّاس هَذَا.
والظاهر: أن النَّبِيّ ﷺ نوى إمامته حينئذ؛ لأنه أداره إلى يمينه، وأوقفه موقف المأموم.
وفي معناه: حَدِيْث: صلاة المنبي ﷺ بالليل فِي رمضان فِي حجرته، واقتداء النَّاس بِهِ فِي المسجد، وسيذكره البخاري فيما بعد.
стр. 2875
٦٠ - بَاب
إذا طَوَّلَ الإمامُ وَكَانَ للرَّجُلِ حَاجَةٌ فَخَرجَ وَلمْ يُصَلِّ
стр. 2876
٧٠٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِم بن إِبْرَاهِيْم، قَالَ: ثنا شعبة، عَن عَمْرِو، عَن جابر بن عَبْد الله، أن معاذ بن جبل كَانَ يصلي مَعَ النَّبِيّ ﷺ ، ثُمَّ يرجع فيؤم قومه.
стр. 2877
٧٠١ – حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن بشار: ثنا غندر: ثنا شعبة، عَن عَمْرِو: سَمِعْت جابر بن عَبْد الله قَالَ: كَانَ معاذ بن جبل يصلي مَعَ النَّبِيّ ﷺ ، ثُمَّ يرجع فيؤم قومه، فيصلي العشاء، فقرأ بالبقرة فانصرف رَجُل، فكأن معاذاً تناول مِنْهُ، فبلغ النَّبِيّ ﷺ ، فَقَالَ: ((فتان)) – ثلاث مرار -، أو قَالَ: ((فاتن)) – ثلاث مرار -، وأمره بسورتين من أوسط المفضل.
قَالَ عَمْرِو: لا أحفظهما.
خرجه عالياً مختصراً، ثُمَّ خرجه بتمامه نازلاً، وفي سياقه موضع الاستدلال بِهِ عَلَى مَا بوب عَلِيهِ، وَهُوَ: انصراف الرَّجُلُ لما قرأ معاذ بسورة البقرة.
стр. 2878
وفيه: دليل عَلَى أن الصَّحَابَة لَمْ يكن من عادتهم قراءة بعض سورة فِي الفرض؛ فإن معاذاً لما افتتح سورة البقرة علم الرَّجُلُ أَنَّهُ يكملها فِي صلاته، فلذلك انصرف.
وقد خرجه مُسْلِم من حَدِيْث سُفْيَان – هُوَ: ابن عُيَيْنَة -، عَن عَمْرِو، عَن جابر، وَقَالَ فِي حديثه: فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رَجُل فسلم، ثُمَّ صلى وحده وانصرف، فقالوا لَهُ: أنافقت يَا فلان؟ قَالَ: لا، والله، ولآتين رَسُول الله ﷺ فلأخبرنه، فأتى رَسُول الله ﷺ فأخبره، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إنا أصْحَاب نواضح، نعمل بالنهار، وإن معاذاً صلى معك العشاء، ثُمَّ أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رَسُول الله ﷺ عَلَى معاذ، فَقَالَ: ((يَا معاذ، أفتان أنت؟)) – وذكر الحَدِيْث.
ففي هذه الرواية: أَنَّهُ انصرف بمجرد افتتاح معاذ للبقرة.
وفيها: أَنَّهُ سلم ثُمَّ صلى وحده وانصرف، ولم ينكر عَلِيهِ النببي ﷺ ذَلِكَ.
وذكر البيهقي فِي ((كِتَاب المعرفة)) : أن هذه الزيادة – يعني: سلام الرَّجُلُ – تفرد بِهَا مُحَمَّد بن عباد، عَن سُفْيَان. قَالَ: لا أدري هَلْ حفظها عَن سُفْيَان، أم لا؛ لكثرة من رواه عَن سُفْيَان بدونها؟
وقد خرجه النسائي من طريق سُفْيَان – أَيْضاً -، وزاد فِيهِ بعد قوله: ((فاستفتح بسورة البقرة)) : ((فلما سَمِعْت ذَلِكَ تأخرت فصليت)) .
وخرجه – أَيْضاً – من طريق الأعمش، عَن محارب بن دثار وأبي
стр. 2879
صالح، عَن جابر، وفي حديثه: أن معاذاً أمر الرَّجُلُ للنبي ﷺ ، فأرسل إليه النَّبِيّ ﷺ ، فَقَالَ: ((مَا حملك عَلَى الَّذِي صنعت؟)) فَقَالَ: يَا رَسُول الله، علمت عَلَى ناضح من النهار، فجئت وقد أقيمت الصلاة، فدخلت المسجد فدخلت مَعَهُ فِي الصلاة، وقرأ سورة كذا وكذا وطول، فانصرفت فصليت فِي ناحية المسجد. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ((أفتان يَا معاذ؟)) .
فيستدل بهذا: عَلَى أن الإمام إذا طول عَلَى المأموم وشق عَلِيهِ إتمام الصلاة مَعَهُ؛ لتعبه أو غلبه النعاس عَلِيهِ أن لَهُ أن يقطع صلاته مَعَهُ، ويكون ذَلِكَ عذراً فِي قطع الصلاة المفروضة، وفي سقوط الجماعة فِي هذه الحال، وأنه يجوز أن يصلي لنفسه منفرداً فِي المسجد ثُمَّ يذهب، وإن كان الإمام يصلي فِيهِ بالناس.
قَالَ سُفْيَان: إذا خشي عَلَى غنمه الذئب، أو عَلَى دابته أن تؤخذ، أو عَلَى صبيه أن يأكله الذئب، فلا بأس أن يقطع صلاته ويذهب إليه.
وَقَالَ الْحَسَن وقتادة، فِي رَجُل كَانَ يصلي فأشفق أن تذهب دابته، أو أغار عَلَيْهَا السبع؟ قَالا: ينصرف. قيلَ لقتادة: يرى سارقاً يريد أن يأخذ نعليه؟ قَالَ: ينصرف.
ولو طول الإمام تطويلاً فاحشاً، أو حدث للمأموم عذر، مثل حدوث مرض، أو سماع حريق وقع فِي داره، أو خاف فساد طعام لَهُ عَلَى النار، أو ذهاب دابة لَهُ عَلَى بَاب المسجد ونحو ذَلِكَ، فنوى مفارقة إمامه، وأتم صلاته منفرداً، وانصرف جاز ذَلِكَ عِنْدَ أصحابنا – أَيْضاً – وحكوه عَن
стр. 2880
الشَّافِعِيّ وأبي يوسف ومحمد.
وعن مَالِك وأبي حنيفة: تبطل صلاته بذلك.
واستدل أصحابنا بما رَوَى الإمام أحمد فِي ((مسنده)) : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل - هُوَ: ابن علية -: ثنا عَبْد العزيز بن صهيب، عَن أَنَس، قَالَ: كَانَ معاذ بن جبل يؤم قومه، فدخل حرام وَهُوَ يريد أن يسقي نخله، فدخل المسجد مَعَ القوم، فلما رأى معاذاً طول تجوز فِي صلاته ولحق بنخلة يسقيه، فلما قضى معاذ الصلاة قيلَ لَهُ: إن حراماً دَخَلَ المسجد، فلما رآك طويت تجوز فِي صلاته ولحق نخلة يسقيه. قَالَ: إنه لمنافق، أيعجل عَن الصلاة من أجل سقي نخلة؟! قَالَ: فجاء حرام إلى النَّبِيّ ﷺ ومعاذ عنده، فَقَالَ: يَا بني الله؛ إني أردت أن أسقي نخلاً لِي، فدخلت المسجد لأصلي مَعَ القوم، فلما طول تجوزت فِي صلاتي ولحقت بنخلي أسقيه، فزعم أنى منافق، فأقبل النَّبِيّ ﷺ عَلَى معاذ، فَقَالَ: ((أفتان أنت؟ ! لا تطول بهم؛ أقرأ ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١] ونحوهما)) .
وخرج – أَيْضاً – من طريق حسين بن واقد، عَن عَبْد الله بن بريدة، عَن أَبِيه، أن معاذ بن جبل صلى بأصحابه العشاء، فقرأ فيها ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] فقام رَجُل من قَبْلَ أن يفرغ، فصلى وذهب، فَقَالَ لَهُ معاذ قولاً شديداً، فأتى النَّبِيّ ﷺ واعتذر إليه، وَقَالَ: إني كُنْتُ أعمل فِي نخل، وخفت عَلَى الماء، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يعني لمعاذ -: ((صل بالشمس وضحاها ونحوها من السور)) .
стр. 2881
وروى مُحَمَّد بن عجلان، عَن عُبَيْدِ الله بن مقسم، عَن جابر هذه القصة بطولها، وفيها: فصلى خلفه فتى من قومه، فلما طال عَلَى الفتى صلى وخرج. وفي هَذَا الحَدِيْث: أن معاذاً أخبر النَّبِيّ ﷺ بما صنع الفتى، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، يطيل المكث عندك، ثُمَّ يرجع فيطول علينا. فَقَالَ: ((أفتان أنت يَا معاذ؟)) – وذكر الحَدِيْث.
خرجه أبو داود، مختصراً لَمْ يتمه.
وَقَالَ أصحابنا: هذه قصة أخرى غير قصة الَّذِي سلم من صلاته وصلى لنفسه وانصرف.
وقد روي أن الرَّجُلُ صلى قَبْلَ أن يجيء معاذ، وانصرف لما أبطأ معاذ، وأن اسمه: سليم.
وهذا يدل عَلَى أن هذه قصة أخرى غير قصة حرام.
فروى أسامة بن زيد: سَمِعْت معاذ بن عَبْد الله بن خبيب، قَالَ: سَمِعْت جابر بن عَبْد الله، قَالَ: كَانَ معاذ يتخلف عِنْدَ رَسُول الله ﷺ ، فكان إذا جَاءَ أم بقومه، وكان رَجُل من بني سَلَمَة – يقال لَهُ: سليم – يصلي مَعَ معاذ، فاحتبس معاذ عنهم ليلة، فصلى سليم ثُمَّ انصرف – وذكر الحَدِيْث، وفيه: أن النَّبِيّ ﷺ سأل سليماً: كَيْفَ صلى؟ فَقَالَ: قرأت بفاتحة الكتاب سورة، ثُمَّ قعدت وتشهدت، وسألت الجن وتعوذت من النار، وصليت عَلَى النَّبِيّ ﷺ ،
стр. 2882
ثُمَّ انصرفت، وليس أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ. فضحك النَّبِيّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ أدندن أنا أو معاذ إلا لندخل الجنة ونعاذ من النار؟)) ثُمَّ أرسل إلى معاذ: ((لا تكن فتاناً تفتن النَّاس، ارجع إليهم فصل بهم قَبْلَ أن يناموا)) .
خرجه البزار.
وقد روي أن اسم الرَّجُلُ حزم بن [أَبِي] كعب.
وقد خرج أبو داود حديثه مختصراً.
وهذا يستدل بِهِ عَلَى أنها وقائع متعددة.
ولم نقف فِي شيء من الروايات عَلَى أن الرجل قطع صلاته وخرج من المسجد ولم يصل، كما بوب عَلِيهِ البخاري. وفي بعض النسخ: ((فخرج فصلى)) ، وَهُوَ أصح.
ولو فارق المأموم لغير عذر، لَمْ يجز فِي أصح الروايتين عَن أحمد، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة ومالك. والثانية: يجوز، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي يوسف ومحمد.
وللشافعي قولان.
стр. 2883
واستدلوا عَلَى أَنَّهُ لا يجوز، وأن الصلاة تبطل بِهِ بقول النَّبِيّ ﷺ : ((إنما الإمام ليؤتم بِهِ، فلا تختلفوا عَلِيهِ)) ، ومفارقته من غير عذر من الاختلاف عَلِيهِ.
وأيضاً؛ فَقَدْ سبق الاستدلال عَلَى وجوب الجماعة، والواجب إذا مَا شرع فِيهِ لَمْ يجز إبطاله وقطعه لغير عذر، كأصل الصلاة. والله أعلم.
стр. 2884
٦١ - بَاب
تَخْفيفِ الإمامِ فِي القيَامِ وإتْمامِ الرُّكُوعََ والسُّجُوِد
стр. 2885
٧٠٢ – حَدَّثَنَا أحمد بن يونس: ثنا زهير: ثنا إِسْمَاعِيل: سَمِعْت قيساً قَالَ: أخبرني أبو مَسْعُود، أن رجلاً قَالَ: والله يَا رَسُول الله، إني لأتأخر عَن صلاة الغداة من أجل فلان مِمَّا يطيل بنا. فما رأيت رَسُول الله ﷺ فِي موعظة أشد غضباً مِنْهُ يومئذ، ثُمَّ قَالَ: ((إن منكم منفرين، فأيكم مَا صلى بالناس فليتجوز؛ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة)) .
فِي هَذَا الحَدِيْث: أن الإمام مأمور بالتخفيف خشية الإطالة عَلَى من خلفه؛ فإنه لا يخلو بعضهم من عذر كالضعيف والكبير وذي الحاجة.
وهذا يدل عَلَى أن الأمر بالتخفيف إنما يتوجه إلى إمام يصلي فِي مسجد يغشاه النَّاس.
قَالَ حَنْبل بن إِسْحَاق: قالو أبو عَبْد الله – يعني: أحمد -: إذا كَانَ المسجد عَلَى قارعة الطريق أو طريق يسلك فالتخفيف أعجب إلي، فإن كَانَ مسجداً يعتزل أهله ويرضون بذلك فلابأس، وأرجو – إن شاء الله.
وقالت طائفة: عَلَى الإمام أن يخفف بكل حال.
ورجحه ابن عَبْد البر، قَالَ: لأنه وإن علم قوة من خلفه، فإنه لا يدري مَا يحدث بهم
стр. 2886
من آفات بني آدم. وذكر أن تطويل الإمام غير جائز، وأنه يلزمه النخفيف.
وَقَالَ عَبْد الله بن أحمد: سألت أَبِي عَن الحَدِيْث الَّذِي جَاءَ عَن النَّبِيّ ﷺ فِي صلاته، قَالَ: ((وكان قيامه وركوعه وسجوده وقعوده بَيْن السجدتين قريباً من السواء)) : مَا تفسير ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أحب إلي أن يخفف، ولا يشق عَلَى من خلفه، وقد روي عَن النَّبِيّ ﷺ فِي التخفيف أحاديث.
قَالَ أبو بَكْر عَبْد العزيز بن جَعْفَر من أصحابنا: قَدْ يجوز أن يكون رَسُول الله ﷺ استعمل ذَلِكَ فِي نفسه إذا كَانَ مصلياً، وقد أمر أئمته بالتخفيف، فيتوجه الحديثان عَلَى معنيين.
كذا قَالَ: وفيه نظر؛ فإن النَّبِيّ ﷺ كَانَ يخفف ويوجز ويتم الصلاة، فَلَمْ يكن يفعل خلاف مَا أمر بِهِ الأئمة.
وليس فِي حَدِيْث أَبِي مَسْعُود الَّذِي خرجه هاهنا مَا يدل عَلَى مَا بوب عَلِيهِ من تخفيف القيام وإتمام الركوع والسجود، وقد خرج فيما بعد حَدِيْث أَنَس، أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ يوجز ويتم.
وقد رويت أحاديث فِي التخفيف مَعَ إتمام الركوع والسجود، وهي مطابقة لترجمة هَذَا الباب، لكن ليست عَلَى شرط هَذَا ((الكتاب)) .
فخرج الإمام أحمد من حَدِيْث مَالِك بن عَبْد الله الخثعمي، قَالَ: غزوت مَعَ رَسُول الله ﷺ ، فَلَمْ أصل خلف إمام كَانَ أوجز مِنْهُ صلاة فِي تمام الركوع والسجود.
стр. 2887
ومن حَدِيْث عدي بن حاتم، قَالَ: من أمنا فليتم الركوع والسجود؛ فإن
فينا الضعيف والكبير والمريض والعابر السبيل وذا الحاجة، هكذا كنا نصلي مَعَ رَسُول الله ﷺ .
وخرجه الطبراني، ولفظه: أن عدي بن حاتم خرج إلى مجلسهم، فأقيمت الصلاة فتقدم إمامهم، فأطال الصلاة والجلوس , فلما انصرف قَالَ: من أَمنا منكم فليتم الركوع والسجود؛ فإن خلفه الصغير والكبير والمريض وابن السبيل وذا الحاجة , فلما حضرت الصلاة تقدم عدي فأتم الركوع والسجود، وتجوز فِي الصلاة، فلما انصرف قَالَ: هكذا كنا نصلي خلف النَّبِيّ ﷺ .
وخرج الطبراني وغيره من حَدِيْث نَافِع بن خَالِد الخزاعي: حَدَّثَنِي أَبِي – وكان من أصْحَاب الشجرة – أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ إذا صلى والناس ينظرون صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود.
فَقَدْ ثبت أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ إذا صلى بالناس فإنه يخفف عنهم، وإذا صلى لنفسه يطول.
وفي ((مسند الإمام أحمد)) عَن أَبِي واقد الليثي، قَالَ: كَانَ النَّبِيّ ﷺ أخف النَّاس صلاة بالناس، وأطول النَّاس صلاة لنفسه.
فالصلاة الَّتِيْ كَانَ النَّبِيّ ﷺ يصليها بالناس هِيَ النخفيف الَّذِي أمر بِهِ غيره، وإنما أنكر عَلَى من طول تطويلاً زائداً عَلَى ذَلِكَ، فإن معاذ بن جبل كَانَ يصلي مَعَ النَّبِيّ ﷺ بالمدينة صلاة العشاء، وكان النَّبِيّ ﷺ -
стр. 2888
يؤخرها كثيراً، كما سبق ذكره فِي (المواقيت)) ، ثُمَّ ينطلق إلى قومه فِي بني سَلَمَة فيصلي بهم، وقد استفتح حينئذ بسورة البقرة، فهذا هُوَ الَّذِي أنكره عَلَى معاذ.
ويشهد لهذا: حَدِيْث ابن عُمَر، قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ ليأمرنا بالتخفيف، وإن كَانَ ليؤمنا بالصافات.
خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة فِي ((صحيحه)) .
والمراد: أن التخفيف المأمور بِهِ هُوَ مَا كَانَ يفعله، ومن كَانَ يفهم أَنَّهُ كَانَ يفعل خلاف مَا أمر بِهِ – كما أشعر بِهِ تبويب النسائي – فَقَدْ وهم.
وفي ((صحيح مُسْلِم)) عَن سماك، قَالَ: سألت جابر بن سمرة عَن صلاة النَّبِيّ ﷺ ، فَقَالَ: كَانَ يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء. قَالَ: وأنبأني أن رَسُول الله ﷺ كَانَ يقرأ فِي الفجر بـ ((قاف والقرآن المجيد)) ، ونحوها من السور.
وخرجه الحَاكِم، ولفظه: كَانَ النَّبِيّ ﷺ يصلي نحواً من صلاتكم، ولكنه يخفف الصلاة، كَانَ يقرأ فِي الفجر بالواقعة ونحوها من السور.
فصرح بأن تخفيفه هُوَ قرءاته بهذه السورة.
وروى عَبْد الجبار بن العباس، عَن عمار الدهني، عَن الأعمش، عَن إبراهيم التيمي، قَالَ: كَانَ أَبِي ترك الصلاة مَعَنَا، قَالَ: إنكم تخففون.
стр. 2889
قُلتُ: فأين قَوْلِ النَّبِيّ ﷺ : ((إن فيكم الكبير والضعيف وذا الحاجة؟)) فَقَالَ: قَدْ سَمِعْت عَبْد الله بن مَسْعُود يَقُول ذَلِكَ، ثُمَّ صلى ثَلَاثَة اضعاف مَا تصلون.
خرجه ابن خزيمة فِي ((صحيحه)) والطبراني.
وروى مَالِك بن مغول، عَن الحكم، عَن إِبْرَاهِيْم التيمي، عَن أَبِيه، أَنَّهُ كَانَ يتخلف عَن الصلاة، فَقِيلَ لَهُ. فَقَالَ: إنكم تخففون. فَقِيلَ: أليس قَدْ كَانَ يؤمر بذلك؟ قَالَ: إن الَّذِي كَانَ عليهم خفيفاً عليكم ثقيل.
واعلم؛ أن التخفيف أمر نسبي، فَقَدْ تكون الصلاة خفيفة بالنسبة إلى مَا هُوَ أخف مِنْهَا، فالتخفيف المأمور بِهِ الأئمة هُوَ الَّذِي كَانَ النَّبِيّ ﷺ يفعله إذا أم، فالنقص مِنْهُ ليس بتخفيف مشروع، والزيادة عَلِيهِ إن كَانَ مِمَّا فعله الخُلَفَاء الراشدون كتطويل القرءة فِي صلاة الصبح، عَلَى مَا كَانَ يفعله – أحيانا – أبو بَكْر وعمر فليس بمكروه، نَصَّ عَلِيهِ الإمام أحمد غيره. وسيأتي ذَلِكَ فِي موضعه – إن شاء الله تعالى.
وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي ((الأم)) : أحب أن يبدأ الراكع فيقول: سبحان ربي العظيم – ثلاثاً -، ويقول كل مَا حكيت عَن النَّبِيّ ﷺ كَانَ يقوله – يعني: حَدِيْث عَلِيّ – قَالَ: وكل مَا قَالَ النَّبِيّ ﷺ فِي ركوع أو سجود أحببت
стр. 2890
أن لا يقصر عَنْهُ، إماماً كَانَ أو منفرداً، وَهُوَ تخفيف لا تثقيل. انتهى كلامه.
فَقَدْ كَانَ حدث بعد النَّبِيّ ﷺ من تخفيف الصلاة من الأئمة تخفيفاً، وقد حكي ذَلِكَ عَن أهل الكوفة، وحدث من يطيل الصلاة عَلَى صلاة النَّبِيّ ﷺ إطالة زائدة، وكان ذَلِكَ فِي أهل الشام وأهل المدينة – أَيْضاً -، وكان السلف ينكرون عَلَى الطائفتين، وقد ذكرنا إنكار يزيد التيمي – وكان من أعيان التابعين – عَلَى من خفف الصلاة من أئمة الكوفة، وكان ابن عُمَر وغيره ينكرون عَلَى من أطال الصلاة إطالة زائدةً عَلَى صلاة النَّبِيّ ﷺ .
ففي ((مسنده الإمام أحمد)) عَن عطية، عَن ابن عُمَر، قَالَ: سجدة من سجود هؤلاء مثل ثلاث سجدات من سجود النَّبِيّ ﷺ .
وعن حيان البارقي، قَالَ: قيل لابن عُمَر: إن إماما يطيل الصلاة.
فَقَالَ: ركعتين من صلاة رَسُول الله ﷺ أخف – أو مثل ركعة – من صلاة هَذَا.
стр. 2891
وروى ابن أَبِي عاصم فِي ((كِتَاب السنة)) من رِوَايَة سَالِم بن حذلم؛ قَالَ: رآني ابن عمر أصلي، فلما انصرفت قَالَ لِي: ممن أنت؟ قُلتُ: من أهل الشام. قَالَ: إنكم أهل الشام تصلون الصلاة وتكثرون من الدعاء، وإني لَمْ أصل خلف أحد أخف صلاة فِي تمام من رَسُول الله ﷺ .
وفي ((المسند)) عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد، عَن أَبِيه، قَالَ: رأيت أَبَا هُرَيْرَةَ صلى صلاة تجوز فيها، فَقُلْت لَهُ: هكذا كَانَ رَسُول الله ﷺ يصلي؟ قَالَ: نَعَمْ، وأوجز.
وفي رِوَايَة: ((أو أوجز)) .
وفي رِوَايَة – أَيْضاً -: قَالَ: وكان قيامه قدر مَا ينزل المؤذن من المنارة ويصل إلى الصف.
وفي بعض الروايات لهذا الحَدِيْث: أن أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يؤم النَّاس بالمدينة فيخفف.
وفي ((المسند)) – أَيْضاً -: عَن أَنَس بن مَالِك، قَالَ: لَقَدْ كنا نصلي مَعَ رَسُول الله ﷺ صلاة، لَوْ صلاها أحدكم اليوم لعبتموها عَلِيهِ. فَقَالَ لَهُ رَجُل: ألا تذكر ذَلِكَ لأميرنا – والأمير عُمَر بن عَبْد العزيز –؟ فَقَالَ: قَدْ فعلت.
وفي رِوَايَة فِي غير ((المسند)) بعد قوله: ((لعبتموها عَلِيهِ)) : ((يعني: فِي
стр. 2892
التخفيف)) .
وروي عَن عُمَر بن الخَطَّاب، قَالَ: أيها النَّاس، لا تبغضوا الله إلى عباده. فَقَالَ قائل منهم: وكيف ذَلِكَ؟ قَالَ: يكون الرَّجُلُ إماماً للناس، يصلي بهم، فلا يزال يطول عليهم حَتَّى يبغض إليهم مَا هم فِيهِ.
خرجه ابن عَبْد البر.
стр. 2893
٦٢ - بَاب
إذا صَلَّى لنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ
стр. 2894
٧٠٣ – حَدَّثَنَا عَبْد الله بن يوسف: أنا مَالِك، عَن أَبِي الزناد، عَن الأعرج، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: ((إذا صلى أحدكم للناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول مَا شاء)) .
معنى قوله: ((إذا صلى أحدكم لنفسه)) – أي: منفرداً، بحيث لا يأتم بِهِ أحد.
وقد خرجه مُسْلِم من رِوَايَة المغيرة الحزامي، عَن أَبِي الزناد، وَقَالَ فِيهِ: ((وإذا صلى وحده فليصل كَيْفَ شاء)) .
وخرجه – أَيْضاً – من رِوَايَة همام بن منبه، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: ((إذا مَا قام أحدكم للناس فليخفف فِي الصلاة؛ فإن فيهم الكبير والضعيف، وإذا قام وحده فليطل صلاته مَا شاء)) .
وخرج – أَيْضاً – من حَدِيْث عُثْمَان بن أَبِي العاص، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((أم قومك، فمن أم قوماً فليخفف؛ فإن فيهم الكبير، وإن فيهم المريض، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فليصل كَيْفَ شاء)) .
стр. 2895
ويدخل فِي ذَلِكَ: صلاة الفرائض والنوافل – إذا صلاها وحده – فإنه لا يكره لَهُ إطالتها.
وقد اختلف النَّاس فِي النفل: هَلْ الأفضل إطالة القيام، أم كثرة الركوع والسجود، أم يفرق بَيْن صلاة الليل والنهار؟ وربما يأتي ذَلِكَ فِي موضع آخر – إن شاء الله تعالى.
قَالَ بعض أصحابنا: هَذَا فيما لَمْ ينقل عَن النَّبِيّ ﷺ إطالته أو تخفيفه، فأما مَا نقل عَنْهُ إطالته أو تخفيفه فاتباعه فِيهِ أفضل، فالأفضل فِي ركعتي الفجر والركعتين المفتتح بهما صلاة الليل تخفيفهما، وكذلك الركعتان للداخل – والإمام يخطب – يوم الجمعة.
وقد سبق ذكر الاختلاف فيمن فاته قراءة حزبه من الليل: هَلْ يقرأ بِهِ فِي ركعتي الفجر، أم لا؟
وروى وكيع فِي ((كتابه)) عَن موسى بن عبيدة، عَن نَافِع، قَالَ: كَانَ ابن عُمَر إذا صلى لنفسه طول فِي أربعتين – يعني: فِي الركعات الأربع فِي الفريضة.
وموسى بن عبيدة، ضَعِيف جداً من قَبْلَ حفظه، وكان شيخاً صالحاً – ﵀.
وكان من الصَّحَابَة من يخفف الصلاة، ويعلل بخشية وسوسة الشيطان.
قَالَ وكيع: ثنا ابن أَبِي عروبة، عَن أَبِي رجاء العطاردي، قَالَ: قُلتُ للزبير بن العَوَّامِ: مَا لكم أصْحَاب مُحَمَّد من أخف النَّاس صلاة؟ قَالَ:
стр. 2896
إنما نبادر الوسواس.
حَدَّثَنَا سُفْيَان، عَن نسير بن ذعلوق، عَن خليد الثوري، قَالَ: سَمِعْت عمار بن ياسر يَقُول: احذفوا هذه الصلاة قَبْلَ وسوسة الشيطان.
стр. 2897
٦٣ - بَاب
مَنْ شَكَا إمَامَهُ إذا طَوَّلَ
وَقَالَ أبو أسيد: طولت بنا يَا بني!
قَالَ أبو نعيم الفضل بن دكين فِي ((كِتَاب الصلاة)) : حَدَّثَنَا ابن الغسيل، عَن حَمْزَة بن أَبِي أسيد: كَانَ يؤمنا، فإذا طول عليهم قَالَ لَهُ أبو أسيد - وَهُوَ خلفه -: يرحمك الله، طولت علينا.
وحدثنا ابن الغسيل، عَن الزُّبَيْر بن المنذر بن أَبِي أسيد، عَن أَبِي أسيد - مثله.
خرج فِي هَذَا الباب ثَلَاثَة أحاديث:
الأول:
стр. 2898
٧٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يوسف: ثنا سُفْيَان، عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد، عَن قيس بن أبي حازم، عن أَبِي مَسْعُود، قَالَ: قَالَ رَجُل: يَا رَسُول الله، إني لأتأخر عَن الصلاة فِي الفجر مِمَّا يطيل بنا فلان فيها. فغضب رَسُول الله ﷺ ، مَا رأيته فِي موعظة كَانَ أشد غضباً مِنْهُ يومئذ. ثُمَّ قَالَ: ((يأيها النَّاس، إن منكم منفرين، فمن أم النَّاس فليخفف؟ فإن
стр. 2899
خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة)) .
قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث - قريباً - من رِوَايَة زهير، عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد.
ومقصوده بتخريجه هاهنا: جواز شكوى من يطيل الصلاة إطالة زائدةً عَلَى الحد المشروع؛ فإن هَذَا الإمام لولا أَنَّهُ زاد عَلَى صلاة النَّبِيّ ﷺ زيادة كثيرة لما شكي، ولا تخلف من تخلف عَن الصلاة خلفه، فلما شكي ذَلِكَ إلى النَّبِيّ ﷺ غضب غضباً شديداً، ووعظ النَّاس موعظة عامة، وأمر الأئمة بالتخفيف، وحذر من تنفير النَّاس عَن شهود صلاة الجماعات بالتطويل.
وروى وكيع: ثنا هِشَام الدستوائي، عَن قتادة، عَن عَبَّاس الجشمي، قَالَ: قَالَ النَّبِيّ ﷺ : ((إن من الأئمة طرادين)) .
وهذا مرسل.
الحَدِيْث الثاني:
стр. 2900
٧٠٥ - حَدَّثَنَا آدم: ثنا شعبة: ثنا محارب بن دثار، قَالَ: سَمِعْت جابر بن عَبْد الله الأنصاري قَالَ: أقبل رَجُل بناضحين، وقد جنح الليل، فوافق معاذاً يصلي، فترك ناضحيه وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة - أو النِّسَاء -، فانطلق الرَّجُلُ - وبلغه أن معاذاً نال مِنْهُ - فأتى النَّبِيّ ﷺ فشكا إليه معاذاً، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ ((يَا معاذ، أفتان أنت)) - أو ((فاتن؟)) ثلاث مرات -))
стр. 2901
فلولا صليت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١] ؛ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة؟)) - أحسب هَذَا فِي الحَدِيْث.
وتابعه: سَعِيد بن مسروق ومسعر والشيباني.
قَالَ عَمْرِو وعبيد الله بن مقسم وأبو الزُّبَيْر، عَن جابر بن عَبْد الله: قرأ معاذ فِي العشاء بالبقرة.
وتابعه: الأعمش، عَن محارب.
قَالَ الخطابي: جنح الليل: أقبل بظلمته، وقد جنح جنوحاً، ومنه جنح الليل: إقبال ظلمته.
والناضح: البعير يسقى عَلِيهِ.
والفتنة عَلَى وجوه، ومعناها هاهنا: صرف النَّاس عَن الدين، وحملهم عَلَى الضلال. قَالَ تعالى ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات:١٦٢] أي: مضلين.
وقوله: ((فلولا صليت بسبح)) يريد: هلا قرأت، كقوله: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة:٨٦] ، ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [هود: ١١٦] معناه: فهلاً.
وفيه: أَنَّهُ جعل الحاجة عذراً فِي تخفيفها. انتهى.
стр. 2902
وتفسيره الفتنة - هاهنا - بالإضلال بعيد، والأظهر: أن المراد بالفتنة هاهنا: الشغل عَن الصلاة؛ فإن من طول عَلَى من شق عَلِيهِ التطويل فِي صلاته، فإنه يشغله عَن الخشوع فِي صلاته، ويلهيه عَنْهَا، كما أن النَّبِيّ ﷺ لما نظر إلى أعلام الخميصة الَّتِيْ كَانَتْ عَلِيهِ فِي الصلاة نزعها، وَقَالَ: ((كادت تفتنني)) وأمر عَائِشَة أن تميط قرامها الَّذِي فِيهِ تصاوير، وَقَالَ: ((لا يزال تصاويره تعرض لِي فِي صلاتي)) .
ومنه: تخفيفه ﷺ الصلاة لما سَمِعَ بكاء الصبي مخافة أن تفتتن أمه.
ومنه: قَوْلِ أَبِي طلحة، لما نظر إلى الطائر فِي صلاته وَهُوَ يصلي فِي حائطه حَتَّى اشتغل بِهِ عَن صلاته: لَقَدْ أصابني فِي مالي هَذَا فتنة.
وقد سبق ذكر ذَلِكَ كله، سوى حَدِيْث بكاء الصبي؛ فإنه سيأتي قريباً - إن شاء الله تعالى.
وسبق حَدِيْث آخر فِي الصلاة عَلَى الخمرة فِي هَذَا المعنى.
والفتنة فِي هذه المواضع كلها، هُوَ: الاشتغال عَن الصلاة، والالتهاء عَنْهَا.
ويجوز أن يكون مِنْهُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] ، وأن يكون المراد: أنها تشغل عَن عُبَادَة الله وذكره.
ويدل عَلِيهِ: أن النَّبِيّ ﷺ لما كَانَ يخطب ورأى الْحَسَن والحسين قَدْ أقبلا، نَزَلَ فحملهما، ثُمَّ قَالَ: ((صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ، إني رأيت هذين الغلامين يمشيان ويعثران، فَلَمْ أصبر)) .
стр. 2903
وأما مَا ذكره البخاري من المتابعات والرواية المعلقة، فمضمونة: أن جماعة رووا هَذَا الحَدِيْث عَن محارب بن دثار كما رواه عَنْهُ شعبة، وقالوا فِي قراءة معاذ: ((البقرة أو النِّسَاء)) بالشك، منهم: سَعِيد بن مسروق الثوري - والد سُفْيَان -، ومنهم: مِسْعَر وأبو إِسْحَاق الشيباني.
والشك فِي هَذَا من محارب، كذا فِي رِوَايَة غندر عَن شعبة.
خرجه الإسماعيلي.
وفيه - أَيْضاً -: قَالَ: أحسب محارباً الَّذِي شك فِي ((الضعيف)) - يعني: شك: هَلْ قَالَ: ((الضعيف)) أو ((ذا الحاجة)) ؟
وفي حَدِيْث معاذ بن معاذ، عَن شعبة: أن معاذاً كَانَ يصلي بالناس المغرب.
ورواه عَلِيّ بن الجعد، عَن شعبة، وَقَالَ فِيهِ: قُلتُ لمحارب: أي صلاة كَانَتْ؟ قَالَ: المغرب.
فهذه الرواية تبين أن ذكر المغرب إنما هُوَ ظن من محارب.
وخرج أبو داود الحَدِيْث بذكر المغرب من وجه آخر فِيهِ انقطاع.
وذكر البخاري: أَنَّهُ رواه الأعمش، عَن محارب، فَقَالَ فِيهِ: ((قرأ بالبقرة)) من غير شك.
وكذا رواه عَمْرِو بن دينار وعبيد الله بن مقسم وأبو الزُّبَيْر، عَن جابر، وقالوا فِي حديثهم: ((قرأ البقرة)) من غير شك.
стр. 2904
وقد خرج البخاري حَدِيْث عَمْرِو بن دينار فيما تقدم بهذا اللفظ.
وقد تقدم أن النسائي خرجه من حَدِيْث الأعمش، عَن محارب، ولم يسم السورة، بل قَالَ: ((سورة كذا وكذا)) .
الحَدِيْث الثالث:
стр. 2905
٧٠٦ - حَدَّثَنَا أبو معمر: ثنا عَبْد الوارث: ثنا عَبْد العزيز، عَن أَنَس بن مَالِك، قَالَ: كَانَ النَّبِيّ ﷺ يوجز الصلاة ويكملها.
الإيجاز: هُوَ التخفيف والاختصار.
والإكمال: هُوَ إتمام أركانها من الركوع والسجود والانتصاب بَيْنَهُمَا.
وإدخال هَذَا الحَدِيْث فِي هَذَا الباب، فائدته: أَنَّهُ بَيْن بِهِ قدر التخفيف المأمور بِهِ، وأنه إنما يشكى الإمام إذا زاد عَلِيهِ زيادة فاحشة، فأما إكمال الصلاة وإتمام أركانها، فليس بتطويل منهي عَنْهُ.
стр. 2906
٦٥ - بَاب
مَنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ عندَ بُكاءِ الصَّبيِّ
فِيهِ ثَلَاثَة أحاديث:
الحَدِيْث الأول:
стр. 2907
٧٠٧ – حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم بن موسى – هُوَ الفراء -: ثنا الوليد: ثنا الأوزعي، عَن يَحْيَى بن أَبِي كثير، عَن عَبْد الله بن أَبِي قتادة، عَن أَبِيه، عَن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: ((إني لأقوم فِي الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فِي صلاتي، كراهية أن أشق عَلَى أمة)) .
تابعه: بشر بن بَكْر وبقية وابن المبارك، عَن الأوزاعي.
قَدْ خرجه البخاري فيما بعد من طريق بشر.
وخرجه أبو داود وابن ماجه من رِوَايَة بشر بن بَكْر وعمر بن عَبْد الواحد.
وخرجه النسائي من رِوَايَة ابن المبارك، كلهم عَن الأوزاعي، بِهِ.
وخرجه الإسماعيلي فِي ((صحيحه)) من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَبْد الله
стр. 2908
بن سماعة، عَن الأوزاعي.
وكذا رواه عَن الأوزاعي: عقبة بن علقمة وأيوب بن سويد.
ورواه أبو المغيرة، عَن الأوزاعي، عَن يَحْيَى، عَن عَبْد الله بن أَبِي قتادة مرسلاً.
خرجه ابن جوصا فِي ((مسند الأوزاعي من جمعه)) من هذه الطرق.
وإنما ذكر البخاري متابعة الوليد بن مُسْلِم عَلَى وصله، ليبين أن الصحيح وصله؛ لكثرة من وصله عَن الأوزاعي، ولا يضر إرسال من أرسله.
ولعل مسلماً ترك تخريجه للاختلاف فِي وصله وإرساله. والله أعلم.
وفي الحَدِيْث: دليل عَلَى أن من دَخَلَ الصلاة بنية إطالتها فله تخفيفها لمصلحة، وأنه لا تلزم الإطالة بمجرد النية.
واستدل بِهِ بعضهم عَلَى أن من دَخَلَ فِي تطوع ينوي أن يصلي أربعاً، فله أن يقتصر عَلَى ركعتين، قَالَ ذَلِكَ سُفْيَان الثوري، مَعَ قوله بلزوم النوافل بالشروع، فلا إشكال عنده فِي جواز ذَلِكَ.
وكذلك لأصحاب مَالِك قولان فيمن افتتح الصلاة النافلة قائماً، فهل يجلس فِي أثنائها، أم لا؟
فاستدل بعض من قَالَ: لَهُ أن يجلس بهذا الحَدِيْث.
стр. 2909
وقد يستدل بِهِ عَلَى أن من نذر أن يصلي صلاة، ونوى فِي نفسه أكثر من ركعتين، فهل يلزمه مَا نوى، أم لا؟
وقد نَصَّ أحمد عَلَى أَنَّهُ يلزمه مَا نوى، ورجحه طائفة من أصحابنا، وبناء عَلَى أن من أصل أحمد الرجوع فِي الأيمان والنذور إلى المقاصد والنيات.
وقد نَصَّ أحمد فيمن نذر الصدقة بمال، ونوى فِي نفسه ألفاً، أَنَّهُ يخرج مَا شاء مِمَّا يسمى مالاً، ولا يلزمه الألف -: نقله عَنْهُ أبو داود.
وهذا يخالف نصه فِي الصوم والصلاة، أَنَّهُ يلزمه مَا نواه.
فتخرج المسألتان عَلَى روايتين.
ووجه شبه هذه المسائل بنية الإطالة للصلاة المكتوبة عِنْدَ الدخول فيها: أن الصلاة المكتوبة إنما يلزم فيها قدرالإجزاء، والزائد عَلَى ذَلِكَ إذا فعل، فهل يوصف بالوجوب، أو بالنفل؟ فِيهِ قولان معروفان لأصحابنا وغيرهم من الفقهاء.
وقد تبين بهذا الحَدِيْث: أن ذَلِكَ لا يلزم بمجرد النية، سواء وصف بالوجوب، أو لا.
وأما قوله ﷺ ((أريد أن أطول فيها)) ، فالمعنى: أَنَّهُ يريد إتمامها وإكمالها عَلَى الوجه المعتاد، وليس المراد: الإطالة الَّتِيْ نهى عَنْهَا الأئمة.
واستدل الخطابي وغيره بهذا الحَدِيْث عَلَى جواز انتظار الإمام للداخل فِي الركوع قدراً لا يشق عَلَى بقية المأمومين؛ لأنه مراعاة لحال أحد المأمومين.
وفيه نظر؛ فإن الداخل لَمْ يدخل بعد فِي الائتمام بالإمام، وفي الانتظار تطويل عَلَى المأمومين لمراعاة من ليس بمؤتم، فهذا لا يشبه
стр. 2910
تخفيف الصلاة لأجل أم الصبي، بل هُوَ عكسه فِي المعنى.
الحَدِيْث الثاني:
следующие страницы →