Полный текст (4 834 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
٦٥ - بَاب
مَنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ عندَ بُكاءِ الصَّبيِّ
فِيهِ ثَلَاثَة أحاديث:
الحَدِيْث الأول:
стр. 2907
٧٠٧ – حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم بن موسى – هُوَ الفراء -: ثنا الوليد: ثنا الأوزعي، عَن يَحْيَى بن أَبِي كثير، عَن عَبْد الله بن أَبِي قتادة، عَن أَبِيه، عَن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: ((إني لأقوم فِي الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فِي صلاتي، كراهية أن أشق عَلَى أمة)) .
تابعه: بشر بن بَكْر وبقية وابن المبارك، عَن الأوزاعي.
قَدْ خرجه البخاري فيما بعد من طريق بشر.
وخرجه أبو داود وابن ماجه من رِوَايَة بشر بن بَكْر وعمر بن عَبْد الواحد.
وخرجه النسائي من رِوَايَة ابن المبارك، كلهم عَن الأوزاعي، بِهِ.
وخرجه الإسماعيلي فِي ((صحيحه)) من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَبْد الله
стр. 2908
بن سماعة، عَن الأوزاعي.
وكذا رواه عَن الأوزاعي: عقبة بن علقمة وأيوب بن سويد.
ورواه أبو المغيرة، عَن الأوزاعي، عَن يَحْيَى، عَن عَبْد الله بن أَبِي قتادة مرسلاً.
خرجه ابن جوصا فِي ((مسند الأوزاعي من جمعه)) من هذه الطرق.
وإنما ذكر البخاري متابعة الوليد بن مُسْلِم عَلَى وصله، ليبين أن الصحيح وصله؛ لكثرة من وصله عَن الأوزاعي، ولا يضر إرسال من أرسله.
ولعل مسلماً ترك تخريجه للاختلاف فِي وصله وإرساله. والله أعلم.
وفي الحَدِيْث: دليل عَلَى أن من دَخَلَ الصلاة بنية إطالتها فله تخفيفها لمصلحة، وأنه لا تلزم الإطالة بمجرد النية.
واستدل بِهِ بعضهم عَلَى أن من دَخَلَ فِي تطوع ينوي أن يصلي أربعاً، فله أن يقتصر عَلَى ركعتين، قَالَ ذَلِكَ سُفْيَان الثوري، مَعَ قوله بلزوم النوافل بالشروع، فلا إشكال عنده فِي جواز ذَلِكَ.
وكذلك لأصحاب مَالِك قولان فيمن افتتح الصلاة النافلة قائماً، فهل يجلس فِي أثنائها، أم لا؟
فاستدل بعض من قَالَ: لَهُ أن يجلس بهذا الحَدِيْث.
стр. 2909
وقد يستدل بِهِ عَلَى أن من نذر أن يصلي صلاة، ونوى فِي نفسه أكثر من ركعتين، فهل يلزمه مَا نوى، أم لا؟
وقد نَصَّ أحمد عَلَى أَنَّهُ يلزمه مَا نوى، ورجحه طائفة من أصحابنا، وبناء عَلَى أن من أصل أحمد الرجوع فِي الأيمان والنذور إلى المقاصد والنيات.
وقد نَصَّ أحمد فيمن نذر الصدقة بمال، ونوى فِي نفسه ألفاً، أَنَّهُ يخرج مَا شاء مِمَّا يسمى مالاً، ولا يلزمه الألف -: نقله عَنْهُ أبو داود.
وهذا يخالف نصه فِي الصوم والصلاة، أَنَّهُ يلزمه مَا نواه.
فتخرج المسألتان عَلَى روايتين.
ووجه شبه هذه المسائل بنية الإطالة للصلاة المكتوبة عِنْدَ الدخول فيها: أن الصلاة المكتوبة إنما يلزم فيها قدرالإجزاء، والزائد عَلَى ذَلِكَ إذا فعل، فهل يوصف بالوجوب، أو بالنفل؟ فِيهِ قولان معروفان لأصحابنا وغيرهم من الفقهاء.
وقد تبين بهذا الحَدِيْث: أن ذَلِكَ لا يلزم بمجرد النية، سواء وصف بالوجوب، أو لا.
وأما قوله ﷺ ((أريد أن أطول فيها)) ، فالمعنى: أَنَّهُ يريد إتمامها وإكمالها عَلَى الوجه المعتاد، وليس المراد: الإطالة الَّتِيْ نهى عَنْهَا الأئمة.
واستدل الخطابي وغيره بهذا الحَدِيْث عَلَى جواز انتظار الإمام للداخل فِي الركوع قدراً لا يشق عَلَى بقية المأمومين؛ لأنه مراعاة لحال أحد المأمومين.
وفيه نظر؛ فإن الداخل لَمْ يدخل بعد فِي الائتمام بالإمام، وفي الانتظار تطويل عَلَى المأمومين لمراعاة من ليس بمؤتم، فهذا لا يشبه
стр. 2910
تخفيف الصلاة لأجل أم الصبي، بل هُوَ عكسه فِي المعنى.
الحَدِيْث الثاني:
стр. 2911
٧٠٨ – حَدَّثَنَا خَالِد بن مخلد: ثنا سُلَيْمَان بن بلال: ثنا شريك بن عَبْد الله، قَالَ: سَمِعْت أَنَس بن مَالِك يَقُول: مَا صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النَّبِيّ ﷺ ، وإن كَانَ ليسمع بكاء الصبي فيخفف، مخافة أن تفتن أمه.
((شريك)) هَذَا، هُوَ: ابن أَبِي نمر المدني.
وقد رَوَى هَذَا الحَدِيْث عَنْهُ أبو ضمره أَنَس بن عياض – أَيْضاً.
ورواه جماعة عَنْهُ، ولم يذكروا آخره.
وكذلك خرجه مُسْلِم بدون آخره من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر، عَن شريك.
وقد ذكرنا ٠ فيما تقدم – معنى الافتتان هاهنا.
الحَدِيْث الثالث:
стр. 2912
٧٠٩ – حَدَّثَنَا عَلِيّ بن عَبْد الله: ثنا يزيد بن زريع: ثنا سَعِيد، قَالَ: ثنا قتادة، أن أَنَس بن مَالِك حدث، أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: ((إني لأدخل فِي الصلاة، وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز فِي صلاتي، مِمَّا أعلم من شدة وجد أمه من بكائه)) .
стр. 2913
٧١٠ – حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن بشار: ثنا ابن أَبِي عدي، عَن سَعِيد، عَن قتادة، عَن أَنَس بن مَالِك، عَن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: ((إني لأدخل فِي الصلاة، فأريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز لما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه)) .
وَقَالَ موسى: ثنا أبان: ثنا قتادة: ثنا أَنَس، عَن النَّبِيّ ﷺ .
وهذا بمعنى حَدِيْث أَبِي قتادة المتقدم.
وقد ساقه عَن سَعِيد بن أَبِي عروبة، عَن قتادة، عَن أَنَس من طريقين، ليس فيهما تصريح قتادة بالسماع لَهُ من أَنَس، وكان قتادة مدلساً، فلذلك ذكر أن موسى – وَهُوَ: ابن إِسْمَاعِيل – رواه عَن أبان - وَهُوَ: العطار -، عَن قتادة، فصرح بسماعة من أَنَس.
وخرجه الإسماعيلي فِي ((صحيحه)) من طرق، عَن سَعِيد، عَن
стр. 2914
قتادة، وفي سياق حدثيه: أن أَنَس بن مَالِك حدثه، ولم يبين لفظ من هُوَ من الرواة، ويبعد أن يكون لفظ جميعهم.
والتخفيف الَّذِي كَانَ يفعله، تارة كَانَ يأتي بِهِ فِي الصلاة كلها، وتارة فِي بعض ركعاتها، بحسب مَا يسمع بكاء الصبي.
فالأول، دل عَلِيهِ مَا خرجه أبو بَكْر بن أَبِي داود فِي ((كِتَاب الصلاة)) : حَدَّثَنَا أحمد بن يَحْيَى بن مَالِك: ثنا عَبْد الوهاب، عَن شعبة، عَن عدي بن ثابت، عَن البراء بن عازب، قَالَ: صلى بنا رَسُول الله ﷺ صلاة الصبح، فقرأ بأقصر سورتين فِي القرآن، فلما فرغ أقبل علينا بوجهه، وَقَالَ: ((إنما عجلت لتفرغ أم الصبي إلى صبيها)) .
стр. 2915
وهذا إسناد غريب جداً.
وقد روي معناه من حَدِيْث أنس وأبي سَعِيد بأسانيد ضعيفة.
وأما الثاني، فروى أبو نعيم فِي ((كِتَاب الصلاة)) ، عَن سُفْيَان، عَن أَبِي السوداء النهدي، عَن ابن سابط، قَالَ: قرأ النَّبِيّ ﷺ فِي الفجر فِي أول ركعة بستين
آية، فلما قام فِي الثانية سَمِعَ صوت صبي، فقرأ ثلاث آيات.
وهذا مرسل.
стр. 2916
٦٦ – بَاب
إذا صَلَّى ثُمَّ أَمَّ قَوْماً
стр. 2917
٧١١ – حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بن حرب وأبو النُّعْمَان، قالا: حَدَّثَنَا حماد بن زيد،
عَن أيوب، عَن عَمْرِو بن دينار، عَن جابر بن عَبْد الله، قَالَ: كَانَ معاذ يصلي مَعَ النَّبِيّ ﷺ ، ثُمَّ يأتي قومه فيصلي بهم.
مراده بهذا: أن اقتداء المفترض بالمتنفل صحيح، استدلالا بهذا الحَدِيْث.
وقد ذهب إلى هَذَا طائفة من العلماء، منهم: طاووس وعطاء، وَقَالَ: لَمْ نَزَلَ نسمع بذلك.
وَهُوَ قَوْلِ الأوزاعي والشافعي وأحمد – فِي رِوَايَة – وإسحاق وأبي خثيمة وأبي بَكْر بن أَبِي شيبة وسليمان بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي وأبي ثور وداود والجوزجاني وابن المنذر.
وقد روي عَن أَبِي الدرداء والحكم بن عَمْرِو الغفاري وغيرهما ممن الصَّحَابَة مَا يشهد لَهُ.
وذكر الشَّافِعِيّ أَنَّهُ روي عَن عُمَر ورجل من الأنصار وابن عَبَّاس قريب مِنْهُ، وعن أَبِي رجاء العطاردي والحسن ووهب بن منبه.
стр. 2918
كذا قَالَ: والمعروف عنهما خلاف ذَلِكَ، كما سنذكر ذَلِكَ.
وحكاه – أَيْضاً – عَن مُسْلِم بن خَالِد وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سَعِيد القطان.
وَقَالَ إِسْحَاق: هُوَ سَنَة مسنونة، وَهُوَ عَلَى مَا سن النَّبِيّ ﷺ من صلاة الخوف.
ونقل إِسْمَاعِيل بن سَعِيد، عَن أحمد، قَالَ: لا بأس بِهِ.
قَالَ: ومما يقوي حَدِيْث معاذ: حَدِيْث النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ صلى صلاة الخوف بطائفتين، بكا طائفة ركعتين، ولا أعلم شيئاً يدفع هَذَا.
وحديث صلاة الخوف قَدْ خرجه البخاري من حَدِيْث جابر، وسيأتي فِي موضعه – إن شاء الله تعالى.
وذهب آخرون إلى المنع من ذَلِكَ، وأن المفترض إذا اقتدى بمتنفل لَمْ تصح صلاته، حكاه ابن المنذر عَن الزُّهْرِيّ وربيعة ويحيى الأنصاري ومالك وأبي حنيفة.
قَالَ: وروي معناه عَن الْحَسَن وأبي قلابة.
قُلتُ: وقد روي – أَيْضاً – معناه عَن سَعِيد بن المُسَيِّب ووهب بن منبه وابن سرين والنخعي -: ذكره عَبْد الرزاق فِي ((كتابه)) عنهم.
وَهُوَ قَوْلِ الثوري والحسن بن حي ولليث بن سعد.
وَهُوَ المشهور عَن أحمد، ونقل عَنْهُ أَنَّهُ رجع عَن القول بخلافة، وعلى هَذَا أبو بَكْر عَبْد العزيز وغيره من أصحابنا، وأن أحمد رجع عَن القول بجواز ذَلِكَ.
стр. 2919
قَالَ – فِي رِوَايَة المروذي -: كُنْتُ أذهب إليه – يعني: حَدِيْث معاذ -، ثُمَّ ضعف عندي.
واعتل الإمام أحمد عَلَى حَدِيْث معاذ بأشياء:
أحدها: أن حَدِيْث معاذ رواه جماعة لَمْ يذكروا فِيهِ أن معاذاً كَانَ يصلي خلف النَّبِيّ ﷺ ، بل ذكروا أَنَّهُ كَانَ يصلي بقومه ويطيل بهم، منهم: عَبْد العزيز ابن صهيب، عَن أَنَس. وأبو الزُّبَيْر، عَن جابر. ومنهم: محارب بن دثار وأبو صالح، عَن جابر.
الثاني: أن الذين ذكروا: أَنَّهُ كَانَ يصلي خلف النَّبِيّ ﷺ ثُمَّ يرجع فيؤم قومه، لَمْ يذكر احد منهم: أن النَّبِيّ ﷺ علم بذلك، إلا ابن عُيَيْنَة، عَن عَمْرِو بن دينار، عَن جابر.
فَقَالَ أحمد: مَا أرى ذَلِكَ محفوظاً. وَقَالَ – مرة -: ليس عندي ثبتاً؛ رواه منصور بن زاذان وشعبة وأيوب، عَن عَمْرِو بن دينار، ولم يقولوا مَا قَالَ ابن عُيَيْنَة.
كذا قَالَ، وقد رواه – أَيْضاً – ابن عجلان، عَن عُبَيْدِ الله بن مقسم، عَن جابر، مثل رِوَايَة ابن عُيَيْنَة عَن عَمْرِو.
وهذا أقوى الوجوه، وَهُوَ: أن من رَوَى صلاة معاذ خلف النَّبِيّ ﷺ ورجوعه إلى قومه لَمْ يذكر أحد
стр. 2920
منهم قصة التطويل والشكوى إلى النَّبِيّ ﷺ غير ابن عُيَيْنَة، وقد تابعه ابن عجلان عَن ابن مقسم، وليس ابن عجلان بذاك القوي.
ومن ذكر شكوى معاذ إلى النَّبِيّ ﷺ من الثقات الحفاظ لَمْ يذكروا فِيهِ أن معاذاً كَانَ يصلي مَعَ النَّبِيّ ﷺ ثُمَّ يرجع إلى قومه فيومهم.
ولم يفهم كثير من أصحابنا هَذَا الَّذِي أراده الإمام أحمد عَلَى وجهه.
الثالث: قَالَ فِي رِوَايَة حَنْبل: هَذَا عَلِيّ جهة التعليم من معاذ لقومه.
يعني: لَمْ يكن يصلي بهم إلا ليعلمهم صلاة النَّبِيّ ﷺ ، كما علم مَالِك بن الحويرث قومه صلاة النَّبِيّ ﷺ ولم يرد الصلاة، وقد سبق حديثه.
ولكن الفرق بينه وبين حَدِيْث معاذ: أن مَالِك بن الحويرث علم قومه الصلاة فِي غير وقت صلاة، فكانوا كلهم متنفلين بالصلاة، ومعاذ كَانَ يصلي المكتوبة، ثُمَّ يرجع إلى قومه، وهم ينتظرونه حَتَّى يؤمهم فيها، فكانوا مفترضين.
الرابع: قَالَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيْم الحربي: إن صح، فله معنى دقيق لا يجوز مثله اليوم.
وقد قيل: إن هَذَا المعنى الَّذِي أشار إليه الإمام أحمد، هُوَ أَنَّهُ كَانَ فِي أول الإسلام، وكان من يقرأ القرآن قليلاً، فكان يرخص لهم فِي ذَلِكَ
стр. 2921
توسعة عليهم، فلما كثر القراء انتسخ ذَلِكَ. وقد سبق نحو ذَلِكَ فِي إمامة الصبي – أَيْضاً.
وكذا رَوَى عَبَّاس الدوري، عَن يَحْيَى بن معين، أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيْث معاذ، أَنَّهُ كَانَ يصلي بأصحابه، وقد صلى قَبْلَ ذَلِكَ مَعَ النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ يَحْيَى: لا أرى هَذَا.
قَالَ عَبَّاس: معنى هَذَا – عندنا -: أن يَحْيَى كَانَ يَقُول: هَذَا فِي بدو الإسلام، ومن يقرأ القران قليل، فلا أرى هَذَا. هَذَا قَوْلِ يَحْيَى عندنا.
وقد ذكر ابن شاهين، عَن أَبِي بَكْر النجاد، أَنَّهُ سَمِعَ إِبْرَاهِيْم الحربي وسئل عمن صلى فريضة خلف متطوع؟ فَقَالَ: لا يجوز. فَقِيلَ لَهُ: فحديث معاذ؟ قَالَ: حَدِيْث معاذ أعيا القرون الأولى.
وأجابت طائفة عَن حَدِيْث معاذ بجواب آخر، وَهُوَ: أَنَّهُ يجوز أن يكون معاذ يصلي خلف النَّبِيّ ﷺ تطوعاً، ثُمَّ يصلي الفريضة بقومه.
ورد ذَلِكَ الشَّافِعِيّ وأحمد.
وَقَالَ الشَّافِعِيّ: لَمْ يكن معاذ يفوت نفسه فضل الصلاة خلف النَّبِيّ ﷺ فِي مسجده.
وخرج الدارقطني والبيهقي من رِوَايَة أَبِي عاصم، عَن ابن جُرَيْج، عَن عَمْرِو بن دينار، عَن جابر، أن معاذاً كَانَ يصلي مَعَ النَّبِيّ ﷺ ،
стр. 2922
ثُمَّ ينصرف إلى قومه فيصلي بهم، هِيَ لَهُ تطوع ولهم فريضة.
ومن طريق عَبْد الرزاق، عَن ابن جُرَيْج نحوه، إلا امنه قَالَ: فيصلي بهم تلك الصلاة، هِيَ نافلة ولهم فريضة.
ولعل هَذَا مدرج من قَوْلِ ابن جُرَيْج. والله أعلم.
وقد ظن بعض فقهاء أصحابنا هذه الزيادة هِيَ الَّتِيْ أنكرنا أحمد عَلَى سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وهذا وهم فاحش، فإن هذه الزيادة تفرد بِهَا ابن جُرَيْج لا ابن عُيَيْنَة.
وأجاب الإمام أحمد عَن حَدِيْث جابر فِي صلاة الخوف بأن هَذَا جائز فِي صلاة الخوف دون غيرها، لأنه يغتفر فِي صلاة الخوف مَا لا يغتفر فِي غيرها من الأعمال، وكذلك النيات.
واستدلوا عَلَى منع ذَلِكَ بقول النَّبِيّ ﷺ : ((إنما الإمام ليؤتم بِهِ، فلا تختلفوا عَلِيهِ)) . وقالوا: مخالفته فِي النية اخْتِلَاف عَلِيهِ.
لكن جمهورهم يجيزون اقتداء المتنفل بالمفترض، ولم يجعلوه اختلافاً عَلِيهِ.
وأعلم؛ أن جمهور العلماء فِي هذه المسألة عَلَى المنع، منهم: مَالِك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والليث وأهل مصر، وَهُوَ قَوْلِ جمهور التابعين من أهل المدينة والعراق.
ولكن؛ قَدْ قَالَ بالجواز خلق كثير من العلماء.
стр. 2923
وحديث معاذ، قَدْ صح أالنَّبِيّ ﷺ عم بِهِ وأقر عَلِيهِ، وقد توبع سُفْيَان ابن عُيَيْنَة عَلَى ذَلِكَ، كما أشرنا إليه، ولم يظهر عَنْهُ جواب قوي.
فالأقوى: جواز المفترض بالمتنفل، وقد رجح ذَلِكَ صاحب ((المغني)) وغيره من أصحابنا. والله أعلم.
وقد عارض بعضهم حديث معاذ بما روى معاذ بن رفاعة الأنصاري، عن سليم الأنصاري –من بني سلمة -، أنه أتى النبي ﷺ ، وقال: يا رسول الله، إن معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام، ونكون في أعمالنا في النهار، فينادى بالصلاة، فنخرج إليه فيطول علينا. فقالَ رسول الله ﷺ : ((يا معاذ، لا تكن فتانا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك)) .
خرجه الإمام أحمد.
وهو مرسل؛ فإن سليما هذا قتل في يوم أحد، وقد ذكر ذَلِكَ في تمام هذا الحديث.
وقال ابن عبد البر: هوَ منكر لا يصح.
قلت: لو صح فيحتمل أن يكون المراد: إما أن تقتصر على صلاتك معي فتقيم لقومك من يصلي بهم غيرك، وإما أن تذهب إليهم فتصلي بهم، وإن صليت معي، لكن تخفف عليهم ولا تطيل بهم. والله أعلم.
стр. 2924
٦٧ - بَابُ
مَنْ أسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الإِمامِ
стр. 2925
٧١٢ – حدثنا مسدد: ثنا عبد الله بن داود: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لما مرض النبي ﷺ مرضه الذي مات فيهِ أتاه بلال يؤذنه بالصلاة، قالَ: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس)) . قلت: إن أبا بكر رجل أسيف، إن يقم مقامك يبك، فلا يقدر على القراءة. فقالَ: ((مروا أبا بكر فليصل)) . فقلت مثله. فقالَ في الثالثة – أو الرابعة -: ((إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل)) ، فصلى. وخرج النبي ﷺ يهادي بين رجلين، كأني أنظر إليه يخط برجليه الأرض، فلما رآه أبو بكر ذهب يتأخر، فأشار إليه أن صل، فتأخر أبو بكر وقعد النبي ﷺ إلى جنبه، وأبو بكر يسمع الناس التكبير.
تابعه: محاضر، عن الأعمش.
قد سبق ذكر حديث عائشة بألفاظه وطرقه.
وما ذكر فيهِ في هذه الرواية من تأخر أبي بكر فمنكر مخالف لسائر الرويات.
وإنما المقصود منه: أن النبي ﷺ كانَ يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائم يسمع الناس تكبير النبي ﷺ .
стр. 2926
وهذا يدل على شيئين:
أحدهما: أن النبي ﷺ في صحته لم يكن من عادته أن يبلغ أحد وراءه التكبير، بل كانَ هوَ يسمع أهل المسجد تكبيره، فلا يحتاج إلى من يبلغ عنه.
وقد خرج البخاري – فيما بعد – حديث سعيد بن الحارث، قالَ: صلى لنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع قامته من السجود، وحين سجد، وحين قام من الركعتين، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ .
وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: فجهر بالتكبير حين افتتح الصلاة، وحين ركع، وحين قالَ: سمع الله لمن حمده، وحين رفع رأسه من السجود، وحين سجد، وحين قام من الركعتين حتى قضى صلاته على ذَلِكَ، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصلي.
وخرجه البيهقي، وعنده: وبعد أن قالَ: سمع الله لمن حمده.
وهذا إشارة إلى تكبير السجود، بدليل: أنه قالَ بعده: وحين رفع رأسه من السجود، وحين سجد.
وزاد البيهقي في روايته: وحين رفع.
والثاني: أن النبي ﷺ لما مرض ضعف صوته عن إسماع أهل المسجد، وكان أبو بكر حينئذ يسمع الناس تكبيره، ويبلغ عنه.
وقد روي عنه، أنه فعل ذَلِكَ – أيضا – في مرض آخر عرض لهُ في حياته:
ففي ((صحيح مسلم)) من حديث أبي الزبير، عن جابر، قالَ: اشتكى رسول الله ﷺ ، فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره –
стр. 2927
وذكر في الحديث: أنه أشار إليهم أن اجلسوا. وقد سبق بتمامه.
وفي رواية لمسلم - أيضا -: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر وأبو بكر خلفه، فإذا كبر كبر أبو بكر يسمعنا.
فمتى كانَ الإمام صوته ضعيفا لمرض أو غيره، ولم يبلغ المأمومين صوته، وكان المسجد كبيرا لا يبلغه صوت الإمام، شرع لبعض المأمومين أن يبلغ الباقين التكبير جهرا، ويكون الجهر على قدر الحاجة إليه، من غير زيادة على ذَلِكَ.
وروى وكيع: ثنا المغيرة بن زياد، قالَ: رأيت عطاء بن أبي رباح صلى في السقيفة التي في المسجد لحرام في نفر، وهم متفرقون عن الصفوف، فقلت لهُ: فقالَ: إني شيخ كبير ومكة دونه كان رسول الله ﷺ في سفر، فأصابهم مطر، فصلى بالناس في رحالهم، وبلال يسمع الناس التكبير.
وروى بكر بن محمد، عن الحكم، عن أبيه، أنه سأل أحمد عن الرجل يكبر يوم الجمعة يسمع الناس؟ قالَ: صلاته تامة، هذا منفعة للناس؛ قد كانَ عمر يسمع صوته بالبلاط. قيل لهُ: فيأخذ على هذا أجرا في تكبيره يسمع الناس؟ قالَ: لا أدري.
قالَ أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، قوله: ((لا أدري)) كأنه – والله أعلم – يكرهه.
قالَ: وإن أخذ من بيت المال جاز؛ لأن حقه فيهِ – يعني: أن حق
стр. 2928
المؤذنين في بيت المال -، وإن أخذ من غيره فهوَ مكروه. انتهى.
والأخذ من الوقف كالأخذ من بيت المال في هذا.
ومنى بلغ المأموم زيادة على قدر الحاجة، أو بلغ من غير حاجة إليه كانَ مكروها.
وظاهر الحديث: يدل على أن المأموم إذا اقتدى بالإمام بسماع التكبير من غيره صح اقتداؤه به، وعلى هذا أكثر الفقهاء.
واختلف فيهِ أصحاب مالك، فمنهم من أجازه. ومنهم من منعه، وعلل بأنه اقتدى بغير الإمام. ومنهم من قالَ: إن كانَ الإمام إذن للمبلغ في التبليغ صح الاقتداء به.
واختلفوا – أيضا – فيمن سمع التكبير، ولم ير الإمام، ولا من خلفه: هل يصح اقتداؤه بالإمام في هذه الحالة، أم لا يصح؟
يفرق بين أن يكون في المسجد فيصح، وبين أن يكون خارج المسجد فلا يصح.
وقد حكي في ذَلِكَ روايات متعددة عن الإمام أحمد، وربما نذكر المسألة في موضع آخر – إن شاء الله تعالى.
وقال أحمد – في رواية منهأ – فيمن صلى الجمعة، فلم يسمع تكبير الإمام، ولا غير الإمام: ليس عليهِ إعادة. وقال: كل الناس يسمعون التكبير؟ إنما ينظر بعضهم إلى بعض.
وقال سفيان الثوري في القوم لا يرون الإمام عندَ الركوع والسجود: أجزأهم أن يتبعوا من قدامهم من الصفوف؛ الناس أئمة بعضهم لبعض.
стр. 2929
٦٨ - بَابُ
الرَّجُلِ يَأتَمُّ بِالإِمَامِ، وَيأتَمُّ النَّاسُ بالْمَأمُومِ
ويذكر عن النبي ﷺ ، أنه قالَ: ((ائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم)) .
هذا الحديث، خرجه مسلم من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قالَ: رأى رسول الله ﷺ في أصحابه تأخرا، فقالَ: ((تقدموا، فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله)) .
والبخاري لا يخرج لأبي نضرة، فذلك علق حديثه هذا على هذا الوجه.
قالَ البخاري:
стр. 2930
٧١٣ – حدثنا قتيبة بن سعيد: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقالَ: ((مروا أبا بكر يصلي بالناس)) . فقلت: يا رسول الله، أبو بكر رجل أسيف، وأنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر؟ فقالَ: ((مروا أبا بكر يصلي
بالناس)) . فقلت
стр. 2931
لحفصة: قولي لهُ: إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر. قالَ: ((إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس)) . فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة، فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ فجاء النبي ﷺ حتى جلس عن يسار أبو بكر، فكان أبو بكر يصلي قائما، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعدا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر.
قد تقدم ذكر هذا الحديث والإشارة إلى ما قيل في هذه اللفظة، وهي: ((عن يسار أبي بكر)) ؛ فأن أبا معاوية تفرد بها، وما قيل فيما بعدها، وأنه مدرج، واختلاف الناس: هل كانَ أبو بكر إماما أو مأموما.
فإن قوله: ((يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ )) قد قيل أن المراد به:
أنه كانَ يراعي في صلاته التخفيف على النبي ﷺ ، ويفعل ما كانَ أسهل عليهِ وأخف وأيسر، فكان ذَلِكَ اقتداؤه به، من غير أن يكن مؤتما به، كما قالَ النبي ﷺ لعثمان بن أبي العاص لما استعمله على الطائف، وأمره بتخفيف الصلاة بالناس، وقال لهُ: ((اقتد بأضعفهم)) – أي: راع حال الضعفاء ممن يصلي وراءك، فص صلاة لا تشق عليهم.
والأكثرون فسروا اقتداء أبي بكر بالنبي ﷺ ، بأنه كانَ مؤتما بالنبي ﷺ -
стр. 2932
وكان النبي ﷺ إماما لأبي بكر.
وأما قوله: ((والناس يقتدون بصلاة أبي بكر)) فاختلف الناس في تأوياه – أيضا.
فقالت طائفة: المعنى أن أبا بكر كانَ يسمعهم التكبير لضعف صوت النبي ﷺ حينئذ، فكان اقتداؤهم بصوت أبي بكر، وكان مبلغا عن النبي ﷺ ، لم يكن إماما
للناس، فاقتداء أبي بكر والناس كلهم إنما كانَ بالنبي ﷺ ، وإنما كانَ أبو بكر يبلغ عن النبي ﷺ التكبير؛ ليتمكنوا من الاقتداء.
ومما يتفرع على ذَلِكَ: أن الشعبي قالَ: إذا انتهيت إلى الصف الآخر، ولم يرفعوا رؤسهم، وقد رفع الإمام، فاركع؛ فإن بعضكم أئمة بعض.
وهذا قول غريب، والجمهور على خلافه، وأن الاعتبار بالإمام وحده في إدراك الركعة بإدراك ركوعه.
وهذا هوَ المعنى الذي بوب عليهِ البخاري هاهنا، وكذلك عليهِ النسائي وغيره.
وهو قول أصحاب الشافعي، على قولهم: إن أبا بكر كانَ مؤتما بالنبي ﷺ ؛ فإنهم اختلفوا: هل كانَ النبي ﷺ إماما لأبي بكر، أو مأموما به؟ على وجهين.
وقال الإمام أحمد: بل كانَ النبي ﷺ إماما لأبي بكر، وكان أبو بكر إماما للناس الذين وراءه، فكانت تلك الصلاة بإمامين.
واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في الصلاة بإمامين: هل هي من خصائص النبي ﷺ ، أو هوَ حكم عام يستوي فيهِ جميع الأمة؟ على ثلاث روايات عنه.
стр. 2933
وأختار أبو بكر ابن جعفر وغيره من أصحابنا رواية اختصاص النبي ﷺ بذلك.
وروى حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن
رسول الله ﷺ كانَ وجعا، فأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، ووجد رسول الله ﷺ خفة، فقعد إلى جنب أبي بكر، فأم رسول الله ﷺ أبا بكر وهو قاعد وأم الناس أبو بكر وهو قائم.
خرجه الدارقطني وغيره.
والصحيح: أن قوله: ((فوجد رسول الله ﷺ خفة)) إلى آخر الحديث مدرج من قول عروة، كما رواه مالك وابن نمير وغيرهما، عن هشام بغير هذا اللفظ، وقد سبق ذَلِكَ.
стр. 2934
٦٩ - بَابُ
هَلْ يَأخُذُ الإِمَامُ - إذا شَكَّ - بِقوْلِ النَّاسِ ؟
стр. 2935
٧١٤ – حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقالَ لهُ ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقالَ رسول الله ﷺ فصلى اثنتين آخريين، ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول.
стр. 2936
٧١٥ – حدثنا أبو الوليد، قالَ: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قالَ: صلى النبي ﷺ الظهر ركعتين، فقيل لهُ: صليت ركعتين، فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم سجد سجدتين.
إنما سلم النبي ﷺ من اثنتين في هذه الصلاة؛ لأنه كانَ يعتقد أن صلاته قد تمت، وكان جازما بذلك، لم يدخله فيهِ شك، ومثل هذا الاعتقاد يسمى يقينا، ووقع ذَلِكَ في كلام مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة، فلما قالَ لهُ ذو اليدين ما قالَ حصل لهُ شك حينئذ، ولما لم يوافق
стр. 2937
أحد من المصلين ذا اليدين على مقالته مع كثرتهم حصل في قوله ريبة بانفراده بما أخبر به، فلما وافقه الباقون على قوله رجع حينئذ إلى قولهم، وعمل به، وصلى ما تركه، وسجد للسهو.
يؤخذ من ذَلِكَ: أن المنفرد في مجلس بخبر تتوافر الهمم على نقله يوجب التوقف فيهِ حتى يوافق عليهِ.
وليس هذا كالمنفرد بشهادة الهلال؛ لأن الأبصار تختلف في الحدة، بخلاف الخبر الذي يستوي أهل المجلس في علمه.
ويؤخذ منه – أيضا -: أن المفرد بزيادة على الثقات يتوقف في قبول زيادته حتى يتابع عليها، لا سيما إن كانَ مجلس سماعهم واحدا.
وقد اختلف العلماء فيما إذا أخبر المأمومون الإمام، فهل يرجع إلى قولهم أم لا؟
وهذا على قسمين:
أحدهما: أن يتيقن صواب نفسه، فلا يرجع إلى قول من خالفه ولو كثروا.
وحكي لأصحابنا وجه آخر بالرجوع. وقيل: إنه لا يصح.
والثاني: أن يشك، ثم يخبره المأمومون بسهوه بقول أو إشارة أو تسبيح أو غير ذَلِكَ، ففيه أقوال:
أحدهما: أنه يلزمه الرجوع إلى قول واحد فما زاد؛ لأنه خبر ديني فيقبل فيهِ خبر واحد ثقة، كوقت الصلاة وطهارة الماء ونجاسته، وهو قول أبي حنيفة.
ولأصحابنا وجه مثله في الزيادة.
والثاني: إن أخبره اثنان فصاعدا لزمه الرجوع إلى قولهما، وإن
стр. 2938
أخبره واحد لم يرجع إليه، وهذا رواية عن مالك، والمشهور عن أحمد.
وأحتج: بأن النبي ﷺ لم يكتف بخبر ذي اليدين حتى وافقه غيره.
والثالث: أنه يستحب لهُ الرجوع إلى قول الأثنين، ولا يجب، بل لهُ أن يبني على يقين نفسه، أو يتحرى، وله أن يرجع إلى قولهما، وهو أفضل، وهو رواية عن أحمد.
والرابع: أنا إن قلنا: أن الشاك يبني على اليقين، فلا يرجع إلى قول واحد. وإن قلنا: يتحرى ويعمل بما يغلب على ظنه رجع إلى قول المأمومين، هذا قول ابن عقيل من أصحابنا.
وجمهورهم قالوا: يرجع على كلا القولين؛ لأن الرجوع إلى خبر الاثنين رجوع إلى شهادة شرعية، فيعمل بها على كل حال، بخلاف التحري والرجوع إلى الأمارات المحضة.
ويشهد لهُ: أن أحمد نص على أنه يرجع إلى تسبيح الاثنين، وإن غلب على ظنه خطؤهما.
والخامس: أنه لا يرجع إلى قول أحد، بل يبني على يقين نفسه، كالمفرد، وهو قول الثوري والشافعي ومالك – في رواية.
وقال أهل هذا القول: إنما رجع النبي ﷺ إلى ذكره، لا إلى قول المأمومين، كما قالَ: ((إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني.
فدل على أنه إنما يرجع إلى ذكره، لا إلى قولهم، فإنه لم يقل: فإذا نسيت فردوني.
والسادس: أنه لا يرجع إلى قول الواحد والاثنين، ويرجع إليهم إذا كثروا؛ لأنه يبعد اتفاقهم على الخطأ مع كثرتهم، وهو قول طائفة من المالكية والشافعية.
стр. 2939
وإن كانَ المخبر للمصلي، ليس معه في صلاته، فهل يرجع إليه كما يرجع إلى قول المأمومين؟ فيهِ وجهان لأصحابنا.
أصحهما: أنه يرجع إليهم، وهو قول أشهب المالكي، وظاهر كلام أحمد؛ فإنه نص على أن الطائفين بالبيت يرجع بعضهم إلى قول بعض إذا أخبره اثنان عن عدد
طوافه، مع أن كل واحد منهم غير مشارك للآخر في طوافه، فكذلك هاهنا.
وأما المأموم إذا شك في عدد الركعات، ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يرجع إلى فعل الإمام والمأمومين، ويصنع ما صنعوا، وهو مذهب أصحابنا.
والثاني: أنه يبني على اليقين كالمنفرد، وهو قول طائفة من المالكية والشافعية.
والثالث: إن كثروا رجع إلى متابعتهم، وإلا فلا، هوَ وجه لأصحاب مالك والشافعي.
ولو كانَ مع الإمام مأموم واحد، فشك المأموم، فهل يرجع إلى قول إمامه؟
قالَ بعض أصحابنا: قياس المذهب: لا يرجع إليه، كما لا يرجع الإمام إلى قول مأموم واحد.
وفيه نظر؛ فإن الإمام ضامن، وقد ورد الأمر بأن يصنع المأموم ما صنع إمامه.
خرجه الدارقطني من حديث جابر، عن النبي ﷺ ، قالَ: ((الإمام ضامن، فما صنع فاصنعوا)) .
стр. 2940
وفي إسناده مقال.
وبقية فوائد حديث أبي هريرة تذكر في مواضعه من ((أبواب: سجود السهو)) – أن شاء الله تعالى.
стр. 2941
٧٠ - بَابُ
إذا بَكَى الإِمَامُ في الصَّلَاةِ
وقال عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف، يقرأ:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ [يوسف: من الآية٨٦] .
روى سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن محمد بن سعد: سمع عبد الله بن شداد بن الهاد يقول: سمعت عمر يقرأ في الصلاة الصبح سورة يوسف، فسمعت نشيجه، وإني لفي آخر الصفوف، وهو يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه﴾ [يوسف: من الآية٨٦] .
وروي من وجوه أخر:
روى ابن جريج: أخبرني ابن مليكة، قالَ: أخبرني علقمة بن وقاص، قالَ: كانَ عمر يقرأ في العشاء الآخرة بسورة يوسف، وأنا في مؤخر الصف، حتى إذا ذكر يوسف سمعت نشيجه.
وروى جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أبي رافع، قالَ: إني يوما مع عمر في صلاة الصبح، وهو يقرأ السورة التي فيها يوسف، وأنا في آخر الصفوف الرجال مما يلي النساء، وكان جهير القراءة، فلما مر بهذه الآية: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله﴾ [يوسف: من الآية٨٦] فبكى حتى انقطعت قراءته، وسمعت نشيجه.
стр. 2942
وروى عبد الرحمن بن إسحاق، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، قالَ: صليت خلف عمر، فستمعت خنينه من وراء ثلاثة صفوف.
وفي رواية: قالَ: غلب: عمر البكاء وهو يصلي بالناس الصبح، فسمعت خنينه من وراء ثلاثة صفوف.
والنشيج: هوَ رفع الصوت بالبكاء -: قاله أبو عبيد وغيره.
والخنين – بالخاء المعجمة -: نحوه.
قالَ: البخاري
стр. 2943
٧١٦ – حدثنا إسماعيل، قالَ حدثني مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ في مرضه قالَ: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس)) . قالت عائشة: قلت: أن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل. فقالَ: ((مروا أبا بكر فليصل للناس)) . قالت عائشة:
فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من
البكاء، فمر عمر فليصل للناس. ففعلت حفصة. فقالَ رسول الله ﷺ : ((إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس)) . فقالت حفصة: ما كنت لأصيب منك خيرا.
стр. 2944
مقصود من إيراد هذا الحديث في هذا الباب: أن النبي ﷺ أمر أبا بكر أن يصلي بالناس مع تكرار القول لهُ أنه إذا قام مقامه لا يسمع الناس من البكاء، فدل على أن البكاء من خشية الله في الصلاة لا يضر الصلاة، بل يزينها؛ فإن الخشوع زينة الصلاة.
وقد خرج البخاري في ((كتابه)) هذا حديث عائشة في ذكر الهجرة بطوله،
وفيه: ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، فكان يصلي فيهِ ويقرأ القرآن فيتقصف عليهِ نساء المشركين وأبناؤهم، يتعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن.
وروى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن مطرف بن عبد الله، عن أبيه، قالَ: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل.
خرجه الإمام أحمد، والنسائي، وزاد: يعني: يبكي.
وفي رواية للإمام أحمد: رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء.
وخرجه أبو داود كذلك.
وهذا الإسناد على شرط مسلم.
стр. 2945
وقد دل القرآن على مدح الباكين من خشية الله في سجودهم، فقالَ تعالى:
﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُون﴾ [الإسراء: من الآية١٠٩] . وقال: ﴿ِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم: من الآية٥٨] .
وقد اختلف العلماء في البكاء في الصلاة على الثلاثة أقوال:
أحدها: إنه إن كانَ لخوف الله تعالى لم يبطل الصلاة، وإن كانَ لحزن الدنيا ونحوه فهوَ كالكلام، وهو قول أبي حنيفة وأحمد.
ولأصحابنا وجه ضعيف: أنه إن كانَ عن غير غلبة أبطل.
والمنصوص عن أحمد: إن كانَ عن غلبة لا بأس به.
قالَ القاضي أبو يعلى: إن كانَ عن غلبة لم يكره، وإن استدعاه كره. قالَ: وإن كانَ معه نحيب أبطل.
وهذا ليس في كلام الإمام أحمد، ولو قيده بما إذا استدعاه لكان أجود.
وقد قالَ ابن بطة من أصحابنا: إن التأوه في الصلاة من خشية الله لا يبطل.
فالنحيب أولى.
والقول الثاني: إنه لا يبطل بكل حال، وليس هوَ كالكلام؛ لأنه لا يسمى به متكلما، وهو قول أبي يوسف.
وكذا قالَ مالك في الأنين: لا يقطع صلاة المريض، وأكرهه للصحيح.
وقال أبو الثور: لا بأس بالأنين، إلا أن يكون كلام مفهوم.
وتوقف الإمام أحمد في رواية المروذي
следующие страницы →