Полный текст (4 834 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
١٢ - بَابُ
إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَاوَدَ، وَمَنْ دار عَلَى نِسائِهِ
في غُسلٍ واحِدٍ
خرج فيهِ حديثين:
أحدهما:
стр. 352
٢٦٧ - من رواية: شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه قالَ: ذكرته لعائشة، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمان، كنت أطيب رسول الله ﷺ ، فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرماً، ينضخ طيباً.
الذي ذكر لعائشة، هوَ: أن ابن عمر كره الطيب عندَ الإحرام، فردت مقالته بهذه الرواية.
قالَ الإسماعيلي في ((صحيحه)) : قول عائشة: ((يطوف على
نسائه)) ، ينظر: هل أردت به الجماع، أو تجديد العهد بهن للخروج، وذلك أنه لو كانَ معنى الطواف عليهن للوقاع لاحتاج إلى الغسل، ولا يكاد الطيب يبقى بعد إنقاء الغسل، لا سيما وهي تقول: ((ينضخ طيباً)) ، بالحاء أو الخاء، وهو بالخاء معجمة أشبه؛ لأنه أخف من النضح، كأنه يتساقط منه الشيء بعد الشيء من الطيب. انتهى ما ذكره.
وما ذكره من احتمال طوافه عليهن للتوديع فبعيد جداً، أو غير صحيح؛ فإن عائشة إنما أخبرت عن حجة الوداع، وقد جاء مصرحاً عنها في رواية خرجها مسلم، أنها طيبته في حجة الوداع،
стр. 353
وحجة الوداع كانَ أزواجه كلهن معه
فيها، فلم يكن يحتاج إلى وداعهن.
ووجه استدلال البخاري بالحديث على أن تكرار الجماع بغسل واحد:
أن النبي ﷺ لو اغتسل من كل واحدة من نسائه لكان قد اغتسل تسع مرات، فيبعد حينئذ أن يبقى للطيب أثر، فلما أخبرت أنه أصبح ينضخ طيباً، استدل بذلك على أنه اكتفى بغسل واحد.
واستبعاد الإسماعيلي بقاء أثر الطيب بعد الغسل الواحد ليس بشيء، فقد اخبرت عائشة أنها نظرت إلى الطيب في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم بعد ثلاث.
وفي رواية، عنها: في رأسه ولحيته.
وقد كانَ ﷺ يوضأ في هذه المدة، بل كانت عادته الوضوء لكل صلاة، ومع هذا فلم يذهب اثره من شعره، وهذا يدل على أنه كانَ طيباً كثيراً لهُ جرم يبقى مدة.
الحديث الثاني:
стр. 354
٢٦٨ - من رواية: هشام، عن قتادة: ثنا أنس بن مالك، قالَ: كانَ النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة.
قلت لأنس: أو كانَ يطيقه؟ قالَ: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين.
وقال سعيد، عن قتادة: إن أنساً حدثهم: تسع نسوة.
ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أن أنساً ذكر أن النبي ﷺ كانَ يدور على إحدى عشرة امرأة في ساعة واحدة من الليل والنهار، وهذا
стр. 355
يدل على أنه لم يغتسل عندَ كل واحدة؛ فإن الساعة الواحدة لا تتسع للوطء إحدى عشرة مرة، مع غسل إحدى عشرة مرة.
وقد ذكر البخاري اختلاف هشام وسعيد بن أبي عروبة على قتادة في عدد النسوة: فذكر هشام: أنهن إحدي عشرة، وذكر سعيد: أنهن تسع.
وحديث سعيد، قد خرجه البخاري - فيما بعد -، وسيأتي قريباً - إن شاء الله تعالى.
وقد روى هذا الحديث معمر، عن قتادة، وذكر فيهِ: أن ذلك كانَ بغسل واحد.
خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه، من رواية سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ كانَ يطوف على نسائه في غسل واحد.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وإنما لم يخرج البخاري هذا؛ لأن رواية معمر، عن قتادة ليست بالقوية.
قالَ ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: قالَ معمر: جلست إلى قتادة وأنا صغير، فلم أحفظ عنه الأسانيد.
قالَ الدارقطني في ((العلل)) : معمر سيء الحفظ لحديث قتادة.
وقد روى هذا الحديث ابن عيينة، عن معمر، عن ثابت، عن
стр. 356
أنس، وهو وهم.
ورواه مصعب بن المقدام، عن الثوري، عن معمر، عن حميد، عن أنس.
خرجه الطبراني.
وهو وهم.
ورواه ضمرة، عن الثوري، عن معمر، عن حميد، عن أنس.
وأخطأ في قوله: ((عن حميد)) -: قاله أبو زرعة.
وقد توبع عليهِ معمر من وجوه غير قوية:
فرويناه من طريق سفيان، عن محمد بن حجادة، عن قتادة، عن أنس.
ورواه مسلمة بن علي الخشني - وهو ضعيف -، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس، قالَ: ربما طاف النبي ﷺ في الليلة الواحدة على ثنتي عشرة امرأة، لا يمس في ذَلِكَ شيئاً من الماء.
ورواه صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن أنس، قالَ: وضعت للنبي ﷺ غسلاً، فاغتسل من جميع نسائه في الليلة.
خرجه ابن ماجه.
ونقل الترمذي في ((كتاب العلل)) ، عن البخاري، أنه ضعفه من أجل صالح.
وخرجه أبو داود والنسائي، من رواية إسماعيل بن علية: نا
стр. 357
حميد عن أنس، أن النبي ﷺ طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد.
وخرجه مسلم في ((صحيحه)) ، من رواية مسكين بن بكير، عن شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس، أن النبي ﷺ كانَ يطوف على نسائه بغسل واحد.
وتابعه بقية بن الوليد، فرواه، عن شعبة - أيضاً.
خرجه من طريقه الإمام أحمد.
ولم يرض البخاري هذا الحديث، من أجل مسكن بن بكير؛ فإنه ليس بذاك.
قالَ الأثرم: قلت لأحمد: نظرت في حديث مسكين، عن شعبة، فإذا فيها خطأ. قالَ: أحمد من أين كانَ يضبط هوَ عن شعبة؟!
قالَ البرديجي: لا يلتفت إلى رواية الفرد عن شعبة، ممن ليس لهُ حفظ ولا تقدم في الحديث من أهل الإتقان.
وقد روي الأمر بالوضوء للمعاودة من رواية عاصم الأحول، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قالَ: ((إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ)) .
خرجه مسلم.
وفي رواية: ((فليتوضأ بينهما وضوءاً)) .
وخرجه ابن خريمة والحاكم في ((صحيحيهما)) ، بزيادة في آخره،
стр. 358
وهي: ((فإنه أنشط للعود)) .
وخرجه ابن خزيمة - أيضاً - بلفظ آخر، وهو: ((إذا أراد أحدكم أن يعود فليتوضأ وضوءه للصلاة)) - يعني: الذي يجامع، ثم يعود قبل أن يغتسل.
وفي إسناده بعض اختلاف.
وقال الشافعي: روي فيهِ حديث، وإن كانَ مما لا يثبت مثله.
واستحب أكثر العلماء الوضوء للمعاودة، وهو مروي عن عمر وغيره، وليس بواجب عندَ الأكثرين، وأوجبه قليل من أهل الظاهر ونحوهم.
ومن العلماء من أنكر الوضوء، وحمل الوضوء في هذا الحديث على التنظيف وغسل الفرج.
وقد قالَ إسحاق: غسل الفرج لابد منه.
والأكثرون على أن المعاودة من غير وضوء لا تكره، وهو قول الحسن ومالك وأحمد وإسحاق.
وقد روي الاغتسال للمعاودة من حديث أبي رافع، أن النبي ﷺ طاف على نسائه جميعاً في يوم واحد، واغتسل عندَ كل واحدة منهن غسلاً.
فقلت: يا رسول الله ﷺ ، ألا تجعله غسلاً واحداً؟ قالَ: ((إن هذا أزكى واطهر
стр. 359
وأطيب)) .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
وفي إسناده بعض من لا يعرف حاله.
قالَ أبو داود: حديث أنس أصح من هذا.
يعني: حديثه في الغسل الواحد.
وفي هذا الباب أحاديث أخر، أسانيدها ضعيفة.
стр. 360
١٣ - بَابُ
غَسْلِ الْمَذْيِ، والْوُضُوءِ مِنْهُ
стр. 361
٢٦٩ - حدثنا أبو الوليد: ثنا زائدة، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمان، عن علي، قالَ: كنت رجلاً مذاء، فأمرت رجلاً أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته -، فسأله فقالَ: ((توضأ، واغسل ذكرك)) .
وقد خرجه البخاري - فيما سبق - في آخر ((العلم)) - مختصراً -، من حديث محمد ابن الحنفية، عن أبيه علي بن أبي طالب ﵁ في باب: من استحي، فأمر غيره أن يسأل)) .
وقد استنبط البخاري منه - ها هنا - حكمين:
أحدهما:
غسل المذي؛ لقوله ﷺ : ((اغسل ذكرك)) .
وقد اختلف العلماء في معنى الأمر بغسل الذكر من المذي: هل المراد غسل ما أصاب الذكر منه كالبول، أو غسل جميع الذكر؟
وفيه: قولان، وهما روايتان عن مالك والإمام أحمد.
وحكي عنه رواية ثالثة، بوجوب غسل الذكر كله مع الأنثيين.
وقد روي في حديث علي، أن النبي ﷺ قالَ: ((يغسل ذكره وأنثييه
ويتوضأ)) ، من وجوه قد تكلم فيها.
واختار هذه الرواية أبو بكر عبد
стр. 362
العزيز بن جعفر من أصحابنا، وذكر أن الحديث صح بذلك.
ولو استجمر منه بحجر أجزأه كالبول -: ذكره اصحابنا.
وهذا - على قولنا: يجب غسل ما أصحاب الذكر منه - ظاهر.
فأما إن قلنا يجب غسل الذكر جميعه، أو الذكر مع الأنثيين، فلا ينبغي أن يجزىء منه الاستجمار.
وعنده الشافعية: أن المذي: هل يجزيء فيهِ الاستجمار؟ فيهِ قولان:
بناء على أن الخارج النادر: هل يجزيء الاستجمار كالمعتاد؟ ، على قولين للشافعي، أصحهما: الجواز.
لكنهم لا يوجبون زيادة على غسل ما أصاب الذكر منه، وهو قول أبي حنيفة وغيره.
وقال سعيد بن جبير - في المذي -: يغسل الحشفة منه ثلاثاً.
فأما إن أصاب المذي غير الفرج من البدن أو الثوب، فالجمهور على أنه نجس يجب غسله كالبول.
وعن أحمد رواية: أنه يعفى عن يسيره كالدم.
وعنه رواية ثالثة: أن نجاسته مخففة، يجزىء نضحه بالماء، كبول الغلام الذي لم يأكل الطعام؛ لعموم البلوى به، ومشقة الاحتراز منه.
وفيه حديث، من رواية سهل بن حنيف، عن النبي ﷺ ، أنه سئل عما أصاب الثوب من المذي؟ قالَ: ((تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصابك)) .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي.
وقال: حسن صحيح، ولا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق.
وقال الإمام أحمد - في رواية الأثرم -: لا اعلم شيئاً يخالفه.
ونقل عنه
стр. 363
غيره، أنه قالَ: لم يروه إلا ابن إسحاق، وأنا أتيهيبه.
وقال - مرة -: إن كانَ ثابتاً أجزأه النضح.
وعن أحمد رواية: أن المذي طاهر كالمني.
وهي اختيار أبي حفص البرمكي من أصحابنا، أوجب مع ذَلِكَ نضحه تعبداً.
ومن الأصحاب من قالَ: إذا قلنا بطهارته، لم يجب غسل ما أصاب الثوب منه.
وهل يجب الاستنجاء منه؟ على وجهين، كالمني.
وهذا بعيد، وهو مخالف للأمر بغسله.
والحكم الثاني:
وجوب الوضوء منه.
وقد أجمع العلماء على أن المذي يوجب الوضوء، ما لم يكن سلساً دائماً؛ فإنه يصير حينئذ كسلس البول، ودم الاستحاضة.
ومالك لا يوجب الوضوء منه حينئذ.
وخالفه جمهور العلماء.
وأما إذا خرج على الوجه المعتاد، فإنه يوجب الوضوء باتفاقهم، لا يوجب الغسل - أيضاً - بالاتفاق.
وقد حكي عن ابن عمر فيهِ اختلاف.
والصحيح عنه، كقول جمهور العلماء، أنه يكفي منه الوضوء.
وقد روي عن النبي ﷺ ، أنه قالَ - في المذي -: ((توضأ، وانضح فرجك)) .
خرجه مسلم وغيره.
فمن العلماء من حمل نضح الفرج على غسله، بما في اللفظ الآخر:
((توضأ واغسل ذكرك)) .
ومنهم من حمله على نضح الفرج بعد الضوء منه؛ لتفتير الشهوة، ودفع الوسواس.
وقد ورد في رواية التصريح بهذا المعنى، لكن في إسناده ضعف.
وعلى هذا؛ فالأمر بالنضح محمول على الاستحباب.
стр. 364
١٤ - بَابُ
مَنْ تَطَيَّبَ ثُمَ اغْتَسَلَ وبَقَي أثَرُ الطَّيبِ
خرج فيهِ حديثين:
أحدهما:
стр. 365
٢٧٠ - حديث: إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، قالَ: سألت عائشة - وذكرت لها قول ابن عمر: ما أحب أن اصبح محرماً انضخ طيباً -، فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله ﷺ ، ثم طاف في نسائه، ثم اصبح محرماً.
الثاني:
стр. 366
٢٧١ - حديث: إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب، في مفرق النبي ﷺ ، وهو محرم.
قالَ الإسماعيلي: في الحديث الأول: عامة من حدثنا قاله بالحاء غير معجمة - يعني: ((ينضح طيباً)) -، قالَ: والقول في ((يطوف)) ما قدمناه.
قلت: الصواب: أن معنى طوافه للنساء جماعهن، كما سبق.
فالحديث حينئذ: يدل على أن من اغتسل من الجنابة، وبقي على
стр. 367
جسده أثر طيب ونحوه، مما لا يمنع وصول الماء إلى ما تحته، أنه لا يضره، وأن غسله صحيح.
و ((بيص الطيب)) : بريق لونه ولمعانه.
قالَ الخطابي: يقال وبص وبيصاً وبص بمعنى واحد.
وهذا يدل على بقاء أجزاء من الطيب، فيستدل بذلك على أنه لا يمنع صحة الغسل، إذا وصل الماء معه إلى البشرة، وهو مقصود البخاري بهذا الباب.
وعلى أنه لا يمنع المحرم من استدامته في الإحرام، ويأتي ذكر ذَلِكَ في موضعه من ((الحج)) - إن شاء الله تعالى.
ويحتمل أن يكون هذا الطيب الذي يبص على شعر النبي ﷺ كما جاء في رواية: ((أنه كانَ في مفارقه)) ، وفي رواية: ((في رأسه ولحيته)) .
فيستدل على أن الشعر لا يجب غسله في جنابة ولا غيرها، كما ذهب إليه طوائف من العلماء، كما سبق ذكره.
стр. 368
١٥ - بَابُ
تَخْليلِ الشَّعر حَتىَ إذا ظَنَّ أنَّهُ قَدْ أرْوى بشَرتَهُ أفَاضَ عليهِ
стр. 369
٢٧٢ - ثنا عبدان: ثنا عبد الله - هوَ ابن المبارك -: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كانَ رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليهِ الماء ثلاث مرات، ثم يغسل سائر جسده.
стр. 370
٢٧٣ - وقالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، نغترف، منه جميعاً.
ما ذكر في هذه الرواية، أنه توضأ، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، إلى
آخره، وهو من باب عطف التفصيل على الإجمال؛ فإن ما ذكره من التخليل وما بعده هوَ تفصيل للاغتسال الذي ذكر مجملاً.
والحديث يدل على أن النبي ﷺ كانَ قبل أن بفيض الماء على رأسه ثلاثاً يخلل شعره بيده بالماء، حتى يظن أنه قد أروى بشرته، وهذا مما ذكر في حديث عائشة دون حديث ميمونة.
وقد خرجه البخاري في أول ((كتاب: الغسل)) ، من حديث مالك، عن
стр. 371
هشام، وفي حديثه: ((توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول الشعر، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه)) .
وهذا يصرح بالمعنى الذي ذكرناه.
وخرجه مسلم، من طريق أبي معاوية، عن هشام، وفي حديثه:
((توضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات)) .
وكذلك روى حماد بن زيد، عن هشام، هذا الحديث، وقال فيهِ - بعد ذكر الوضوء -: ((ثم يدخل يده في الإناء، فيخلل شعره، حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة، أو أنقى البشرة، افرغ على رأسه ثلاثاً)) .
خرجه أبو داود.
وخرجه الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام، به بنحوه، وفي حديثه: ((ثم يخلل اصول شعر رأسه، حتى إذا ظن أنه قد استبرا البشرة، اغترف ثلاث غرفات، فصبهن على رأسه)) .
وخرجه النسائي، من حديث سفيان، عن هشام، ولفظ حديثه: ((إن النبي ﷺ كانَ يشرب رأسه، ثم يحثي عليهِ ثلاثاً ثلاثاً)) .
وروى أيوب وعبيد الله بن عمر هذا الحديث، عن هشام، وذكر أن تخليل شعره كانَ مرتين.
وروي عن أيوب، قالَ: مرتين أو ثلاثاً.
ورواه حماد بن سلمة، عن هشام، ولفظ حديثه: ((أن النبي ﷺ كانَ
стр. 372
يتوضأ من الجنابة، ثم يدخل يده اليمنى في الماء، ثم يخلل به شق رأسه الأيمن، فيتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشة رأسه الأيسر كذلك، حتى تستبرىء البشرة، ثم يصب على رأسه
ثلاثاً)) .
ورواه شريك، عن هشام، وذكر أن تخليل شعره كانَ بعد الإفراغ عليهِ ثلاثاً.
وشريك، سيء الحفظ، لا يقبل تفرده بما يخالف الحفاظ.
وتابعه سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن هشام.
وسفيان هذا، ليس ممن يلتفت إلى قوله.
وكذلك رواه ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة.
وابن لهيعة، لا يقبل تفرده فيما يخالف الحفاظ.
وفي الجملة؛ فهذا ثابت عن النبي ﷺ ، أنه خلل شعره بالماء، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض الماء على شعر راسه.
فكان التخليل أولاً لغسل بشرة الرأس، وصب الماء ثلاثاً بعده لغسل الشعر، هذا هوَ الذي يدل عليهِ مجموع ألفاظ هذا الحديث.
وقال القرطبي: إنما فعل ذَلِكَ ليسهل دخول الماء إلى أصول الشعر.
وقيل [ليتأسى] بذلك [حتى] لا يجد بعده من صب الماء الكثير [. . .] .
قلت: قول عائشة: ((حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليهِ الماء ثلاث مرات)) ، يرد هذا [كله] ، ويبين أن التخليل كانَ لغسل بشرة الرأس، وتبويب البخاري يشهد لذَلِكَ - أيضاً.
وهذه سنة عظيمة من سنن غسل الجنابة، ثابتة عن النبي ﷺ ، لم ينتبه
стр. 373
لها أكثر الفقهاء، مع توسعهم للقول في سنن الغسل وأدائه.
ولم أر من صرح به منهم، إلا صاحب ((المغني)) من أصحابنا، وأخذه من عموم قول أحمد:
الغسل على حديث عائشة.
وكذلك ذكره صاحب ((المهذب)) من الشافعية، قالَ - بعد ذكر الوضوء -:
ثم يدخل أصابعه العشر في الماء، فيغترف غرفة يخلل بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات.
وفي هذا زيادة على ما في حديث عائشة، وهو تخليل اللحية.
ومذهب الشافعي: وجوب إيصال الماء إلى باطن اللحية، وإن كانت كثيفة، في الجنابة دون الوضوء.
وعن مالك في وجوب ذَلِكَ في الغسل روايتان.
وأما أصحابنا فيجب ذَلِكَ عندهم - في المشهور.
ولهم وجه ضعيف، أنه لا يجب.
وحكي مثله عن المزني.
وكلام أكثرهم، يدل على أن المغتسل يتوضأ، ثم يصب على رأسه الماء ثلاثاً، ويخلل أصول الشعر مع ذَلِكَ.
وقد وجد في كلام الأئمة، كسفيان وأحمد وإسحاق، ما يدل على ذَلِكَ.
واتباع السنة الصحيحة التي ليس لها معارض أولى.
وقد روى قتادة، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ كانَ إذا أراد أن يغتسل من جنابة توضأ وضوءه للصلاة، ثم صب على رأسه ثلاث مرار، يخلل باصابعه أصول الشعر.
стр. 374
خرجه الإمام أحمد.
وهذه الرواية تشهد لما قاله أكثر الفقهاء: إنه يصب الماء على رأسه، ثم يخلله
بأصابعه.
ولكن رواية هشام، عن أبيه، المتفق على صحتها، مقدمة على رواية قتادة.
وليس في ترك ذكر هذا في حديث ميمونة ما يوجب تركه؛ لأن ميمونة حكت غسل النبي ﷺ في قضية معينة، وعائشة حكت ما كانَ النبي ﷺ يفعله إذا اغتسل من الجنابة، فالأخذ بروايتها متعين، والله أعلم.
стр. 375
١٦ - بَابُ
مَنْ توضَأ في الْجَنَابِةِ، ثُمَّ غَسَلَ سائرَ جَسَدهِ
وَلَمْ يعدْ غَسلْ مَواضِع الْوضُوءِ منْهُ مَرَّة أخرى
خرج فيهِ:
стр. 376
٢٧٤ - حديث ميمونة: قالت: وضع رسول الله ﷺ وضوءاً للجنابة، فكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثاً، ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض - أو الحائط - مرتين أو ثلاثاً، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم افاض على راسه الماء، ثم غسل جسده، ثم تنحى فغسل رجليه، قالت: فأتيته بخرقة فلم يردها، فجعل ينفض الماء بيده.
خرجه من طريق الفضل بن موسى، عن الأعمش، بإسناده المتقدم.
ووجه دلالة الحديث على ما بوب عليهِ: أنه ﷺ غسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على راسه الماء، ثم غسل جسده، ولم يعد غسل وجهه وذراعيه، وإنما غسل رجليه اخيراً؛ لأنه لم يكن غسلهما أولاً.
وقد خرج مسلم هذا الحديث، من رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش، وفي حديثه: ((ثُمَّ توضأ وضوءه للصلاة، ثُمَّ أفرغ على راسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثُمَّ غسل سائر جسده)) .
стр. 377
وقوله: ((غسل سائر جسده)) يدل على أنه لم يعد غسل ما كانَ غسله منه قبل ذَلِكَ؛ لأن: ((سائر)) إنما تستعمل بمعنى: ((الباقي)) ، لا بمعنى:
((الكل)) ، على الأصح الأشهر عندَ أهل اللغة.
وكذلك خرج مسلم حديث عائشة، من حديث أبي معاوية، عنة هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة - فذكرت الحديث، وفي آخره -: ((ثم أفاض على سائر جسده)) .
وهو - أيضاَ -: دليل على أنه لم يعد غسل ما مضى غسله منه.
والعجب من البخاري ﵀، كيف ذكر في تبويبه ((من توضأ للجنابة ثم غسل سائر جسده)) ، ولم يسق الحديث بهذا اللفظ، وإنما تتم الدلالة به.
ومقصوده بهذا الباب: أن الجنب إذا توضأ، فإنه يجب عليهِ غسل بقية بدنه، ولا يلزمه إعادة غسل ما غسله من أعضاء الوضوء.
والجنب حالتان:
إحداهما: أنه لا يلزمه سوى الغسل، وهو من أجنب من غير أن يوجد منه حدث أصغر - على قول من يقول: إن الجنابة المجردة لا توجب سوى الغسل، كما هوَ قول الشافعي وابن حامد من أصحابنا -، فهذا لا يلزمه أكثر من الغسل.
فإن بدأ بأعضاء الوضوء، فغسلهما، لم يلزمه سوى غسل بقية بدنه، بغير
تردد.
وينوي بوضوئه الغسل، لا رفع الحدث الأصغر -: صرح به الشافعية، وهو ظاهر.
стр. 378
الحالة الثانية: أن يجتمع عليهِ حدث أصغر وجنابة، إما بأن يحدث، ثم يجنب، أو على قول من يقول: إن الجنابة بمجردها تنقض الوضوء وتوجب الغسل، كما هوَ ظاهر مذهب أحمد وغيره.
فهذه المسألة قد سبقت الإشارة إليها والاختلاف فيها.
وأكثر العلماء على تداخل الوضوء والغسل قي الجملة.
قالَ الحسن: إذا اغتمس في النهر، وهو جنب، أجزأه عن الجنابة والحدث.
فعلى هذا؛ إذا غسل اعضاء الوضوء مرة، لم يحتج إلى إعادة غسلها.
قالَ: أحمد العمل عندي في غسل الجنابة، أن يبدأ الرجل بمواضع الوضوء، ثم يغسل بعد ذَلِكَ سائر جسده.
ولكن على هذا التقدير، ينوي بوضوئه رفع الحدثين عن أعضاء الوضوء.
فإن نوى رفع الحدث الأصغر وحده، احتاج إلى إعادة غسل أعضاء الوضوء في الغسل.
ثم إن المشهور عن أحمد - عندَ اصحابه كالخرقي ومن تابعه -: أن الغسل والوضوء لا يتداخلان، إلا بأن ينويهما، كالحج والعمرة في القرآن، وهو وجه
الشافعية.
وعلى هذا؛ فينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر، صرح به ابن أبي موسى من أصحابنا.
ويلزم من ذَلِكَ وجوب إعادة غسل أعضاء الوضوء في الغسل مرة أخرى.
فإن نوى بالوضوء رفع الحدثين معاً، لم يلزمه إعادة غسلهما مرة أخرى.
والمنصوص عن الشافعي، أنهما يتداخلان بدون نية، نص على ذَلِكَ في
((الأم)) ، وحكاه أبو حفص البرمكي رواية عن احمد، كما لو كانا من جنس واحد عندَ أكثر العلماء.
стр. 379
فعلى هذا، يجزىء الوضوء بنية رفع الحدث الأكبر خاصة.
وإن نوى بالوضوء رفع الحدث الأصغر، كانَ أفضل -: قاله بعض الشافعية.
ولكن ينبغي أن يقولوا بوجوب إعادة غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى في
الغسل.
وعلى هذا التقدير، فإن رفع الحدث الأصغر لا يندرج فيهِ الأكبر، بخلاف عكسه.
وعن أحمد رواية، أنه لا يرتفع الحدث الأصغر بدون الإتيان بالوضوء، وحكي مثله عن مالك وأبي ثور وداود، وهو وجه الشافعية؛ لأن سببهما مختلف، فلم يتداخلا كحد الزنا وحد السرقة.
وعلى هذا فيجب غسل اعضاء الوضوء مرتين [ … ] : مرة للوضوء، ومرة في الغسل، وينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر، وبالغسل رفع الحدث الأكبر.
وقالت طائف: إن غسل أعضاء الوضوء مرتبة متوالية ارتفع عنهما الحدثان، وإذا نوى رفعهما، فلا يجب عليهِ إلا غسل باقي بدنه للجنابة، وإن لم يغسل أعضاء الوضوء مرتبة متوالية لم يرتفع عنها سوى حدث الجنابة، وعليه ان ياتي بالوضوء على وجهه؛ ليرفع الحدث الأصغر.
وحكي هذا عن إسحاق بن راهويه، وهو قول أبي بكر بن جعفر، ومن اتبعه من أصحابنا.
واعتبروا - أيضاً -: أن يمسح رأسه.
وقد سبق نص أحمد، على أنه لا يحتاج إلى مسح رأسه، بل يكفيه صب الماء
عليهِ.
وهو يدل على أن خصائص الوضوء عنده كلها غير معتبرة في وضوء غسل
الجنابة.
وهو - أيضاً - وجه لأصحاب الشافعي، لكنهم لا يعتبرون
стр. 380
الموالاة ولا نية الحدث الأصغر، على الصحيح عندهم.
وعندنا؛ هما معتبران، على الصحيح.
وزعم أبو بكر الخلال: أن هذا القول هوَ مذهب أحمد، ووهم من حكى عنه خلافه فإن حنبلاً نقل عن أحمد، في جنب اغتسل وعليه خاتم ضيق، لم يحركه، فصلى، ثم ذكر؟ قالَ: يغسل موضعه، ويعيد الصلاة.
قالَ الخلال: هذا وهم من حنبل لا شك فيهِ، لأن أحمد عنده أن من لم يحرك خاتمه الضيق في الوضوء وصلى، أنه يعيد الوضوء والصلاة.
قالَ أبو بكر ابن جعفر في كتاب ((الشافي)) : هذا يدل على أنه لا بد في غسل الجنابة من الوضوء.
قلت: إنما قالَ أحمد: ((يعيد الوضوء والصلاة)) في المحدث حدثا أصغر، فأما الجنب فإن المنصوص عن أحمد، أنه إذا انغمس في ماء وتمضمض، واستنشق، أنه يجزئه، بخلاف من يريد الوضوء، فإنه يلزمه الترتيب والمسح.
ولكن الخلال تأول كلامه، على أن الجنب يجزئه انغماسه في الماء من غسل الجنابة واما عن الوضوء فلا يجزئه حتى يرتب، كالمحدث الحدث الأصغر بانفراده.
ونقول: إن قول أحمد: ((إذا انغمس وأراد الوضوء لا يجزئه)) عام فيمن أراد الوضوء وهو جنب أو محدث.
والذي عليهِ عامة الأصحاب، كالخرقي وابن أبي موسى والقاضي أبي يعلى وأصحابه خلاف [ذَلِكَ] ، وأن أحمد إنما أراد المحدث حدثاً أصغر.
ورواية حنبل هذه صريحة في هذا المعنى، وقول الخلال: ((إنها وهم بغير شك)) ، غير مقبول. والله أعلم.
стр. 381
١٧ - بَابُ
إذا ذَكَر في المْسْجِدِ أنهُ جنُبُ يخرجُ كَمَا هُو ولا يَتَيَمَّمُ
стр. 382
٢٧٥ - حدثنا عبد الله بن محمد: ثنا عثمان بن عمر: ثنا يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قالَ: أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قياماً، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام مصلاه، ذكر أنه جنب، فقالَ لنا: ((مكانكم)) ، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا، ورأسه يقطر، فكبر، فصلينا معه.
تابعه: عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري.
ورواه الأوزاعي، عن الزهري.
قد خرجه البخاري في ((كتاب الصلاة)) من حديث الأوزاعي، وفيه - أيضاً -: أنه كانَ جنباً.
وخرجه - أيضاً - من رواية صالح بن كيسان، عن الزهري، ولم يذكر:
أنه كانَ جنباً؛ لكن رجوعه إليهم، ورأسه يقطر ماء يدل على ذَلِكَ.
وقد استدل البخاري بهذا الحديث على أن من ذكر في المسجد أنه جنب فإنه يخرج منه ليغسل، ولا يلزمه التيمم لمشية للخروج.
ومثله من كانَ نائماً فاحتلم في المسجد، فإنه يخرج منه ليغتسل، ولا يلزمه أن يتيمم
стр. 383
للخروج.
وقد نص على هذه الصور أحمد في رواية حرب.
واستدل طائفة بأن الصحابة كانوا ينامون في المسجد - يعني: أنه لم يكن يخلو من احتلام بعضهم فيهِ -، ولم ينقل عن أحمد منهم أنه تيمم، ولا أمر النبي ﷺ أحداً منهم بذلك، مع علمه بنومهم، وأنه لا يكاد يخلو من محتلم منهم فيهِ.
وقد كانَ ابن عمر شاباً عزباً، ينام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ .
وأصل هذه المسألة: أن الجنب: هل يباح لهُ المرور في المسجد من غير تيمم، أم لا؟ وفي المسألة قولان:
أحدهما - وهو قول الأكثرين -: إنه يباح لهُ ذَلِكَ، وهو قول أكثر السلف ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم.
وقد تأول طائفة من الصحابة قول الله : ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] ، بأن المراد: النهي عن قربان موضع الصَّلاة - وهو المسجد - في حال الجنابة، إلا
أن يكون عابر سبيل، وهو المجتاز به من غير لبث فيهِ.
وقد روي ذَلِكَ عن ابن مسعود وابن عباس وأنس ﵃.
وفي ((المسند)) ، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ سد أبواب المسجد غير باب
علي. قالَ: فيدخل المسجد جنباً، وهو طريقه ليس لهُ طريق غيره.
стр. 384
وروى ابن أبي شيبة بإسناده، عن العوام، أن علياً كانَ يمر في المسجد، وهو جنب.
وبإسناده، عن جابر، قالَ: كانَ احدنا يمشي في المسجد وهو جنب مجتازاً.
وخرجه - أيضاً - سعيد بن منصور وابن خزيمة في ((صحيحه)) .
وعن زيد بن أسلم، قالَ: كانَ أصحاب رسول الله ﷺ يمشون في المسجد، وهم جنب.
خرجه ابن المنذر وغيره.
ولا يجوز العبور إلا لحاجة، في اصح الوجهين لأصحابنا، وهو قول أكثر
السلف، منهم: عكرمة ومسروق والنخعي.
وقرب الطريق حاجة، في احد الوجهين لأصحابنا، وهو قول الحسن.
وفي الآخر: ليس بحاجة، وهو وجه للشافعية، والصحيح - عندهم -:
أنه يجوز المرور لحاجة وغيرها.
والقول الثاني: لا يجوز للجنب المرور في المسجد، فأن اضطر إليه تيمم، وهو قول الثوري وابي حنيفة وإسحاق ورواية عن مالك.
وقد روي، عن النبي ﷺ أنه قالَ: ((لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)) .
خرجه أبو داود من حديث عائشة، وابن ماجه من حديث
стр. 385
أم سلمة وفي إسنادهما
ضعف.
وعلى تقدير صحة ذَلِكَ، فهوَ محمول على اللبث في المسجد؛ جمعاً بين
الدليلين.
وأهل هذه المقالة منهم من قالَ: إذا ذكر في المسجد أنه جنب أو احتلم في المسجد، فإنه يتيمم لخروجه، كما قاله بعض الحنفية.
وحديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري هنا حجة عليهِ.
стр. 386
١٨ - بَابُ
نَفْضِ الْيَدَينِ من الْغُسلِ من الْجَنابَةِ
خرج فيهِ:
стр. 387
٢٧٦ - حديث ميمونة: قالت: وضعت للنبي ﷺ غسلاً، فسترته بثوب، وصب على يديه فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه، وضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فتمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب على راسه، وأفاض على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته ثوباً، فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه.
خرجه من طريق أبي حمزة السكري، عن الأعمش، بإسناده المتقدم.
هذه الرواية مصرحة بأنه نفض يديه.
وفي رواية سبقت قبل ذَلِكَ: ((جعل ينقض الماء بيده)) .
فأما نفض الماء عن بدنه بيده، فقد دل هذا الحديث الصحيح عليهِ، فلا ينبغي أن يكون في عدم كراهته خلاف.
وأما نفض اليد بالماء، فقد كرهه طائفة من أصحابنا والشافعية، ولم يكرهه آخرون من الطائفتين، وهو الصحيح.
ورواية البخاري المخرجة في هذا الباب تدل عليهِ.
وفي ((سنن أبي داود)) ، من حديث هشام بن سعد: حدثني زيد بن
стр. 388
أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ توضأ، فأخذ قبضة من ماء، فنفض يده، ثم مسح رأسه وأذنيه.
واستدل من كره ذَلِكَ، بما روى البختري بن عبيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قالَ: ((إذا توضأتم فأشربوا أعينكم الماء، ولا تنفضوا أيديكم؛ فإنها مراوح الشيطان)) .
خرجه إسحاق بن راهويه وبقي بن مخلد وأبو يعلى الموصلي في ((مسانيدهم)) .
قالَ ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث؟ فقالَ: حديث منكر، والبختري ضعيف الحديث، وأبوه مجهول.
واستدل بعضهم، برد النبي ﷺ الثوب على ميمونة، على كراهة التنشيف، ولا دلالة فيهِ على الكراهة، بل على أن التنشيف ليس مستحباً، ولا أن فعله هوَ أولى، لا دلالة للحديث على أكثر من ذَلِكَ، كذا قاله الإمام أحمد وغيره من العلماء.
وأكثر العلماء على أن التنشيف من الغسل والوضوء غير مكروه.
وقد روي فعله عن جماعة من الصحابة، منهم: عمر وعثمان وعلي ﵃، وعن خلق من التابعين، وهو قول الشعبي والثوري والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق وغيرهم.
وهو المشهور عندَ الشافعية، وليس للشافعي في المسألة نص.
وكرهه طائفة من التابعين، وهو قول الحسن بن صالح وابن مهدي، ورواية عن أحمد، وأنكرها الخلال ولم يثبتها.
وكرهه ابن عباس، في الوضوء دون الغسل.
стр. 389
وعمدة من كرهه: أنه أثر عبادة على البدن، فكره إزالته، كخلوف فم
الصائم.
والخلوف، مختلف فيهِ - أيضاً.
وكان مكحول يتنشف بطرف ثوبه، ويرد المنديل، ويقول: إن فضل الوضوء بركة، فأريد أن يكون ذَلِكَ في ثيابي.
خرجه حرب الكرماني.
стр. 390
١٩ - بَابُ
من بَدأ بِشِق رأسِهِ الأيمَنِ في الْغُسْلِ
خرج فيهِ:
следующие страницы →