← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

١٨ - بَابُ نَفْضِ الْيَدَينِ من الْغُسلِ من الْجَنابَةِ خرج فيهِ:

стр. 387

٢٧٦ - حديث ميمونة: قالت: وضعت للنبي ﷺ غسلاً، فسترته بثوب، وصب على يديه فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه، وضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فتمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب على راسه، وأفاض على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته ثوباً، فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه. خرجه من طريق أبي حمزة السكري، عن الأعمش، بإسناده المتقدم. هذه الرواية مصرحة بأنه نفض يديه. وفي رواية سبقت قبل ذَلِكَ: ((جعل ينقض الماء بيده)) . فأما نفض الماء عن بدنه بيده، فقد دل هذا الحديث الصحيح عليهِ، فلا ينبغي أن يكون في عدم كراهته خلاف. وأما نفض اليد بالماء، فقد كرهه طائفة من أصحابنا والشافعية، ولم يكرهه آخرون من الطائفتين، وهو الصحيح. ورواية البخاري المخرجة في هذا الباب تدل عليهِ. وفي ((سنن أبي داود)) ، من حديث هشام بن سعد: حدثني زيد بن

стр. 388

أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ توضأ، فأخذ قبضة من ماء، فنفض يده، ثم مسح رأسه وأذنيه. واستدل من كره ذَلِكَ، بما روى البختري بن عبيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قالَ: ((إذا توضأتم فأشربوا أعينكم الماء، ولا تنفضوا أيديكم؛ فإنها مراوح الشيطان)) . خرجه إسحاق بن راهويه وبقي بن مخلد وأبو يعلى الموصلي في ((مسانيدهم)) . قالَ ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث؟ فقالَ: حديث منكر، والبختري ضعيف الحديث، وأبوه مجهول. واستدل بعضهم، برد النبي ﷺ الثوب على ميمونة، على كراهة التنشيف، ولا دلالة فيهِ على الكراهة، بل على أن التنشيف ليس مستحباً، ولا أن فعله هوَ أولى، لا دلالة للحديث على أكثر من ذَلِكَ، كذا قاله الإمام أحمد وغيره من العلماء. وأكثر العلماء على أن التنشيف من الغسل والوضوء غير مكروه. وقد روي فعله عن جماعة من الصحابة، منهم: عمر وعثمان وعلي ﵃، وعن خلق من التابعين، وهو قول الشعبي والثوري والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق وغيرهم. وهو المشهور عندَ الشافعية، وليس للشافعي في المسألة نص. وكرهه طائفة من التابعين، وهو قول الحسن بن صالح وابن مهدي، ورواية عن أحمد، وأنكرها الخلال ولم يثبتها. وكرهه ابن عباس، في الوضوء دون الغسل.

стр. 389

وعمدة من كرهه: أنه أثر عبادة على البدن، فكره إزالته، كخلوف فم الصائم. والخلوف، مختلف فيهِ - أيضاً. وكان مكحول يتنشف بطرف ثوبه، ويرد المنديل، ويقول: إن فضل الوضوء بركة، فأريد أن يكون ذَلِكَ في ثيابي. خرجه حرب الكرماني.

стр. 390

١٩ - بَابُ من بَدأ بِشِق رأسِهِ الأيمَنِ في الْغُسْلِ خرج فيهِ:

стр. 391

٢٧٧ - من حديث: صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت: كنا إذا أصاب إحدانا جنابة أخذت بيديها ثلاثاً فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على سقها الأيمن، وبيدها الأخرى على شقها الأيسر. قد ذكرنا هذا الحديث فيما تقدم، وذكرنا أن ظاهره يدل على أن المرأة تفرغ على رأسها خمساً. وقد ذكرنا فيما سبق في ((باب: من افرغ على رأسه ثلاثاً)) ، وفي ((باب: تخليل الشعر)) أحاديث مرفوعة، تدل على البداءة بجانب الرأس الأيمن في الصب عليهِ، وفي تخليله بالماء قبل الإفراغ عليهِ ثلاثاً. وقد روي من حديث عائشة، أن النبي ﷺ أمر في غسل الجنابة والحيض بالبداءة بشق الرأس الأيمن، وسيأتي في غسل الحيض - إن شاء الله تعالى. والبداءة بشق الرأس الأيمن مستحبة، وليست واجبة. روى الحارث، عن علي، قالَ: لا يضرك بأي جانبي رأسك بدأت. خرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في ((كتاب الصلاة)) .

стр. 392

وكذلك البداءة بجانب البدن الأيمن، فليس فيهِ حديث صريح، وإنما يؤخذ من عموم قول عائشة: كانَ النبي ﷺ يستحب التيمن في طهوره. ومن قول النبي ﷺ في غسل ابنته لما ماتت -: ((ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها)) . والله أعلم.

стр. 393

٢٠ - بَابُ من أغتسل عرياناً وحده في خلوة ومن تستر، والتستر فضل وقال بهز، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ : ((الله أحق أن يستتر منه من الناس)) . حديث بهز، عن أبيه، عن جده، قال: قلت يا رسول الله ﷺ ، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قالَ: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك)) . قالَ: الرجل يكون مع الرجل؟ قالَ ((قالَ ((إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل)) . قالَ: فالرجل يكون خالياً؟ قالَ: ((فالله أحق أن تستحي منه)) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي - وهذا لفظه. قالَ: حديث حسن. وصححه الحاكم وغيره. خرج البخاري فيهِ:

стр. 394

٢٧٨ - من حديث: معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قالَ: ((كانَ بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان

стр. 395

موسى ﵇ يغتسل وحده، فقالوا: والله، ما يمنع موسى أن يغتسل معنا، إلا أنه آدر، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فخرج موسى في إثره، يقول: ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا: والله، ما بموسى بأس، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضرباً)) . قالَ أبو هريرة: والله، إنه لندب بالحجر - ستة أو سبعة - ضرباً بالحجر.

стр. 396

٢٧٩ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قالَ: ((بينا أيوب ﵇ يغتسل عرياناً فخر عليهِ جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب، الم أكن أغنيتك عما ترى؟ قالَ: بلى وعزتك، ولكن لا غني بي عن بركتك)) . ورواه إبراهيم، عن موسى بن عقبة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : ((بيننا أيوب ﵇ يغتسل عرياناً)) . وخرج البخاري في ((أخبار الأنبياء)) من ((صحيحه)) هذا قصة موسى ﵇، من وجه آخر، من رواية عوف، عن ابن سيرين والحسن

стр. 397

وخلاس، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : ((إن موسى ﵇ كانَ رجلاً حيياً ستيراً، لا يرى من جلده شيء، استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستر هذا الستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدرة وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه، فخلا يوماً وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه، ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملإبني إسرائيل، فرأوه عرياناً، أحسن ما خلق الله، وأبرأه الله مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضرباً - ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً -، فلذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩] . ((الأدرة)) : انتفاخ الخصية. و ((الندب)) : الأثر الباقي في الحجر، من ضرب موسى ﵇ لهُ. قالَ الخطابي: وفيه من الفقه: جواز الاطلاع على عورات البالغين؛ لإقامة حق واجب كالختان ونحوه. قلت: هذا فيهِ نظر؛ فإن موسى ﵇ لم يقصد التعري عندَ بني إسرائيل؛ لينظروا إليه، وإنما قدر الله لهُ ذَلِكَ حتَّى يبرئه عندهم مما آذوه به. وقد يقال: إن الله لا يقدر لنبيه ما ليس بجائز في شرعه. وأما الاستدلال به على جواز الاغتسال في الخلوة عرياناً، فهوَ مبني على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يأت شرعنا

стр. 398

بخلافه. وقد استدل بهذا على الجواز الغسل في الخلوة عرياناً إسحاق بن راهويه - أيضاً -، وذكر أنه كانَ شرع من قبلنا، إلا أنه لم يرد شرعنا بخلافه. وقد يمنع هذا من يقول: قد ورد شرعنا بالتستر في الخلوة - أيضاً -، وسيأتي بيان ذَلِكَ في الباب الآتي - إن شاء الله تعالى. وقد روى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس، عن النبي ﷺ ، قالَ: ((إن موسى بن عمران ﵇ كانَ إذا اراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه، حتى يواري عورته في الماء)) . خرجه الإمام أحمد. وعلي بن زيد، هوَ: ابن جدعان، متكلم فيهِ. وكذا القول في الاحتجاج بحديث أيوب ﵇ عرياناً. وأما الطريق الذي ذكره البخاري تعليقاً لحديث اغتسال أيوب ﵇ فخرجه الإمام.

стр. 399

٢١ - بَابُ التستر في الغسل عند الناس خرج فيهِ حديثين: أحدهما:

стр. 400

٢٨٠ - من رواية: مالك، عَن أبي النضر مولى عمر بنِ عبيد الله، أن أبا مرة مولى أم هانىء أخبره، أنَّهُ سمع أم هانىء تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة تستره، فقال: ((من هَذهِ؟)) فقلت: أنا أم هانىء. هَذا الحديث يستدل بهِ لَما بوب عليهِ، وَهوَ: التستر عند الناس؛ لأن ابنة الرجل وغيرها من محارمه لا تنظر إلى العورة، فهي كالرجل معَ الرجل، وقد كانَ النبي ﷺ أحياناً يستره رجل فيغتسل، وقد روي أن أبا ذر ستره لما اغتسل، وأنه ﷺ قام فستر أبا ذر لما اغتسل. خرجه الإمام أحمد. وروي - أيضاً - عَن حذيفة مثله. خرجه ابن أبي عاصم في ((كِتابِ الصيام)) . وخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي السمح، قالَ: كنت أخدم النبي ﷺ ، فكان إذا أراد أن يغتسل قالَ: ((ولني)) . فأوليه

стр. 401

قفاي، وأنشر الثوب فأستره بهِ. وإسناده حسن. الحديث الثاني:

стр. 402

٢٨١ - حديث: ميمونة، قالت: سترت النبي ﷺ وَهوَ يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثُمَّ صب بيمينه على شماله فغسل فرجه وما أصابه، ثُمَّ مسح بيده على الحائط أو الأرض، ثُمَّ توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثُمَّ افاض على جسده الماء، ثُمَّ تنحى فغسل قدميه. خرجه من طريق ابن المبارك، عَن سفيان، عَن الأعمش، بإسناده المتقدم. ثُمَّ قالَ: تابعه: أبو عوانة وابن فضيل في الستر. يعني: عَن الأعمش، فَقد خرجه فيما مضى من طريق أبي حمزة السكري، عَن الأعمش، وخرج - أيضاً - حديث أبي عوانة فيما مضى. وخرج مسلم من حديث زائدة، عَن الأعمش، بهذا الإسناد، عَن ميمونة، قالت: وضعت للنبي ﷺ ماء وسترته، فاغتسل. فهذا الحديث مما يستدل بهِ على التستر في الاغتسال في الخلوة؛ لأن

стр. 403

اغتسال الرجل معَ زوجته كاغتساله خالياً. ويدل على أن النبي ﷺ كانَ يستتر عند اغتساله معَ أهله: ما خرجه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عائشة، قالت: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ قط. لكن؛ في إسناده من لا يعرف. وخرج البزاز من حديث مسلم الملائي، عَن مجاهد، عَن ابن عباس قالَ: كانَ رسول الله ﷺ يغتسل من وراء الحجرات، وما رئي عورته قط ومسلم الملائي، فيهِ ضعف. وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث يعلى بنِ أمية عَن النبي ﷺ ، أنَّهُ رأى رجلاً يغتسل بالبراز، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليهِ، فقالَ: ((إن الله حيي ستير، فإذا أراد أحدكم أن يغتسل فليتوار بشيء)) . وقد قيل: إن في إسناده انقطاعاً، ووصله بعض الثقات، وأنكر وصله أحمد وأبو زرعة. وخرج أبو داود في ((مراسيله)) من حديث الزهري، أن النبي ﷺ قالَ: ((لا تغتسلوا في الصحراء، إلا أن تجدوا متوارى؟، فإن لَم تجدوا متوارى فليخط أحدكم خطاً كالدار، ثُمَّ يسمي الله، ويغتسل فيها)) .

стр. 404

وخرجه الطبراني متصلاً عَن الزهري، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة ولا يصح وصله. ولا يصح وصله. وفي الباب أحاديث أخر. فالمغتسل في الخلوة إن كانَ معه من يباح لَهُ النظر إلى عورته كزوجته أو أمته، فقالَ أصحابنا وغيرهم: لا يجب عليهِ التستر؛ لحديث بهز بنِ حكيم المذكور في الباب الماضي، والأفضل التستر؛ لحديث ميمونة. وهذا مبني على القول بجواز نظر أحد الزوجين إلى فرج الآخر، وفيه اختلاف مشهور. ومن أصحاب من جزم بكراهته كصاحب ((المغني)) ، وحكى أبو الحسن الآمدي رواية عَن أحمد بتحريمه. وبكل حال؛ فالاستتار أولى، وعليه يدل حديث ميمونة، وحديث عائشة: ما نظرت إلى فرجه قط. وأكثر العلماء على أنَّهُ غير محرم، منهُم: مجاهد، ومكحول، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق وغيرهم. وروى بقية بنِ الوليد: حدثني عتبة بنِ أبي حكيم: حدثني سليمان بنِ موسى، وسألته عَن الرجل ينظر إلى فرج امرأته، فقالَ سليمان: سألت عطاء عَن ذَلِكَ، فقالَ: حدثتني عائشة زوج النبي ﷺ في هَذا البيت، وبيننا وبينها حجاب، قالت: كنت أنا وحبي نغتسل من إناء واحد، تختلف فيهِ أكفنا. قالَ: وأشارت إلى إناء في البيت، قدر الفرق، ستة أقساط. خرجه حرب الكرماني وابن عدي. وخرجه بقي بن مخلد من

стр. 405

طريق صدقة بنِ خالد: نا عتبة بنِ أبي حكيم - فذكره بنحوه. وسليمان بنِ موسى، مختلف في أمره. وإن لَم يكن معه أحد، فحكى أكثر أصحابنا في كراهته روايتين عَن أحمد؛ لأنه كشف لغرض صحيح، فَهوَ كالكشف للتخلي ونحوه. ومنهم: من حكى في جواز كشف العورة خالياً روايتين عَن أحمد. وقالوا: ظاهر كلام أحمد تحريمه؛ فإن الكشف وإن جاز للحاجة، فإنه يتقدر بقدرها، ولا حاجة إلى التكشف للغسل معَ إمكان الاستتار، ولا إلى القيام عرياناً معَ إمكان القعود والتضام. وروي عَن أبي موسى الأشعري، قالَ: إني لأغتسل في البيت المظلم، فأحني ظهري إذا أخذت ثوبي حياء من ربي . وعنه، قالَ: ما أقمت صلبي في غسل منذ أسلمت. خرجهما ابن أبي شيبة وغيره. وظاهر كلام ابن بطة من أصحابنا يدل على وجوب التستر في الغسل في الخلوة، فإن لَم يجد ما يتستر بهِ، وجب أن يتضام ما استطاع. ونقل حرب عَن أحمد، في الرجل يدخل الماء بغير إزار، فكرهه كراهية شديدة. قيل لَهُ: كل المياه؟ قالَ: نعم قيل لَهُ: فإذا دخل الماء يحل إزاره؟ قالَ: لا.

стр. 406

وممن كانَ لا يدخل الماء إلا بمئزر: ابن عمر، والحسن، والحسين، وقالا: إن للماء سكاناً. وكذلك قالَ ابن أبي ليلى. وقال عمرو بنِ ميمون: لا يدخل أحد الفرات إلا بإزار، ولا الحمام إلا بإزار، إلا تستحيون مما استحى منهُ أبوكم آدم؟ وقد روي مرفوعاً من رواية حماد بنِ شعيب، عَن أبي الزبير، عَن جابر: نهى رسول الله ﷺ أن يدخل الماء إلا بمئزر. خرجه العقيلي وغيره. وأنكره الإمام أحمد؛ لأجل حماد بنِ شعيب. وقد تابعه عليهِ الحسن بن بشر، فرواه عَن زهير، عَن أبي الزبير - أيضاً. خرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) . والحسن، مختلف فيهِ، وقد خرج لَهُ البخاري في ((صحيحه)) . وقال أحمد: روى عَن زهير مناكير.

стр. 407

٢٢ - باب إذا احتلمت المرأة

стр. 408

٢٨٢ - حدثنا عبد الله بنِ يوسف: أنا مالك، عَن هشام بنِ عروة، عَن أبيه، عَن زبيب بنت أبي سلمة، عَن أم سلمة، أنها قالت: جاءت أم سليم إمرأة أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول؟ إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقالَ رسول الله ﷺ : ((نعم، إذا رأت الماء)) . وقد خرجه البخاري في آخر ((كِتابِ العلم)) في ((باب الحياء في العلم)) بزيادة في آخره، واقتصر في هَذا الباب على ما يحتاج إليه فيهِ. وقد خرجه مسلم من حديث عائشة، وأنس، ومن حديثه عَن أمه. أم سليم، وله طرق متعددة. وهذا الحديث: نص على أن المرأة إذا إذا رأت حلماً في منامها، ورأت الماء في اليقضة أن عليها الغسل. وإلى هَذا ذهب جمهور العلماء، ولا يعرف فيهِ خلاف، إلا عَن النخعي وَهوَ شذوذ. ولعل النخعي أنكر وقوع ذَلِكَ من المرأة كَما أنكرته أم سلمة على أم سليم، حتى قالَ لها النبي ﷺ : ((تربت يمينك، وبم يشبهها ولدها؟)) .

стр. 409

فبين ﷺ أن للمرأة ماء كما للرجل، وأنها إذا رأت الماء في نومها باحتلام، فإنه يجب عليها الغسل منهُ. وفي ذَلِكَ تنبيه على أن الرجل كذلك، وأنه إذا رأى حلماً ورأى الماء، أنَّهُ يلزمه الغسل. وهذا مما لا اختلاف فيهِ بين العلماء. وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه من حديث علي بنِ زيد بنِ جدعان، عَن سعيد بنِ المسيب، عَن خولة بنت حكيم، أنها سألت النبي ﷺ عَن المرأة ترى في منامها مايرى الرجل؟ فقالَ: ((ليسَ عليها غسل حتَّى تنزل، كَما أن الرجل ليسَ عليهِ غسل حتَّى ينزل)) . وقد روي عَن ابن المسيب مرسلاً. ولو رأى الرجل والمرأة بللاً ولم يذكر احتلاماً، فإن كانت أوصاف المني موجودة فيهِ لزم الغسل، وإن احتمل أن يكون منياً وأن يكون مذياً وغير ذَلِكَ ففيه قولان: أحدهما: عليهِ الغسل، حكاه الترمذي في ((كتابه)) عَن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، وعن سفيان، وأحمد.

стр. 410

وممن روي عَنهُ أنه قالَ: يغتسل: ابن عباس، وعطاء، والشعبي، والنخعي. وَهوَ قول أبي حنيفة، وظاهر مذهب أحمد، إلا أنَّهُ استثنى من ذَلِكَ أن يكون ثُمَّ سبب يقتضي خروج غير المني، مثل أن يكون قَد سبق منهُ ملاعبته لأهله، أو فكر قبل نومه، أو يكون بهِ إبردة فخرج منهُ بلل بسببها، فلم يوجب الغسل في هَذهِ الصور؛ لأن إحالة البلل الخارج على السبب الموجود المعلوم أولى من إحالته على سبب موهوم. فإن لَم يوجد شيء من هَذهِ الأسباب لزمه الغسل؛ لأن خروج المني من النائم بالاحتلام هوَ الأغلب، فيحال البلل عند لشك عليهِ دونَ المذي وغيره؛ لأن خروج ذَلِكَ في النوم أندر، ولأن ذمته قَد اشتغلت بطهارة قطعاً، ولا يتيقن، بل ولا يغلب على الظن صحة صلاته بدون الإتيان بطهارة الوضوء والغسل، فلزمه ذَلِكَ. والقول الثاني: لا غسل عليهِ بذلك حتى يتيقن أنَّهُ مني، وَهوَ قول مجاهد، وقتادة، والحكم، وحماد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي يوسف، لأن الأصل الطهارة، فلا يجب الغسل بالشك. والقول الأول أصح. ولا يشبه هَذا من تيقن الطهارة وشك في الحدث؛ فإن ذاك لَم يتيقن شيئاً موجباً لطهارة في ذمته، بل هوَ مستصحب للطهارة المتيقنة، ولم يتيقن اشتغال ذمته بشيء، وهذا قَد تيقن أن ذمته اشتغلت بطهارة،

стр. 411

فلا تبرأ ذمته بدون الإتيان بالوضوء والغسل. ورجح هَذا القول طائفة من محققي الشافعية - أيضاً. وأما إن رأى الرجل والمرأة احتلاماً، ولم ير بللاً، فلا غسل عليهِ، كَما دل عليهِ هَذا الحديث الصحيح، وحكاه الترمذي عَن عامة أهل العلم، وحكاه ابن المنذر إجماعاً عَن كل من يحفظ عَنهُ من أهل العلم. وحكى ابن أبي موسى من أصحابنا رواية عَن أحمد: أنَّهُ إذا رأى في منامه احتلاماً ووجد لذة الإنزال في منامه، ولم يجد بللاً عند استيقاظه، أنَّهُ يلزمه الغسل، وبناه على قول الإمام أحمد المشهور عَنهُ: إن المني إذا انتقل من محله، ولم يخرج، فإنه يجب الغسل بانتقاله. وفي هَذا نظر؛ فإنه قَد لا يتحقق انتقاله بمجرد وجود اللذة في النوم. وقد ورد في هَذا الحديث صريح، خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي من حديث عبد الله بن عمر، عَن أخيه عبيد الله، عَن القاسم، عَن عائشة، قالت: سئل رسول الله ﷺ عَن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً؟ قالَ: ((يغتسل)) ، وعن الرجل يرى أنَّهُ قَد احتلم ولم يجد بللاً؟ قالَ: ((لا غسل عليهِ)) . قالت أم سليم: يا رسول الله، هل على المرأةترى ذَلِكَ غسل؟ قالَ: ((نعم، إنما النساء شقائق الرجال)) . وليس عندَ ابن ماجه: ((قالت أم سليم)) - إلى أخره.

стр. 412

وقد استنكر أحمد هَذا الحديث في رواية مهنا، وقال في رواية الفضل ابن زياد: أذهب إليه. قالَ الترمذي: إنما روى هَذا عبد الله بنِ عمر، وقد تكلم فيهِ يحيى القطان من قبل حفظه. قلت: وقد روي معناه - أيضاً - من حديث كعب بنِ مالك. خرجه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) ، وإسناده لا يصح. والله أعلم.

стр. 413

٢٣ - باب عرق الجنب، وأن المسلم لا ينجس

стр. 414

٢٨٣ - حدثنا علي بنِ عبد الله: نا يحيى: نا حميد: نا بكر، عَن أبي رافع، عَن أبي هريرة، أن النبي ﷺ لقيه في بعض طريق المدينة وَهوَ جنب، فانخنست منهُ، فذهب فاغتسل ثُمَّ جَاءَ، فقال: ((أين كنت يا أبا هريرة؟)) قالَ: كنت جنباً، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقالَ: ((سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)) . قولُهُ: ((انخنست)) ، أي: تواريت، واختفيت منهُ، وتأخرت عَنهُ، ومنه: الوسواس الخناس وَهوَ الشيطان، إذا غفل العبد عَن ذكر الله وسوس لَهُ، فإذا ذكر الله خنس وتأخر. ومنه سميت النجوم خنساً، قالَ تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير:١٥] ، وانخناسها: رجوعها وتواريها تحت ضوء الشمس، وقيل: اختفاؤها بالنهار. وفيه: دليل على أن الجنب لَهُ أن يذهب في حوائجه ويجالس أهل العلم والفضل، وأنه ليسَ بنجس، وإذا لَم يكن نجساً ففضلاته الطاهرة باقية على طهارتها، كالدمع والعرق والريق، وهذا كله مجمع عليهِ بين العلماء، ولا نعلم بينهم فيهِ اختلافاً.

стр. 415

قالَ الإمام أحمد: عائشة وابن عباس يقولان: لا بأس بعرق الحائض والجنب. وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر. وثبت: عَن عمر وابن عباس وعائشة، أنهم قالوا ذَلِكَ، ثُمَّ سمى جماعة ممن قالَ به بعدهم، وقال: ولا أحفظ عَن غيرهم خلافهم. قلت: وقد سبق خلاف في كراهة سؤر الحائض والجنب، وفي كراهة الماء الذِي أدخلا فيهِ أيديهما، ولعل من كره ذَلِكَ لَم يكرهه لنجاسة أبدانهما عنده. والله أعلم. وقد روى وكيع، عَن مسعر، عَن حماد، في الجنب يغتسل ثُمَّ يستدفىء بامرأته قبل أن تغتسل؟ قالَ: لا يستدفىء بها حتَّى يجف.

стр. 416

٢٤ - باب الجنب يخرج ويمشي في السوق [وغيره] وقال عطاء: يحتجم الجنب، ويقلم أظفاره، ويحلق رأسه، وإن لَم يتوضأ. حاصل هَذا: ان الجنب لَهُ تاخير غسل الجنابة ما لَم يضق عليهِ وقت الصلاة، وله أن ينصرف في حوائجه، ويخرج من بيته، ويمشي في الأسواق، ويدخل إلى بيوت أهله وغيرهم لقضاء حوائجه. وما حكاه عَن عطاء، معناه: أن الجنب لا يكره لَهُ الأخذ من شعره وظفره في حال جنابته، ولا أن يخرج دمه بحجامة وغيرها. وقال الإمام أحمد في الجنب يحتجم، ويأخذ من شعره وأظفاره، أو يختضب: لا بأس بهِ. قالَ: ولا بأس أن يطلي بالنورة، كانَ عطاء يقول: لا بأس بهِ. وقال: لا بأس أن تختضب الحائض. وقال إسحاق بنِ راهوايه: خضاب المرأة في أيام حيضها لا باس بهِ، سنة ماضية من أزواج النبي ﷺ ومن بعدهن من أهل العلم. وروى أيوب، عَن معاذة، أن أمراة سألت عائشة: أتختضب الحائض؟ فقالت: كنا عند النبي ﷺ ونحن نختضب، فلم يكن ينهانا عَنهُ. خرجه ابن ماجه.

стр. 417

ولا نعلم في هَذا خلافاً إلا ما ذكره بعض أصحابنا وَهوَ أبو الفرج الشيرازي، أن الجنب يكره لَهُ الأخذ من شعره واظفاره، وذكر فيهِ حديثاً مرفوعاً. وهذا المرفوع خرجه الإسماعيلي في ((مسند علي)) بإسناد ضعيف جداً عَن علي - مرفوعاً -: ((لا يقلمن أحد ظفراً، ولا يقص شعراً، إلا وَهوَ طاهر، ومن اطلى وَهوَ جنب كانَ [علته] عليهِ)) ، وذكر كلاماً، قيل لَهُ: لَم يا رسول الله؟ قالَ: ((لأنه لا ينبغي أن يلقي الشعر إلا وَهوَ طاهر)) . وهذا منكر جداً، بل الظاهر أنَّهُ موضوع. والله أعلم. وخرج البخاري في هَذا الباب حديثين: أحدهما: قالَ:

стр. 418

٢٨٤ - نا عبد الأعلى بنِ حماد: نا يزيد بنِ زريع: نا سعيد، عَن قتادة، أن أنس بنِ مالك حدثهم، أن رسول الله ﷺ كانَ يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذٍ تسع نسوة. قَد ذكر بعض هَذا الحديث تعليقاً فيما سبق. وإنما تتم دلالة الحديث على مراده إذا كانَ يطوف عليهن بغسل واحد، وقد تقدم أن ذَلِكَ روي عَن أنس من وجوه متعددة، وإن لَم يخرجها البخاري.

стр. 419

الحديث الثاني:

стр. 420

٢٨٥ - حدثنا عياش: نا عبد الأعلى: نا حميد، عَن بكر، عَن أبي رافع، عَن أبي هريرة، قالَ: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت فأتيت الرحل فاغتسلت، ثُمَّ جئت وَهوَ قاعد، فقالَ: ((أين كنت يا أبا هريرة؟)) فقلت لَهُ، فقالَ: ((سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)) . وفي هَذهِ الرواية زيادة على الرواية السابقة، وهي: أن النبي ﷺ أخذ بيد أبي هريرة [. . .] . وَهوَ يمشي معه حتى قعدا. وهذا استدل بهِ على استحباب المصفاحة، وعلى جواز مصافحة الجنب، وقد يكون في يده عرق. وفي المعنى - أيضاً - عَن حذيفة: خرجه مسلم من طريق أبي وائل، عَن حذيفة: أن النبي ﷺ لقيه وَهوَ جنب فحاد عَنهُ فاغتسل، ثُمَّ جَاءَ فقالَ: كنت جنباً، فقالَ: ((إن المسلم لا ينجس)) . وخرجه أبو داود، ولفظه: أن النبي ﷺ لقيه، فأهوى إليه، فقالَ: إني جنب، قالَ: ((إن المؤمن لا ينجس)) . وخرجه النسائي وابن حبان في ((صحيحه)) من طريق أبي بردة، عَن حذيفة، قالَ: كانَ رسول الله ﷺ إذا لقي الرجل من أصحابه مسحه ودعا [لَهُ] . قالَ: فرأيته يوماً بكرة فحدت عَنهُ، ثُمَّ أتيته حين ارتفع النهار،

стр. 421

فقالَ: ((إني رأيتك فحدت عني؟)) فقلت: إني كنت جنباً، فخشيت أن تمسني، فقالَ رسول الله ﷺ : ((إن المسلم لا ينجس)) .

стр. 422

٢٥ - باب كينونة الجنب في البيت إذا توضأ خرج فيهِ حديثين: أحدهما: قالَ:

стр. 423

٢٨٦ - نا أبو نعيم: نا هشام وشيبان، عَن يحيى، عَن أبي سلمة، قالَ: سألت عائشة: أكان النبي ﷺ يرقد وهو جنب؟ قالت: نعم، ويتوضأ. والثاني: قالَ:

стр. 424

٢٧٨ - ثنا قتيبة: نا الليث، عَن نافع، عَن ابن عمر، أن عمر بنِ الخطاب سأل النبي ﷺ : أيرقد أحدنا وَهوَ جنب؟ قالَ ((نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد وَهوَ جنب)) . ومراد البخاري بهذين الحديثين في هَذا الباب: الاستدلال على جوا تأخير الغسل من الجنابة لغير الضرورة، وإن الجنب كانَ في بيته، وإن نام في بيته وَهوَ جنب، ولكنه إذا أراد النوم فإنه يستحب أن يتوضأ، وقد أفرد باباً بعد هَذا.

стр. 425

ويتعلق بهذا: حكم أكل الجنب، وقد وردت فيهِ أحاديث لَم يخرجها البخاري: فخرج مسلم من حديث شعبة، عَن الحكم، عَن إبراهيم، عَن الأسود، عَن عائشة، قالت: كانَ رسول الله ﷺ إذا كانَ جنباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ. وخرجه وكيع في ((كتابه)) - وعنه الإمام أحمد -، وزاد: ((أو يشرب)) . وقد تكلم في لفظة: ((الأكل)) : قالَ الإمام أحمد: قالَ يحيى بنِ سعيد: رجع شعبة عَن قولُهُ: ((يأكل)) ، قالَ أحمد: وذلك لأنه ليسَ أحد يقوله غيره، إنما هوَ في النوم. انتهى. وقد رواه - أيضاً - ميمون أبو حمزة، عَن إبراهيم، بهذا الإسناد، وزاد: ((وضوءه للصلاة)) . خرجه الطبراني. أبو حمزة هَذا، ضعيف جداً. وروى ابن المبارك، عَن يونس، عَن الزهري، عَن أبي سلمة، عَن عائشة، أن النبي ﷺ كانَ إذا أراد أن ينام وَهوَ جنب توضأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل وَهوَ جنب غسل يديه.
следующие страницы →