← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فقالَ: ((إني رأيتك فحدت عني؟)) فقلت: إني كنت جنباً، فخشيت أن تمسني، فقالَ رسول الله ﷺ : ((إن المسلم لا ينجس)) .

стр. 422

٢٥ - باب كينونة الجنب في البيت إذا توضأ خرج فيهِ حديثين: أحدهما: قالَ:

стр. 423

٢٨٦ - نا أبو نعيم: نا هشام وشيبان، عَن يحيى، عَن أبي سلمة، قالَ: سألت عائشة: أكان النبي ﷺ يرقد وهو جنب؟ قالت: نعم، ويتوضأ. والثاني: قالَ:

стр. 424

٢٧٨ - ثنا قتيبة: نا الليث، عَن نافع، عَن ابن عمر، أن عمر بنِ الخطاب سأل النبي ﷺ : أيرقد أحدنا وَهوَ جنب؟ قالَ ((نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد وَهوَ جنب)) . ومراد البخاري بهذين الحديثين في هَذا الباب: الاستدلال على جوا تأخير الغسل من الجنابة لغير الضرورة، وإن الجنب كانَ في بيته، وإن نام في بيته وَهوَ جنب، ولكنه إذا أراد النوم فإنه يستحب أن يتوضأ، وقد أفرد باباً بعد هَذا.

стр. 425

ويتعلق بهذا: حكم أكل الجنب، وقد وردت فيهِ أحاديث لَم يخرجها البخاري: فخرج مسلم من حديث شعبة، عَن الحكم، عَن إبراهيم، عَن الأسود، عَن عائشة، قالت: كانَ رسول الله ﷺ إذا كانَ جنباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ. وخرجه وكيع في ((كتابه)) - وعنه الإمام أحمد -، وزاد: ((أو يشرب)) . وقد تكلم في لفظة: ((الأكل)) : قالَ الإمام أحمد: قالَ يحيى بنِ سعيد: رجع شعبة عَن قولُهُ: ((يأكل)) ، قالَ أحمد: وذلك لأنه ليسَ أحد يقوله غيره، إنما هوَ في النوم. انتهى. وقد رواه - أيضاً - ميمون أبو حمزة، عَن إبراهيم، بهذا الإسناد، وزاد: ((وضوءه للصلاة)) . خرجه الطبراني. أبو حمزة هَذا، ضعيف جداً. وروى ابن المبارك، عَن يونس، عَن الزهري، عَن أبي سلمة، عَن عائشة، أن النبي ﷺ كانَ إذا أراد أن ينام وَهوَ جنب توضأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل وَهوَ جنب غسل يديه.

стр. 426

خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي. وفي رواية لَهُ: إذا أراد أن يأكل أو يشرب. وخرج ابن ماجه آخره. ورواه الأوزاعي، عَن يونس، عَن الزهري كذلك. ورواه عيسى بنِ يونس، عَن يونس، عَن الزهري، عَن عروة، عَن عائشة. خرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) . ورواه صالح بنِ أبي الأخضر، عَن الزهري، عَن أبي سلمة أو غيره - بالشك - عَن عائشة. خرجه الإمام أحمد. ورواه ابن وهب، عَن يونس، فجعل ذكر الأكل من قول عائشة، ولم يرفعه. وأعله أبو داود وغيره بذلك. وضعف أحمد حديث صالح بنِ أبي الأخضر. وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث عطاء

стр. 427

الخرساني عَن يحيى بنِ يعمر، عَن عمار بنِ ياسر، أن النبي ﷺ رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة. وحسنه الترمذي. وإسناده منقطع؛ فإن يحيى بن يعمر لَم يسمع من عمار بن ياسر -: قاله ابن معين، [و] أبو داود، والدارقطني وغيرهم. وروى شرحبيل بنِ سعد، عن جابر، قالَ سئل النبي ﷺ عَن الجنب: هل ينام أو يأكل أو يشرب؟ قالَ ((نعم، إذا توضأ وضوءه للصلاة)) . خرجه ابن ماجه وابن خزيمة في ((صحيحه)) . وشرحبيل، ضعفه يحيى وغيره. وروي عَن شريك، عَن عبد الله بنِ محمد بنِ عقيل، عَن جابر، عَن النبي ﷺ ، في الجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب، فليتوضأ وضوءه للصلاة. خرجه ابن عدي وغيره.

стр. 428

وفي الباب أحاديث أخر ضعيفة. وقد اختلف العلماء في الجنب إذا أراد الأكل: فقالت طائفة منهم: يتوضأ، منهُم: علي، وابن عمر، وابن سيرين، وأبو جعفر محمد بنِ علي، والنخعي، ورخص في الشرب بغير وضوء دونَ الأكل. واستحباب الوضوء للأكل قول الشَافِعي، وأحمد في رواية، وقال معَ هَذا: لا يكره تركه. وقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا: يكره تركه. وقالت طائفة: المستحب للجنب إذا أراد الأكل أن يغسل كفيه - ومنهم من قالَ: ويمضمض -، وروي هَذا عَن ابن المسيب، ومجاهد، والزهري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وَهوَ رواية عَن أحمد، وزعم الخلال أن أحمد رجع إليها أخيراً. وأنكرت طائفة الوضوء وغسل اليد للأكل، روي عَن مالك، وقال: لا يغسل يده إلاّ أن يكون فيها قذر. ومما يتعلق بذلك: جلوس الجنب في المسجد إذا توضأ، وهو قول أحمد، وإسحاق. قالَ عطاء بنِ يسار: رأيت رجالاً من أصحاب النبي ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضئوا وضوء الصلاة. خرجه سعيد بنِ منصور والأثرم. وعن زيد بنِ أسلم، قالَ: كانَ الرجل من أصحاب النبي ﷺ يجنب،

стр. 429

ثُمَّ يتوضأ، ثُمَّ يدخل المسجد فيجلس فيهِ. وقال أكثر الفقهاء: لا يجوز للجنب الجلوس في المسجد بوضوء ولا غيره، حتى يغتسل، إلا أن يضطر إلى ذَلِكَ، وَهوَ قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وحكي رواية عَن أحمد، ورجحها بعض أصحابنا. ومتى اضطر إلى ذَلِكَ للخوف على نفسه أو ماله فله اللبث فيهِ. وهل يلزمه التيمم لذلك؟ فيهِ قولان: أحدهما: لا يلزمه ذَلِكَ، وَهوَ منصوص أحمد، وقول أكثر أصحابه؛ لأنه ملجأ إلى ذَلِكَ. والثاني: يلزمه التيمم، وَهوَ قول الشافعية، واختاره صاحب ((المغني)) مِن أصحابنا. ورخصت طائفة للجنب في الجلوس في المسجد والمقام فيهِ بكل حال بدون وضوء، وَهوَ قول داود [والمزني] وابن المنذر.

стр. 430

٢٧ - باب الجنب يتوضأ، ثُمَّ ينام خرج فيهِ مِن حديث عائشة، وابن عمر. فأما حديث عائشة:

стр. 431

٢٨٨ - فخرجه مِن طريق: عبيد الله بنِ أبي جعفر، عَن محمد بنِ عبد الرحمن - وَهوَ: أبو الأسود يتيم عروة -، عَن عروة، عَن عائشة، قالت: كانَ النبي ﷺ إذا أراد أن ينام وَهوَ جنب غسل فرجه، وتوضأ للصلاة. وقد خرجه في الباب الماضي مِن حديث يحيى بنِ أبي كثير، عَن أبي سلمة، عَن عائشة. ولم يخرج حديث الزهري في هَذا، وقد خرجه مسلم، مِن حديث الليث. عَن الزهري، عَن أبي سلمة، عَن عائشة، أن رسول الله ﷺ كانَ إذا أراد أن ينام وَهوَ جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام. وإنما لَم يخرجه لاختلاف وقع في إسناده على الزهري، فإنه روي: عَنهُ، عَن أبي سلمة. وروي: عَنهُ، عَن عروة. وروي: عَنهُ، عنهما. وروي: عَنهُ، عَن أحدهما - بالشك. وروي: عَنهُ، عمن حدثه عَن عائشة - غير مسمى.

стр. 432

وأما حديث ابن عمر، فخرجه مِن طريقين: أحدهما:

стр. 433

٢٨٩ - مِن رواية: جويرية، عَن نافع، عَن عبد الله، قالَ: استفتى عمر النبي ﷺ : أينام أحدنا وَهوَ جنب؟ قالَ: ((نعم، إذا توضأ)) . وقد خرجه في الباب الماضي مِن حديث الليث، عَن نافع. وخرجه - أيضاً - في [. . .] مِن حديث ابن جريج، فزاد في آخره: ((حتى يغتسل إذا شاء)) . الثاني:

стр. 434

٢٩٠ - حديث: مالك، عَن عبد الله بنِ دينار، عَن ابن عمر قالَ: ذكر عمر لرسول الله ﷺ بأنَّهُ تصيبه الجنابة مِن الليل، فقالَ لهُ رسول الله ﷺ : ((توضأ، واغسل ذكرك، ثُمَّ نم)) . ورواه ابن عيينة، عَن عبد الله بنِ دينار، عَن ابن عمر، عَن عمر، أنَّهُ سأل رسول الله ﷺ : أينام أحدنا وَهوَ جنب؟ قالَ: ((نعم، ويتوضأ إن شاء)) .

стр. 435

خرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) مِن طريق أحمد بن عبدة، عَن سفيان. ورواه بشر بنِ مطر، عَن ابن عيينة، عَن عبد الله بنِ دينار، عَن ابن عمر، أن عمر سأل رسول الله ﷺ : أينام أحدنا وَهوَ جنب؟ فقالَ: ((ليتوضأ، ولينم، وليطعم إن شاء)) . وكذا رواه الحميدي، عَن سفيان. وهذه الزيادات لا تعرف إلا عَن ابن عيينة. ورواه سفيان الثوري، عَن عبد الله بنِ دينار، وقال في حديثه: ((ويتوضأ وضوءه للصلاة)) . وقد ذهب أكثر العلماء إلى هَذهِ الأحاديث، وقالوا: أن الجنب إذا أراد النوم غسل ذكره وتوضأ. وممن أمر بذلك: علي، وابن عمر، وعائشة، وشداد بنِ أوس، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس، وَهوَ قول الحسن، وعطاء، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم مِن العلماء، وكرهوا تركه معَ القدرة عليهِ. ومنهم مِن قالَ: هوَ واجب ويأثم بتركه. وَهوَ رواية عَن مالك، واختارها ابن حبيب مِن أصحابه، وَهوَ قول طائفة مِن أهل الظاهر. ونقل

стр. 436

مثنى الأنباري عَن أحمد، في الجنب ينام مِن غير أن يتوضأ: هل ترى عليهِ شيئاً؟ قالَ: فلم يعجبه، وقال: يستغفر الله. وهذا يشعر بأنَّهُ ذنب يستغفر منهُ. ونص على أنَّهُ يتوضأ وضوء الصلاة كاملاً، واحتج بحديث عائشة: ((توضأ وضوءه للصلاة)) . وروي عَن ابن عمر، أنَّهُ كانَ يتوضأ وضوء الصلاة سوى غسل رجليه. وروي عَنهُ، أنَّهُ كانَ يغسل يديه ووجهه. وعن سفيان الثوري رواية، أنَّهُ يغسل كفيه ثُمَّ ينام. وحكى ابن عبد البر عَن طائفة مِن العلماء، أنهم حملوا الوضوء عند النوم للجنب على غسل الأذى والفرج وغسل اليدين. وهذا ترده رواية: ((توضأ وضوءه للصلاة)) . وروي عَن عائشة: أنَّهُ يتوضأ أو يتيمم: قالَ ابن أبي شيبة: نا عثام بنِ علي، عَن هشام، عن أبيه، عَن عائشة، في الرجل تصيبه جنابة مِن الليل، فيريد أن ينام؟ قالت: يتوضأ، أو يتيمم. وروي مرفوعاً؛ خرجه الطبراني مِن طريق عمار بنِ نصر أبي ياسر: نا بقية بنِ الوليد، عَن إسماعيل بنِ عياش، عَن هشام بنِ عروة،

стр. 437

عَن أبيه، عَن عائشة، قالت: كانَ النبي ﷺ إذا واقع بعض أهله، فكسل أن يقوم، ضرب يده على الحائط، فتيمم. وهذا المرفوع لا يثبت، وإسماعيل بنِ عياش رواياته عَن الحجازيين ضعيفة، وعمار بنِ نصر ضعيف، ورواية عثام الموقوفة أصح. ولا فرق في نوم الجنب بين نوم الليل والنهار، حكاه إسحاق بنِ راهويه عَن بعض العلماء، ولم يمسه. واختلفوا: هل المرأة في ذَلِكَ كالرجل، أم لا؟ فقالت طائفة: هما سواء، وَهوَ قول الليث، وحكي رواية عَن أحمد، وقد نص على التسوية بينهما في الوضوء للأكل. والثاني: أن الكراهة تخص بالرجل دونَ المرأة، وَهوَ المنصوص عَن أحمد. ولعله يستدل بأن عائشة لَم تذكر أن النبي ﷺ كانَ يأمرها بالوضوء، وإنما أخبرت عَن وضوئه لنفسه. وقد دلت هَذهِ الأحاديث المذكورة في هَذا الباب: على أن وضوء الجنب يخفف جنابته. ولو نوى بوضوئه رفع الحدثين ارتفع عَن أعضاء وضوئه حدثاه جميعاً، بناء على أن الغسل لا يشترط لَهُ موالاة، وَهوَ قول الجمهور، خلافاً لمالك، كَما سبق ذكره. وإن نوى بوضوئه رفع الحدث الأصغر ارتفع وحده، ولم يرتفع معه شيء مِن الجنابة. وإن نوى النوم، فهل يرتفع حدثه الأصغر؟ يتخرج على الخلاف فيمن نوى طهارة مستحبة، فهل يرتفع حدثه أم لا؟ على قول مِن قالَ: إن

стр. 438

الضوء للنوم واجب، لا يجوز النوم بدونه؛ فإنه يرتفع الحدث حينئذٍ بغير تردد. وَهوَ كَما لو نوى الجنب بوضوئه اللبث في المسجد؛ فإنه يرتفع بذلك حدثه الأصغر عند أصحابنا. وقد ورد في الجنب: ((إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيهِ جنب)) ، كذلك روي عَن علي، عَن النبي ﷺ . خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم وصححه. وورد: ((إن الملائكة لا تشهد جنازة الجنب إذا مات)) ، [خرجه] مِن حديث يحيى بنِ يعمر، عَن عمار، عَن النبي ﷺ ، قالَ: ((إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر، ولا المتضمخ بزعفران، ولا الجنب)) . خرجه الإمام أحمد، وأبو داود. وفي آخر الحديث: الرخصة لَهُ إذا أراد النوم، أو الأكل، أن يتوضأ، وهذا يدل على أن الوضوء يخفف أمره. وخرج أبو داود مِن حديث الحسن، عَن عمار بنِ ياسر، عَن النبي ﷺ ، قالَ: ((ثلاثة لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب، إلا أن يتوضأ)) .

стр. 439

وخرجه بقي بنِ مخلد في ((مسنده)) ، ولفظه: ((ثلاثة لا تقربهم الملائكة بخير: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب، إلا أن يبدو لَهُ أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة)) . ويحيى بنِ يعمر، والحسن لَم يسمع مِن عمار. وخرجه الطبراني، ولفظه: ((إن الملائكة لا تحضر جنازة كافر بخير، ولا جنباً حتى يغتسل أو يتوضأ وضوءه للصلاة، ولا [متضمخاً] بصفرة)) . وروى وكيع في ((كتابه)) عَن هشام بنِ عروة، عَن أبيه، عَن عائشة، قالت: إذا أراد أحدكم أن يرقد وَهوَ جنب فليتوضأ؛ فإن أحدكم لا يدري لعله أن يصاب في منامه. ورخص آخرون في نوم الجنب مِن غير وضوء، مِنهُم: سعيد بنِ المسيب، وربيعة، وأبو حنيفة، وسفيان الثوري، والحسن بنِ حي، ووكيع. وروى أبو حنيفة، عَن حماد، عَن إبراهيم، قالَ: كانوا ينامون وهم جنب - يعني: قبل الوضوء. وقد ورد حديث يدل على الرخصة، مِن رواية أبي إسحاق، عَن الأسود، عَن عائشة، قالت: كانَ النبي ﷺ ينام وَهوَ جنب، ولا يمس ماء. خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي. وقال: قَد روى غير واحد عَن الأسود، عَن عائشة، أن النبي ﷺ : كانَ يتوضأ قبل أن ينام - يعني: جنباً. قالَ: وهذا أصح مِن حديث أبي

стр. 440

إسحاق، عَن الأسود. قالَ: ويرون أن هَذا غلط مِن أبي إسحاق. وقد تقدم حديث الحكم، عَن إبراهيم، عَن الأسود، عَن عائشة بخلاف هَذا. خرجه مسلم. وكذلك رواه حجاج بنِ أرطاة، عَن عبد الرحمن بنِ الأسود، عَن أبيه عَن عائشة. خرج حديثه الإمام أحمد، ولفظه: كانَ النبي ﷺ يجنب مِن الليل، ثُمَّ يتوضأ وضوءه للصلاة حتى يصبح، ولا يمس ماء. وخرجه بقي بنِ مخلد مِن طريق أبي إسحاق، عَن عبد الرحمن بنِ الأسود، عَن أبيه، قالَ: سألت عائشة: كيف كانَ رسول الله ﷺ يصنع إذا أراد أن ينام وهو جنب؟ قالت: يتوضأ وضوءه للصلاة، ثُمَّ ينام. وهذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث مِن السلف على إنكاره على أبي إسحاق، مِنهُم: إسماعيل بنِ أبي خالد، وشعبة، ويزيد بن هارون، وأحمد بنِ حنبل، وأبو بكر بنِ أبي شيبة، ومسلم بنِ حجاج، وأبو بكر الأثرم، والجوزاني، والترمذي، والدارقطني. وحكى ابن عبد البر عَن سفيان الثوري، أنَّهُ قالَ: هوَ خطأ. وعزاه إلى ((كِتابِ أبي داود)) ، والموجود في ((كتابه)) هَذا الكلام عَن يزيد بن

стр. 441

هارون، لا عَن سفيان. وقال أحمد بنِ صالح المصري الحافظ: لا يحل أن يروي هَذا الحديث. يعني: أنَّهُ خطأ مقطوع بهِ، فلا تحل روايته مِن دونَ بيان علته. وأما الفقهاء المتأخرون، فكثير مِنهُم نظر إلى ثقة رجاله، فظن صحته، وهؤلاء يظنون أن كل حديث رواة ثقة فَهوَ صحيح، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث. ووافقهم طائفة مِن المحدثين المتأخرين كالطحاوي والحاكم والبيهقي. ثُمَّ اختلفوا في الجمع بينه وبين حديث النخعي، عَن الأسود، عَن عائشة في الوضوء، ولهم في ذَلِكَ مسالك: أحدها: أن النبي ﷺ كانَ إذا أراد النوم وَهوَ جنب توضأ في غالب أوقاته لفيضلة الوضوء، وكان تارة يترك الوضوء لبيان الجواز، وأن الوضوء غير واجب، وأن النوم بدونه غير محرم، وهذا سلكه طوائف مِن الفقهاء مِن اصحابنا وأصحاب الشَافِعي وغيرهم. والثاني: أن حديث أبي إسحاق أريد بهِ: أن النبي ﷺ كانَ ينام ولا يمس ماء للغسل، فهو موافق لحديث إبراهيم عن الأسود في المعنى، وهذا مسلك أبي العباس بنِ سريج والطحاوي وغيرهما. وحديث حجاج، عَن عبد الرحمن بنِ الأسود، عَن أبيه يشهد لهذا التأويل، كَما

стр. 442

تقدم لفظه. والثالث: أن النبي ﷺ كانَ إذا أصابته الجنابة مِن أول الليل توضأ ثُمَّ نام نومه الطويل المعتاد مِن الليل، وإن أصابته الجنابة مِن آخر الليل بعد قضاء ورده مِن الصلاة هجع هجعة خفيفة للاستراحة، ثُمَّ قام فاغتسل لصلاة الفجر، وهذا مسلك طائفة مِن العلماء، وسلكه الطحاوي - أيضاً -، وأشار إليه ابن عبد البر وغيره. وقد روى زهير وإسرائيل، عَن أبي إسحاق هَذا الحديث بسياق مطول، وفيه: أن نومه مِن غير أن يمس ماء، إنما كانَ في آخر الليل إذا قضى صلاته، ثُم كانَ لَهُ حاجة إلى أهله. خرجه الطحاوي مِن طريق زهير، عَن أبي إسحاق، ولفظه حديثه: كانَ رسول الله ﷺ ينام أول الليل ويحيى آخره، ثُمَّ إن كانَ لَهُ حاجة قضى حاجته، ثُمَّ ينام قبل أن يمس ماء، وإن نام جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة. وهذه زيادة غريبة. وقد خرجه الإمام أحمد بسياق مطول، مِن طريق زهير، بدون هَذهِ الزيادة في آخره. وخرجه مسلم في ((صحيحه)) - أيضاً - مِن طريق زهير، إلا أنَّهُ أسقط منهُ لفظة: ((قبل أن يمس الماء)) ، فلم يذكرها؛ لأنه ذكر في ((كِتابِ التمييز)) لَهُ، أنها وهم مِن أبي إسحاق.

стр. 443

وقد روي عَن أبي إسحاق ما يخالف هَذهِ الرواية: فروى سفيان، عَن أبي إسحاق، عَن الأسود، عَن عائشة، قالت: كانَ النبي ﷺ يصيب أهله مِن أول الليل، ثُمَّ ينام ولا يمس ماء، فإذا استيقظ مِن آخر الليل عاد إلى أهله واغتسل. خرجه الإمام أحمد. وخرج الطبراني مِن طريق حمزة الزيات، عَن أبي إسحاق، عَن الأسود، عَن عائشة، قالت: كانَ النبي ﷺ يجامع نسائه، ثُمَّ لا يمس ماء، فإن أصبح فأراد أن يعاود عاود، وإن لَم يرد اغتسل.. ورواه شريك، عَن أبي إسحاق، فذكر في حديثه: أنَّهُ ﷺ كانَ يصيب أهله، ثُمَّ يعود ولا يمس ماء - ولم يذكر النوم. وهذا كله يدل على أن أبا إسحاق اضطرب في هَذا الحديث، ولم يقم لفظه كَما ينبغي، بل ساقه بسياقات مختلفة متهافتة. وروى محمد بنِ عمرو، عَن أبي سلمة، عَن عائشة، أنَّهُ سألها: هل كانَ رسول الله ﷺ ينام وَهوَ جنب؟ قالت: نعم، ولكنه كانَ لا ينام حتى يتوضأ وضوءه للصلاة، ويغسل فرجه. خرجه بقي بنِ مخلد في ((مسنده)) . وهذا يدل على أنها لَم ترو نومه مِن غير وضوء في حال الجنابة بحال.

стр. 444

٢٨ - باب إذا التقى الختانان

стр. 445

٢٩١ - حدثنا معاذ بنِ فضالة: ثنا هشام. وحدثنا أبو نعيم، عَن هشام، عَن قتادة، عَن الحسن، عَن أبي رافع، عَن أبي هريرة، عَن النبي ﷺ ، قالَ: ((إذا جلس بين شعبها الأربع، ثُمَّ جهدها، فَقد وجب الغسل)) . تابعه: عمرو، عَن شعبة - مثله. وقال موسى: نا أبان: نا قتادة: أنا الحسن - مثله. ((هشام)) : الراوي عَن قتادة، هوَ الدستوائي. وقد خرجه مسلم مِن حديثه - أيضاً. وخرجه - أيضاً - مِن طريق شعبة، عَن قتادة بهِ، وفي حديثه: ((ثُمَّ اجتهد)) . وخرج النسائي مِن حديث خالد، عَن شعبة، عَن قتادة، قالَ: سمعت الحسن يحدث - فذكره. وهذه الرواية فيها تصريح قتادة بسماع الحديث مِن الحسن، كالرواية التي ذكرها البخاري - تعليقاً - عَن موسى - وَهوَ: ابن إسماعيل -، عَن أبان. ومراده بذلك: أنَّهُ أمن بذلك تدليس وقتادة، وثبت سماعه لهذا الحديث

стр. 446

مِن الحسن. وخرجه مسلم مِن طريق مطر الوراق، عَن الحسن، وزاد فيهِ: ((وإن لَم ينْزل)) . وخرجه الإمام أحمد، عَن عفان، عَن همام وأبان، عَن قتادة، ولفظ حديثه: ((إذا جلس بين شعبها الأربع، فأجهد نفسه، فَقد وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل)) . وخرجه البيهقي مِن طريق سعيد بنِ أبي عروبة، عَن قتادة، ولفظ حديثه: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل، أنزل أو لَم ينزل)) . وذكر الدارقطني في ((العلل)) الاختلاف على الحسن في إسناده هَذا الحديث، في ذكر ((أبي رافع)) وإسقاطه منهُ، ورواية الحسن لَهُ عَن أبي هريرة بغير واسطة، وفي وقفه على أبي هريرة ورفعه، ثُمَّ قالَ: الصحيح: حديث الحسن، عَن أبي رافع، عَن أبي هريرة عَن النبي ﷺ . ذكر عَن موسى بنِ هارون، أنَّهُ قالَ: سمع الحسن مِن أبي هريرة، إلا أنَّهُ لَم يسمع منهُ عَن النبي ﷺ : ((إذا قعد بين شعبها الأربع)) ، بينهما أبو رافع. انتهى. وما ذكره مِن سماع الحسن مِن أبي هريرة، مختلف فيهِ. وقد صح

стр. 447

روايته لهذا الحديث عَن أبي رافع، عَن أبي هريرة. ولم يخرج البخاري حديث عائشة في هَذا الباب، وقد خرجه مسلم مِن رواية هشام بنِ حسان، عَن حميد بنِ هلال، عَن أبي بردة، عَن أبي موسى، أنَّهُ سأل عائشة: عما يوجب الغسل؟ فقالت: على الخبير سقطت، قالَ رسول الله ﷺ : ((إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان، فَقد وجب الغسل)) . كذا خرجه مِن طريق الأنصاري، عَن هشام. وخرجه مِن طريق عبد الأعلى، عَن هشام، عَن حميد، قالَ: ولا أعلمه إلا عَن أبي بردة، عَن أبي موسى، فتردد في وصل إسناده. وقد عجب أحمد مِن هَذا الحديث، وأن يكون حميد بنِ هلال حدث بهِ بهذا الإسناد. وقال الدارقطني: صحيح غريب، تفرد بهِ: هشام بنِ حسان، عَن حميد. وخرج الإمام أحمد والترمذي مِن حديث علي بنِ زيد بنِ جدعان، عَن سعيد بنِ المسيب، عَن عائشة، قالت: قالَ رسول الله ﷺ : ((إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل)) . وعلي بنِ زيد، فيهِ مقالَ مشهور، وقد اختلف عليهِ في رفعه ووقفه. ورواه يحيى بنِ سعيد الأنصاري، عَن سعيد بنِ المسيب، أن أبا موسى

стр. 448

دخل على عائشة، فحدثته بذلك، ولم ترفعه. وخرج مسلم مِن طريق ابن وهب عَن عياض بنِ عبد الله، عَن أبي الزبير، عَن جابر بنِ عبد الله، عَن أم كلثوم، عَن عائشة، أن رجلاً سأل النبي ﷺ عَن الرجل يجامع ثُمَّ يكسل، هل عليهما الغسل؟ - وعائشة جالسة - فقالَ رسول الله ﷺ : ((إني لأفعل ذَلِكَ أنا وهذه، ثُمَّ نغتسل)) . وأم كلثوم، هي بنت الصديق أخت عائشة ﵃. قالَ الدارقطني: لَم يختلف عَن أبي الزبير في رفع هَذا الحديث. قلت: رواه عَنهُ عياض بنِ عبد الله وابن لهيعة وأشعث، وكلهم رفعوه. وخرجه الإمام أحمد مِن حديث أشعث وابن لهيعة كذلك. قالَ الدارقطني: وكذلك رواه قتادة، عَن أم كلثوم، عَن عائشة. وحديث قتادة، خرجه بقي بنِ مخلد، ولفظ حديثه: عَن عائشة، أنها ونبي الله ﷺ فعلا ذَلِكَ، فلم ينزل الماء، فاغتسل، وأمرها أن تغتسل. ولكن في سماع قتادة مِن أم كلثوم نظر؛ ولأجله ترك مسلم تخريج الحديث مِن طريقه. والله أعلم. وعند قتادة فيهِ إسناد آخر: رواه عَن عبد الله بنِ رباح، عَن عائشة، مع الاختلاف عليهِ في رفعه ووقفه. وقيل: عَن قتادة، قالَ: ذكر لنا أن عبد الله ابن رباح سأل عائشة، فدل على أنَّهُ لَم يسمعه منهُ.

стр. 449

ورواه ثابت البناني، عَن عبد الله بن رباح. وقيل: عَنهُ، عَن عبد الرحمن ابن رباح، عَن عبد العزيز بنِ النعمان، عَن عائشة، معَ الاختلاف عليهِ في رفعه ووقفه. وأنكر أحمد رفعه، وقال: عبد العزيز بنِ النعمان لا يعرف. وقال البخاري: لا أعلم لَهُ سماعاً مِن عائشة. وذكر ابن معين: أن رواية ثابت بإدخال ((عبد العزيز بنِ النعمان)) في إسناده أصح مِن رواية قتادة بإسقاطه. وخرج الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في ((صحيحه)) مِن حديث الأوزاعي، عَن عبد الرحمن بنِ القاسم، عَن أبيه، عَن عائشة، قالت: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول اله ﷺ ، فاغتسلنا. وقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه غير واحد مِن الحفاظ. وقال البخاري: هوَ خطأ، وإنما يرويه الأوزاعي، عَن عبد الرحمن بنِ القاسم - مرسلاً.

стр. 450

ورد قولُهُ بكثرة مِن رواه عَن الأوزاعي مِن أصحابه موصولاً. وأعله الإمام أحمد: بأنَّهُ روي عَن الأوزاعي موقوفاً، قالَ أحمد: والمرفوع في آخر الحديث إنما كانَ الأوزاعي يرويه عَن يحيى بنِ أبي كثير، أنَّهُ بلغه عَن عائشة، وكذا رواه أيوب، عَن عبد الرحمن بنِ القاسم، عَن أبيه، عَن عائشة موقوفاً، لَم يرفعه. وذكر أبو زرعة الدمشقي هَذا عَن أحمد، ثُمَّ قالَ أبو زرعة: رأيت أبا مسهر [على] هَذا الحديث على يحيى بنِ معين، فقبله يحيى، ولم ينكره. وقد روي عَن عائشة مِن طرق أخرى متعددة مرفوعاً. وخرجه البزار مِن طريق ابن أبي فديك: نا الضحاك بنِ عثمان، عَن عبد الله ابن عبيد بنِ عمير، عَن أبيه، عَن عائشة، أن رسول الله ﷺ قالَ: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل)) . وإسناده كلهم ثقات مشهورون. وقد صح ذَلِكَ عَن عائشة مِن قولها غير مرفوع مِن طرق كثيرة جداً، وفي بعضها اختلاف في رفعه ووقفه. ولعل عائشة كانت تارة تفتي بذلك، وتارة تذكر دليله، وَهوَ ما عندها عَن النبي ﷺ فيهِ، كم أن المفتي أحياناً يذكر الحكم مِن غير دليل وأحيانا يذكره مع دليله، والله أعلم. والجلوس بين شعبها الأربع قيل: المراد يدي المرأة ورجليها، وقيل غير ذَلِكَ مما يرغب عَن ذكره.

стр. 451

و ((جهدها)) : هوَ عبارة عَن الاجتهاد في إيلاج الحشفة في الفرج، وَهوَ المراد - أيضاً - مِن التقاء الختانين. قالَ الشَافِعي: معنى التقاء الختانين: أن تغيب الحشفة في الفرج يصير الختان الذِي خلف الحشفة حذو ختان المرأة. وقال أحمد: التقاء الختانين: المدورة - يعني: الحشفة -، فإذا غابت فالختان بعدها. وخرج الإمام أحمد وابن ماجه مِن رواية حجاج بنِ أرطأة، عَن عمرو بنِ شعيب، عَن أبيه، عَن جده، عَن النبي ﷺ ، قالَ: ((إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فَقد وجب الغسل)) . وحجاج، مدلس. وقيل: أن أكثر رواياته عَن عمرو بنِ شعيب سمعها مِن العرزمي ودلسها. والعرزمي، ضعيف. وقد روي - أيضاً - هَذا الحديث عَن العرزمي، عَن عمرو. وروي مِن وجه ضعيف، عَن أبي حنيفة، عَن عمرو، بهِ، وزاد في روايته: ((أنزل أو لَم ينزل)) . خرجه الطبراني. وقوله: ((إذا التقى الختانان)) استند بهِ الإمام أحمد على أن المرأة تختتن كالرجل. وختان المرأة مشروع بغير خلاف، وفي وجوبه عَن أحمد روايتان، على قولُهُ بوجبه على الرجال.

стр. 452

٢٩ - باب غسل ما يصيب مِن فرج المرأة

стр. 453

٢٩٢ - حدثنا أبو معمر: نا عبد الوارث، عَن الحسين المعلم: قالَ يحيى: وأخبرني أبو سلمة، أن عطاء بنِ يسار أخبره، أن زيد بنِ خالد الجهني أخبره، أنَّهُ سأل عثمان بنِ عفان، فقالَ: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ فقالَ: عثمان: يتوضأ كَما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره. وقال عثمان: سمعته مِن رسول الله ﷺ ، فسألت عَن ذَلِكَ علي بنِ أبي طالب، والزبير بنِ العوام، وطلحة بنِ عبيد الله، وأبي بنِ كعب، فأمروه بذلك. وأخبرني أبو سلمة، أن عروة بنِ الزبير أخبره: أن أبا أيوب أخبره، أنَّهُ سمع ذَلِكَ مِن رسول الله ﷺ .

стр. 454

٢٩٣ - حدثنا مسدد: نا يحيى، عَن هشام بنِ عروة، قالَ: أخبرني أبي، قالَ: أخبرني أبو أيوب، قالَ: أخبرني أبي بنِ كعب، أنَّهُ قالَ: يا رسول الله ﷺ إذا جامع الرجل [المرأة] فلم ينزل؟ قالَ: ((يغسل ما مس المرأة منهُ، ثُمَّ يتوضأ ويصلي)) .

стр. 455

قالَ أبو عبد الله: الغسل أحوط، وذلك الأخير، إنما بينا لاختلافهم. الذِي وقع في الرواية الأولى عَن أبي سلمة، عَن عروة، أن أبا أيوب أخبره، أنَّهُ سمع ذَلِكَ مِن النبي ﷺ ، وهم، نبه عليهِ الدارقطني وغيره، تدل عليهِ الرواية الثانية، عَن هشام بن عروة، عَن أبيه: أخبرني أبو أيوب، قالَ: أخبرني أبي بنِ كعب، عَن النبي ﷺ . وقد روى عبد الرحمن بنِ سعاد، عَن أبي أيوب، عَن النبي ﷺ ، قالَ: ((الماء مِن الماء)) . خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه، وليس فيهِ تصريح أبي أيوب بسماعه مِن النبي ﷺ . وقد خرج البخاري فيما تقدم في ذكر نواقض الوضوء: حديث ذكوان أبي صالح، عَن أبي سعيد، عَن النبي ﷺ ، قالَ: ((إذا أعجلت - أو أقحطت - فلا غسل عليك)) . وخرج - أيضاً -: حديث يحيى بنِ أبي كثير الذِي خرجه هنا مِن طريق شيبان، عَن يحيى، إلى قولُهُ في آخر الحديث: ((وأبي بنِ كعب، فأمروه بذلك)) ، ولم يذكر ما بعده،

стр. 456

ولعله تركه لما وقع فيهِ مِن الوهم الذِي ذكرناه. وعند البخاري في كلتا الروايتين: أن علياً والزبير وطلحة وأبي بنِ كعب أفتوا بذلك، ولم يرفعوه إلى النبي ﷺ . وقد وقع في رواية غيره: أنهم رفعوه - أيضاً - إلى النبي ﷺ . وقد قالَ علي بنِ المديني في هَذا الحديث: إنه شاذ. وقال ابن عبد البر: هوَ منكر؛ لَم يتابع عليهِ يحيى بن أبي كثير. وقد صح عَن أكثر مِن ذكر عَنهُ مِن الصحابة: أنَّهُ لا غسل بدون الإنزال - خلاف ذَلِكَ. قالَ علي بنِ المديني: قَد روي عَن علي وعثمان وأبي بنِ كعب بأسانيد جياد أنهم أفتوا بخلاف ما في هَذا الحديث. قالَ الدارقطني: رواه زيد بنِ أسلم، عَن عطاء بنِ يسار، عَن زيد بنِ خالد: أنَّهُ سأل خمسة أو أربعة مِن أصحاب النبي ﷺ ، فأمروه بذلك، ولم يرفعه. يشير إلى أن زيد بنِ أسلم يخالف أبا سلمة في رفعه، ولم يرفع منهُ شيئاً. وقد كانَ قوم مِن الأنصار قديماً يقولون: ((إن الماء مِن الماء)) ، ثُمَّ استقر الأمر على أنَّهُ إذا التقى الختانان وجب الغسل، ورجع أكثر مِن كان يخالف في ذَلِكَ عَنهُ. وأما المهاجرون، فَقد صح عَنهُم أنهم قالوا: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل)) ، مِنهُم: عمر، وعثمان، وعلي، فدل على أن عثمان وعلياً علموا أن ((الماء مِن الماء)) نسخ، وإلا فكيف يروي عثمان أو

стр. 457

غيره عَن النبي ﷺ شيئاً، ثُمَّ يرجع عَن القول بهِ؟ وفي ((صحيح مسلم)) عَن أبي موسى، قالَ: اختلف في ذَلِكَ رهط مِن المهاجرين والأنصار، فقالَ الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا مِن الدفق أو مِن الماء، فقالَ المهاجرون: بل إذا خالط فَقد وجب الغسل. قالَ: قالَ أبو موسى: فأنا أشفيكم مِن ذَلِكَ، وذكر قيامه إلى عائشة وما روته لهُ عَن النبي ﷺ ، كَما سبق ذكره. وروى وكيع، عَن القاسم بنِ الفضل، عَن أبي جعفر محمد بنِ علي، قالَ: قالَ المهاجرون: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، وقال الأنصار: الماء مِن الماء. وروى ابن أبي شيبة، عَن حفص بنِ غياث، عَن حجاج، عَن أبي جعفر، قالَ: أجمع المهاجرون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أن ما أوجب الحدين: الجلد والرجم، أوجب الغسل. وروى إبراهيم بنِ مسلم الخوارزمي في ((كِتابِ الطهور)) عَن ابن نمير، عَن يحيى بنِ سعيد، عَن سعيد بنِ الميسب، قالَ: كانَ أبو بكر وعمر يأمران بالغسل - يعني: مِن الإكسال. وروى مالك عَن ابن شهاب، عَن سعيد بنِ المسيب، قالَ: إن عمر وعثمان وعائشة كانوا يقولون: إذا مس الختان الختان فَقد وجب الغسل.

стр. 458

وروى عبد الرزاق عَن معمر، عَن الزهري، عَن سعيد بنِ المسيب، قالَ: كانَ عمر وعثمان وعائشة والمهاجرون الأولون يقولون: إذا مس الختان الختان فَقد وجب الغسل. وروى وكيع، عَن محمد بنِ قيس الأسدي، عَن علي بنِ ربيعة، عَن علي، قالَ: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل. وروى ابن أبي شيبة والأثرم بإسنادهما، عَن عاصم، عَن زر، عَن علي، قالَ: إذا التقى الختانان وجب الغسل. وقد روي، عَن علي مِن وجوه متعددة. فهؤلاء الخلفاء الراشدون ﵃ قَد أجمعوا على ذَلِكَ، معَ أن بعضهم روى عَن النبي ﷺ خلافه، فلولا أنهم علموا أن ما خالف ذَلِكَ منسوخ لما خالفوا ما سمعوا مِن النبي ﷺ ، ووافقهم على ذَلِكَ أكابر الصحابة، مِنهُم: ابنِ مسعود، وابن عمر، وأبو ذر، وأبو هريرة، ومعاذ بنِ جبل فقيه الأنصار، وأبو هريرة، وعائشة أم المؤمنين، وهي أعلم الناس بهذا، وإليها مرجع الناس كلهم. وقد صح عنها، أنها افتت بذلك، وأمرت بهِ، وأن الصحابة الذين سمعوا منها رجعوا إلى قولها في ذَلِكَ؛ فإنها لا تقول مثل هَذا إلا عَن علم عندها فيهِ عَن رسول الله ﷺ ، لا سيما وقد علمت اختلاف الصحابة في ذَلِكَ. وجمع عمر الناس كلهم على قولها، فلو كانَ قولها رأياً مجرداً عَن رواية لما استجازت رد روايات غيرها مِن الصحابة برأيها. وقد روي عنها مِن وجوه كثيرة، وبعضها صحيح، كَما تقدم، أنها روته عَن رسول الله ﷺ قولاً أو فعلاً. فما

стр. 459

بقي بعد ذَلِكَ سوى العناد والتعنت، ونعوذ بالله مِن مخالفة ما أجمع عليهِ الخلفاء الراشدون، وجمع عليهِ عمر كلمة المسلمين، وأفتت بهِ عائشة أم المؤمنين، أفقه نساء هَذهِ الأمة، وهي أعلم بمستند هَذهِ المسألة مِن الخلق أجمعين. فروى مالك عَن يحيى بنِ سعيد، عَن سعيد بنِ المسيب، أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة أم المؤمنين، فقالَ لها: فقالَ لها: لقد شق علي اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في أمر إني لأعظم أن استقبلك بهِ، قالت: ما هو؟ ما كنت سائلاً عَنهُ أمك فسلني عَنهُ. قالَ لها: الرجل يصيب أهله ثُمَّ يكسل ولا ينزل؟ فقالت: إذا جاوز الختان الختان فَقد وجب الغسل. فقالَ أبو موسى: لا أسأل عَن هَذا أحداً بعدك. ورواه حماد بنِ زيد وعبد الوهاب الثقفي وغيرهما، عَن يحيى بنِ سعيد، بنحوه. وسمى عبد الوهاب في روايته مِن قالَ: لا يجب الغسل بذلك: أبي ابن كعب، وأبا أيوب، وزيد بنِ ثابت، وسمى مِمن يأمر بالغسل: عمر وعثمان. وروى ابن إسحاق، عَن يزيد بنِ أبي حبيب، عَن معمر عبد الله بنِ أبي حيية، عَن عبيد بنِ رفاعة بنِ رافع، عَن أبيه رفاعة، قالَ: كنت عند عمر، فقيل لَهُ: إن زيد بنِ ثابت يفتي برأيه في الذِي يجامع ولا ينزل، فدعاه، فقالَ: أي عدو نفسه، قَد بلغت أن تفتي الناس في مسجد

стр. 460

رسول الله ﷺ برأيك! قالَ: ما فعلت، ولكن حدثني عمومتي، عَن رسول الله ﷺ . قالَ: أي عمومتك؟ قالَ: أبي بنِ كعب، وأبو أيوب، ورفاعة بنِ رافع. قالَ: فالتفت عمر إلي، فقلت: كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ، قالَ: فسألتم عَنهُ رسول الله ﷺ ؟ قالَ: كنا نفعله على عهده، قالَ: فجمع الناس، وأصفق الناس على أن الماء لا يكون إلا مِن الماء، إلا رجلين: علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، قالا: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل. فقالَ علي: يا أمير المؤمنين، إن أعلم الناس بهذا أزواج النبي ﷺ ، فأرسل إلى حفصة، فقالت: لا علم لي، فأرسل إلى عائشة، فقالت: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل. قالَ: فتحطم عمر - يعني: تغيظ -، ثُمَّ قالَ: لا يبلغني أن أحداً فعله ولم يغتسل إلا انهكته عقوبة. خرجه الإمام أحمد وبقي بن مخلد في ((مسنديهما)) ، ومسلم في ((كِتابِ التفصيل)) وَهوَ ((كِتابِ الناسخ والمنسوخ)) لَهُ. ثُمَّ خرجه مِن طريق عبد الله بنِ صالح، عَن الليث: حدثني يزيد بنِ أبي حبيب، عَن معمر بنِ أبي حيية، عَن عبيد بنِ رفاعة، أن زيد بنِ ثابت كانَ يقول - فذكره بنحوه، ولم يقل: ((عَن أبيه)) . ومعمر بنِ أبي حيية، ويقال: ابن أبي حبيبة، وثقه ابن معين وغيره.
следующие страницы →