← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

وخرّج –أيضاً - من طريق الأعمش، عن مجاهد، قال: ما كان للناس عيدٌ إلا أول النهار. ومن طريق يزيد بن أبي زياد، عن عطاءٍ، قال: كان من كان قبلكم يصلون الجمعة وإن ظل الكعبة كما هو. وروى عبد الرزاق في ((كتابه)) عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: كل عيد حين يمتد الضحى: الجمعة، والأضحى، والفطر، كذلك بلغنا. وروى وكيع في ((كتابه)) عن جعفر بن برقان، عن حبيب بن أبي مرزوق، عن عطاءٍ، قال: كل عيد في صدر النهار. وعن شعبة، عن الحكم، عن حماد، قال: كل عيد قبل نصف النهار. وروى أبو سعدٍ البقال، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعودٍ، قال: ما كان عيدٌ قط إلا في صدر النهار، ولقد رأيتنا وأنا لجمع مع رسول الله ﷺ في ظل الخطبة. أبو سعدٍ، فيه ضعفٌ.

стр. 3922

وحكى الماوردي في كتابه ((الحاوي)) عن ابن عباسٍ، أنه يجوز صلاة الجمعة قبل الزوال. وهو مذهب أحمد وإسحاق -: نقله عنهما ابن منصورٍ، وهو مشهورٌ عن أحمد، حتى نقل أنه لا يختلف قوله في جواز إقامة الجمعة قبل الزوال، كذا قاله غير واحد من أصحابه، ومنهم: ابن شاقلا وغيره. وقد روى حنبل، عن أحمد، قال: صلاة الجمعة تعجل، يؤذن المؤذن قبل أن تزول الشمس، وإلى أن يخطب الإمام، وتقام الصلاة، قد قام قائم الظهيرة، ووجبت الصلاة، ويقال: إن يوم الجمعة صلاةٌ كله لا تحرى فيها الصلاة، وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتحرون بصلاة الجمعة، إلا أنه لا ينبغي أن تصلى حتى تزول الشمس لأول الوقت، هذه السنة التي لم يزل الناس يعملون عليها بالمدينة والحجازٍ، ورسول الله ﷺ وأصحابه على ذلك. وظاهر هذه الرواية: أنه إنما يقدم على الزوال الأذان والخطبة خاصة، وظاهرها: أنه يجوز الصلاة في وقت الزوال يوم الجمعة خاصةً. وقال صالح بن أحمد: سألت أبي عن وقت الجمعة؟ فقالَ: إذا زالت الشمس. ونقل صالح - أيضاً -، عن أبيه - في موضع أخر -، أنه قال: إن فعل ذلك قبل الزوال فلا أعيبه، فأما بعده فليس فيه شكٌ. ونحوه نقل ابن منصورٍ، عن أحمد وإسحاق. ونقل أبو طالب، عنه، قال: ما ينبغي أن يصلي قبل الزوال، وقد صلى ابن مسعودٍ.

стр. 3923

ونقل عنه جماعة ما يقتضي التوقف. ونقل عنه عبد الله، أنه قال: لا بأس أن يصلي قبل الزوال، قد صلى ابن مسعود. وقد نقل عنه ابن القاسم، قال: وقت الجمعة قبل الزوال وبعد الزوال، أي ذلك فعل جاز. ونقل عنه أحمد بن الحسن الترمذي، أنه قال: على ما جاء من فعل أبي بكر وعمر: لا أرى به بأسا، لأنها عيد، والأعياد كلها في أول النهار. وكذا نقل عبد الله، عن أبيه، قال: يجوز أن تصلى الجمعة قبل الزوال، يذهب إلى أنها كصلاة العيد. قال أبو بكر: وعلى هذا استقرت الروايات عنه، وعليه العمل. واختلف أصحابنا في الوقت الذي يجوز فعلها فيه: فقال الخرقي: في الساعة السادسة –وفي بعض النسخ: الخامسة. وقال القاضي وكثير من أصحابه: يجوز فعلها في وقت جواز صلاة العيد، وهو إذا ارتفعت الشمس بعد طلوعها، وزال وقت النهي. وهو ظاهررواية عبد الله، عن أبيه. ومن أصحابنا من ثال: يجوز فعلها من وقت طلوع الفجر يوم الجمعة، إذا دخل وقت الفجر، حكاه ابن عقيل في ((مفرداته)) و ((عمد الأدلة)) .

стр. 3924

وهذا القول غلوٌ من قائله، وكيف يجوز إقامة الجمعة في وقت صلاة الفجر؟! وهل فعل هذا أحدٌ سلفاً أو خلفاً؟! وإذا كانت صلاة لا تفعل قبل طلوع الشمس، ووقتها قبل الزوال دون ما بعده، فكيف تصلي الجمعة قبل طلوع الشمس، وإنما جاز تقديمها على الزوال إلحاقاً لها بالعيد، وتشبيهاً لها بها. وبكل حالٍ؛ فلا يجب فعلها إلا بعد الزوال، على الصحيح من المذهب. وعليه جمهور الأصحاب. وإنما يجوز تقديمها قبله وتعجيلها كما تعجل الصلاة المجموعة؛ فإن صلاة الجمعة سببها: اليوم؛ ولهذا تضاف إليه، فيقال: صلاة الجمعة، وشرطها: الزوال، فيجوز تقديمها على شرطها بعد وجود سببها، وهو اليوم، كما يجوز تعجيل الزكاة بعد كمال النصاب، وهو سبب الوجوب، وقيل: الحول، وهوشرطه. وهذا هو الذي تخيله من قال من الأصحاب: يجوز فعلها في وقت صلاة الفجر، لكن الصحيح: أنه غير جائز، ما دام وقت الفجر باقياً؛ لئلا يتداخل وقت الصلاتين، فإذا خرج وقت صلاة الفجر، وزال وقت النهي، ودخل وقت صلاة العيد والضحى جاز تقديم صلاة الجمعة حينئذٍ. ومع هذا، فلا تصلى في حال استواء الشمس في السماء، ويجوز قبله، نص عليه أحمد، وقال: ما يعجبني، وأتوقاه في صلاتها في قائم الظهيرة، مع قوله: يجوز صلاتها قبل الزوال.

стр. 3925

وأما آخر وقت الجمعة: فهو آخر وقت الظهر، هذا هو قول جمهور العلماء، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والحسن بن حي، ومالك - في رواية -، والشافعي، وأحمد، وعبد العزيز بن الماجشون. واتفقوا: على أنه متى خَّرج وقت الظهر، ولم يصل الجمعة فقد فاتت ويصلي الظهر. وأما أن صلى الجمعة، ثم خَّرج الوقت وهم في الصلاة، فقال أبو حنيفة والشافعي: تبطل الصلاة، إلا أن يخرج قبل السلام –على رأي أبي حنيفة وحده. والمنصوص عن أحمد: أنه أن خَّرج الوقت وهم في التشهد أتموا الجمعة. واعتبر الخرقي من أصحابنا أن يكون قد أدرك في الوقت ركعة فصاعدا، فإن خرج الوقت قبل إدراك ركعةٍ صلوا ظهراً. وحكي رواية عن مالكٍ كذلك. ومن أصحابنا من قال: تلحق الجمعة بتكبيرة الإحرام في الوقت كسائر الصلوات. ونقل ابن القاسم، عن مالكٍ، أن آخر وقتها: غروب الشمس. قال ابن القاسم: من صلى من الجمعة ركعةً، ثم غربت الشمس صلى الركعة الثانية بعد غروب الشمس، وكانت جمعةً. والعجب ممن ينصر هذا القول، ويحتج له، مع أنه لا يعرف العمل به إلاّ عن ظلمة بني أمية واعوانهم، وهو مما ابتدعوه في الإسلام، ثم ينكر على من قدم الجمعة على الزوال متابعة لأصحاب النبي ﷺ ، ولكثيرٍ من التابعين لهم بإحسان! فإن قيل: فقد كان الصحابة يصلون مع من يؤخر الجمعة إلى بعد

стр. 3926

العصر، والى قريب من غروب الشمس؟ قيل: كانوا يصلون الظهر والعصر في بيوتهم قبل مجيئهم، ثم يجيئون إتقاء شر الظلمة، كما أمرهم النبي ﷺ بذلك، ومنهم من كان يومئ بالصلاة، وهو جالسٌ في المسجد إذا خاف فوت الوقت. وسنذكر ذلك في الباب الآتي – أن شاء الله تعالى. * * * ١٧ -

стр. 3927

بابٌ إذا اشتد الحر يوم الجمعة

стр. 3928

٩٠٦ - حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي: ثنا حرمي بن عمارةً: ثناابو خلدة –هو: خالد بن دينار -، قال: سمعت أنس بن مالكٍ يقول: كان النبي ﷺ ، إذا أشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا أشتد الحر أبرد بالصلاة –يعني: الجمعة. وقال يونس بن بكير: أنا أبو خلدة، وقال: ((بالصلاة)) ، ولم يذكر: ((الجمعة)) . وقال بشر بن ثابت: ثنا أبو خلدة: صلى بنا أمير المؤمنين الجمعة، ثم قال لأنسٍ: كيف كان النبي ﷺ يصلي الظهر؟ خرّج الإسماعيلي في ((صحيحه)) –وهو ((المستخرج على صحيح البخاري)) –من طريق هارون بن عبد الله، عن حرمي بن عمارة: حدثني أبو خلدة، قالَ: سمعت أنس بن مالكٍ –وناداه يزيد الضبي: يا أبا حمزة، قد شهدت الصَّلاة مع رسول الله ﷺ ، وشهدت الصَّلاة معنا، فكيف كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة؟ - فقال: كان إذا أشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا أشتد الحر أبرد بالصلاة. وخرّجه –أيضاً - من رواية محمد بن المثنى، عن حرمي، ولم يذكر في حديثه: ((الجمعة)) . وخرّج –أيضاً - رواية يونس بن بكير التي علقها البخاري، ولفظ

стр. 3929

حديثه: كان النبي ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد بكر بها –يعني: الظهر. وخرّج - أيضاً - حديث بشر بن ثابت الذي علقه البخاري - أيضاً -، ولفظ حديثه: كان رسول الله ﷺ إذا كان الشتاء يبكر بالظهر، وإذا كان الصيف أبرد بها، ولكن يصلي العصر والشمس بيضاء. وخرّجه البيهقي من رواية بشر بن ثابت – بهذا المعنى. وخرّج - أيضاً - رواية يونس بن بكيرٍ: ثنا أبو خلدة: سمعت أنس بن مالكٍ – وهو جالسٌ مع الحكم أمير البصرة على السرير – يقول: كان رسول الله ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد بكر بالصلاة. وروى هذا الحديث – أيضاً – خالد بن الحارث: ثنا أبو خلدة، أن الحكم ابن أيوب أخر الجمعة يوماً، فتكلم يزيد الضبي. وقال: دخلنا الدار وأنس معه على السرير، فقال له يزيد: يا أبا حمزة، قد صليت مع النبي ﷺ وحضرت صلاتنا، فأين صلاتنا من صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقال: إذا كان الحر برد بالصلاة، وإذا كان البرد يبكر بالصلاة، ولم يسمعه، ولكنه قد شهد الأمر. خرّجه النسائي في ((كتاب الجمعة)) .

стр. 3930

وهذه الرواية تخالف رواية البخاري التي فيها التصريح بالسماع. وقد رواه سهل بن حمادٍ، عن أبي خلدة، قال: بينا الحكم بن أيوب يخطب في البصرة إذ قام يزيد الضبي، فناداه، فقال: أيها الأمير: إنك لا تملك الشمس، فقال: خذاه، فأخذ، فلما قضى الصلاة أدخل عليه، ودخل الناس، وثم أنس بن مالكٍ، فأقبل على أنس، فقال: كيف كنتم تصلون مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يبرد بالصلاة في الحر، ويبكر بها في الشتاء. خرّجه المروزي في ((كتاب الجمعة)) . فقد تبين بهذه الروايات أن سبب سؤال أنس إنما كان تأخير الحكم بن أيوب. وقضية يزيد الضبي مع الحكم بن أيوب في إنكاره عليه تأخير الجمعة وهو يخطب معروفة، وكان أنس بن مالكٍ حاضراً. وقد خرّجها بتمامها ابن أبي الدنيا في ((كتاب الأمر بالمعروف)) من رواية جعفر بن سليمان: حدثني المعلى بن زياد، قال: حدثني يزيد الضبي، قال: أتيت الحسن ثلاث مراتٍ، فقلت: يا أبا سعيدٍ، غلبنا على كل شيء، وعلى صلاتنا نغلب؟! فقال الحسن: إنك لن تصنع شيئاً، إنما تعرض نفسك لهم. قال: فقمت والحكم بن أيوب ابن عم الحجاج يخطب، فقلت: الصلاة يرحمك الله، قال: فجاءتني الزبانية، فسعوا الي من كل جانب، فأخذوا بلبتي، وأخذوا بلحيتي ويدي وكل شيء، وجعلوا يضربوني بنعالهم وسيوفهم، قال: وسكت الحكم بن أيوب، وكدت أن أقتل دونه، ففتح باب المقصورة، فادخلت عليه، فقال: أمجنونٌ أنت؟!

стр. 3931

قلت: ما بي من جنون، قالَ: أوما كنا في صلاة؟ قلت: أصلحك الله، هل من كلام أفضل من كتاب الله؟ قال: لا، قلت: لو أن رجلاً نشر مصحفه فقرأه غدوة حتى يمسي، ولا يصلي فيما بين ذلك، كان ذلك قاضياً عنه صلاته؟ قال الحكم: إني لأحسبك مجنوناً: قال: وأنس بن مالكٍ جالس قريباً من المنبر، على وجههٌ خرقة خضراء، فقلت: يا أبا حمزة، أذكرك الله، فانك صحبت رسول الله ﷺ وخدمته، أحقٌ أقول أم باطلٌ؟ قال: فو الله ما أجابني بكلمةٍ، فقال له الحكم: يا أنس، قال: لبيك، أصلحك الله – قال: وقد كان فات ميقات الصلاة – قال: يقول له أنس: قد كان بقي من الشمس بقيةٌ؟ فقال: احبساه. قال: فحبست، فشهدوا أني مجنونٌ. قال جعفر: فإنما نجا من القتل بذلك – وذكر بقية القصة. فقد تبين بهذا السياق أن الصحابة والتابعين كانوا كلهم خائفين من ولاة السوء الظالمين، وإنهم غير قادرين على الإنكار عليهم، وأنه غير نافع بالكلية؛ فإنهم يقتلون من أنكر، ولا يرجعون عن تأخير الصلاة على عوائدهم الفاسدة. وقد تكلم بعض علماء أهل الشام في زمن الوليد بن عبد الملك في ذلك، وقال: أبعث نبيٌ بعد محمدٍ يعلمكم هذا – أو نحو ذلك؟ فأخذ فأدخل الخضراء، فكان آخر العهد به. ولهذا لم يستطع أنس أن يجيب يزيد الضبي بشئ حين تكلم يزيد، وإنما قال للحكم لما سأله: قد بقي من الشمس بقيةٌ – يريد: قد بقي من ميقات العصر بقيةٌ -، وهو كما قال لكن وقت الجمعة كان قد فات، ولم

стр. 3932

يستطع أن يتكلم بذلك، فلما دخل الحكم داره، وأدخل معه أنساً ويزيد الضبي، فسئل أنس في ذلك الوقت عن وقت صلاة النبي ﷺ ، فأخبر أنه كان يعجل في البرد، ويبرد في الحر، ومراده –والله أعلم -: صلاة الظهر، وهذا هو الذي امكن أنسا أن يقوله فيذلك الوقت، ولم يمكنه الزيادة على ذلك. وأكثر العلماء على أن الجمعة لا يبرد بها بعد الزوال، بل تعجل في أول الوقت، وللشافعية في ذلك وجهان. وقد كان الصحابة والتابعون مع أولئك الظلمة في جهدٍ جهيدٍ، لا سيما في تأخير الصلاة عن ميقاتها، وكانوا يصلون الجمعة في أخر وقت العصر، فكان أكثر من يجيء إلى الجمعة يصلي الظهر والعصر في بيته، ثم يجيء إلى المسجد تقية لهم، ومنهم من كان إذا ضاق وقت الصلاة وهو في المسجد أومأ بالصلاة خشية القتل. وكانوا يحلفون من دخل المسجد أنه ما صلى في بيته قبل أن يجيء. قال إبراهيم بن مهاجرٍ: كنت أنا وسعيد بن جبيرٍ وإبراهيم نصلي الظهر، ثم نجلس فنتحدث والحجاج يخطب يوم الجمعة. خرّجه أبو نعيمٍ الفضل بن دكين في ((كتاب الصلاة)) . وخَّرج –أيضاً - بإسناده، عن أبي بكر بن عتبة، قال صليت إلى جنب أبي جحيفة، فتمسى الحجاج بالصلاة، فقام يصلي الجمعة، ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال: يا أبا بكر، أشهدك أنها الجمعة.

стр. 3933

وهذا غريبٌ، يدل على أنه يصح أن يصلي الرجل الجمعة وحده. وبإسناده: عن الأعمش، عن إبراهيم وخيثمة، أنهما كانا يصليان الظهر والعصر، ثم يأتيان الحجاج يوم الجمعة، فيصليان معه. وعن أبي وائل، أنه كان يأمرهم أن يصلوا في بيوتهم، ثم يأتوا الحجاج فيصلون معه الجمعة. وعن محمد بن أبي إسماعيل، قال: كنت في مسجد منى، وصحف تقرأ للوليد، فأخروا الصلاة: قال: فنظرت إلى سعيدٍ بن جبير وعطاء يومئان، وهما قاعدان. وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري في ((كتاب أدب السلطان)) باباً في تأخير الأمراء الصلاة، خَّرج فيه الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة في ذلك، وقد سبق ذكر بعضها في ((أبواب: المواقيت)) . وروى فيه بإسناده: أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ كان يروح إلى المسجد وقد صلى الظهر والعصر، فيجلس فينتظر، فيقول: ماله قاتله الله؟! يصيح على منبره صياحاً، وقد فاتته العصر، ولم يصل الظهر بعد. وبإسناده: عن عمرو بن هرم، قال: كان أنس بن مالكٍ يصلي الظهر والعصر في بيته، ثم يأتي الحجاج فيصلي معه الجمعة. وبإسناده: عن عبد الله بن أبي زكريا، أنه كان يجمع مع الوليد بن عبد الملك ما صلى الوليد في وقت الظهر الجمعة، ويعتد بها جمعةً، فإن أخرها عن وقت الظهر صلى الظهر في آخر وقت الظهر أربعاً إيماءً، ثم

стр. 3934

صلى الجمعة معه، وجعلها تطوعا، فإن أخر العصر حتى يخرج وقتها صلاها في آخر وقتها ايماءً. وبإسناده: عن حصينٍ، قال: كان أبو وائل إذا أخر الحجاج الجمعة استقبل القبلة، يومئ ايماءً: يتناعس. وبإسناده: عن جريرٍ، قال: شهدت الجمعة مع ابن هبيرة، فأخر الصلاة إلى قريب من العصر، فرأيت الناس يخرجون، فرأيت أبا حنيفة خَّرج، فكأن شيخ يصيح في المسجد: لو كان الحجاج ما خرجوا، وجعل فضيل بن غزوان ويقول: إنهم، إنهم. وبإسناده: عن ابن سيرين، أنه حضر الجمعة، فأخر الأمير الصلاة، فأدمى ظفره، ثم قام فخرج، وأخذته السياط حتى خَّرج من المسجد. وعن عطاءٍ بن السائب: قال: رأيت سعيدٍ بن جبير وأبا البختري وأصحابه يومئون يوم الجمعة، والحجاج يخطب، وهم جلوسٌ. وعن محمد بن إسماعيل، قال: رأيت سعيد بن جبير وعطاء، وأخر الوليد الجمعة والعصر، فصلاهما جميعاً، قال: فأومئا إيماءً، ثم صليا معه بمنىً. وبإسناده: عن حميدٍ، أن الوليد بن عبد الملك خَّرج بمنىً بعد العصر، فخطب حتى صارت الشمس على رؤس الجبال، فنزل فصلى الظهر، ثم صلى العصر، ثم صلى المغرب.

стр. 3935

وروى بإسنادٍ له: عن سالم، أنه ذكر أن الوليد قدم عليهم المدينة، فما زال يخطب ويقرأ الليث حتى مضى وقت الجمعة، ثم مضى وقت العصر، فقال القاسم بن محمد لسالم: أما قمت فصليت؟ قال: لا. قال: أفما اومأت؟ قال: لا. وقال: خشيت أن يقال: رجل من آل عمر. وروى بإسناده: عن عمارة بن زاذان: حدثني مكحولٌ، قال: خطب الحجاج بمكة، وأنا إلى جنب ابن عمر، يحبس الناس بالصلاة، فرفع ابن عمر راسه، ونهض، وقال: يا معشر المسلمين، انهضوا إلى صلاتكم، ونهض الناس، ونزلالحجاج، فلما صلى قال: ويحكم، من هذا؟ قالوا: ابن عمر. قال: أما والله لولا أن به لمماً لعاقبته. وروى أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)) : ثنا زهير، عن جابر –وهو: الجعفي -، عن نافع، قال: كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج، فلما اخرهاترك الصلاة معه. وكان الحسن يأمر بالكف عن الإنكار عليهم، ثم غلبه الأمر فأنكر على الحجاج، وكان سبب اختفائه منه حتى مات الحجاج، والحسن متوار عنه بالبصرة. وقد روى أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب ((مناقب الحسن)) بإسناد له، أن الحسن شهد الجمعة مع الحجاج، فرقى الحجاج المنبر، فأطال الخطبة حتى دخل في وقت العصر، فقال الحسن: أما من رجل يقول:

стр. 3936

الصلاة جامعةٌ؟ فقالَ رجل: يا أبا سعيدٍ، تأمرنا أن نتكلم والإمام يخطب؟ فقال: إنما أمرنا أن ننصت لهم فيما أخذوا من أمر ديننا، فإذا أخذوا في أمر دنياهم أخذنا في أمر ديننا، قوموا، فقام الحسن وقام الناس لقيام الحسن، فقطع الحجاج خطبته، ونزل فصلى بهم، فطلب الحجاج الحسن فلم يقدر عليه. وهذا كله مما يدل على اجتماع السلف الصالح على أن تأخير الجمعة إلى دخول وقت العصر حرام لا مساغ له في الإسلام. ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة صلى الجمعة في أول وقتها على ما كانت عليه السنة. فروى إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن مهاجرٍ، أن عمر بن عبد العزيز كان يصلي الجمعة في أول وقتها حين يفيء الفيء ذراعا ونحوه، وذلك في الساعة السابعة. وقال ابن عونٍ: كانوا يصلون الجمعة في خلافة عمر بن عبد العزيز والظل هنية. * * * ١٨ -

стр. 3937

باب المشي إلى الجمعة وقول الله : ﴿فَاسعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ومن قال: السعي العمل والذهاب، لقوله ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا?﴾ [الإسراء:١٩] . وقال ابن عباسٍ: يحرم البيع حينئذ. وقال عطاءٌ: تحرم الصناعات كلها. وقال إبراهيم بن سعدٍ، عن الزهري: إذا اذن المؤذن يوم الجمعة وهو مسافر، فعليه أن يشهد. اشتمل كلامه –هاهنا - على مسائل: إحداها: المشي إلى الجمعة، وله فضل. وفي حديث أوس بن أوس، عن النبي ﷺ : ((من بكر وابتكر، وغسل واغتسل، ومشى ولم يركب)) . وقد سبق. وفي حديث اختصام الملأ الأعلى، ((إنهم يختصمون في الكفارات والدرجات، والكفارات إسباغ الوضوء في الكريهات، والمشي على الأقدام إلى الجمعات)) . وقد خرّجه الإمام أحمد والترمذي من حديث

стр. 3938

معاذٍ. وله طرق كثيرة، ذكرتها مستوفاة في ((شرح الترمذي)) . وروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ فيه انقطاعٌ، أن عبد الله بن رواحة كان يأتي الجمعة ماشياً، فإذا رجع كيف شاء ماشياً، وإن شاء راكباً. وفي رواية: وكان بين منزلة وبين الجمعة ميلان. وعن أبي هريرة، أنَّهُ كان يأتي الجمعة من ذي الحليفة ماشياً. وذكر ابن سعدٍ في ((طبقاته)) بإسناده، عن عمر بن عبد العزيز، أنه كتب ينهى أن يركب أحد إلى الجمعة والعيدين. وقال النخعي: لا يركب إلى الجمعة. المسألة الثانية: أنه يستحب المشي بالسكينة مع مقاربة الخطا، كما في سائر الصلوات، على ماسبق ذكره في موضعه. فأما قول الله : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسعَوْا إِلَى

стр. 3939

ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ، فقد حمله قوم من المتقدمين علىظاهره، وأنكر ذلك عليهم الصحابة. فروى البيهقي من حديث عبد الله بن الصامت، قال: خرجت إلى المسجد يوم الجمعة، فلقيت أبا ذر، فبينا أنا امشي اذ سمعت النداء، فرفعت في المشي؛ لقول الله : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ، فجذبني جذبة كدت أن ألاقيه، ثم قال: أو لسنا في سعي؟ . فقد أنكر أبو ذر على من فسر السعي بشدة الجري والعدو، وبين أن المشي إليها سعي؛ لأنه عمل، والعمل يسمى سعياً، كم قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤] ، وقال: ﴿?وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء:١٩] ومثل هذا كثير في القرآن. وبهذا فسر السعي في هذه الآية التابعون فمن بعدهم، ومنهم: عطاءٍ، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، ومالك، والثوري، والشافعي وغيرهم. وروي عن ابن عباسٍ –أيضاً - من وجه منقطع. ومنهم من فسر السعي بالجري والمسابقة، لكنه حمله على سعي القلوب والمقاصد والنيات دون الأقدام، هذا قول الحسن. وجمع قتادة بين القولين –في روايةٍ -، فقال: السعي بالقلب والعمل.

стр. 3940

وكان عثمان وابن مسعودٍ وجماعة من الصحابة يقرءونها: ((فامضوا إلى ذكر الله)) . وقال النخعي: لو قرأتها ((فسعوا)) لسعيت حتى يسقط ردائي. وروي هذا الكلام عن ابن مسعودٍ من وجهٍ منقطعٍ. المسألة الثالثة: في تحريم البيع وغيره مما يشغل به عن السعي بعد النداء. وقد حكى عن ابن عباسٍ تحريم البيع وغيره. وروى القاضي إسماعيل في كتابه ((أحكام القرآن)) من روايةٍ سليمان بن معاذ، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادى بالصلاة، فاذا قضيت الصلاة فاشتر وبع. وبإسناده: عن ميمون بن مهران، قال: كان بالمدينة إذا نودي بالصلاة من يوم الجمعة نادوا: حرم البيع، حرم البيع. وعن أيوب، قال: لأهل المدينة ساعة، وذلك عند خروج الإمام، يقولون: حرم البيع، حرم البيع. وعن عمر بن عبد العزيز، أنه كان يمنع الناس من البيع يوم الجمعة إذا

стр. 3941

نودي بالصلاة. وعن الحسن وعطاء والضحاك: تحريم البيع إذا زالت الشمس من يوم الجمعة. وعن الشعبي، أنه محرمٌ. وكذا قال مكحولٌ. وحكى إسحاق بن راهويه الإجماع على تحريم البيع بعد النداء. وحكى القاضي إسماعيل، عمن لم يسمه، أن البيع مكروه، وانه استدل بقوله ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [الجمعة:٩] . ورد عليه: بأن من فعل ما وجب عليه وترك ما نهي عنه فهو خيرٌ له، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء:١٧١] . وحكي القول بأن البيع مردود عن القاسم بن محمد وربيعة ومالكٍ. ورواه ابن عيينة، عن عبد الكريم، عن مجاهد أو غيره. وهو مذهب الليث والثوري وإسحاق وأحمد وغيرهم من فقهاء أهل الحديث. وخالف فيه أبو حنيفة والشافعي واصحابهما وعبيد الله العنبري، وقالوا: البيع غير مردودٍ؛ لأن النهي عن البيع هنا ليس نهياً عنه لذاته بل لوقته. والأولون يقولون: النهي يقتضي فساد المنهي عنه، سواء كان لذات المنهي عنه أو لوقته، كالصوم يوم العيد، والصلاة وقت النهي، فكذلك العقود.

стр. 3942

وقال الثوري –فيما إذا تصارفا ذهباً بفضة وقبضا البعض، ثم دخل وقت النداء يوم الجمعة -: فإنهما يترادان البيع. وهذا يدل على أن القبض عند شرط لانعقاد الصرف، فلا يتم العقد الا به، وهو الصحيح عند المحققين من أصحابنا –أيضاً. وأما ما ذكره عن عطاءٍ، أنه تحرم الصناعات حينئذ، فإنه يرجع إلى أنه إنما حرم البيع؛ لأنه شاغلٌ عن السعي إلى ذكر الله والصلاة، فكل ما قطع عن ذلك فهو محرم من صناعة أو غيرها، حتى الاكل والشرب والنوم والتحدث وغير ذلك، وهذا قول الشافعية وغيرهم –أيضاً. لكن لأصحابنا في بطلان غير البيع من العقود وجهان، فإن وقوعها بعد النداء نادر، بخلاف البيع، فإنه غالب، فلو لم يبطل لادى إلى الاشتغال عن الجمعة به، فتفوت الجمعة غالباً. وأكثر أصحابنا حكوا الخلاف في جواز ذلك، وفيه نظرٌ؛ فإنه إذا وجب السعي إلى الجمعة حرم كل ما قطع عنه. وقد روي عن زيد بن أسلم، قال: لم يأمرهم الله أن يذروا شيئاً غيره، حرم البيع، ثم أذن لهم فيه إذا فرغوا. وهذا ضعيف جدا؛ فإن البيع إنما خص بالذكر لأنه أكثر ما يقع حينئذ مما يلهي عن السعي، فيشاركه في المعنى كل شاغل. وأستدل بعض أصحابنا على جواز غير البيع من العقود بالصدقة، وقال: قد أمر به النبي ﷺ وهو يخطب.

стр. 3943

وهذا لا يصح؛ فإن الصدقة قربة وطاعة، وإذا وقعت في المسجد حيث لا يكره السؤال فيه فلا وجه لمنعها. فإن الحق بذلك عقد النكاح في المسجد قبل خروج الإمام كان متوجهاً، مع أن بعض أصحابنا قد خص الخلاف بالنكاح، وهو ابن عقيل. وعن أحمد روايةٍ: إنه يحرم البيع بدخول وقت الوجوب، وهو زوال الشمس. وقد سبق مثله عن الحسن، وعطاء، والضحاك، وهو - أيضاً - قول مسروق، ومسلم بن يسارٍ، والثوري، وإسحاق. وقياس قولهم: إنه يجب السعي بالزوال، ويحرم حينئذ كل شاغلٍ يشغل عنه. والجمهور: على أنه لا يحرم بدون النداء. ثم الأكثرون منهم على أنه النداء الثاني الذي بين يدي الإمام؛ لأنه النداء الذي كان في عهد النبي ﷺ ، فلا ينصرف النداء عند إطلاقه إلا إليه. وفي ((صحيح الإسماعيلي)) من حديث الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: كان النداء الذي ذكر الله في القرآن يوم الجمعة إذا خَّرج الإمام، وإذا قامت الصلاة في زمن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر. وعن أحمد روايةٌ: أنه حرم البيع ويجب السعي بالنداء الأول. وهو قول مقاتل بن حيان، قال: وقد كان النداء الأول قبل زوال الشمس. ونقله ابن منصورٍ، عن إسحاق بن راهويه –صريحاً. وعن أحمد، أنه قال: أخاف أن يحرم البيع، وإن أذن قبل الوقت. ومجرد الشروع في الأذان يحرم به البيع عند أصحابنا والشافعية؛

стр. 3944

لأنه صار نداءً مشروعاً مسنوناً سنة الخلفاء الراشدين. قال أصحابنا: ولو اقتصر عليه اجزأ، وسقط فرض الأذان. وعند أصحاب الشافعي: يحرم البيع بمجرد الشروع في النداء الثاني بين يدي الإمام، إذا كان قاطعاً عن السعي، فأما إن فعله وهو ماش في الطريق ولم يقف، أو هو قاعد في المسجد كره ولم يحرم. وهذا بعيد، والتبايع في المسجد بعد الأذان يجتمع فيه نهيان؛ لزمانه ومكانه، فهو أولى بالتحريم. المسألة الرابعة: حكى عن الزهري: أن المسافر إذا سمع النداء للجمعة، فعليه أن يشهدها، وقد سبق ذكر ذلك عنه، وعن النخعي والأوزاعي وعن عطاءٍ: أن عليه شهودها، سمع الأذان أو لم يسمعه، وأن الجمهور على خلاف ذلك. وهل للمسافر أن يبيع ويشتري بعد سماع النداء؟ فيهِ اختلاف بين أصحابنا، يرجع إلى أن من سقطت عنه الجمعة لعذر، كالمريض: هل لهُ أن يبيع بعد النداء، أم لا؟ فيه روايتان عن أحمد. وأما من ليس من أهل الجمعة بالكلية، كالمرأة، فلها البيع والشراء بغير خلاف، وكذا العبد، إذا قلنا: لا يجب عليه الجمعة. خَّرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث:

стр. 3945

الأول: ٩٠٧ -

стр. 3946

ثنا علي بن عبد الله: ثنا الوليد بن مسلمٍ: ثنا يزيد بن أبي مريم: ثنا عباية بن رفاعة، قال: أدركني أبو عبسٍ وأنا اذهب إلى الجمعة، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار)) . ((يزيد بن أبي مريم)) ، هو: الأنصاري الشامي، وهو بالياء المثناة من تحت، وبالزاي. وأما: بريد بن أبي مريم –بالباء الموحدة، والراء المهملة -، فبصري، لم يخرج له البخاري في ((صحيحه)) شيئاً. وخرّج الإسماعيلي في ((صحيحه)) هذا الحديث بسياق تام، ولفظه: عن يزيد بن أبي مريم: بينما أنا رائحٌ إلى الجمعة إذ لحقني عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاري، وهو راكب وأنا ماشٍ، فقال: احتسب خطاك هذه في سبيل الله، فاني سمعت أبا عبس بن جبر الأنصاري يقول: قال رسول الله ﷺ : ((من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار)) . وخرّجه الترمذي والنسائي –بمعناه. ففي هذه الرواية أن هذه القصة جرت ليزيد مع عباية، وفي روايةٍ البخاري أنها جرت لعباية مع أبي عبس، وقد يكون كلاهما محفوظاً. والله أعلم.

стр. 3947

وليس عن النبي ﷺ في هذا الحديث ذكر المشي إلى الجمعة، إنما فيه فضل المشي في سبيل الله، فأدخل الرواي المشي إلى الجمعة في عموم السبيل، وجعله شاملاً له وللجهاد. والأظهر في اطلاق سبيل الله: الجهاد، وقد يؤخذ بعموم اللفظ، كما أذن النبي ﷺ لمن جعل بعيره في سبيل الله أن يحج عليه، وقال: ((الحج من سبيل الله)) ، وقد ذكرناه في موضع آخر. وقد كان كثير من السلف يختارون المشي إلى الجمعة، كما سبق من غير واحدٍ من الصحابة. وقد روي عن عبد الله بن رواحة –﵁، أنه كان يبكر إلى الجمعة، ويخلع نعليه، ويمشي حافياً، ويقصر في مشيه. خرّجه الأثرم بإسناد منقطع. الحديث الثاني: ٩٠٨ -

стр. 3948

حديث: أبي هريرة، عن النبي ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاتموا)) .

стр. 3949

وقد تقدم في ((كتاب: الصلاة)) باختلاف أسانيده وألفاظه. الحديث الثالث: ٩٠٩ -

стр. 3950

حديث: يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة –قال أبو عبد الله: ولا أعلمه إلاّ عن أبيه -، عن النَّبيّ ﷺ ، قالَ: ((لا تقوموا حتَّى تروني، وعليكم السكينة)) . وقد تقدم –أيضاً - باختلاف ألفاظه. وليس في هذا – والذي قبله – ذكر الجمعة، إنما فيهِ ذكر الصَّلاة، وهي تعم الجمعة وغيرها. وحديث أبي هريرة إنما يدل على النهي عن السعي عندَ سماع الإقامة، وحديث أبي قتادة إنما فيهِ الأمر بالسكينة في القيام إلى الصَّلاة، لا في المشي إليها. * * * ١٩ -

стр. 3951

باب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة

стр. 3952

٩١٠ - ثنا عبدان: أنا عبد الله: أنا ابن أبي ذئب، عن سعيدٍ المقبري، [عن أبيه] ، عن ابن وديعة، عن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اغتسل يوم الجمعة، وتطهر بما استطاع من طهر، ثم ادهن أو مس من طيبٍ، ثم راح ولم يفرق بين اثنين، فصلى ما كتب له، ثم إذا خَّرج الإمام أنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) . التفريق بين اثنين يدخل فيه شيئان: أحدهما: أن يتخطاهما ويتجاوزهما إلى صف متقدمٍ. وقد خرج أبو داود نحو هذا الحديث من حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيدٍ، عن النبي ﷺ ، وفيه: ((ولم يتخط رقاب الناس)) . ومن حديث عبد الله بن عمرو –أيضاً -، عن النبي ﷺ .

стр. 3953

وخرّجه الإمام أحمد من حديث أبي أيوب، ومن حديث نبيشة الهذلي، عن النبي ﷺ ، وفي حديثهما: ((ولم يؤذ أحداً)) . ومن حديث أبي الدرداء، عن النبي ﷺ ، وفي حديثه: ((ولم يتخط أحداً، ولم يؤذه)) . وقد تقدم حديث عبد الله بن بسر، قال: جاء رجلٌ يتخطى رقاب الناسِ يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ : ((اجلس، فقد آذيت)) . خرّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي. وخرّجه ابن ماجه من حديث جابر.

стр. 3954

وخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث زبان بن فائد، من حديث سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: ((من تخطي رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسراً إلى جهنم)) . وزبان، مختلف في أمره. ورواه عنه ابن لهيعة ورشدين بن سعدٍ. وخرّج الإمام أحمد من حديث أرقم بن الأرقم المخزومي، أن النبي ﷺ قال: ((الذي يتخطى الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبة إلى النارِ)) .

стр. 3955

وفي إسناده: هشام بن زياد أبو المقدام، ضعفوه، وقد اختلف عليه في إسناده. وأكثر العلماء على كراهة تخطي الناس يوم الجمعة، سواء كان الإمام قد خَّرج أو لم يخرج بعد. وقالت طائفةٌ: لا يكره التخطي إلا بعدَ خروجهِ، كما دل عليه حديث الأرقم، منهم: الثوريُ، ومالكٌ، والأوزاعي – في روايةٍ -، ومحمد بن الحسنِ. وذكر مالكٌ، عن أبي هريرة، قال: لأن يصلي أحدكم بظهرة الحرة خيرٌ له من أن يقعد حتى إذا قام الإمام يخطبُ جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعةِ. فإن وجد فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي، ففيه قولان: أحدهما:

стр. 3956

يجوز له التخطي حينئذ، وهو قول الحسن، وقتادة، والأوزاعي والشافعي، وكذا قال مالكٌ في التخطي قبل خروج الإمام، وكذا روى معمر عن الحسن وقتادة. والثاني: أنه يكره، وهو قولُ عطاءٍ، والثوريّ. وعن أحمد روايتان في ذلك، كالقولين. وعنه روايةٌ ثالثةٌ: إن كان يتخطى واحداً أو اثنين جاز، وان كان أكثر كره. وحمل بعض أصحابنا رواية الجواز عن أحمد على ما إذا كان الجالسون قد جلسوا في مؤخر الصفوف، وتركوا مقدمها عمداً، ورواية الكراهة على ما إذا لم يكن منهم تفريطٌ. وفي كلام الأوزاعي وغيره ما يدل على مثل هذا - أيضاً -، وكذلك قال الحسن، قال: لا حرمة لهم. ومتى احتاج إلى التخطي لحاجة لابد منها من وضوء أو غيره، أو لكونه لا يجد موضعا للصلاة بدونه، أو كان إماماً لا يمكنه الوصول إلى مكانه بدون التخطي، لم يكره. وقد سبق حديث عقبة بن الحارث في قيام النبي ﷺ من صلاته مسرعاً، يتخطى رقاب الناسِ. وكذا لو ضاق الموضع وآذتهم الشمسُ، فلهم –إذا أقيمت الصلاة – أن يشقوا الصفوف ويدخلوا لأذى الشمس، نص عليه أحمد في روايةٍ الأثرمِ. وحكى ابن المنذر عن أبي نضرة: جواز تخطيهم بإذنهم، وعن قتادة: يتخطاهم إلى مجلسه. ثم قال ابن المنذر: لا يجوز شيء من ذلك

стр. 3957

عندي، لأن الأذى يحرم قليلة وكثيرة، وهذا اذى، لقول النبي ﷺ : ((اجلس، فقد آذيت)) . فظاهر كلامه: تحريمه بكل حال، والاكثرون جعلوا كراهته كراهة تنزيهٍ. ومتى كان بين الجالسين فرجة، بحيث لا يتخطاهما، جاز له أن يمشي بينهما، فإن تماست ركبهما بحيث لا يمشي بينهما إلاّ بتخطي ركبهما كره له ذلك، فإن كانا قائمين يصليان، فمشى بينهما ولم يدفع أحداً، ولم يؤذه، ولم يضيق على أحد جاز، وإلاّ فلا. قال ذلك كله عطاءٍ -: ذكره عبد الرزاق، عن ابن جريجٍ، عنه. الثاني –مما يدخل في التفريق بين اثنين -: الجلوس بينهما إن كانا جالسين، أو القيام بينهما أن كانا قائمين في صلاة. فإن كان ذلك من غير تضييق عليهما ولا دفع ولا أذى، مثل أن يكون بينهما فرجة، فإنه يجوز، بل يستحب، لأنه مامور بسد الخلل في الصف، وإلاّ فهو منهي عنه، إلاّ أن ياذنا في ذلك. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين، إلا باذنهما)) . خرّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي. وقال: حديثٌ

стр. 3958

حسنٌ. فإن كان الجالسان بينهما قرابة، أو كانا يتحدثان فيما يباح، كان أشد كراهةً. وفي ((مراسيل أبي داود)) عن المطلب بن حمطب، قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: ((لا يفرق بين الرجل ووالده)) . وخرّجه الطبراني من حديث سهل بن سعدٍ، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا يجلس الرجل بين الرجل وابيه في المجلس)) . وفي إسناده نظر. وروي عن ابن عمر – مرفوعاً، وموقوفاً -: ((إذا كان اثنان يتناجيان فلا يدخل بينهما إلا بإذنهما)) . قال الإمام أحمد في الرجل ينتهي إلى الصف وقد تم فيدخل بين رجلين: أن علم أنه لا يشق عليهم. قال القاضي أبو يعلى: أن شق عليهم لم يجز؛ لأن فيهِ أذية لهم، وشغلاً لقلوبهم. * * * ٢٠ -

стр. 3959

باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه

стр. 3960

٩١١ - حدثنا محمد بن سلام: ثنا مخلد: أنا ابن جريجٍ: سمعت نافعا يقول: سمعت ابن عمر يقول: نهى النبي ﷺ أن يقيم الرجلُ الرجل من مقعده، ثم يجلس فيهِ)) . قلت لنافع: الجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها. وقد خرّجه البخاري في مواضع متعددة، وفي بعضها زيادة: ((ولكن تفسحوا وتوسعوا)) . وخرّج مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ ،
следующие страницы →