Полный текст (4 834 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
يجوز له التخطي حينئذ، وهو قول الحسن، وقتادة، والأوزاعي والشافعي، وكذا قال مالكٌ في التخطي قبل خروج الإمام، وكذا روى معمر عن الحسن وقتادة.
والثاني: أنه يكره، وهو قولُ عطاءٍ، والثوريّ.
وعن أحمد روايتان في ذلك، كالقولين.
وعنه روايةٌ ثالثةٌ: إن كان يتخطى واحداً أو اثنين جاز، وان كان أكثر كره.
وحمل بعض أصحابنا رواية الجواز عن أحمد على ما إذا كان الجالسون قد جلسوا في مؤخر الصفوف، وتركوا مقدمها عمداً، ورواية الكراهة على ما إذا لم يكن منهم تفريطٌ.
وفي كلام الأوزاعي وغيره ما يدل على مثل هذا - أيضاً -، وكذلك قال الحسن، قال: لا حرمة لهم.
ومتى احتاج إلى التخطي لحاجة لابد منها من وضوء أو غيره، أو لكونه لا يجد موضعا للصلاة بدونه، أو كان إماماً لا يمكنه الوصول إلى مكانه بدون التخطي، لم
يكره.
وقد سبق حديث عقبة بن الحارث في قيام النبي ﷺ من صلاته مسرعاً، يتخطى رقاب الناسِ.
وكذا لو ضاق الموضع وآذتهم الشمسُ، فلهم –إذا أقيمت الصلاة – أن يشقوا الصفوف ويدخلوا لأذى الشمس، نص عليه أحمد في روايةٍ الأثرمِ.
وحكى ابن المنذر عن أبي نضرة: جواز تخطيهم بإذنهم، وعن قتادة: يتخطاهم إلى مجلسه.
ثم قال ابن المنذر: لا يجوز شيء من ذلك
стр. 3957
عندي، لأن الأذى يحرم قليلة وكثيرة، وهذا اذى، لقول النبي ﷺ : ((اجلس، فقد آذيت)) .
فظاهر كلامه: تحريمه بكل حال، والاكثرون جعلوا كراهته كراهة تنزيهٍ.
ومتى كان بين الجالسين فرجة، بحيث لا يتخطاهما، جاز له أن يمشي بينهما، فإن تماست ركبهما بحيث لا يمشي بينهما إلاّ بتخطي ركبهما كره له ذلك، فإن كانا قائمين يصليان، فمشى بينهما ولم يدفع أحداً، ولم يؤذه، ولم يضيق على أحد جاز، وإلاّ فلا.
قال ذلك كله عطاءٍ -: ذكره عبد الرزاق، عن ابن جريجٍ، عنه.
الثاني –مما يدخل في التفريق بين اثنين -:
الجلوس بينهما إن كانا جالسين، أو القيام بينهما أن كانا قائمين في صلاة.
فإن كان ذلك من غير تضييق عليهما ولا دفع ولا أذى، مثل أن يكون بينهما فرجة، فإنه يجوز، بل يستحب، لأنه مامور بسد الخلل في الصف، وإلاّ فهو منهي عنه، إلاّ أن ياذنا في ذلك.
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال:
((لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين، إلا باذنهما)) .
خرّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي.
وقال: حديثٌ
стр. 3958
حسنٌ.
فإن كان الجالسان بينهما قرابة، أو كانا يتحدثان فيما يباح، كان أشد كراهةً.
وفي ((مراسيل أبي داود)) عن المطلب بن حمطب، قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: ((لا يفرق بين الرجل ووالده)) .
وخرّجه الطبراني من حديث سهل بن سعدٍ، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا يجلس الرجل بين الرجل وابيه في المجلس)) .
وفي إسناده نظر.
وروي عن ابن عمر – مرفوعاً، وموقوفاً -: ((إذا كان اثنان يتناجيان فلا يدخل بينهما إلا بإذنهما)) .
قال الإمام أحمد في الرجل ينتهي إلى الصف وقد تم فيدخل بين رجلين: أن علم أنه لا يشق عليهم.
قال القاضي أبو يعلى: أن شق عليهم لم يجز؛ لأن فيهِ أذية لهم، وشغلاً لقلوبهم.
* * *
٢٠ -
стр. 3959
باب
لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه
стр. 3960
٩١١ - حدثنا محمد بن سلام: ثنا مخلد: أنا ابن جريجٍ: سمعت نافعا يقول: سمعت ابن عمر يقول: نهى النبي ﷺ أن يقيم الرجلُ الرجل من مقعده، ثم يجلس فيهِ)) .
قلت لنافع: الجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها.
وقد خرّجه البخاري في مواضع متعددة، وفي بعضها زيادة: ((ولكن تفسحوا وتوسعوا)) .
وخرّج مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ ،
стр. 3961
قال: ((لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الحمعة ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا)) .
وخَّرج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم)) .
وروى ابن أبي حاتم بإسناده، عن مقاتل بن حيان، قال: أنزلت هذه الآية – يعني: قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ [المجادلة:١١] –في يوم جمعة، وكان رسول الله ﷺ يومئذ في الصفة، وفي المكان ضيقٌ، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء اناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله ﷺ ، فسلموا عليه، ثم سلموا على القوم، فقاموا على ارجلهم ينتظرون أن يفسح لهم، فلم يوسع لهم، فشق ذلك على النبي ﷺ ، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار –من غير أهل بدر -: ((قم أنت
стр. 3962
يا فلان، وأنت
يا فلان)) ، فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي ﷺ الكراهة في وجوههم، وتكلم في ذلك المنافقون، فبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: ((رحم الله رجلاً فسح لاخيه)) ، فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعاً، فيفسح القوم لاخوانهم، ونزلت الآية يوم الجمعة.
فظاهر هذا: يدل على أن إقامة الجالس نسخ بهذه الآية، وانتهى الأمر إلى التفسح المذكور فيها.
وقال قتادة: كان هذا للنبي ﷺ ومن حوله خاصة.
يشير إلى إقامة الجالسين ليجلس غيرهم؛ فإنه ﷺ كان يفعل ذلك إكراماً لأهل الفضائل والاستحقاق، وغيره لا يؤمن عليه أن يفعله بالهوى.
ويستثنى من ذلك: الصبي، إذا كان في الصف، وجاء رجلٌ، فله أن يؤخره ويقوم مقامه، كما فعله أبي بن كعب بقيس بن عباد، وقد ذهب اليه الثوري وأحمد، وقد تقدم ذلك.
فإن كان الذي في الصف رجلاً، وكان أعرابياً أو جاهلاً، لم يجز تاخيره من موضعه.
قال أحمد: لا أرى ذلك.
وفي ((سنن أبي داود)) ، عن النبي ﷺ ، قال: ((من سبق إلى ما لم
стр. 3963
يسبق اليه أحد فهو أحق به)) .
واستثنى بعض الشافعية – أيضاً - ثلاث صور، وهي: أن يقعد في موضع الإمام، أو طريق الناس ويمنعهم الاجتياز، أو بين يدي الصف مستقبل القبلة.
ويستثنى من ذلك، أن يكون المتاخر قد ارسل من ياخذ له موضعاً في الصف، فاذا جاء الجالس وجلس الباعث فيه. وقد ذكره الشافعي وأصحابنا وغيرهم.
وروي عن ابن سيرين، أنه كان يفعله.
واما إن قام احد من الصف تبرعاً واثر الداخل بمكانه، فهل يكره ذلك، أم لا؟ أن انتقل إلى مكان أفضل منه لم يكره، وإن انتقل إلى ما دونه فكرهة الشافعية.
وقال أحمد فيمن تاخر عن الصف الأول، وقدم اباه فيه: هو يقدر أن يبرَّ أباه بغير هذا.
وظاهره: الكراهة، وأنه يكره الإيثار بالقرب.
وأم الموثر، فهل يكره له أن يجلس في المكان الذي اوثر به؟ فيهِ قولان
стр. 3964
مشهوران.
أشهرهما: لا يكره، وهو قولُ أصحابنا والشافعية وغيرهم.
والثاني: يكره، وكان ابن عمر لا يفعل ذلك، وكذلك أبو بكرة.
وخَّرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر، قال: جاء رجل إلى
رسول الله ﷺ ، فقام له رجل من مجلسه، فذهب ليجلس فيه، فنهاه النبي ﷺ .
وخرّج أحمد وأبو داود من حديث أبي بكر عن النبي ﷺ معناه –أيضاً.
ولو بادر رجلٌ وسبق المؤثر إلى المكان، فهل هو أحق به من الموثر، أم لا؟ فيه وجهان لأصحابنا وغيرهم.
وأما من فسح له في مجلسٍ اوصفٍ، فلا يكره له الجلوس فيه.
وفي مراسيل خالد بن معدان، أن النبي ﷺ قال: ((إذا جاء أحدكم
стр. 3965
إلى المجلس، فوسع له، فليجلس؛ فإنها كرامة)) .
خرّجه حميد بن زنجوية.
فإن كان في جلوسه تضييق على الناس، أو لم يصل إلى المكان الا بالتخطي، فلا يفعل.
وقد روي عن أبي سعيدٍ الخدري، أنه أوذن بجنازة في قومه، فتخلف حتى جاء الناس واخذوا المجالس، ثم جاء بعد، فلما رآه القوم توسعوا له، فقال: لا؛ إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن خيرٌ المجالس أوسعها)) ، ثم تنحى فجلس في مجلس واسع.
وخَّرج أبو داود منه المرفوع فقط.
وروى الخرائطي –بإسناد فيه جهالة -، عن أبي هريرة –مرفوعاً -: ((لا توسع المجالس إلا لثلاثة: لذي علم لعلمه، وذي سن لسنه، وذي سلطان لسلطانه)) .
ودخل خالد بن ثابت الفهمي المسجد يوم الجمعة، وقد امتلأ من الشمس، فرآه بعض من في الظل، فأشار اليه ليوسع له، فكره أن يتخطى
стр. 3966
الناس إلى ذلك الظل، وتلا: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧] ، ثم جلس في الشمس.
خرّجه حميد بن زنجويه.
* * *
٢١ -
стр. 3967
باب
الأذان يوم الجمعة
стр. 3968
٩١٢ - حدثنا آدم: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء.
قال أبو عبد الله: الزوراء: موضع بالسوق بالمدينةِ.
الأذان يوم الجمعة قد ذكره الله تعالى في كتابه، وفي قوله ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ، وقد ذهب طائفةٌ من العلماء إلى وجوبه، وان قيل: أن الأذان سنة، وهو الذي ذكره ابن أبي موسى من أصحابنا، وقاله طائفةٌ من الشافعية –أيضاً.
وقد دل الحديث على أن الأذان الذي كان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر هو النداء الذي بين يدي الإمام عند جلوسه على المنبر، وهذا لا اختلاف فيه بين العلماء.
ولهذا قال أكثرهم: أنه هو الأذان الذي يمنع البيع، ويوجب السعي إلى الجمعة، حيث لم يكن على عهد النبي ﷺ سواه.
стр. 3969
وما ذكره ابن عبد البر عن طائفةٌ من أصحابهم، أن هذا الأذان الذي يمنع البيع، لم يكن على عهد النبي ﷺ وإنما أحدثه هشام بن عبد الملك، فقد بين ابن عبد البر أن هذا جهل من قائله، لعدم معرفته بالسنة والاثار.
فإن قال هذا الجاهل: أنه لم يكن أذان بالكلية في الجمعة، فقد باهت، ويكذبه قولُ الله : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وإن زعم أن الأذان الذي كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر هو الأذان الأول الذي قبل خروج الإمام، فقد أبطل، ويكذبه هذا الحديث واجتماع العلماء على ذلك.
وقوله في هذه الرواية: ((أوله إذا جلس الإمام على المنبر)) ، معناه: أن هذا الأذان كان هو الأول، ثم تليه الإقامة، وتسمى: أذاناً، كما في الحديث المشهور: ((بين كل اذانين صلاةٌ)) .
وخرّجه النسائي من روايةٍ المعتمر، عن أبيه، عن الزهري، ولفظه: كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة، فاذا نزل أقام، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر، فلما زاد عثمان النداء الثالث صار هذا الثالث هو الأول، وصار الذي بين يدي الإمام هو الثاني.
стр. 3970
وقد خَّرج أبو داود هذا الحديث من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن السائب، قال: كان يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد، وأبي بكر وعمر.
ففي هذه الرواية: زيادة: أن هذا الأذان لم يكن في نفس المسجد، بل على بابه، بحيث يسمعه من كان في المسجد ومن كان خارج المسجد، ليترك أهل الأسواق البيع ويسرعوا إلى السعي إلى المسجد.
وقوله: ((فلما كان عثمان)) –يريد: لما ولي عثمان – ((وكثر الناس في زمنه زاد النداء الثالث على الزوراء)) ، وسماه: ثالثاً؛ لأن به صارت النداآت للجمعة ثلاثة، وإن كان هو أولها وقوعاً.
وخرّجه ابن ماجه، وعنده –بعد قوله: ((على دار في السوق، يقال لها:
الزوراء)) -: ((فاذا خَّرج أذن، وإذا نزل أقام)) .
وهو من روايةٍ: ابن إسحاق، عن الزهري.
وروى الزهري، عن ابن المسيب: معنى حديثه عن السائب بن يزيد، غير أنه قال: ((فلما كان عثمان كثر الناس، فزاد الأذان الأول، واراد أن يتهيأ الناس للجمعة)) .
стр. 3971
خرّجه عبد الرزاق في ((كتابه)) عن معمر، عنه.
وقد رواه إسماعيل بن يحيى التميمي – وهو ضعيف جداً -، عن مسعر، عن القاسم، عن ابن المسيب، عن أبي أيوب الأنصاري، قال ما كان الأذان على عهد النبي ﷺ يوم الجمعة إلا قدام النبي ﷺ ، وهو على المنبر، فاذا نزل أقاموا الصلاة، فلما ولي عثمان أمر أن يؤذن على المنارة ليسمع الناس.
خرّجه الإسماعيلي في ((مسند مسعر)) ، وقال في القاسم: هو مجهولٌ.
قلت: والصحيح: المرسل.
وقد أنكر عطاءٍ الأذان الأول، وقال: إنما زاده الحجاج، قال: وإنما كان عثمان يدعو الناس دعاء.
خرّجه عبد الرزاق.
وقال عمرو بن دينار: إنما زاد عثمان الأذان بالمدينة، وأما مكة فأول من زاده الحجاج، قال: ورأيت ابن الزبير لا يؤذن له حتى يجلس على المنبر، ولا يؤذن له إلا أذان واحد يوم الجمعة.
стр. 3972
خرّجه عبد الرزاق –أيضاً.
وروى مصعب بن سلام، عن هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إنما كان رسول الله ﷺ إذا قعد على المنبر أذن بلالٌ، فإذا فرغ النبي ﷺ من خطبته اقام الصلاة، والاذان الأول بدعة.
وروى وكيع في ((كتابه)) عن هشام بن الغاز، قال: سألت نافعاً عن الأذان يوم الجمعة؟ فقالَ: قالَ ابن عمر: بدعةٌ، وكل بدعة ظلالة، وإن رآه الناس حسناً.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لم يكن في زمان النَّبيّ ﷺ إلا أذانان: أذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصَّلاة. قال: وهذا الأخير شيء أحدثه الناس بعد.
خرّجه ابن أبي حاتمٍ.
وقال سفيان الثوري: لا يؤذن للجمعة حتى تزول الشمس، وإذا أذن المؤذن قام الإمام عى المنبر فخطب، وإذا نزل أقام الصلاة، قال: والأذان
стр. 3973
الذي كان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر أذان وأقامة، وهذا الأذان الذي زادوه محدثٌ.
وقال الشافعي –فيما حكاه ابن عبد البر -: أحب إلي أن يكون الأذان يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر بين يديه، فإذا قعد أخذ المؤذن في الأذان، فإذا فرغ قام فخطب، قال: وكان عطاءٍ ينكر أن يكون عثمان أحدث الأذان الثاني، وقال: إنما أحدثه معاوية.
قال الشافعي: وأيهما كان، فالأذان الذي كان على عهد النبي ﷺ ، وهو الذي ينهى الناس عنده عن البيع.
ولأصحابه في أذان الجمعة – على قولهم: الأذان سنة - وجهان:
أحدهما: أنه سنة –أيضاً.
والثاني: أنه للجمعة خاصة فرض كفاية.
فعلى هذا: هل تسقط الكفاية بالأذان الأول، أو لا تسقط الا بالاذان بين يدي الإمام؟ على وجهين –أيضاً.
ومن أصحابنا من قال: يسقط الفرض بالأذان الأول، وفيه نظر. والله أعلم.
وقال القاضي أبو يعلى: المستحب أن لا يؤذن الا أذان واحد، وهو بعد جلوس الإمام على المنبر، فإن أذن لها بعد الزوال وقبل جلوس الإمام جاز، ولم يكره.
ثم ذكر حديث السائب بن يزيد هذا.
ونقل حرب، عن إسحاق بن راهويه: أن الأذان الأول للجمعة محدث،
стр. 3974
احدثه عثمان، رأى أنه لا يسمعه إلا أن يزيد في المؤذنين، ليعلم الأبعدين ذلك، فصار سنة: لأن على الخلفاء النظر في مثل ذلك للناس.
وهذا يفهم منه أن ذلك راجع إلى رأي الإمام، فإن احتاج اليه لكثرة الناس فعله، وإلا فلا حاجة إليه.
* * *
٢٢ -
стр. 3975
باب
المؤذن الواحد يوم الجمعة
стр. 3976
٩١٣ - حدثنا أبو نعيمٍ: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، أن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان، حين كثر أهل المدينة، ولم يكن للنبي ﷺ غير مؤذنٍ واحدٍ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام –يعني: على المنبر.
قوله: ((ولم يكن للنبي ﷺ إلا مؤذن واحد)) –يعني: في الجمعة؛ فإن في غير الجمعة كان له مؤذنان، كما سبق في ((الأذان)) .
وقد قيل: إنه يحتمل أن يكون مراد السائب: أنه لم يكن للنبي ﷺ يوم الجمعة إلا تأذين واحد، فعبر بالمؤذن عن الأذان -: ذكره الإسماعيلي.
وهذا يرده قوله: ((فزاد عثمان النداء الثالث)) ، فإنه يدل على أنه كان للنبي ﷺ أذانان –يعني: الأذان والاقامة - والمؤذن الواحد في الجمعة.
وقد تقدم في روايةٍ النسائي لحديث السائب بن يزيد، ويفهم من
стр. 3977
حديث ابن عمر –أيضاً.
وخرّج ابن ماجه من روايةٍ عبد الرحمن بن سعدٍ بن عمار: حدثني أبي، عن
أبيه، عنجده –وهو: سعدٍ القرظ -، أنه كان يؤذن يوم الجمعة على عهد رسول الله ﷺ إذا كان الفيء مثل الشراك.
وهذا إسنادٌ ضعيف، ضعفه ابن معين وغيره.
وإنما كان سعدٍ يؤذن بقباء في عهد النبي ﷺ ، ولم يكن بقباء جمعةٌ.
وقد حكى ابن عبد البر اختلافاً بين العلماء في الأذان يوم الجمعة بين يدي الإمام: هل يكون من مؤذن واحد، أو مؤذنين؟
فذكر من روايةٍ ابن عبد الحكم، عن مالكٍ، أنه قالَ: إذا جلس الإمام على
المنبر، ونادى المنادي منع الناس من البيع.
قال: وهذا يدل على أن النداء عنده واحدٌ بين يدي الإمام.
وفي ((المدونة)) من قول ابن قاسم، وروايته، عن مالكٍ: إذا جلس الإمام على المنبر، وأخذ المؤذنون في الأذان حرم البيع.
فذكر ((المؤذنين)) بلفظ الجماعة.
قال: ويشهد لهذا حديث مالكٍ، عن ابن شهاب، عن ثعبلة بن أبي مالكٍ، أنهم كانوا في زمن عمر بن
стр. 3978
الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فاذا خَّرج وجلس على المنبر وأخذ المؤذنون.
هكذا بلفظ الجماعة.
قال: ومعلوم عند العلماء أنه جائز أن يكون المؤذنون واحداً وجماعة في كل
صلاة، إذا كان ذلك مترادفاً، لا يمنع من إقامة الصلاة في وقتها.
وذكر من كلام الشافعي، أنه قال: إذا قعد الإمام اخذ المؤذنون في الأذان.
ومن كلام الطحاوي في ((مختصره)) : حكاية قولُ أبي حنيفة وأصحابه: إذا جلس الإمام على المنبر، وأذن المؤذنون بين يديه – بلفظ الجمع.
ووقع في كلام الخرقي من أصحابنا: واخذ المؤذنون في الأذان –بلفظ الجمع.
وقال مكحول: إن النداء كان في الجمعة مؤذنٌ واحدٌ حين يخرج الإمام، ثم تقام الصلاة، فأمر عثمان أن ينادى قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس.
خرّجه ابن أبي حاتم.
قال حربٌ: قلت لأحمد: فالأذان يوم الجمعة إذا أذن على المنارة عدة؟ قال: لا بأس بذلك، قد كان يوذن للنبي ﷺ بلال وابن أم مكتوم، وجاء أبو محذورة وقد أذن رجل قبله، فأذن أبو محذورة.
وظاهر هذا: أنه لو أذن على المنارة مؤذن بعد مؤذن جاز، وهذا قبل خروج الإمام.
стр. 3979
وقال القاضي أبو يعلى: يستحب أن يكون المؤذن للجمعة واحداً، فإن أذن أكثر من واحد جاز، ولم يكره.
ومراده: إذا أذنوا دفعة واحدة بين يدي الإمام، أو اذنوا قبل خروجه تترى، فأما أن أذنوا بعد جلوسه على المنبر، مرةً بعد مرة، فلا شك في كراهته، وأنه لم يعلم وقوعها في الإسلام قط.
وكذا قال كثيرٌ من أصحاب الشافعي: أنه يستحب أن يكون للجمعة أذان واحد عند المنبر، ويستحب أن يكون المؤذن واحداً؛ لأنه لم يكن يؤذن للجمعة للنبي ﷺ إلا بلالٌ.
ونقل المحاملي هذا الكلام عن الشافعي، والذي نقله البويطي عن الشافعي يخالف ذلك؛ فإنه نقل عنه، أنه قال: النداء للجمعة هو الذي يكون والإمام على المنبر، يكون المؤذنون يستفتحون الأذان فوق المنارة جملة حين يجلس الإمام على المنبر، ليسمع الناس فيؤبون إلى المسجد.
وهذا تصريح بأنهم يكونون جماعة، وأنهم يؤذنون على المنارة لإسماع الناس، لا بين يدي المنبر في المسجد.
وقد خرّج البخاري في ((صحيحه)) هذا في ((باب: رجم الحُبلى)) ، من حديث ابن عباسٍ، قال: جلس عمر على المنبر يوم الجمعة، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله –وذكر الحديث.
وروي عن المغيرة بن شعبة، أنه كان له في الجمعة مؤذنٌ واحدٌ.
وخرّج الإمام أحمد من روايةٍ ابن إسحاق، عن العلاء بن
стр. 3980
عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدري، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد، يكتبون من جاء، فاذا أذن وجلس الإمام على المنبر طووا الصحف، ودخلوا المسجد يستمون الذكر)) .
وهذا لفظ غريب.
وروى عبد الرزاق بإسناده، عن موسى بن طلحة، قال: رأيت عثمان بن عفان جالساً على المنبر في يوم الجمعة، والمؤذنون يؤذنون يؤم الجمعة، وهو يسأل الناس عن أسعارهم وأخبارهم.
ويحتمل أن يكون مراد من قال: ((المؤذن)) –بلفظ الافراد -: الجنس، لا
الواحد، فلا يبقى فيهِ دلالة على كونه واحداً.
* * *
٢٣ -
стр. 3981
باب
يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء
стр. 3982
٩١٤ - ثنا ابن مقاتل: أنا عبد الله: أنا أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان، وهو جالس على المنبر، اذن المؤذن، فقال: ((الله أكبر الله أكبر)) . قال معاوية: ((الله أكبر الله أكبر)) , فقال: ((أشهد أن لا إله الا الله)) . فقال معاوية: ((وأنا)) قال: ((أشهد أن محمداً رسول الله)) . قال معاوية: ((وأنا)) ، فلما قضى التاذين قال: يأيها الناس، إني سمعت رسول الله ﷺ على هذا المجلس حين أذن المؤذن يقول ما سمعتم مني من مقالي.
стр. 3983
المقصود من هذا الحديث في هذا الباب: أن الإمام يجيب المؤذن على المنبر إذا أذن بين يديه، كما يجيبه غيره من السامعين، وليس في ذلك خلافُ؛ فإن الإمام من جملة السامعين للمؤذن، فيدخل في عموم قوله: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول)) .
وقد سبق في ((الأذان)) الكلام على اجابة المؤذن مستوفىً.
وفي حديث معاوية: دليل على أن من سمع مخبراً يخبر عن نفسه بشئ، فقال هو - مجيباً له -: ((وأنا)) ، أنه يصير مقراً بمثل ما أقر به.
وعلى هذا: فلو سمع الكافر مؤذناً يؤذن، فقال –مجيباً له -: ((وأنا)) ، فهل يصير مسلماً؟
وقد قال أحمد في ذمي مر بمؤذن، يؤذن، فقال له: كذبت: إنه يقتل.
وكذا لو سمع رجل رجلاً قال لامرأته: أنت طالق، أو قال: امرأتي طالق، فقال: وأنا، ونوى الطلاق، فهل تطلق امرأته؟
وقد حكى القاضي أبو يعلى في ((تعليقه)) فيما إذا قالَ رجل لرجل: يا زان، فقالَ لهُ: لا، بل أنت، فهل يحد الثاني، لكونه قاذفا، أم لا؟ على وجهين.
* * *
٢٤ -
стр. 3984
باب
الجلوس على المنبر عند التأذين
стр. 3985
٩١٥ - حدثنا يحيى بن بكير: ثنا الليث، عن عقيلٍ، عن ابن شهابٍ، أن السائب بن يزيد أخبره، أن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام.
إنما سماه ((الثاني)) باعتبار الأذان عند الجلوس على المنبر، فهما أذانان بهذا الاعتبار، و ((الإقامة)) لا تسمى أذاناً عند الاطلاق.
وجلوس الإمام على المنبر يوم الجمعة إذا رقى المنبر حتى يفرغ من الأذان سنة مسنونة، تلقاها الأمة بالعمل بها خلفاً عن سلف.
إلا أن ابن عبد البر حكى عن أبي حنيفة: أنه غير مسنون. ولا خلاف أنه غير واجبٍ.
* * *
٢٥ -
стр. 3986
باب
التأذين عند الخطبة
стр. 3987
٩١٦ - حدثنا محمد بن مقاتل: أنا عبد الله: أنا يونس: عن الزهري، قال: سمعت السائب ين يزيد يقول: إن الأ ان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر، في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان في خلافة عثمان وكثروا أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك.
المقصود بهذا الباب: أن الأذان يوم الجمعة يكون عند جلوس الإمام على المنبر للخطبة، فهذا هو الأذان الذي كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، وهو المجتمع على مشروعيته.
وهل يكون بين يدي المنبر في المسجد، أو على المنارة؟ فيه كلام سبق ذكره، وان الشافعي نص في ((كتاب البويطي)) على أنه يكون على المنارة.
وكذا مذهب مالكٍ، قال في ((تهذيب المدونة)) : يجلس الإمام في أول خطبته حتى يؤذن المؤذنون على المنار، ثم يخطب.
ونقل مثنى الأنباري عن أحمد، أنه سئل عن الأذان الذي يجب على من كان خارجاً من المصر، أن يشهد الجمعة؟ قال: هو الأذان الذي في المنارة.
стр. 3988
وهذا يحتمل أنه يريد به ما قاله الشافعي: أن أذان الجمعة بين يدي الإمام عند جلوسه على المنبر يكون على المنارة.
ويحتمل أنه يريد به: أنه يجب السعي بالأذان الأول، كما يحرم البيع به، على روايةٍ عنه؛ فإن قوله: ((الذي على المنارة)) إخبار عن الواقع في زمانه، ولم يعهد في زمانه الأذان على المنارة سوى الذي زاده عثمان.
ويحتمل أنه إنما قال ذلك فيمن كان خارج المصر؛ لأن الأذان الأول يكون لإعلامهم، فليزمهم السعي به، بخلاف أهل المصر، فإنهم يلزمهم السعي من غير سماع أذان، فلا يجب عليهم السعي بالأذان الأول، بل بالثاني، والله أعلم.
وقد تقدم في روايةٍ ابن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد لهذا الحديث: أن هذا الأذان على عهد النبي ﷺ ، وأبي بكرٍ وعمر كان على باب المسجد.
وقوله في هذه الرواية التي خرجها البخاري هنا: ((فثبت الأمر على ذلك)) ، يدل على أن هذا من حين حدده عثمان أستمر، ولم يترك بعده.
وهذا يدل على أن علياً اقر عليه، ولم يبطله، فقد أجتمع على فعله خليفتان من الخلفاء الراشدين –﵃ أجمعين.
* * *
٢٦ -
стр. 3989
باب
الخطبة على المنبر
وقال أنس: خطب النبي ﷺ على المنبر.
حديث أنس هذا: الظاهر أنه يريد به حديثه في دعاء النبي ﷺ بالاستسقاء يوم الجمعة على المنبر، وسيأتي في مواضع أخر من الكتاب – إن شاء الله .
فيه ثلاثة أحاديث:
الأول:
٩١٧ -
стр. 3990
نا قتيبة: نا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القاري الاسكندراني: نا أبو حازم بن دينار، أن رجالاً أتوا سهل بن سعدٍ الساعدي، وقد امتروا في المنبر: مم عوده؟ فسألوه عن ذَلِكَ، فقالَ: إني والله: لأعرف مما هوَ، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليهِ رسول الله ﷺ ، أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة –امرأة قد سماها سهل -: ((مري غلامك النجار أن يعمل لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلمت الناس)) ، فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة، ثُمَّ جاء بها، فارسلت إلى
رسول الله ﷺ ، فامر بها فوضعت هاهنا، ثُمَّ رأيت رسول الله ﷺ صلى عليها، وكبر وهو عليها، ثُمَّ ركع وهو عليها، ثُمَّ نزل القهقري فسجد في أصل المنبر ثُمَّ عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: ((ياأيها الناس،
стр. 3991
إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي)) .
قد خرّجه فيما تقدم من حديث ابن عيينة عن أبي حازم، وهذا السياق أتم.
وفي روايةٍ ابن عيينة: ((من أثل الغابة)) ، و ((الأثل)) و ((الطرفاء)) : يشبه بعضه بعضاً. و ((الغابة)) : خارج المدينة مشهورة.
وخرّجه البخاري –أيضاً - مختصراً في ((أبواب المساجد)) ، في ((باب: الاستعانة بالصناع والنجار في عمل المسجد والمنبر)) من حديث عبد العزيز بن أبي حازم، وذكرنا الاختلاف في رسم الذي عمل المنبر.
وخرّجه مسلم من حديث عبد العزيز بتمامه، وفي حديثه: أن المنبر كان ثلاث درجاتٍ.
وقد روي هذا الحديث عن سهل من وجه أخر، وفيه: حنين الخشبة.
خرّجه ابن سعدٍ في ((طبقاته)) : ثنا أبو بكر بن أبي أويس: حدثني سليمان بن بلال، عن سعدٍ بن سعيدٍ بن قيس، عن عباسٍ بن سهل بن سعدٍ، عن أبيه، أن النبي ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إذا خطب إلى خشبة ذات فرضتين –قال: أراه كانت من دومة كانت في مصلاه -،
стр. 3992
فكأن يتكئ عليها، فقال له أصحابه: يا رسول الله، إن الناس قد كثروا، فلو أتخذت شيئاً تقوم عليه إذا خطبت نراك؟ فقال: ((ما شئتم)) .
قال سهل: ولم يكن بالمدينة إلا نجار واحد، فذهبت أنا وذلك النجار إلى الخانقين، فقطعنا هذا المنبر من أثله. قال: فقام عليه النبي ﷺ ، فحنت الخشبة، فقال النبي ﷺ : ((ألا تعجبون لحنين هذه الخشبة؟)) فأقبل الناس وفرقوا من حنينها حتى كثر بكاؤهم، فنزل النبي ﷺ حتى أتاها، فوضع يده عليها، فسكنت، فامر بها رسول الله ﷺ فدفنت تحت منبره – أو جعلت في السقف.
ورواه أبو إسماعيل الترمذي، عن أيوب بن سليمان بن بلال، عن أبي بكر ابن أبي أويس، به.
وهذا إسنادٌ جيد، ورجاله كلهم يخرج لهم البخاري، الا سعدٍ بن سعيدٍ بن قيس –وهو: اخو يحيى بن سعيدٍ -؛ فإن البخاري استشهد به، وخَّرج له مسلم، وتكلم بعضهم في حفظه.
الحديث الثاني:
٩١٨ -
стр. 3993
نا سعيدٍ بن أبي مريم: أنا محمد بن جعفر بن أبي كثير: أخبرني يحيى بن سعيدٍ: أخبرني ابن أنس: سمع جابر بن عبد الله قال: كان جذع يقوم اليه النبي ﷺ ، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار، حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده
عليه.
قال سليمان، عن يحيى: أخبرني حفص بن عبيد الله بن أنس: سمع جابر بن
عبد الله.
روايةٍ سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيدٍ: قد أسندها البخاري في ((أعلام النبوة)) .
والمقصود من ذكرها هاهنا: أن فيها تسمية ابن أنس الذي ابهم في روايةٍ محمد بن جعفر، وأنه حفص بن عبيد الله بن أنس.
والظاهر: أن البخاري أبهمه في روايةٍ محمد بن جعفر، لأن محمد بن جعفر سماه: ((عبيد الله بن حفص بن أنس)) ، ووهم في ذلك -: قاله الدارقطني.
وقد خرّجه الإسماعيلي من طريق سعيدٍ بن أبي مريم، عن محمد بن جعفر، عن حفص بن عبيد الله بن أنس على الصواب.
وخرّجه من طريق يعقوب بن محمد: نا عبد الله بن يعقوب بن إسحاق: ثنا
يحيى بن سعيدٍ: حدثني عبيد الله بن حفص بن أنس.
стр. 3994
قال يعقوب: وإنما هو: حفص بن عبيد الله، ولكن هكذا ثنا.
وفي روايةٍ البخاري: التصريح بسماع حفص لهذا الحديث من جابر، وهذا يرد ما قاله أبو حاتم الرازي: إنه لا يدري: هل سمع من جابر، أم لا؟ قال: ولا يثبت له السماع إلا من جده أنس.
ورواه سليمان بن كثير، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدٍ بن المسيب، عن جابر، ووهم في قوله: ((سعيدٍ بن المسيب)) -: قاله أبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني.
و ((العشار)) : النوق الحوامل، واحدتها: عشراء، وهي التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر، فتسمى بذلك حتى تضع، وبعد أن تضع.
وقد خَّرج البخاري هذا الحديث في ((الأعلام)) من روايةٍ عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر –نحوه.
الحديث الثالث:
٩١٩ -
стр. 3995
نا آدم: نا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول على المنبر: ((من جاء إلى الجمعة فلغتسل)) .
والمقصود من هذا: أن النبي ﷺ كان يخطب على المنبر، ويعلم الناس دينهم
عليه.
следующие страницы →