Полный текст (4 834 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
خرجه الإمام أحمد والنسائي.
وفي إسناده مقال.
خرجه الإمام أحمد من رواية الزهري، عن سالم، عن أبيه - وذكر النبي ﷺ وأبا بكر وعمر.
وهو من رواية عبد الرزاق بن عمر والنعمان بن راشد، عن الزهري.
وقال أبو حاتم: هو حديث منكر.
وخرجه النسائي، من رواية الفضل بن عطية، عن سالم، عن أبيه - ولم يذكر أبا بكر وعمر.
والفضل بن عطية، مختلف فيهِ.
وروي عنه عن عطاء عن جابر.
وخرج مسلم من حديث سماك، عن جابر بن سمرة، قال: صليت مع النبي ﷺ العيد غير مرة بغير أذان ولا إقامة.
ولا خلاف بين أهل العلم في هذا، وأن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيد بغير أذان ولا إقامة.
قال مالك: تلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا.
واتفق العلماء على أن الأذان والإقامة للعيدين بدعة ومحدث.
وممن قالَ: إنه بدعة: عبد الرحمن بن أبزى والشعبي والحكم.
وقال ابن سيرين: وهو محدث.
وقال سعيد بن المسيب والزهري: أول من أحدث الأذان في العيدين معاوية.
وقال ابن سيرين: أول من
стр. 4237
أحدثه آل مروان.
وعن الشعبي، قالَ: أول من أحدثه بالكوفة ابن دراج، وكان المغيرة بن شعبة استخلفه.
وقال حصين: أول من أذن في العيدين زياد.
وروى ابن أبي شيبة: نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء بن يسار، أن ابن الزبير سأل ابن عباس - وكان الذي بينهما حسنا يومئذ - فقال: لا تؤذن ولا تقم، فلما ساء الذي بينهما أذن وأقام.
وقال الشافعي: قال الزهري: وكان النبي ? ﷺ يأمر في العيدين المؤذن فيقول: الصلاة جامعة.
واستحب ذلك الشافعي وأصحابنا.
واستدلوا بمرسل الزهري، وهو ضعيف، وبالقياس على صلاة الكسوف؛ فإن النَّبيّ ﷺ صح عنه أنه أرسل مناديا ينادي: الصَّلاة جامعة.
وقد يفرق بين الكسوف والعيد، بأن الكسوف لم يكن الناس مجتمعين لهُ، بل كانوا متفرقين في بيوتهم وأسواقهم، فنودوا لذلك، وأما العيد، فالناس كلهم مجتمعون له قبل خروج الإمام.
وقول جابر: ((ولا إقامة ولا نداء ولا شيء)) يدخل فيه نفي النداء
стр. 4238
بـ ((الصَّلاة جامعة)) .
وقد يقال: إن ((الصَّلاة جامعة)) هي بدل إقامة الصَّلاة للمكتوبات عندَ خروج الإمام حتَّى يعلم الناس حضور الصَّلاة؛ فيتهيئون لها بالقيام، وليس كلهم يشاهد الإمام ودخوله وصلاته، فاحتيج إلى ما يعلم به ذلك.
والإقامة مكروهة لهذه الصَّلاة، فتعين إبدالها بـ ((الصَّلاة جامعة)) .
وفي كراهة: ((حي على الصَّلاة)) بدل ((الصَّلاة جامعة)) وجهان للشافعية.
والمنصوص عن الشافعي: أنه خلاف الأولى.
وفي الحديث: أن الإمام إذا رأى أنه لم يسمع الموعظة النساء، فإنه يأتيهن بعد فراغه من موعظة الرجال، فيعظهن ويذكرهن.
وقد قال عطاء: إن ذلك حق عليهِ.
ولعله أراد أنه مندوب إليه، متأكد الندب.
قال طائفة من أصحاب الشافعي: إذا علم الإمام أن قوما فاتهم سماع الخطبة استحب أن يعيد لهم الخطبة، سواء كانوا رجالا أو نساءً، واستدلوا بهذا الحديث.
стр. 4239
٨ - باب
الخطبة يوم العيد
فيه ثلاثة أحاديث:
الأول:
стр. 4240
٩٦٢ - نا أبو عاصم: أنا ابن جريج: أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: شهدت العيد مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة.
فيهِ: دليل على أنهم كانوا يخطبون للعيدين، وأنهم كانوا يخطبون بعد الصَّلاة.
وخرجه فيما بعد من طريق عبد الرزاق، بسياق طويل.
الحديث الثاني:
стр. 4241
٩٦٣ - نا يعقوب بن إبراهيم: نا أبو اسامة: نا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانَ رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة.
وقد خرجه مسلم بنحوه من حديث أبي أسامة وعبدة بن سليمان
стр. 4242
كلاهما، عن عبيد الله.
وقد قال الإمام أحمد - في رواية ابنه عبد الله -: ما سمعت من أحد يقول في هذا الحديث: ((أبو بكر وعمر)) إلا عبدة.
كذا قال، وكأنه لم يسمعه من أبي أسامة.
الحديث الثالث:
стр. 4243
٩٦٤ - نا سليمان بن حرب: نا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس، قالَ: إن النبي ﷺ صلى يوم الفطر ركعتين، لم يصل قبلهما ولا بعدهما، ثم أتى النساء ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة، فجعلن يلقين، تلقي المرأة خرصها وسخابها.
ظاهره: أنه بعد الصلاة خطب النساء، وليس كذلك، وإنما خطب الرجال ثم أتى النساء بعد الرجال، وسيأتي ذلك من حديث طاوس.
و ((الخرص)) ، و ((القرط)) حلقة في الإذن، وربما كانت فيها حبة.
و ((السخاب)) : قلادة تتخذ من أنواع الطيب.
وفي الحديث: دليل على جواز صدقة المرأة بدون إذن زوجها.
الحديث الرابع:
стр. 4244
٩٦٥ - نا آدم: نا شعبة: نا زبيد، قال: سمعت الشعبي، عن البراء بن عازب، قالَ: قال النبي ﷺ : ((إن أول ما نبدأ في يومنا هذا، أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن نحر قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء)) ، فقال رجل من الأنصار - يقال له: أبو بردة بن نيار -: يا رسول الله، ذبحت، وعندي جذعة خير من مسنة؟ قالَ: ((اجعله مكانه، ولن توفي - أو تجزي - عن أحد بعدك)) .
في هذا الحديث: دليل على أن الخطبة كانت بعد الصَّلاة؛ لقوله: ((إن أول ما نبدأ به يومنا هذا أن نصلي)) ولو كانَ يخطب قبل، لكان أول ما بدأ به الخطبة. وهذا القول قاله في خطبته، كما خرجه البخاري فيما بعد، عن سليمان بن حرب، عن
شعبة، بهذا الإسناد.
وقد تقدم: أن الإمام أحمد خرجه من رواية أبي جناب الكلبي، عن يزيد بن
البراء، عن أبيه، أن النبي ﷺ قاله قبل الصَّلاة، ثم صلى، ثم خطب، وذكر أنه قال في خطبته: ((من كان منكم عجل ذبحا فإنما هي جزرة اطعمها أهله)) - وذكر قصة أبي بردة -، ثم قال: ((يا بلال)) قال: فمشى، واتبعه رسول الله ﷺ حتى أتى النساء، فقال: ((يا معشر النسوان، تصدقن، الصدقة خير لكن)) . قال: فما رأيت يوما قط أكثر خدمة مقطوعة، ولا قلادة، ولا قرطا من ذلك اليوم.
стр. 4245
وقال الإمام أحمد - أيضا -: نا يحيى بن آدم: نا أبو الأحوص، عن منصور، عن الشعبي، عن البراء بن عازب، قال: خطبنارسول الله ﷺ يوم النحر بعد الصلاة - ولم يزد على ذَلِكَ.
وأما ذكر الخطبتين في العيد، فخرجه ابن ماجه من رواية إسماعيل بن مسلم: نا أبو الزبير، عن جابر، قال: خرج رسول الله ﷺ يوم الفطر - أو أضحى - فخطب قائما، ثم قعد قعدة، ثم قام.
وإسماعيل، هو المكي. ضعيف جدا.
стр. 4246
٩ - باب
ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم
وقال الحسن: نهوا عن حمل السلاح يوم العيد، إلا أن يخافوا عدواً.
هذا الذي ذكره عن الحسن، قد روي مرفوعاً:
فروى أبو داود في ((مراسيله)) بإسناده، عن الضحاك، أن رسول الله ﷺ نهى أن يخرج يوم العيد بالسلاح.
وبإسناده، عن مكحول، قال: إنما كانت الحربة تحمل مع رسول الله ﷺ يوم العيد لأنه كانَ يصلي إليها.
وخرج ابن ماجه بإسناد ضعيف جداً، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ نهى أن يلبس السلاح في بلاد الاسلام في العيدين، إلا أن يكونوا بحضرة العدو.
وفي إسناده: إسماعيل بن زياد، متروك.
стр. 4247
قال البخاري –﵀:
стр. 4248
٩٦٦ - حدثنا زكريا بن يحيى أبو السكين: نا المحاربي: نا محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير، قال: كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح في أخمص قدمه، فلزقت قدمه بالركاب، فنزلت فنزعتها، وذلك بمنى، فبلغ الحجاج فجاء يعوده، فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك؟ قالَ: أنت أصبتني. قالَ: وكيف؟ قال: حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه، وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن السلاح يدخل الحرم.
стр. 4249
٩٧٦ - حدثنا أحمد بن يعقوب: حدثني إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه، قال: دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده، فقال: كيف هو؟ قالَ: صالح. قالَ: من أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله –يعني: الحجاج.
زكريا بن يحيى أبو السكين الطائي الكوفي، روى عنه البخاري هذا الحديث، ولم يرو عنه في ((كتابه)) ، ولم يخرج لهُ أحد من أهل الكتب الستة سواه.
وكذلك أحمد بن يعقوب المسعودي الكوفي، لم يروعنه البخاري من أهل
الكتب، لكنه روى عنه في موضوع أخر من ((كتابه)) .
وظاهر كلام ابن عمر: يقتضي أن حمل السلاح يوم النحر غير جائز، سواء كان في الحرم أو غيره، وكذلك حمله في الحرم.
وفي ((صحيح مسلم)) من حديث معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، عن
النبي ﷺ ،
стр. 4250
قال: ((لايحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح)) .
وقول ابن عمر قالَ: ((لم يكن يحمل فيه)) ، في معنى رفعه؛ لأنه إشارة إلى أن ذلك كان عادة مستمرة من عهد النبي ? ﷺ إلى ذلك الزمان.
ولعل النهي إنما هو عن إشتهار السلاح لا عن حمله في القراب، كما نهى عن ذلك في المساجد.
ويدل عليه: أن النبي ﷺ قاضى أهل مكة عام الحديبية على أن يدخلها من قابل، وأن لا يدخلها إلا بجلبان السلاح، وهي السيوف في القراب.
ولكن ألفاظ الأحاديث عامة، وقد يكون دخوله مكة عام القضية بالسلاح؛ لأنه كانَ خائفاً.
وقد حكي عن عطاء ومالك والشافعي، أنه يكره إدخال السلاح إلى الحرم لغير حاجة إليه.
وأما حمل السلاح يوم العيد، فقد حكى البخاري عن الحسن، أنه قال: نهوا
عنه، إلا أن يخافوا عدواً.
وقد روي عنه مرفوعاً.
خرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافي)) ، من طريق علي بن عياش: ثنا إسماعيل، عن ابن أبي نعم ٍ، عن الحسن، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يخرج السلاح في العيدين.
стр. 4251
إسماعيل: كأنه: ابن عياش.
والصحيح: الموقوف.
وبوب عليه أبو بكر: ((باب: القول في لبس السلاح في العيدين وذكر
الثغور)) .
يشير إلى أنه في الثغور التي يخاف فيها من هجم العدو غير منهي عنه.
стр. 4252
١٠ - باب
التبكير إلى العيد
وقال عبد الله بن بسر: إن كنا قد فرغنا في هذه الساعة، وذلك حين التسبيح.
стр. 4253
٩٦٨ - حدثنا سليمان بن حرب: نا شعبة، عن زبيد، عن الشعبي، عن البراء، قال: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر، فقال: ((إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر)) .
ثم ذكر بقية الحديث - يعني حديث آدم، عن شعبة -، وقد سبق قريباً، إلا أنه قال: ((اجعلها مكانها)) - أو قال -: ((اذبحها، ولن تجزي جذعة عن أحد بعدك)) .
وجه الاستدلال بحديث البراء على التبكير بصلاة العيد: أن النبي ﷺ أخبر أن أول ما يبدأ به في يوم النحر الصَّلاة، ثُمَّ النحر بعد رجوعه، والمراد باليوم
ها هنا: ما بعد طلوع الشمس، فإنه لا يجوز صلاة العيد قبل [ذَلِكَ] بالاتفاق.
وهذا مما يرد قول من قال من أصحابنا بجواز
стр. 4254
صلاة الجمعة قبل طلوع الشمس.
وقد يستدل به من يرى أن صلاة العيد تجوز قبل زوال وقت النهي ٠
ويجاب عنه بان ذكره أول ما يبدأ به في وقت متسع، لا يلزم منه أن يكون فعله له في أول الوقت ٠
وقال الشافعي: أنا الثقة، أن الحسن كان يقول: إن النبي ﷺ كان يغدو إلى الأضحى والفطر حين تطلع الشمس، فيتتام طلوعها.
وأما حديث عبد الله بن بسر الذي ذكره تعليقاً:
فخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث يزيد بن خمير الرحبي، قال: خرج عبد الله بن بسر - صاحب النبي ﷺ مع الناس في يوم عيد فطر - أو أضحى -، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: أنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح.
والمراد بصلاة التسبيح: صلاة الضحى.
والمراد بحينها: وقتها المختار، وهو إذا اشتد الحر.
فهذا التأخير هو الذي أنكره عبد الله بن بسر، ولم ينكر تأخيرها إلى أن يزول وقت النهي؛ فان ذَلِكَ هوَ الأفضل بالاتفاق، فكيف ينكره.
وقد اختلف في أول وقت صلاة العيد:
فقال أبو حنيفة وأحمد: أول وقتها إذا ارتفعت الشمس، وزال وقت النهي.
وهو أحد الوجهين
стр. 4255
للشافعية.
والثاني - لهم -: أول وقتها إذا طلعت الشمس، وان لم يزل وقت النهي.
وهو قول مالك.
ويتخرج لأصحابنا مثله، على قولهم: إن ذوات الأسباب كلها تفعل في أوقات النهي.
وقد خرجه بعضهم في صلاة الاستسقاء، وصلاة العيد مثلها.
وعمل السلف يدل على الأول؛ فإنه قد روي عن ابن عمر ورافع بن خديج وجماعة من التابعين، أنهم كانوا لا يخرجون إلى العيد حتَّى تطلع الشمس، وكان بعضهم يصلي الضحى في المسجد قبل أن يخرج إلى العيد.
وهذا يدل على أن صلاتها إنما كانت تفعل بعد زوال وقت النهي.
واختلفوا: هل يستحب إقامة العيدين في وقت واحد بالسوية، أو يعجل أحدهما عن آخر؟ على قولين.
أحدهما: انهما يصليان بالسوية، وهو قول مالك.
وقال ربيعة: إذا طلعت الشمس فالتعجيل بهما - يعني: الفطر والأضحى - أحسن من التأخير.
قال الزهري: كانوا يؤخرون العيدين حتى يرتفع النهار جداً.
وروى عن عمر بن عبد العزيز، أنه كان يبكر بالخروج إلى الصلاة؛ كيلا يصلي أحد قبلها.
стр. 4256
خرجه كله جعفر الفريابي في ((كتاب العيدين))
والثاني: يستحب أن يؤخر صلاة الفطر، وتقدم الأضحى، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
وفي حديث مرسل، خرجه الشافعي، أن النبي كتب إلى عمرو بن حزم - وهو بنجران - أن عجل الأضحى، وأخر الفطر.
وفي إسناده: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو ضعيف جداً.
والمعنى في ذلك: أنه بتأخير صلاة عيد الفطر يتسع وقت إخراج الفطرة المستحب إخراجها فيه، وبتعجيل صلاة الأضحى يتسع وقت التضحية، ولا يشق على الناس أن يمسكوا عن الأكل حتَّى يأكلوا من ضحاياهم.
وقد تقدم في حديث ابن عباس المخرج في ((المسند)) : وكانوا لا يخرجون حتى يمتد الضحى، فيقولون: نطعم حتى لا نعجل عن صلاتنا.
وأظنه من قول عطاء.
ويكون تعجيل صلاة الأضحى بمقدار وصول الناس من المزدلفة إلى منى ورميهم وذبحهم - نص عليه أحمد في رواية حنبل -؛ ليكون أهل الأمصار تبعاً للحاج في ذَلِكَ؛ فإن رمي الحاج الجمرة بمنزلة صلاة العيد لأهل الأمصار.
وأما آخر وقت صلاة العيد فهو: زوال الشمس.
قال عطاء: كل عيد
стр. 4257
في صدر النهار.
وقال مجاهد: كانوا يعدون العيد في صدر النهار.
وقال مجاهد: كل عيد للمسلمين فهو قبل نصف النهار.
وقال أحمد: لا يكون الخروج للعيدين إلا قبل الزوال.
وأما إن لم يعلم بالعيد إلا في أثناء النهار، فإن علم به قبل زوال الشمس خرجوا من وقتهم، وصلوا صلاة العيد.
وإن شهدوا بعد الزوال في أثناء النهار، فقال أكثر العلماء: يخرجون من الغد للصلاة، وهو قول عمر بن عبد العزيز والثوري وأبي حنيفة والأوزاعي والليث وإسحاق وأحمد وابن المنذر ٠
واستدلوا بما روى أبو عمير بن أنس، قال: حدثني عمومة لي من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ قالوا: غم علينا هلال شوال، فأصبحنا صياماً، فجاء ركب من آخر النهار، فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا لعيدهم من الغد.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
وصححه إسحاق بن راهويه والخطابي والبيهقي.
واحتج به أحمد.
وتوقف فيه الشافعي، وقال: لو ثبت قلنا به.
стр. 4258
وقالت طائفة: تسقط ولا تصلي بعد ذلك، كما لا تقضى الجمعة إذا فاتت، وهو قول مالك وأبي ثور والشافعي - في قول له.
والقول المشهور، عنه: أنه إن أمكن جمع الناس في بقية يومهم لصغر البلد
خرجوا، وصلوا في بقية اليوم، وإلا أخروه إلى الغد.
وبنى ذلك أصحابه على أن التأخير إلى الغد قضاء، أو أداء.
فإن قيل: إنه أداء، لم تصل بعد الزوال؛ لأن وقت أدائها قد فات.
وإن قيل: إنَّهُ قضاء - وهو أصح عندهم -، قضيت في بقية النهار، إذا أمكن جمع الناس فيهِ.
وهو أفضل - عندهم - من تأخيرها إلى الغد، في أصح الوجهين عندهم. ولا خلاف عندهم، أنه إذا لم يعلم بالعيد إلاّ في الليلة الثانية، أنه يصلي من الغد.
قالوا: ويكون أداء، بغير خلاف.
واتفقوا على أن هذه الشهادة لا تقبل بالنسبة إلى صلاة العيد، بل تصلى من الغد أداء بغير خلاف.
قال في ((شرح المهذب)) : قال أصحابنا: ليس يوم الفطر أول شوال مطلقا وإنما هو اليوم الذي يفطر فيه الناس؛ بدليل حديث:
((فطركم يوم تفطرون)) وكذلك يوم النحر، وكذلك يوم عرفة هوَ اليوم الذي يظهر للناس، أنه يوم عرفة، سواء كانَ التاسع أو العاشر وقال الشافعي في ((الأم)) عقب هذا الحديث: فبهذا نأخذ. قالَ: وإنما كلف العباد الظاهر، ولم يظهر الفطر إلا يوم أفطروا. انتهى.
стр. 4259
وقال أصحاب أبي حنيفة - فيمن شهد بيوم عرفة بعرفة، على وجه لا يتمكن الناس فيه من تلافي الوقوف، على تقدير صحة شهادتهم في ذلك العام -: إن شهادتهم غير مقبولة؛ لما يؤدى إليه قبولها من إيقاع الناس في الفتنه، بتفويت حجهم.
ذكره صاحب ((الكافي)) - منهم.
стр. 4260
١١ - باب
فضل العمل في أيام التشريق
وقال ابن عباس ((واذكروا الله في أيام معلومات)) : أيام العشر. والأيام المعدودات: أيام التشريق.
وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر، ويكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.
وكبر محمد بن علي خلف النافلة.
بوب على فضل أيام التشريق والعمل فيها.
وذكر في الباب أيام التشريق وأيام العشر، وفضلهما جميعاً.
وذكر ابن عباس: أن الأيام المعلومات المذكورة في سورة الحج هي أيام العشر، والأيام المعدودات المذكورة في سورة البقرة هي أيام التشريق.
وفي كل منهما اختلاف بين العلماء:
فأما المعلومات:
فقد روي عن ابن عباس، أنها أيام عشر ذي الحجة، كما حكاه عنه البخاري.
وروي - أيضاً - عن ابن عمر، وعن عطاء والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد - في المشهور، عنه.
وقالت طائفة: الأيام المعلومات: يوم النحر ويومان بعده، روي عن ابن عمر وغيره من السلف. وقالوا: هي أيام الذبح.
وروي - أيضاً - عن علي وابن عباس، وعن عطاء الخراساني والنخعي وهو قول
стр. 4261
مالك وأبي يوسف ومحمد وأحمد - في رواية عنه.
ومن قال: أيام الذبح أربعة، قال: هي يوم النحر وثلاثة أيام بعده.
وقد روي عن أبي موسى الأشعري، أنه قال - في خطبته يوم النحر -: هذا يوم الحج الأكبر، وهذه الأيام المعلومات التسعة التي ذكر الله في القرآن، لا يرد فيهن
الدعاء، هذا يوم الحج الأكبر، وما بعده من الثلاثة اللائي ذكر الله الأيام المعدودات، لا يرد فيهن الدعاء.
وهؤلاء جعلوا ذكر الله فيها هو ذكره على الذبائح.
وروي عن محمد بن كعب، أن المعلومات أيام التشريق خاصة.
والقول الأول أصح؛ فان الله قالَ – بعد ذكره في هذه الأيام المعلومات: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] .
والتفث: هو ما يصيب الحاج من الشعث والغبار.
وقضاؤه: إكماله.
وذلك يحصل يوم النحر بالتحلل فيه من الإحرام، فقد جعل ذلك بعد ذكره في الأيام المعلومات، فدل على أن الأيام المعلومات قبل يوم النحر الذي يقضى فيه التفث ويطوف فيه بالبيت العتيق.
فلو كانت الأيام المعلومات أيام الذبح لكان الذكر فيها بعد قضاء التفث ووفاء النذور
стр. 4262
والتطوف بالبيت العتيق، والقران يدل على أن الذكر فيها قبل ذلك.
وأما قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنعام﴾ [الحج:٢٨] .
فأما أن يقال: إن ذكره على الذبائح يحصل في يوم النحر، وهو أفضل أوقات الذبح، وهو آخر العشر.
وإما أن يقال: إن ذكره على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، ليس هو ذكره على الذبائح، بل ذكره في أيام العشر كلها، شكراً على نعمة رزقه لنا من بهيمة الأنعام؛ فإن لله تعالى علينا فيها نعماً كثيرة دنيوية ودينية.
وقد عدد بعض الدنيوية في سورة النحل، وتختص عشر ذي الحجة منها بحمل أثقال الحاج، وإيصالهم إلى قضاء مناسكهم والانتفاع بركوبها ودرها ونسلها وأصوافها وأشعارها.
وأما الدينية فكثيرة، مثل: إيجاب الهدي وإشعاره وتقليده، وغالبا يكون ذلك في أيام العشر أو بعضها، وذبحه في آخر العشر، والتقرب به إلى الله، والأكل من لحمه، وإطعام القانع والمعتر.
فلذلك شرع ذكر الله في أيام العشر شكراً على هذه النعم كلها، كما صرح به في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] ، كما أمر بالتكبير عند قضاء صيام رمضان، وإكمال العدة، شكراً على ما هدانا إليه من الصيام والقيام المقتضي لمغفرة الذنوب السابقة.
وأما الأيام المعدودات:
فالجمهور على أنها أيام التشريق، وروي عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما.
واستدل ابن عمر يقوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما يكون
стр. 4263
التعجيل في ثاني أيام التشريق.
قال الإمام أحمد: ما أحسن ما قال ابن عمر.
وقد روي عن ابن عباس وعطاء، أنها أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة بعده.
وفي إسناد المروي عن ابن عباس ضعف.
وأما ما ذكره البخاري عن ابن عمر وأبي هريرة، فهو من رواية سلام أبي المنذر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان في العشر إلى السوق يكبران، لا يخرجان إلاّ لذلك.
خرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافي)) وأبو بكر المروزي القاضي في ((كتاب العيدين)) .
ورواه عفان: نا سلام أبو المنذر - فذكره، ولفظه: كان أبو هريرة وابن عمر يأتيان السوق أيام العشر، فيكبران، ويكبر الناس معهما، ولا يأتيان لشيء إلا لذلك.
وروى جعفر الفريابي، من رواية يزيد بن أبي زياد، قال: رأيت سعيد بن جبير
وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهدا - أو اثنين من هؤلاء الثلاثة - ومن رأينا من فقهاء الناس يقولون في أيام العشر: ((الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر. الله أكبر ولله الحمد)) .
стр. 4264
وروى المروزي، عن ميمون بن مهران، قال: أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها، ويقول: إن الناس قد نقصوا في تركهم التكبير.
وهو مذهب أحمد، ونص على أنه يجهر به.
وقال الشافعي: يكبر عند رؤية الأضاحي.
وكأنه أدخله في التكبير على بهيمة الأنعام المذكور في القران، وهو وإن كان داخلا فيه، إلا أنه لا يختص به، بل هو أعم من ذلك كما تقدم.
وهذا على اصل الشافعي وأحمد: في أن الأيام المعلومات هي أيام العشر، كما
سبق.
فأما من قال: هي أيام الذبح، فمنهم من لم يستحب التكبير في أيام العشر، وحكي عن مالك وأبي حنيفة.
ومن الناس من بالغ، وعده من البدع، ولم يبلغه ما في ذلك من السنة.
وروى شعبة، قال: سالت الحكم وحماداً عن التكبير أيام العشر؟ فقالا: لا؛ محدث.
خرّجه المروزي.
وخرّج الإمام أحمد من حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: ((ما من أيام اعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيه من هذه الأيام العشر؛ فاكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد)) .
ويروي نحوه من حديث ابن عباس – مرفوعاً، وفيه: ((فاكثروا فيهن
стр. 4265
التهليل والتكبير؛ فإنها أيام تهليل وتكبير وذكر الله ) .
وأما ما ذكره عن محمد بن علي في التكبير خلف النافلة، فهوَ في أيام التشريق.
ومراده: أن التكبير يشرع في أيام العشر وأيام التشريق جميعاً، وسيأتي ذكر التكبير في أيام التشريق فيما بعد - إن شاء الله .
قال البخاري - رحمه الله تعالى -:
стр. 4266
٩٦٩ - نا محمد بن عرعرة: نا شعبة، عن سليمان، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: ((ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام - يعني: أيام العشر -)) قالوا: ولا الجهاد؟ قالَ: ((ولا الجهاد، إلاّ رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء)) . هكذا في أكثر النسخ المعتمدة، وفي أكثر النسخ: ((ما العمل في العشر أفضل منه في هذه الأيام)) –وكأنه يشير إلى أيام التشريق -، والحديث بهذا اللفظ غير معروف.
وفيه: تفصيل العمل في أيام التشريق وأيام العشر جميعاً.
ولعل هذا من تصرف بعض الرواة، حيث أشكل عليه إدخال الحديث باللفظ المشهور في ((باب: فضل العمل في أيام التشريق)) .
والبخاري اتبع عبد الرزاق؛ فانه خرج هذا الحديث في (مصنفه) في ((باب: فضل أيام التشريق)) –أيضاً.
وقد ذكر أن البخاري وإن بوب
стр. 4267
على أيام التشريق، لكنه ذكر في الباب فضل أيام العشر وأيام التشريق جميعا، ولهذا ذكر عن ابن عباس تفسير الأيام المعلومات، والأيام المعدودات. وعن ابن عمر وأبي هريرة التكبير في أيام العشر. وعن محمد بن علي التكبير في أيام التشريق خلف النوافل، فعلم انه أراد ذكر فضائل هذه الأيام جميعها، وليس في فضل العمل في أيام التشريق حديث مرفوع، فخرج فيه حديث فضل العمل في أيام العشر.
وهذا الحديث حديث عظيم جليل.
وسليمان الذي رواه عنه شعبة هو الأعمش، وقد رواه جماعة عن الأعمش بهذا الإسناد، وهو المحفوظ -: قاله الدارقطني وغيره.
واختلف على الأعمش فيه:
ورواه عن مسلم البطين مع الأعمش: حبيب بن أبي عمرة ومخول بن راشد.
ورواه عن سعيد بن جبير مع البطين: أبو صالح ومجاهد وسلمة بن كهيل وأبو إسحاق والحكم وعدي بن ثابت وغيرهم، مع اختلاف على بعضهم فيه.
стр. 4268
ورواه عن ابن عباس مع سعيد بن جبير، عطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة
ومقسم، مع اختلاف على بعضهم يطول ذكره.
ولعل مسلماً لم يخرجه للاختلاف في إسناده. والله أعلم.
وهذا الحديث نص في أن العمل المفضول يصير فاضلا إذا وقع في زمان فاضل، حتى يصير أفضل من غيره من الأعمال الفاضلة؛ لفضل زمانه.
وفي أن العمل في عشر ذي الحجة أفضل من جميع الأعمال الفاضلة في غيره.
ولا يستثنى من ذلك سوى أفضل أنواع الجهاد، وهو أن يخرج الرجل بنفسه
وماله، ثم لا يرجع منهما بشيء.
وقد سئل: ((أي الجهاد أفضل؟)) ، قالَ: ((من عقر جواده، وأهريق
دمه)) .
وسمع رجلا يقول: اللَّهُمَّ اعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين، فقالَ لهُ:
((إذن يعقر جوادك، وتستشهد)) .
فهذا الجهاد بخصوص يفضل على العمل في العشر، وأما سائر أنواع الجهاد مع سائر الأعمال، فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل منها.
وفي رواية: ((وأحب الله ) .
فإن قيل: فإذا كان كذلك فينبغي أن يكون الحج أفضل من الجهاد؛
стр. 4269
لأن الحج يختص بهده العشر، وهو من أفضل أعماله، ومع هذا فالجهاد أفضل منه؛ لما في ((الصحيحين)) ، عن أبي هريرة، عن النَّبيّ ﷺ أنه قالَ: ((أفضل الأعمال الإيمان بالله ورسوله، ثُمَّ الجهاد في سبيل الله، ثُمَّ حج مبرور)) .
قيل: للجمع بينهما وجهان:
أحدهما: بان يكون الحج أفضل من سائر أنواع الجهاد، إلاّ الجهاد الذي لا يرجع صاحبه منه بشيء من نفسه وماله، فيكون هذا الجهاد هو الذي يفضل على الحج
خاصة.
وقد روي عن طائفة من الصحابة تفضيل الحج على الجهاد، ومنهم: عمر وابنه وأبو موسى وغيرهم، عن مجاهد وغيره.
فيحمل على تفضيله على ما عدا هذا الجهاد الخاص، ويجمع بذلك بين النصوص كلها.
الوجه الثاني: أن الجهاد في نفسه أفضل من الحج، لكن قد يقترن بالحج ما يصير به أفضل من الجهاد، وقد يتجرد عن ذلك فيكون الجهاد أفضل منه حينئذ.
ولذلك أمثله:
منها: أن يكون الحج مفروضا، فيكون حينئذ أفضل من التطوع بالجهاد، هذا قول جمهور العلماء.
وقد روي صريحاً، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وروي - مرفوعاً - من وجوه متعددة، في أسانيدها لين.
стр. 4270
ونص عليه الإمام أحمد وغيره.
وقد دل عليه: قول النَّبيّ ﷺ حكاية عن ربه : ((ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه)) .
وقد خرجه البخاري في ((كتابه)) هذا.
ومنها: أن يكون الحاج ليس من أهل الجهاد، فحجه أفضل من جهاده،
كالمرأة.
وقد خرج البخاري حديث عائشة، أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قالَ: ((لكن أفضل الجهاد حج مبرور))
ومنها: أن يستوعب عمل الحج جميع أيام العشر، ويؤتي به على أكمل الوجوه، وجوه البر من أداء الواجبات وفعل المندوبات واجتناب المحرمات والمكروهات، مع كثرة ذكر الله والإحسان إلى عباده، وكثرة العج والثج، فهذا الحج قد يفضل على الجهاد.
وقد يحمل عليه ما روي عن الصحابة من تفضل الحج على الجهاد، كما سبق.
وإن وقع عمل الحج في جزء يسير من العشر، ولم يؤت به على الوجه الكامل من البر، فإن الجهاد حينئذ أفضل منه.
ويدل عليه - أيضاً -: أن النبي لما سئل عن عمل يعدل الجهاد، فقال: ((هل تستطيع إذا خرج المجاهد، أن تقوم فلا تفتر، وتصوم فلا
стр. 4271
تفطر؟)) .
فدل على أن العمل من [فتور] في أي وقت كانَ يعدل الجهاد، فإذا وقع هذا العمل الدائم في العشر بخصوصه في عدد أيامه من سائر السنة، إلا من أفضل الجهاد بخصوصه كما تقدم.
ولهذا كان سعيد بن جبير - وهو راوي هذا الحديث، عن ابن عباس - إذا دخل العشر اجتهد اجتهاداً حتى ما يكاد يقدر عليه.
وروي عنه، أنه قال: لا تطفئوا مصابيحكم في العشر - يعجبه العبادة.
فإن قيل: هل المراد: تفضيل العمل في هذه العشر على العمل في كل عشر غيره من أيام الدنيا، فيدخل في ذلك عشر رمضان وغيره، أم على العمل في أكثر من عشر أخر من الأيام، وإن طالت المدة؟
قيل: أما تفضيل العمل فيهِ على العمل في كل عشر غيره، فلا شك في ذَلِكَ.
ويدل عليه: ما خرجه ابن حبان في ((صحيحه)) ، من حديث جابر، عن النبي ﷺ قال: ((ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة)) . فقال رجل: يا رسول الله، هو أفضل أو عدتهن جهاد في سبيل الله؟ قالَ: ((هوَ أفضل من عدتهن جهاد في سبيل الله ) .
فيدخل في ذلك تفضيل العمل في عشر ذي الحجة على العمل في
стр. 4272
جميع أعشار الشهور كلها، ومن ذلك عشر رمضان.
لكن فرائض عشر ذي الحجة أفضل من فرائض سائر الأعشار، ونوافله أفضل من نوافلها، فأما نوافل العشر فليست أفضل من فرائض غيره، كما سبق تقريره في الحج والجهاد.
وحينئذ؛ فصيام عشر رمضان أفضل من صيام عشر ذي الحجة؛ لأن الفرض أفضل من النفل.
وأما نوافل عشر ذي الحجة فأفضل من نوافل عشر رمضان، وكذلك فرائض عشر ذي الحجة تضاعف أكثر من مضاعفة فرائض غيره.
وقد كان عمر يستحب قضاء رمضان في عشر ذي الحجة؛ لفضل أيامه، وخالفه في ذَلِكَ علي، وعلل قوله باستحباب تفريغ أيامه للتطوع وبذلك علله أحمد وإسحاق، وعن أحمد في ذَلِكَ روايتان.
وأما تفضيل العمل في عشر ذي الحجة على العمل في أكثر من عشرة أيام من
غيره، ففيه نظر.
وقد روي ما يدل عليهِ:
فخرج الترمذي وابن ماجه من رواية النهاس بن قهم، عن قتادة، عن ابن
المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي قالَ: ((ما من أيام احب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بسنة، وكل ليلة منها بليلة القدر)) .
стр. 4273
والنهاس، ضعفوه.
وذكر الترمذي عن البخاري، أن الحديث يروى عن قتادة، عن ابن المسيب - مرسلا.
وروى ثوير بن أبي فاختة - وفيه ضعف -، عن مجاهد، عن ابن عمر، قالَ: ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة، ليس العشر؛ فإن العمل فيهِ يعدل عمل سنة.
وممن روي عنه: أن صيام كل يوم من العشر يعدل سنة: ابن سيرين وقتادة وعن الحسن: صيام يوم منه يعدل شهرين.
وروى هارون بن موسى النحوي: سمعت الحسن يحدث، عن أنس، قالَ: كان يقال في أيام العشر بكل ألف يوم، ويوم عرفة عشرة الآف يوم.
وفي ((صحيح مسلم)) ، من حديث أبي قتادة - مرفوعا - ((إن صيامه كفارة سنتين)) .
وهذه النصوص: تدل على أن كل عمل في العشر فإنه أفضل من العمل في غيره، أما سنة أو أكثر من ذلك أو اقل. والله أعلم بحقيقة ذلك كله.
стр. 4274
وحديث جابر الذي خرجه ابن حبان: يدل على أن أيام العشر أفضل من الأيام مطلقا.
وقد خرجه أبو موسى المديني من الوجه الذي خرجه ابن حبان، بزيادة فيهِ، وهي: ((ولا ليالي أفضل من لياليهن)) .
وفي ((مسند البزار)) من وجه آخر، عن جابر، عن النَّبيّ ﷺ ، قالَ: ((أفضل أيام الدنيا العشر)) .
وروي مرسلاً.
وقيل: إنه أصح.
وقد سبق قول ابن عمر في تفضيل أيام العشر على يوم الجمعة، الذي هوَ أفضل أيام الدنيا.
وقال مسروق في قوله: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ هي أفضل أيام السنة.
وهذه العشر تشتمل على يوم عرفة.
وفي ((صحيح ابن حبان)) عن جابر - مرفوعا -: ((إنه أفضل أيام الدنيا)) وفيه: يوم النحر.
وفي حديث عبد الله بن قرط، عن النبي ﷺ قالَ: ((أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر)) .
خرّجه أبو داود وغيره.
стр. 4275
وقد سبق في الحديث المرفوع: أن صيام كل يوم [منه] بسنة، وقيام كل ليلة منه يعدل ليلة القدر.
وهذا يدل على أن عشر ذي الحجة أفضل من عشر رمضان، لياليه وأيامه.
وقد زعم طائفة من أصحابنا: أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر.
وقد تقدم عن ابن عمر، أن أيام العشر أفضل من يوم الجمعة، فلا يستنكر حينئذ تفضيل ليالي عشر ذي الحجة على ليلة القدر.
وعلى تقدير أن لا يثبت ذلك، فقال بعض أعيان أصحابنا المتأخرين: مجموع عشر ذي الحجة أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا تفضل عليها غيرها. والله أعلم.
وروى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن كعب: أحب الزمان إلى الله الشهر الحرام، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة، وأحب ذي الحجة إلى الله العشر الأول.
وروي عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة – مرفوعا، ولا يصح، وكذا قال سعيد بن جبير: ما من الشهور أعظم حرمة من ذي الحجة.
وفي ((مسند البزار)) من حديث أبي سعيد - مرفوعا -: ((سيد الشهور
следующие страницы →