Полный текст (4 834 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وقد سبق هذا الحديث في ((كتاب الطهارة)) من وجوه أخر عن المغيرة، وخرجه في ((كتاب اللباس)) من طريق الشعبي، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، وفي حديثه: ((وعليه جبة من صوف)) .
وفيه من الفقه: جواز الصلاة فيما يجلب من بلاد المشركين من ثيابهم. وجواز الصلاة في الصوف، وجواز الوضوء فيما هو ضيق الكمين وإن لم يتمكن من إخراج يديه منه عند الوضوء، إذا أخرج يديه من أسفله.
وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن أنس، أن ملك الروم أهدى للنبي ﷺ مستقة من سندس، فلبسها.
وعلي بن زيد، مختلف في أمره، وليس بالحافظ جدا.
قال الأصمعي: المساتق: فراء طوال الأكمام، واحدتها: مستقة.
والمستقة: بفتح القاف. وتضم - أيضا.
قال الخطابي: يشبه أن تكون هذه المستقة مكففة بالسندس؛ لأن نفس الفرو لا يكون سندسا.
قلت: بل الظاهر أن غشاء الفرو كان حريرا، ويدل عليه: ما رواه سالم بن نوح، عن عمر بن عامر، عن قتادة، عن أنس: أن أكيدر دومة أهدى إلى رسول الله ﷺ جبة سندس، فلبسها
стр. 912
رسول الله ﷺ ، فعجب الناس منها، ثم أهداها إلى عمر، فقال: يا رسول الله، تكرهها وألبسها؟ قال: ((يا عمر إنما أرسلت بها إليك لتبعث بها وجها فتصيب بها مالا)) . وذلك قبل أن ينهى عن الحرير.
وخرجه البزار وغيره، وخرجه مسلم مختصرا.
وهذا - والله أعلم - هو فروج الحرير الذي قال عقبة بن عامر: أهدي لرسول الله ﷺ فروج حرير فلبسه، ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا، كالكاره له، ثم قال: ((لا ينبغي هذا للمتقين)) .
وقد خرجه البخاري في موضع آخر.
وخرج مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر، قال: لبس النبي ﷺ يوما قباء من ديباج أهدي له، ثم أوشك أن نزعه، ثم أرسل به إلى عمر - وذكر بقية الحديث.
стр. 913
٨ - باب
كراهية التعري في الصلاة وغيرها
стр. 914
٣٦٤ - حدثنا مطر بن الفضل: ثنا روح: ثنا زكريا بن إسحاق: ثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله يحدث، أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عمه: يا بن أخي، لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة. قال: فحله، فجعله على منكبيه، فسقط مغشيا عليه، فما رئي بعد ذلك عريانا.
هذا الإسناد مصرح فيه بالسماع من أوله إلى آخره، وقد قيل: أنه من مراسيل الصحابة؛ فإن جابرا لم يحضر هذه القصة، وإنما سمعها من غيره، إما من النبي ﷺ أو من بعض أكابر أصحابه، فإن كان سمع ذلك من النبي ﷺ فهو متصل.
وقد اختلفوا في قول الصحابي: ((أن النبي ﷺ فعل كذا)) ، هل يحمل على الاتصال، أم لا؟
والتحقيق: أنه أن حكى قصة أدركها بسنه، ويمكن أن يكون شهدها حملت على الاتصال، وإن حكى ما لم يدرك زمنه فهو مرسل لذلك. والله أعلم.
وبناء الكعبة حين نقل النبي ﷺ مع قريش الحجارة لم يدركه جابر، فإن ذلك كان قبل البعثة بمدة، وقد قيل: أن عمر النبي ﷺ كان حينئذ
стр. 915
خمس عشرة سنة.
قال معمر، عن الزهري: كان ذلك حين بلغ النبي ﷺ الحلم.
وأما سقوطه مغشيا عليه، فقيل: من شدة حيائه ﷺ من تعريه؛ فإنه كان مجبولا على أجمل الأخلاق وأكملها منذ نشأ، ومن أعظمها شدة الحياء.
وقيل: بل كان لا مر شاهده وراءه، أو لنداء سمعه عن التعري.
وقد خرج البخاري هذا الحديث في ((باب: بنيان الكعبة)) من ((كتاب: بدء الخلق)) من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، وفيه: قال. فخر إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق، فقال: ((إزاري، إزاري)) ، فشد عليه إزاره.
وقد روى الأزرقي في ((كتاب: أخبار مكة)) . ثنا جدي: ثنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، قال: جلس رجال من قريش في المسجد الحرام، فيهم حويطب بن عبد العزى ومخرمة بن نوفل، فتذاكروا بنيان قريش الكعبة - فذكر حديثا طويلا في ذلك -، وفيه: فنقلوا الحجارة، ورسول الله ﷺ يومئذ غلام لم ينزل عليه الوحي، ينقل معهم الحجارة على رقبته، فبينا هو ينقلها إذ انكشف نمرة كانت عليه، فنودي: يا محمد، عورتك، وذلك أول ما نودي - والله
стр. 916
أعلم -، فما رئيت لرسول الله ﷺ عورة بعد ذلك، ولبج برسول الله ﷺ من الفزع حين نودي، فأخذ العباس بن عبد المطلب فضمه إليه، وقال: لو جعلت لنا بعض نمرتك على عاتقك تقيك الحجارة، فقال: ((ما أصابني هذا إلا من التعري)) فشد رسول الله ﷺ إزاره، وجعل ينقل معهم - وذكر بقية الحديث.
وقال - أيضا -: ثنا جدي وإبراهيم بن محمد الشافعي، قالا: ثنا ابن خالد، عن ابن خثيم، قال: كان رسول الله غلاما حيث هدمت الكعبة، فكان ينقل الحجارة، فوضع على ظهره إزاره يتقي به فلبج به، فاخذ العباس فضمه إليه، فقال رسول الله ﷺ : ((إني نهيت أن أتعرى)) .
يقال: لبج بفلان، ولبط به، إذا صرع، وهو معنى ما في حديث جابر:
((فسقط مغشيا عليه)) .
وروى الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق: ابنا معمر، عن ابن خثيم، عن أبي
الطفيل، وذكر بناء الكعبة في الجاهلية، قال: فهدمتها قريش، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي، تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعا. فبينا النبي ﷺ يحمل الحجارة من أجياد وعليه نمرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه فترى عورته من صغر النمرة،، فنودي: يا محمد، خمر عورتك، فلم ير عريانا بعد
ذلك.
وروى ابن سعد بإسناد ضعيف، عن ابن عباس، قال: أول شئ
стр. 917
رأى النبي ﷺ من النبوة أن قيل له: استتر، وهو غلام، فما رئيت عورته من يومئذ.
ويروى بإسناد أجود منه، عن السماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: ((نهيت أن امشي عريانا)) ، [قلت: اكتمها الناس مخافة أن يقولوا: مجنون] .
وبعض رواته لم يذكر في إسناده: ((العباس)) . وخرج البزار من حديث مسلم الملائي - وفيه ضعف -، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل من وراء الحجرات، وما رئي عورته قط.
وقال لا نعلم روي من وجه متصل بإسناد أحسن من هذا.
وفي ((صحيح مسلم)) عن المسور بن مخرمة، قال: أقبلت بحجر أحمله ثقيل، وعلي إزار، فانحل إزاري ومعي الحجر، فلم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضع، فقال رسول الله ﷺ : ((ارجع إلى ثوبك فخذه، ولا تمشوا عراة)) .
وفي ((مسند الإمام أحمد)) بإسناد جيد، عن عبد الله بن الحارث بن جزء، أنه مر وصاحب له بأيمن وفتية من قريش قد خلعوا أزرهم، فجعلوها مخاريق يجتلدون بها وهم عراة، قال: فلما مررنا بهم قالوا: أن هؤلاء لقسيسون، فدعوهم أن رسول الله ﷺ ، خرج عليهم، فلما أبصروه تبددوا، فرجع رسول الله ﷺ مغضبا حتى دخل، وكنت أنا وراء
стр. 918
الحجرة، فاسمعه يقول: ((سبحان الله، لا من الله استحيوا، ولا من رسوله استتروا)) ، وأم ايمن عنده تقول: أستغفر لهم يا رسول الله، فبلأي ما أستغفر لهم.
وقوله: فبلأي: أي بشدة، ومنه اللأواء، والمعنى: أنه أستغفر لهم بعد شدة امتناعه من ذَلِكَ.
وخرج الأمام أحمد وأبو داود والنسائي وأبن ماجه والترمذي ـ وحسنه ـ من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منهن وما نذر؟ قال: ((أحفظ عورتك إلا من زوجتك، وما ملكت يمينك)) ، فقال: الرجل يكون مع الرجل؟ قال: ((أن استطعت أن لا يراها أحد فأفعل)) ، قلت: فالرجل يكون خاليا؟ قال: ((فالله أحق أن يستحيا منه)) .
وقد ذكره البخاري في موضع آخر من ((كتابه)) هذا تعليق مختصر، فقال: وقال بهز، عن أبيه، عن جده.
وقد اجمع العلماء على وجوب ستر العورة بين الناس عن أبصار الناظرين، واختلفوا في وجوب سترها في الخلوة، على قولين، هما وجهان لأصحابنا وأصحاب الشافعي، ويجوز كشفها للحاجة إليه بقدرها بغير خلاف، وقد سبق في ((كتاب: الغسل)) ذكر بعض ذلك.
стр. 919
٩ - باب
الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء
خرج فيه حديثين:
الحديث الأول
стр. 920
٣٦٥ ـ حدثنا سليمان بن حرب: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: قام رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: ((أو كلكم يجد ثوبين؟)) ثم سأل رجل عمر، فقال: إذا وسع الله عليكم فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تبان وقباء، في تبان وقميص. قال: وأحسبه قال: في تبان ورداء.
قد تقدم حديث أبي هريرة هذا من وجه آخر عنه، وذكرنا أن قوله: ((أو لكلكم ثوبان؟)) ، ((أو كلكم يجد ثوبين؟)) إشارة إلى أنه لو لم تشرع الصلاة في ثوب واحد لشق على كثير منهم؛ فإنه كَانَ فقيرا لا يجد ثوبين.
وفيه إشارة –أيضا - إلى أن الصلاة في الثوب الواحد إنما شرعت
стр. 921
لقلة الثياب حينئذ، فلما كثرت الثياب، ووسع الله على المسلمين، بفتح البلاد عليهم وانتقال ملك فارس والروم إليهم أمر عمر ﵁ حينئذ بالصلاة في ثوبين ثوبين؛ لزوال المعنى الذي كان لأجله شرعت الصلاة في ثوب واحد.
وكل ما يلبس على البدن فهو ثوب، سواء كان شاملا له أو لبعضه، وسواء كان مخيطا أو غير مخيط، فالإزار ثوب، والقميص ثوب، والقباء ثوب، والسراويل ثوب، والتبان ثوب، فلهذا قال عمر: إذا وسع الله عليكم فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء ـ والإزار: مَا يشده عَلَى وسطه، والرداء مَا يلقيه عَلَى منكبيه ـ في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تبان وقباء، في تبان وقميص. وشك الراوي: هل قال في تبان
ورداء؟ .
والتبان والرداء: بمنزلة السراويل والرداء.
فكل من هذه الأنواع التي ذكرها عمر ﵁ صلاة في ثوبين ثوبين.
وقد روى الجريري، عن أبي نظرة، قال: قال أبي بن كعب: الصلاة في الثوب الواحد سنة، كما نفعله مع النبي ﷺ ولا يعاب علينا ـ فقال أبن مسعود: إنما كان ذاك إذ كان في الثياب قلة، فأما إذا وسع الله فالصلاة في الثوبين أزكى.
خرجه عبد الله أبن الإمام أحمد في ((المسند)) ، وفيه انقطاع.
стр. 922
وخرجه الدارقطني في ((علله)) من رواية داود بن أبي هند، عن أبي نظرة، عن أبي سعيد، فصار متصلا. وذكر أنه روي عن داود، عن أبي نظرة، عن جابر.
وروى وكيع في ((كتابه)) عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: أختلف عَبْد الله بن مسعود وأبي بن كعب في الصلاة في الثوب الواحد، فقال أبي: في ثوب، وقال أبن مسعود: في ثوبين، فبلغ ذلك عمر، فقال: القول ما قال أبي، وإن لم يأل أبن مسعود عن الخير.
وهذا منقطع أيضا.
وروى أبن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سعيد، قال: قال:
[.. ..] كنا نصلي في ثوب واحد، حتى جاء الله بالثياب، فقال: صلوا في ثوبين، فقال أبي بن كعب: ليس هذا في شئ، قد كنا نصلي على عهد رسول الله ﷺ في الثوب الواحد، ولنا ثوبان، قيل لعمر بن الخطاب: ألا تقضي بين هذين ـ وَهُوَ جالس ـ؟ قل أنا مع أبي.
وظاهر كلام أبي بن كعب أن الصلاة في ثوب واحد أفضل، وكذلك كان يفعله جابر بن عبد الله وغيره.
ويحتمل: أنهم أرادوا بذلك بيان الجواز لئلا يتوهم متوهم أنه لا تجوز الصلاة في ثوب واحد، ويدل على هذا الاحتمال: أن عمر قد صح عنه الأمر بالصلاة في ثوبين - كما خرجه عنة البخاري - فعلم أنه أراد تارة بيان الجائز، وتارة بيان الأفضل.
стр. 923
وأكثر العلماء على استحباب الصلاة في ثوبين، وقد تقدم عن ابن عمر وغيره، وهو قول أكثر الفقهاء، منهم: مالك، والثوري، والشافعي، واحمد.
ويتأكد استحبابه عند مالك وأحمد في حق الإمام أكثر من غيره، وظاهر كلام أحمد: كراهته للإمام دون المنفرد، وكره مالك ذلك لأئمة المساجد إلا من يؤم في سفر أو في بيته، فإن ذلك من زينة الصلاة المأمور بها، والإمام هو المنظور إليه، فيتأكد استحباب الزينة في حقه.
ويدل على هذا: أن صلاة النبي ﷺ في الثوب الواحد، إنما كان تارة في بيته كما في حديث عمر بن أبي سلمة، وتارة في السفر كما في حديث جابر.
وقد روي عن طائفة من السلف تفضيل بعض أنواع الثوبين على بعض: فقال أبو مالك: الصلاة في الإزار والقباء أحب إلي من الصلاة في القميص والإزار.
وعن النخعي، قال: الصلاة في التبان والرداء أحب إلي من الصلاة في القميص والرداء.
والظاهر: أنه فضل التبان والسراويل على الإزار؛ لأنه يواري العورة عن الأرض، فقد روي عنه: أنه كره أن يفضي بفرجه إلى الأرض في الصلاة.
وأما أن يصلي في ثوب واحد، فقال الشافعي وأصحابنا: أفضل ذلك القميص، ثم الرداء، ثم الإزار، ثم السراويل.
ومن أصحاب الشافعي من قال: السراويل أولى من الإزار؛ لأنه أستر، وهذا مقتضى كلام
стр. 924
النخعي كما سبق.
واستدل من رجح الإزار: بأنه يتجافى عنه ولا يصف الأعضاء بخلاف السراويل.
وسئل الإمام أحمد: السراويل أحب إليك أم الميازر؟ فقال: السراويل محدث لكنه استر. وقال: أيضا - الأزر كانت لباس القوم، والسراويل أستر.
قال: والحديث: ((من لم يجد الإزار فليلبس السراويل)) ، وهذا دليل أن القوم قد لبسوا السراويلات.
وقد سبق حديث سلمة بن الأكوع في الصلاة في القميص، وانه يزره ولو بشوكة.
وفي ((سنن أبي داود)) عن جابر، أنه أم في قميص ليس عليه رداء، فلما انصرف قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في قميص.
وروى أبو نعيم الفضل بن دكين: ثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى: ثنا شيخ، قال: أمنا الحسن - أو الحسين - بن علي ﵃ في قميص خفيف، ليس عليه إزار ولا رداء، فلما صلى قال: هذه السنة - أو من السنة -، وإنما فعلته لتنظروا أن عندنا الثياب.
وإذا صلى في قميص فإنه ينبغي أن يزره، وقد تقدم قول من كره الصلاة في قميص غير مزرور استدلالا بحديث سلمة بن الأكوع، فإن لم يزر القميص فإن كان تحته إزار أو سراويل صحت صلاته لاستتار عورته.
وقد روي، عن نافع، أن ابن عمر كان لا يصلي إلا وهو متزر، وربما اتزر تحت قميصه وفوقه في السفر.
وإن لم يكن عليه إزار ولا سراويل، فإن كان له لحيه كبيرة تستر جيبه بحيث لا يرى منه عورته صحت صلاته -: نص عليه أحمد في رواية الأثرم، وهو قول داود
الطائي،
стр. 925
وأصح الوجهين للشافعية.
وإن لم يكن كذلك، بل كان يرى عورة نفسه من جيبه لم تصح صلاته، عند الشافعي وأحمد، وتصح عند مالك وأبي حنيفة وأبي ثور، كما لو رئيت عورته من أسفل ذيله.
وقد رخص في الصلاة في قميص غير مزرر: سالم بن عبد الله بن عمر وغيره من السلف.
وقال مالك: هو استر من الذي يصلي متوشحا بثوب.
وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد عمن صلى ولم يزر عليه، ولم يحتزم؟ فقال: جائز، فقلت له: أنه لو نظر إلى فرجه رآه، فقال: لا يمكن أن يرى ذاك.
وقال أبو أيوب - يعني: سليمان بن داود الهاشمي -: يزر عليه، فإن لم يفعل وكان إذا ركع لا يستتر فرجه عن النظر أعاد الصلاة.
وقال أبو خيثمة: نأمره أن يزر عليه، ولا أرى عليه إعادة؛ لحديث النبي ﷺ حين قال للنساء: ((لا ترفعن رءوسكن قبل الرجال)) من ضيق الأزر، وحديث عمرو بن سلمة: ((غطوا عنا أست قارئكم)) .
قال الجوزاني: والقول في ذلك على ما قاله أبو خيثمة لما احتج به، ثم قال: ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود: ثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((يا معشر النساء، إذا سجد الرجال فاخفضن أبصاركن، لا ترين عورات الرجال)) من ضيق الأزر.
стр. 926
وروى الطبراني بإسناد ضعيف، عن ابن عباس، قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يصلي محتبيا، محلل الأزرار.
الحديث الثاني:
стр. 927
٣٦٦ - حدثنا عاصم بن علي: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: سأل رجل رسول الله ﷺ ، فقال: ما يلبس المحرم؟ فقال: ((لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا البرنس، ولا ثوبا مسه زعفران أو ورس، فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين)) .
وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ مثله.
القائل: ((عن نافع)) هو ابن أبي ذئب، وقد سبق الحديث عنه بالوجهين - أيضا - في آخر ((كتاب العلم)) .
والمقصود من تخريج هذا الحديث في هذا الباب: أنه يدل على أن لبس ما ذكر فيه من اللباس كان متعارفا بينهم، وقد عده النبي ﷺ ونهى المحرم عن لبسه، ففيه إقرار لغير المحرم على لباسه، وقد سبق من كلام الإمام أحمد: استدلاله به على لباس السراويل.
وإذا أقر النبي ﷺ أمته على لبس هذه الثياب في غير الإحرام، فهو إقرار لهم على الصلاة فيها، ولو كان ينهى عن الصلاة في شيء منها ليبين لهم ذلك.
стр. 928
وقد ورد النهي عن الصلاة في السراويل في حديث رواه الحسين بن وردان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ أن نصلي في السراويل.
خرجه الطبراني والعقيلي، وقال: لا يتابع حسين عليه، ولا يعرف إلا به.
ولو صح لحمل على الاقتصار على السراويل في الصلاة مع تجريد المنكبين، يدل على ذلك: ما رواه أبو المنيب عبيد الله بن عبد الله العتكي، عن عبد عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلى في لحاف لا يتوشح به، والآخر أن تصلي في سراويل ليس عليك رداء.
خرجه أبو داود.
وخرجه الطبراني والعقيلي، ولفضه: نهى أن يصلي الرجل في السراويل الواحد، ليس عليه شيء غيره.
وخرجه ابن عدي، ولفظه: نهى رسول الله ﷺ عن ملبسين: أحدهما: المصلي في ثوب واحد لا يتوشح به، وأما الأخر: أن يصلي في سراويل ليس عليه رداء.
وأبو المنيب، وثقه ابن معين وغيره. وقال البخاري: عنده مناكير، وقال ابن عدي: عندي أنه لا بأس به. وقال العقيلي في هذا الحديث -:
стр. 929
لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به.
وقد روى عن عمر، أنه كتب إلى بعض جنوده: إذا رجعتم من غزاتكم هذه فألقوا السراويل والأقبية، والبسوا الأزر والأردية.
وهو محمول على أن لباس العرب المعهود بينهم أفضل من لباس العجم، فخشي على من رجع من بلاد العجم أن يستمروا على لباس العجم، فربما هجر لباس العرب بالكلية. ولهذا روي عنه أنه قال: إياكم وزي الأعاجم، ويدل على هذا: أنه قد رخص في الصلاة في السراويل والأقبية، كما خرجه البخاري عنه.
стр. 930
١٠ - باب
ما يستر من العورة
خرج فيه ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول:
стр. 931
٣٦٧ - من رواية: الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد الخدري، قال: نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء.
الحديث الثاني:
стр. 932
٣٦٨ - من رواية: أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: نهى النبي ﷺ عن بيعتين: عن اللماس والنباذ، وان يشتمل الصماء، وان يحتبي الرجل في ثوب واحد.
قد تضمن الحديثان - معا - النهي عن لبستين، وسواء في ذلك حال الصلاة وغيرها.
وقد روى سفيان الثوري، عن أبي الزناد - حديث أبي هريرة، وقال فيه: نهى رسول الله ﷺ عن لبستين في الصلاة - وذكر الحديث - إحداهما:
стр. 933
اشتمال الصماء، ولم يذكر تفسيرها.
وقد خرجه في ((كتاب: اللباس)) من رواية الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبي سعيد بسياق مطول، وفيه: أن النبي ﷺ نهى عن لبستين: اشتمال الصماء، والصماء: أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو احد شقيه ليس عليه ثوب. واللبسة الأخرى: احتباؤه بثوبه وهو جالس ليس على فرجه منه شيء.
وهذا التفسير، الظاهر أنه من قول الزهري أدرج في الحديث.
وعند الزهري فيه إسناد آخر: رواه عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد، وقد خرجه البخاري في موضع آخر، وذكر جماعة ممن رواه عن الزهري كذلك.
وخرج - أيضا - في ((اللباس)) من رواية مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: نهى رسول الله ﷺ عن لبستين: أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء وإن يشتمل بالثوب الواحد ليس على احد شقيه.
وقد روى حديث أبي سعيد: جعفر بن برقان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبستين: الصماء، وهو أن يلتحف الرجل في الثوب الواحد، ثم يرفع جانبه على منكبه ليس عليه ثوب غيره، أو يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس بينه وبين السماء شيء - يعني: سترا.
خرجه النسائي.
وهذا لم يسمعه جعفر من الزهري، بل بلغه عنه،
стр. 934
وقد أنكره عليه جماعة من الأئمة، وقالوا: رواياته عن الزهري ضعيفة جدا.
وهذا قول رابع عن الزهري في إسناده، إلا أنه لا يصح.
وروي تفسيره - أيضا - من حديث أبي هريرة:
خرجه أبو داود وغيره من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: نهى
رسول الله ﷺ عن لبستين: أن يحتبي الرجل مفضيا بفرجه إلى السماء، ويلبس ثوبه واحد جانبيه خارج، ويلقي ثوبه على عاتقه.
وخرجه النسائي من وجه آخر عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه نهى أن يلبس الرجل الثوب الواحد فيشتمل به ويطرح جانبيه على منكبيه، أو يحتبي بالثوب الواحد.
ويروى من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في هذا الحديث، قال: وان يشتمل الصماء على احد شقيه.
ويروى من حديث ابن سيرين، عن أبي هريرة: نهى رسول الله ﷺ أن يشتمل بالثوب، ثم يرفعه على منكبه.
وخرجه البخاري مختصرا، إلا أنه قال: ((نهي)) ولم يصرح برفعه.
стр. 935
وروى معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه نهى أن يشتمل في إزاره إذا ما صلى، إلا أن يخالف بين طرفيه على عاتقه.
وخرج النسائي من حديث ابن مسعود، عن النبي ﷺ ، أنه نهى أن يلبس ثوبا واحدا يأخذ بجوانبه فيضعه على منكبه، فتلك تدعى الصماء.
وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج: اخبرني عمرو بن دينار، عن عطاء ابن مينا، أنه سمعه يحدث عن أبي هريرة، قال: نهى عن لبستين وبيعتين - فذكر الحديث -، قال: وأما اللبسة الأخرى فإن يلقي داخلة إزاره وخارجته على أحد عاتقيه، ويبرز صفحة شقه.
قال: ابن جريج: قلت لعمرو: أن جمع بين طرفي الثوب على شقه الأيمن؟ قال: ما رأيتهم إلا يكرهون ذلك.
فحاصل ما دلت عليه الأحاديث في لبسه الصماء: هو أن يلببس ثوبا واحدا - وهو الرداء - فيشتمل به على بدنه من غير إزار، ثم يضع طرفيه على احد منكبيه، ويبقى منكبه الآخر وشقه مكشوفا، فتبدو عورته منه، وبذلك فسر الصماء أكثر
العلماء، ومنهم: سفيان الثوري، وابن وهب، وأحمد، وأبو عبيد، وأكثر العلماء.
قال الأمام أحمد: هو الاضطباع بالثوب إذا لم يكن عليه غيره.
وإنما سن الاضطباع للمحرم لأن عليه إزارا. فلو كان على المصلي إزار وقميص جاز له الاضطباع بردائه في ظاهر مذهب الإمام أحمد، وروي عنه أنه يكره ذلك، وإن كان عليه غيره.
стр. 936
وقال ابن وهب: وقد كان مالك أجازها على ثوب، ثم كرهها.
ونقل ابن منصور، عن إسحاق، قال: اشتمال الصماء: أن يلتحف بثوب، ثم يخرج إحدى يديه من تحت صدره.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: اشتمال الصماء عند العرب: أن يشمل الرجل بثوبه، فيجلل به جسده كله، ولا يرفع منه جانبا فيخرج منه يده، وربما اضطبع فيه على تلك الحال.
قال أبو عبيد: كأنه ذهب إلى أنه لا يدري لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه، وأن يتقيه بيده فلا يقدر على ذلك.
قال: وأما تفسير الفقهاء؛ فإنهم يقولون: هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من احد جانبيه، فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجه.
قال أبو عبيد: والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا، وذلك اصح معنى في الكلام. انتهى.
وجعل الخطابي: اشتمال الصماء: أن يشتمل بثوب يجلل به بدنه، ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر.
فإن لم يرفعه على عاتقه فهو اشتمال اليهود الذي جاء النهي عنه في حديث ابن عمر، وإنما كان النبي ﷺ يشتمل بالثوب ويخالف بين طرفيه، فهو مخالف لهما جميعا.
стр. 937
وهذا الذي قاله أبو عبيد في تقديم تفسير الفقهاء على تفسير أهل اللغة حسن
جدا؛ فإن النَّبِيّ ﷺ قَدْ يتكلم بكلام من كلام العرب يستعمله فِي معنى هُوَ أخص من استعمال العرب، أو أعم مِنْهُ، ويتلقى ذَلِكَ عَنْهُ حملة شريعته من الصَّحَابَة، ثُمَّ يتلقاه عنهم التابعون، ويتلقاه عنهم أئمة العلماء، فلا يجوز تفسير ما ورد في الحديث المرفوع إلا بما قاله هؤلاء أئمة العلماء الذين تلقوا العلم عمن قبلهم، ولا يجوز الإعراض عن ذلك والاعتماد على تفسير من يفسر ذلك اللفظ بمجرد ما يفهمه من لغة العرب؛ وهذا أمر مهم جدا، ومن أهمله وقع في تحريف كثير من نصوص السنة، وحملها على غير محاملها. والله الموفق.
ولو صلى وهو مشتمل الصماء، ولم تبد عورته لم تبطل صلاته عند أكثر العلماء، ومنهم من قال ببطلانها، وهو وجه لأصحابنا.
واللبسة الثانية: أن يحتبي بثوب ليس عليه غيره.
الاحتباء: استفعال من الحبوة - بضم الحاء وكسرها -، والحبوة: أن يقعد على إليتيه، وينصب ساقيه، ويحتوي عليهما بثوب، أو نحوه، أو بيده.
وقد كان النبي ﷺ يحتبي في جلوسه بيده، وقد خرج ذلك البخاري في ((الأدب)) .
وورد في ((سنن أبي داود)) أن جلوس النبي ﷺ كان كذلك.
стр. 938
وهذه الهيئة أخشع هيئات الجلوس؛ وقد سبق ذكر ذَلِكَ فِي ((كِتَاب: العلم)) فِي ((الجلوس عِنْدَ العالم)) .
وإنما نهى عن الاحتباء بثوب واحد، فإذا كان على الرجل ثوب واحد فاحتبى به كذلك بدت عورته، وهذا منهي عنه في الصلاة وغيرها، فإن كان في الصلاة كان مبطلا لها على ما سبق ذكره في كشف العورة في الصلاة، وإن كان في غيرها وكان بين الناس فهو محرم، وإن كان في خلوة انبنى على جواز كشف العورة في الخلوة، وفيه خلاف سبق ذكره.
وإن فعل ذلك وعليه سراويل أو قميص لم يحرم؛ فإن النهي عن الاحتباء ورد مقيدا في ثوب واحد، وورد معللا بكشف العورة.
ففي رواية البخاري - أيضا - من حديث أبي هريرة: نهى رسول الله ﷺ أن يحتبي بالثوب الواحد، ليس على فرجه منه شيء بينه وبين السماء.
وفي ((صحيح مسلم)) عن جابر، أن النبي ﷺ نهى أن يشتمل الصماء، وان يحتبي في ثوب واحد، كاشفا عن فرجه.
قال عمرو بن دينار: إنهم يرون أنه إذا خمر فرجه فلا بأس - يعني: بالاحتباء.
ومن أصحابنا من قال: حكي عن أحمد المنع من هذا الاحتباء مطلقا، وإن كان عليه ثوب غيره. وهذا بعيد.
وأما الملامسة والمنابذة، فأتي ذكرها في موضعها من ((البيوع)) - إن شاء الله تعالى.
стр. 939
ومقصود البخاري بهذه الأحاديث: أن كشف الفرج منهي عنه، وإن ستره مأمور به، وهذا يقوي ما يميل إليه، وهو: أن العورة الفرجان خاصة؛ لكن النهي عَن اشتمال الصماء ليس فِيهِ تصريح بالتعليل بكشف الفرج خاصة، فإنه ينكشف بلباس الصماء جانب الرجل كله، فيدخل فيه: الورك والفخذ - أيضا - والله أعلم.
الحديث الثالث:
стр. 940
٣٦٩ - خرجه من رواية: ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمان بن عوف، عن أبي هريرة، قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر، نؤذن بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
قال حميد بن عبد الرحمان، ثم أردف رسول الله ﷺ عليا، فأمره أن يؤذن بـ
((براءةً)) .
قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
ليس في حديث أبي هريرة هذا تصريح برفع ذلك إلى النبي ﷺ . وقد روي عنه من وجه آخر بنحو هذا السياق - أيضا -، وروي الحديث - أيضا - من حديث علي بن أبي طالب بلفظ يدل على رفعه.
стр. 941
خرجه الإمام أحمد والترمذي.
وقد روي حديث علي مرفوعا صريحا؛ وروي - أيضا - مرفوعا من حديث ابن عباس بإسناد فيه ضعف.
وبكل حال؛ فإنما نودي بذلك بمنى يوم النحر فِي حجة الصديق ﵁ بأمر
رسول الله بذلك، هذا أمر لا يرتاب فيه وإن لم يصرح بذلك في كثير من الروايات.
وقد كانت عادة أهل الجاهلية الطواف بالبيت عراة، فأبطل الله ذلك ونهى عنه.
وفي ((صحيح مسلم)) عن ابن عباس، قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانه، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله … فما بدا منه فلا أحله
قال: فنزلت: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] .
فإن كان البخاري خرج هذا الحديث في هذا الباب؛ لأن سبب النهي عن التعري في الطواف كان كشف فروجهم، فنهوا عن ذلك خاصة، ففيه نظر؛ لأن ابن عباس إنما حكى هذا عن طواف النساء، والمرأة كلها عورة بالنسبة إلى الصلاة سوى وجهها، وفي كفيها خلاف سبق ذكره.
стр. 942
١١ - باب
الصلاة بغير رداء
стр. 943
٣٧٠ - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله: حدثني ابن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر، قال: دخلت على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب ملتحف به، ورداؤه موضوع، فلما انصرف قلنا: يا أبا عبد الله، تصلي ورداؤك موضوع؟ قال: نعم، أحببت أن يراني الجهال مثلكم؛ رأيت النبي ﷺ يصلي كذا.
وقد سبق هذا الحديث بلفظ آخر.
وهذه الرواية تبين أن جابرا التحف بالثوب فصار له إزارا ورداء، وهذا يرجع إلى الصلاة في ثوب واحد، كما سبق، ولكن مع ستر المنكب.
وقد اجمع العلماء على صحة صلاة من صلى في ثوب واحد وستر منكبيه.
قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا أوجب على من صلى في ثوب واحد الإعادة.
وحكى الخطابي عن بعض العلماء أنه كان لا يجيز شهادة من صلى بغير رداء.
والظاهر: أنه إنما رد شهادته إذا أعرى منكبيه في الصلاة.
فأما من صلى في ثوب واحد مشتملا به، وعطف طرفيه على منكبيه فلا كراهة في فعله، ولا يرد شهادته بذلك أحد. والله أعلم.
стр. 944
١٢ - باب
ما يذكر في الفخذ
قال أبو عبد الله:
ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش، عن النبي ﷺ : ((الفخذ عورة)) .
وقال أنس: حسر النبي ﷺ عن فخذه.
وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط، حتى يخرج من اختلافهم.
وقال أبو موسى: غطى النبي ﷺ ركبتيه حين دخل عثمان.
وقال زيد بن ثابت: أنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي.
أشار البخاري ﵀ في هذا الباب إلى اختلاف العلماء في أن الفخذ: هل هي عورة، أم ليست بعورة؟ وأشار إلى أطراف كثير من الأحاديث التي يستدل بها على وجوب ستر الفخذ، وعدم وجوبه، ذكر ذلك تعليقا، ولم يسند غير حديث أنس المستدل به على أن الفخذ لا يجب سترها وليست عورة، وذكر أنه أسند من حديث جرهد - يعني: أصح إسنادا -؛ وان حديث جرهد أحوط؛ لما في الأخذ به من الخروج من اختلاف العلماء.
فأما الأحاديث التي علقها في أن الفخذ عورة، فثلاثة: حديث ابن عباس، وجرهد، ومحمد بن جحش.
стр. 945
فحديث ابن عباس: من رواية أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: مر النبي ﷺ على رجل وفخذه خارجة، فقال: ((غط فخذك؛ فإن فخذ الرَّجُلُ من عورته)) .
خرجه الإمام أحمد.
وخرجه الترمذي - مختصرا -، ولفظه: ((الفخذ عورة)) ، وقال: حديث
حسن. انتهى.
وأبو يحيى القتات، اسمه: عبد الرحمان بن دينار، ضعفه أحمد ويحيى والأكثرون.
وقد قيل: أن حبيب بن أبي ثابت تابعه على هذا الحديث، ولا يصح ذلك.
وحديث جرهد: من رواية مالك، عن أبي النضر، عن زرعة بن عبد الرحمان بن جرهد، عن أبيه، قال: كان جرهد من أصحاب الصفة، قال: جلس رسول الله ﷺ عندنا وفخذي منكشفة، فقال: ((أما علمت أن الفخذ عورة؟)) .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود.
وكذا خرجه مالك في ((الموطإ)) ، ورواه بعضهم، عن مالك، فقال: عن أبي النضر، عن زرعة بن عبد الرحمان بن جرهد، عن أبيه، عن جده.
وخرجه الترمذي من طريق ابن عيينة، عن أبي النضر، عن زرعة بن مسلم بن جرهد، عن جده جرهد، قال: مر النبي ﷺ بجرهد في المسجد
стр. 946
وقد انكشف فخذه، فقال: ((إن الفخذ عورة)) .
وقال هذا حديث حسن، وما أرى إسناده بمتصل - يشير إلى أن زرعة لم يسمع من جده.
وقول ابن عيينة: زرعة بن مسلم بن جرهد وهم منه -: قال البخاري في ((تاريخه)) ، وإنما هو: زرعة بن عبد الرحمان، وهو ثقة؛ وثقه النسائي وغيره.
وخرجه الترمذي - أيضا - من رواية معمر، عن أبي الزناد، قال: أخبرني ابن جرهد، عن أبيه، أن النبي ﷺ مر به وهو كاشف عن فخذه، فقال له: ((غط فخذك؛ فإنها من العورة)) .
وقال: حديث حسن.
وفي إسناده اختلاف كثير على أبي الزناد، قد ذكره الدارقطني.
واختلف عليه في تسمية شيخه: فقيل: هو زرعة بن عبد الرحمان بن جرهد. وقيل: زرعة بن جرهد. وقيل: عبد الرحمان بن جرهد. وقيل: جرهد بن جرهد.
وخرجه الترمذي - أيضا - من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن جرهد، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: ((الفخذ عورة)) .
وقال: حسن غريب. انتهى.
وابن عقيل، مختلف في أمره، والأسانيد قبله لا تخلو من انقطاع.
стр. 947
وحديث محمد بن جحش: من رواية العلا بن عبد الرحمان، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش، عن محمد بن جحش - ختن النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ ، أنه مر بمعمر وهو بفناء المسجد، محتبيا كاشفا عن طرف فخذه، فقال له النبي ﷺ ((خمر فخذك يا معمر؛ فإن الفخذ عورة)) .
خرجه الإمام أحمد.
وأبو كثير هذا، لا يعرف إلا في هذا الإسناد.
وفي الباب - أيضا -: عن علي، من طريق ابن جريج، عن حبيب بن ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت)) .
خرجه أبو داود وابن ماجه.
وقال أبو داود: فيه نكارة.
وله علتان:
إحداهما: أن ابن جريج لم يسمعه من حبيب، ومن قال فيه: ((عن ابن جريج: أخبرني حبيب)) فقد وهم -: قال بن المديني.
وفي رواية أبي داود ((عن ابن جريج، قال: أخبرت عن حبيب)) ، وهو الصحيح.
قال ابن المديني: رايته في كتب ابن جريج: اخبرني إسماعيل بن مسلم، عن حبيب -: نقله عنه يعقوب بن شيبة.
ونقل ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه، قال: لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من حبيب، إنما من حديث عمرو بن خالد الواسطي، فأرى أن ابن جريج أخذه من الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب.
العلة الثانية: أن حبيب بن أبي ثابت لم تثبت له رواية عن عاصم
стр. 948
بالسماع منه -: قاله أبو حاتم الرازي والدارقطني.
وقال ابن المديني: لا تصح عندي روايته عنه.
وأما أحاديث الرخصة: فحديث أنس في حسر الإزار، قد أسنده في هذا الباب.
وحديث أبي موسى، قد خرجه البخاري في ((المناقب)) من ((كتابه)) هذا، ولفظه: أن النبي ﷺ كان قاعدا في مكان فيه ماء، قد انكشف عن ركبتيه - أو
ركبته -، فلما دخل عثمان غطاها.
وهذا إنما فيه أن الركبة ليست عورة، وليس فيه ذكر الفخذ.
وخرجه - أيضا - من وجه آخر، عن أبي موسى، أن النبي ﷺ دخل بئر أريس، وجلس على القف، وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر.
وهذا لا دلالة فيه بحال.
وقد خرجه الطبراني من حديث الدراوردي، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ دلى رجليه في البئر، وكشف عن فخذيه، وذكر أن أبا بكر وعمر وعثمان جلسوا معه، وفعلوا كفعله، وكشفوا عن أفخاذهم.
وهذا الإسناد وهم، إنما رواه شريك، عن ابن المسيب، عن ابن موسى باللفظ الذكور قبله، كذلك هو مخرج في (الصحيحين) من رواية شريك.
وحديث زيد ابن ثابت: قد خرجه البخاري في ((التفسير)) بتمامه،
стр. 949
وفيه دليل على أنه يجوز مس فخذ غيره من وراء حائل، ولو كان عورة لم يجز مسه من وراء حائل ولا غيره كالفرجين، وقد خرج أبو داود حديث زيد بن ثابت من طريق آخر، بسياق مخالف لسياق البخاري، وفيه: أن زيد قال: كنت أكتب إلى جنب النبي ﷺ ، فغشيته السكينة، فوقعت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي، فما وجدت ثقل شئ أثقل من فخذ رسول الله ـ وذكر الحديث.
وهذه الرواية تدل على أن ذلك لم يكن عن اختيار من النبي ﷺ ، وإنما كان في حال غشيه عند نزول الوحي عليه.
وقد خرج البخاري في هذا الباب.
стр. 950
٣٧١ ـ من حديث: عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله ﷺ ، وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى رسول الله ﷺ في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ ، ثم حسر الإزار عن
следующие страницы →