← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 137

فتح الباري لابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (4 834 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وقد انكشف فخذه، فقال: ((إن الفخذ عورة)) . وقال هذا حديث حسن، وما أرى إسناده بمتصل - يشير إلى أن زرعة لم يسمع من جده. وقول ابن عيينة: زرعة بن مسلم بن جرهد وهم منه -: قال البخاري في ((تاريخه)) ، وإنما هو: زرعة بن عبد الرحمان، وهو ثقة؛ وثقه النسائي وغيره. وخرجه الترمذي - أيضا - من رواية معمر، عن أبي الزناد، قال: أخبرني ابن جرهد، عن أبيه، أن النبي ﷺ مر به وهو كاشف عن فخذه، فقال له: ((غط فخذك؛ فإنها من العورة)) . وقال: حديث حسن. وفي إسناده اختلاف كثير على أبي الزناد، قد ذكره الدارقطني. واختلف عليه في تسمية شيخه: فقيل: هو زرعة بن عبد الرحمان بن جرهد. وقيل: زرعة بن جرهد. وقيل: عبد الرحمان بن جرهد. وقيل: جرهد بن جرهد. وخرجه الترمذي - أيضا - من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن جرهد، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: ((الفخذ عورة)) . وقال: حسن غريب. انتهى. وابن عقيل، مختلف في أمره، والأسانيد قبله لا تخلو من انقطاع.

стр. 947

وحديث محمد بن جحش: من رواية العلا بن عبد الرحمان، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش، عن محمد بن جحش - ختن النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ ، أنه مر بمعمر وهو بفناء المسجد، محتبيا كاشفا عن طرف فخذه، فقال له النبي ﷺ ((خمر فخذك يا معمر؛ فإن الفخذ عورة)) . خرجه الإمام أحمد. وأبو كثير هذا، لا يعرف إلا في هذا الإسناد. وفي الباب - أيضا -: عن علي، من طريق ابن جريج، عن حبيب بن ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت)) . خرجه أبو داود وابن ماجه. وقال أبو داود: فيه نكارة. وله علتان: إحداهما: أن ابن جريج لم يسمعه من حبيب، ومن قال فيه: ((عن ابن جريج: أخبرني حبيب)) فقد وهم -: قال بن المديني. وفي رواية أبي داود ((عن ابن جريج، قال: أخبرت عن حبيب)) ، وهو الصحيح. قال ابن المديني: رايته في كتب ابن جريج: اخبرني إسماعيل بن مسلم، عن حبيب -: نقله عنه يعقوب بن شيبة. ونقل ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه، قال: لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من حبيب، إنما من حديث عمرو بن خالد الواسطي، فأرى أن ابن جريج أخذه من الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب. العلة الثانية: أن حبيب بن أبي ثابت لم تثبت له رواية عن عاصم

стр. 948

بالسماع منه -: قاله أبو حاتم الرازي والدارقطني. وقال ابن المديني: لا تصح عندي روايته عنه. وأما أحاديث الرخصة: فحديث أنس في حسر الإزار، قد أسنده في هذا الباب. وحديث أبي موسى، قد خرجه البخاري في ((المناقب)) من ((كتابه)) هذا، ولفظه: أن النبي ﷺ كان قاعدا في مكان فيه ماء، قد انكشف عن ركبتيه - أو ركبته -، فلما دخل عثمان غطاها. وهذا إنما فيه أن الركبة ليست عورة، وليس فيه ذكر الفخذ. وخرجه - أيضا - من وجه آخر، عن أبي موسى، أن النبي ﷺ دخل بئر أريس، وجلس على القف، وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر. وهذا لا دلالة فيه بحال. وقد خرجه الطبراني من حديث الدراوردي، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ دلى رجليه في البئر، وكشف عن فخذيه، وذكر أن أبا بكر وعمر وعثمان جلسوا معه، وفعلوا كفعله، وكشفوا عن أفخاذهم. وهذا الإسناد وهم، إنما رواه شريك، عن ابن المسيب، عن ابن موسى باللفظ الذكور قبله، كذلك هو مخرج في (الصحيحين) من رواية شريك. وحديث زيد ابن ثابت: قد خرجه البخاري في ((التفسير)) بتمامه،

стр. 949

وفيه دليل على أنه يجوز مس فخذ غيره من وراء حائل، ولو كان عورة لم يجز مسه من وراء حائل ولا غيره كالفرجين، وقد خرج أبو داود حديث زيد بن ثابت من طريق آخر، بسياق مخالف لسياق البخاري، وفيه: أن زيد قال: كنت أكتب إلى جنب النبي ﷺ ، فغشيته السكينة، فوقعت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي، فما وجدت ثقل شئ أثقل من فخذ رسول الله ـ وذكر الحديث. وهذه الرواية تدل على أن ذلك لم يكن عن اختيار من النبي ﷺ ، وإنما كان في حال غشيه عند نزول الوحي عليه. وقد خرج البخاري في هذا الباب.

стр. 950

٣٧١ ـ من حديث: عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله ﷺ ، وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى رسول الله ﷺ في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ ، ثم حسر الإزار عن

стр. 951

فخذه، حتى أني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله ﷺ ـ وذكر بقية الحديث في فتح خيبر، وقصة صفية، وعتقها، وتزويجها، والدخول عليها ووليمتها، وسيأتي ذكر ذلك في موضعه ـ إن شاء الله تعالى. ومراد البخاري بهذا: الاستدلال به على أن الفخذ ليست عورة، وذلك من وجهين: أحدهما: أن ركبة أنس مست فخذ النبي ﷺ ، ولم ينكر ذلك، وهذا يدل على أن الفخذ لا ينكر مسها، ولو كانت عورة لم يجز ذلك. والثاني: حسر الإزار عن فخذ نبي الله ﷺ حتى نظر أنس إلى بياض فخذ النبي ﷺ ، وسواء كان ذلك عن قصد من النبي ﷺ وتعمد له ـ عَلَى رِوَايَة من رواه: ((حسر الإزار)) ، - بنصب الراء -، أو كَانَ من شدة الجري عَن غير وتعمد – عَلَى رِوَايَة من رواه: ((حُسِر الإزار)) ، بضم الراء – فإن النَّبيّ ﷺ استدام ذَلِكَ، ولم يرد الإزار عليه؛ فإنه لو فعل لنقله أنس. وأيضا، فقد تقدم حديث جابر، أن النبي ﷺ من بعد ما شد عليه إزاره حين كان ينقل حجارة الكعبة لم تر له عورة بعدها. وروي عن عائشة، أنها قالت: ما رأيت منه ذلك ﷺ . وقد خرجه الإمام أحمد.

стр. 952

ولو كان الفخذ عورة لصان الله نبيه عن أن يطلع عليه أحد. وفي ((صحيح مسلم)) عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه - أو ساقيه -، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر - وذكرت الحديث. وهذه الرواية ليس فيها جزم بكشف الفخذ، بل وقع التردد من الراوي: هل كشف فخذيه أو ساقيه؟ فلا يستدل بذلك. ووقع الحديث في ((مسند الإمام أحمد)) وغيره، وفيه: ((أنه كان كاشفا عن فخذه)) ، من غير شك، وفي ألفاظ الحديث اضطراب. واختلف العلماء في الفخذ: هل هي عورة، أم لا؟ فقال أكثرهم: هي عورة، روي ذلك عن عطاء، وهو قول مالك، والثوري، وأبي حنيفة، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه. وقالت طائفة: ليست الفخذ عورة، وهو قول ابن أبي ذئب، وداود، وابن جرير والطبري، وأبي سعيد الإصطخري من الشافعية، وحكاه بعضهم رواية عن مالك، وهو رواية عن أحمد رجحها طائفة من متأخري أصحابه، وحكاه بعضهم عن عطاء، وفي صحته نظر.

стр. 953

وحكي عن طائفة: أن الفخذ في المساجد عورة، وفي الحمام ونحوه مما جرت العادة بكشفها فيه ليست عورة، وحكي عن عطاء والأوزاعي، ورجحه ابن قتيبة وهذا كله في حكم النظر إليها. فأما الصلاة: فمن متأخري أصحابنا من أنكر أن يكون في صحة الصلاة مع كشفها عن أحمد خلاف، قال: لأن أحمد لا يصحح الصلاة مع كشف المنكبين، فالفخذ أولى. قال: ولا ينبغي أن يكون في هذا خلاف؛ فإن الصلاة مأمور فيها بأخذ الزينة، فلا يكتفى فيها بستر العورة. والمنصوص عن أحمد يخالف هذا: قال مهنا: سألت أحمد عن رجل صلى في ثوب ليس بصفيق؟ قال: أن بدت عورته يعيد، وإن كان الفخذ فلا. قلت لأحمد: وما العورة؟ قالَ: الفرج والدبر. وقد حكى المهلب بن أبي صفرة المالكي في ((شرح البخاري)) : الإجماع على أن من صلى مكشوف الفخذ لا يعيد صلاته. وهو خطأ.

стр. 954

١٣ - باب في كم تصلي المرأة من الثياب وقال عكرمة: لو وارت جسدها في ثوب جاز. يريد عكرمة: أن الواجب عليها في الصلاة ستر جميع جسدها، فلو وارته كله بثوب واحد جاز، ومراده بجسدها: بدنها ورأسها، فلهذا قال كثير من الصحابة، ومن بعدهم: تصلي المرأة في درع وخمار ـ إشارة منهم: إلى أنه يجب عليها ستر رأسها وجسدها. فإن سترت جسدها بثوب ورأسها بثوب جاز، ولم تكره صلاتها، وهو أدنى الكمال في لباسها، وإن التحفت بثوب واحد خمرت به رأسها وجسدها صحت صلاتها، لكنه خلاف الأولى. قال رباح بن أبي معروف: كان عطاء لا يرى أن تصلي المرأة في الثوب الواحد، إلا من ضرورة. وروى عمر بن ذر، عن عطاء في المرأة لا يكون له إلا الثوب الواحد، قال: تتزر به. ومعنى: ((تتزر به)) : تلتحف به، وتشتمل على رأسها وبدنها. قال سفيان الثوري: أن صلت في ملحفة واسعة تغطي جميع بدنها أجزأها. قال: وأكره أن تصلي في درع واحد، فإن صلت كذلك فقد

стр. 955

أساءت، وتجزئها صلاتها. وقال إسحاق: أن صلت في ملحفة واحدة غطت كل شئ من بدنها جازت صلاتها. والأفضل أن تصلي المرأة في ثلاث أثواب عند جمهور العلماء. قال حرب الكرماني: ثنا إسحاق - هو: ابن راهويه -: ثنا المعتمر - هو: ابن سليمان -، قال: سمعت أبي يحدث عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب، قال: تصلي المرأة في ثلاثة أثواب إذا قدرت: درع، وخمار، وإزار. حدثنا إسحاق: ثنا عبد الله بن نمير، عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: تصلي المرأة في الدرع والخمار والملحفة. فأما ((الدرع)) : فهو ما تلبسه على بدنها. قال أبو طالب: قيل لأحمد: الدرع القميص؟ قال: يشبه القميص، لكنه سابغ يغطي رجليها. وأما ((الخمار)) : فهو ما تختمر به رأسها. وقد سبق حديث: ((لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار)) . وأما ((الإزار)) : فاختلف تفسيره: فقالت طائفة: هو مثل إزار الرجل الذي يأتزر به في وسطه، وهذا قول إسحاق -: نقله عنه حرب، وهو ظاهر كلام أحمد - أيضا.

стр. 956

وقال إسحاق: أن تسرولت بدل الإزار جاز، وأن لم تتزر بل التحفت بملحفة فوق درعها بدل الإزار جاز. وروي الفضل بن دكين في ((كتاب الصلاة)) : ثنا أبو هلال، عن محمد بن سيرين، قال: كانوا يستحبون أن تصلي المرأة في درع وخمار وحقو. وقال ابن عبد البر: روي عن عبيدة، أن المرأة تصلي في الدرع والخمار والحقو، رواة ابن سيرين عنه، وقال به، وقال: الأنصار تسمى الإزار: الحقو. وروى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن امرأة استفتت عائشة، فقالت: أن المنطق يشق علي، أفأصلي في درع وخمار؟ قَالَتْ: نَعَمْ، إذا كَانَ الدرع سابغا. قال: والمنطق هنا: الحقو، وهو الإزار والسراويل. والقول الثاني: أن المراد بالإزار: الجلباب، وهو الملحفة السابغة التي يغطي بها الرأس والثياب، وهذا قول الشافعي وأصحابنا، وقد سبق عن ابن عمر ما يدل عليه. وقال النخعي: تصلي المرأة في الدرع والملحفة السابغة، تقنع بها رأسها.

стр. 957

وخرج أبو داود من حديث عبد الرحمان بن عبد الله بن دينار، عن محمد ابن زيد بن قنفذ، عن أمه، عن أم سلمة، أنها سالت رسول الله ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال: ((إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها)) . وخرجه - أيضا - من طريق مالك، عن محمد بن زيد، عن أمه، عن أم سلمة - موقوفا -، وذكر جماعة تابعوا مالكا على وقفه. وذكر الدارقطني أن وقفه هو الصواب. خرج البخاري في هذا الباب:

стр. 958

٣٧٢ - من حديث: الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: لقد كان رسول الله ﷺ يصلي الفجر، فيشهد معه نساء من المؤمنات، متلفعات في مروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن، ما يعرفهن احد.

стр. 959

قال الخطابي ((التلفع بالثوب)) : الاشتمال به، ولفعه الشيب: شمله، و ((المروط)) : الأردية الواسعة، واحدها: مرط. وقال عبيد: المروط: الأكسية تكون من صوف، وتكون من خز، يؤتزر بها. وقال هشام، عن الحسن: كانت لأزوج النبي ﷺ أكسية تسمى المروط، غير واسعة - والله - ولا لينة. والمراد بهذا الحديث: أن النساء كن إذا شهدن صلاة الفجر في المسجد غطين رؤوسهن، وثيابهن فوق دروعهن وخمرهن، وهذا نظير أمر النبي ﷺ لهن إذا شهدن العيدين بالجلباب، كما تقدم. وقد روي عن ابن عمر وابن سيرين ونافع: أن المرأة تصلي في أربعة أثواب -: حكاه ابن المنذر. وقال ابن عبد البر: قال مجاهد: لا تصلي المرأة في اقل من أربعة أثواب. قال: وهذا لم يقله غيره فيما علمت. قال: والأربعة الأثواب: الخمار، والدروع، والملحفة، والإزار. انتهى. ولعل هذا إذا صلين مع الرجال في المساجد ونحوها، فأما في بيوتهن فيكفيهن دون ذلك. والله أعلم. وبقية فوائد هذا الحديث تأتي في موضع أخر - إن شاء الله تعالى.

стр. 960

١٤ - باب إذا صلى في ثوب له أعلام، ونظر إلى علمها

стр. 961

٣٧٣ - حدثنا أحمد بن يونس: ثنا إبراهيم بن سعد: ثنا ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: ((اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا في صلاتي)) . وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: قال النبي ﷺ : ((كنت انظر إلى علمها وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني)) . هذا الذي علقه عن هشام بن عروة. خرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث وكيع، عن هشام، ولكن لفظه: أن النبي ﷺ كانت له خميصة لها علم، فكان يتشاغل بها في الصلاة، فأعطاها أبا جهم، وأخذ كساء له أنبجانيا. ورواه أبو معاوية عن هشام - أيضا -، ولفظ حديثه: قالت: كان للنبي ﷺ خميصة، فأعطاها أبا جهم، وأخذ أنبجانية له، قالوا: يا رسول

стр. 962

الله، أن الخميصة هي خير من الأنبجانية؟ فقال: ((إني كنت انظر إلي علمها في الصلاة)) . خرجه الإمام أحمد. وخرجه أبو داود بمعناه من رواية ابن أبي الزناد، عن هشام. ورواه مالك، عن هشام، عن أبيه - مرسلا. وذكر ابن عبد البر: أن الأنبجاني مذكر في رواية الزهري، وإنما أنثه مالك في روايته. قلت: وكذا في رواية إبراهيم بن سعد التي خرجها البخاري هنا. قال: وإنما هو كساء أنبجاني، والأنبجاني لا يونث، إلا أن يكون أراد الخميصة أو الشملة. قال: وقال ثعلب: يقال: أنبجانية - بكسر الباء وفتحها - لكل ما كثف والتف. قالوا: شاة أنبجانية: أي كثيرة الصوف ملتفة. قال ابن عبد البر: وقال ابن قتيبة: إنما هو كساء منبجاني - بالميم –؛ لأنه منسوب إلى منبج. قَالَ: وفتحت باؤه في النسب؛ لأنه خرج مخرج منظراني ومنجراني. قال: وعن ابن قتيبة يقول: جائز أن يقال: أنبجاني كما جاء في الحديث؛ لأن رواته عرب فصحاء، ومن الأنساب ما لا يجري على قياس، وإنما هو مسموع، هذا لو صح أنه منسوب إلى منبج. انتهى.

стр. 963

وفي الحديث: دليل على أن نظر المصلي إلى ما يلهيه عن صلاته لا يفسد صلاته، ولا يلزمه إعادتها إذا كان ذلك قليلا، ولهذا قالت عائشة: فنظر إلى أعلامها نظرة. وأما إذا كثر شغل قلبه عن صلاته، وحدث نفسه بغيرها، فمن الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من أوجب عليه الإعادة بذلك. ثم منهم من علل ذلك: بأن عمل النفس إذا كثر في الصلاة أبطلها، كعمل البدن. وحكي ذلك عن ابن حامد. ومنهم من علل: بوجوب الخشوع في الصلاة، فإذا فقد في أكثر الصلاة أبطلها. وجمهور العلماء: على أنه لا تبطل بذلك الصلاة، وحكاه بعضهم إجماعا، وسيأتي ذكر ذلك في موضع آخر - أن شاء الله تعالى. واستدل الشافعي بهذا الحديث على أن مجرد الاشتغال عن صلاته بنظر إلى شيء أو فكر فيه، إذا لم يوجب له ذلك الشك في عدد الركعات لا يسجد له للسهو. وفي الحديث: دليل على استحباب التباعد عن الأسباب الملهية عن الصلاة، ولهذا أخرج النبي ﷺ تلك الخميصة عنه بالكلية. فينبغي لمن ألهاه شيء من الدنيا عن صلاته أن يخرجه عن ملكه. وقد ذكر مالك في ((الموطإ)) عن عبد الله بن أبي بكر، أن أبا طلحة الأنصاري كان يصلي في حائط له، فطار دبسي، فانطلق يتردد يلتمس مخرجها، فلم يجده لالتفاف النخل، فأعجبه ذلك فأتبعه بصره ساعة، ثم

стр. 964

رجع فإذا هو لا يدري كم صلى، فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، فأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: يا رسول الله، هو صدقة لله ، فضعه حيث أراك الله. وذكر مالك - أيضا - عن عبد الله بن أبي بكر، أن رجلا من الأنصار كان يصلي في حائط له بالقف في زمن الثمر، والنخل قد ذللت، وهي مطوقة بثمرها، فنظر إلى ذلك فأعجبه ما رأى من ثمرها، ثم رجع إلى الصلاة، فإذا هو لا يدري كم صلى، فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، فأتى عثمان بن عفان ﵁، فذكر ذلك له، فقال له: أنه صدقة، فاجعله في سبيل الخير؛ فباعه عثمان بخمسين ألفا فكان اسم ذلك: المال الخمسين. و ((الخميصة)) : كساء رفيع يلبسه أشراف العرب، وقد يكون له علم، وقد لا يكون، وقد يكون أبيض وأحمر وأسود وأصفر. و ((الأنبجاني)) : كساء غليظ بغير علم: ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره. وقال الخطابي: الخميصة: كساء أسود، والأنبجانية: كساء له زئبر. وقال أبو عبيد: الخمائص: ثياب من خز أو صوف معلم، وهي سود، كانت من لباس الناس.

стр. 965

وإنما خص بها أبا جهم بن حذيفة؛ لأنه كان أهداها إلى النبي ﷺ ، فردها إليه، وطلب منه عوضا عنها كساء له غليظا؛ تطييبا لقلبه، حتى لا يحصل له انكسار برد هديته عليه، ولذلك أعلمه بسبب الرد. وفيه تحذير له من أن يشتغل بها أو بغيرها عن صلاته. هذا هو الذي ذكره ابن عبد البر. ويدل على ذلك: ما خرجه مالك في ((الموطإ)) عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة، قالت: أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله ﷺ خميصة شامية لها علم، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال: ((ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم؛ فإني نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني)) . وخرجه الإمام أحمد من طريق مالك. ولفظ: ((الفتنة)) إنما يعرف في هذا الحديث من هذا الوجه، فأما من رواية هشام، عن أبيه، عن عائشة، - كما علقه البخاري - فغير معروف. وقد روي عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة هذا الحديث، وفيه: أن النبي ﷺ قال: ((فإني كنت إذا رأيت علمها ذكرت الدنيا)) . وروي نعيم بن حماد، عن ابن عيينة: أن النبي ﷺ لم يكره الخميصة في نفسها، وإنما أخرجها عن ملكة لما كانت سبب شغله عن صلاته؛ كما اخرج أبو طالحة ماله الذي ألهاه عن صلاته. وهذا يؤيد ما ذكرناه من قبل.

стр. 966

واعلم؛ أن الصلاة في الثوب الحسن غير مكروه، إلا أن يخشى منه الإلتهاء عن الصلاة أو حدوث الكبر، وقد كان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم، يقوم بها الليل، وقد كان النبي ﷺ أحيانا يلبس حللا من حلل اليمن، وبرودا حسنة، ولم ينقل عنه أنه كان يتجنب الصلاة فيها، وإنما ترك هذه الخميصة لما وقع له من تلك النظرة إلى علمها، وقد قال الله : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] ، وقد سبق قول ابن عمر: الله أحق أن يتزين له. وخرج أبو داود في ((مراسيله)) من حديث عبيد الله بن عتبة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة - مما تعجبه: الثياب النقية الريح الطيبة. ولم يزل علماء السلف يلبسون الثياب الحسنة، ولا يعدون ذلك كبراً. وقد صح عن النبي ﷺ أنه سئل عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حيناً ونعله حسناً؟ فقال: ((ليس ذلك من الكبر، أن الله جميل يحب الجمال)) . وقال جرير بن حازم: رأيت على الحسن طيلساناً كردياً حسناً،

стр. 967

وخميصة أصبهانية جيدة، ذات أعلام خضر وخمر، أزرتها من إبريسم، وكان يرتدي ببرد له يمان أسود مصلب، وبرد عدني وقباء من برد حبرة، وعمامة سوداء. وقال حرب: سألت إسحاق عن الصلاة في المنديل، وأريته منديلاً له أعلام خضر وخطوط؟ فقال: جائز.

стр. 968

١٥ - باب أن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته ؟ وما ينهي من ذلك خرج فيه:

стр. 969

٣٧٤ - حديث: عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي ﷺ : ((أميطي عنا قرامك هذا؛ فإنه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي)) . ((القرام)) : قيل: أنه ثوب من صوف، فيه ألوان من العهون، ويتخذ سترا، أو كلة. وقال الخطابي: هو ستر رقيق. قال: ويشبه أن تكون عائشة سترت به موضعا كان عورة من بيتها؛ لنهي النبي ﷺ عن ستر الجدر. قلت: حديث النهي عن ستر الجدر إسناده ضعيف. ولكن خرج مسلم من حديث عائشة، أنها أخذت نمطا فسترته على

стр. 970

الباب، فلما قدم النبي ﷺ رأى النمط، فعرفت الكراهة في وجهه، فجذبه حتى هتكه أو قطعه، وقال: ((أن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين)) . وفي ((مسند الإمام أحمد)) ، عنها في هذا الحديث: أن النبي ﷺ قال لها: ((أتسترين الجدر يا عائشة؟)) قالت: فطرحته، فقطعته مرفقتين، فقد رأيته متكئا على إحداهما، وفيها صورة. وخرج مسلم من حديث عائشة، قالت: كان في بيتي ثوب فيه تصاوير، فجعلته إلى سهوة في البيت، وكان رسول الله ﷺ يصلي إليه، ثم قال: ((يا عائشة أخريه عني)) ، فنزعته، فجعلته وسائد. وفي ((الصحيحين)) ، عنها، قالت: قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل، فلما رآه رسول الله ﷺ هتكه، وقال: ((أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله ) . قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين. وفي ((صحيح مسلم)) عنها، قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال رسول الله ﷺ : ((حولي هذا؛ فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا)) . فهذه ثلاث علل قد علل بها النبي ﷺ كراهة الستر. ويشهد للتعليل الثالث: حديث سعيد بن جمهان، عن سفينة، أن النبي ﷺ جاء إلى بيت فاطمة، فأخذ بعضادتي الباب، وإذا قرام قد ضرب في

стр. 971

ناحية البيت، فلما رآه رسول الله ﷺ رجع، فتبعه علي، فقال: ما رجعك يا رسول الله؟ قال: ((أنه ليس لي ولا لنبي أن يدخل بيتا مزوقا)) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه. ويشبه هذا ما خرجه النسائي من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ اتخذ خاتما ولبسه، وقال: ((شغلني هذا عنكم اليوم، له نظرة ولكم نظرة)) ، ثم ألقاه. وخرج الترمذي في ((كتاب العلل)) بإسناد فيه ضعف، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ جعل خاتمه في يمينه، ثم أنه نظر إليه وهو يصلي ويده على فخذه، فنزعه ولم يلبسه. وقد روي هذا الحديث عن طاوس مرسلا، وفيه: أن هذا الخاتم كان من ذهب. وهذا إنما كان النبي ﷺ يفعله امتثالا لما أمره الله به؛ أن لا يمد عينيه إلى زهرة الحياة الدنيا، فكان يتباعد عنها بكل وجه، ولهذا قال: ((مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها)) . فكان حاله كله في مأكله ومشربه ولباسه ومساكنه حال مسافر، يقنع في مدة سفره بمثل زاد الراكب من الدنيا، ولا يلتفت إلى فضولها الفانية الشاغلة عن الآخرة، وخصوصا في حال عباداته ومناجاته لله، ووقوفه بين يديه واشتغاله بذكره، فإن ذلك كان هو قرة عينه. فكان تلمح شيء من متاع الحياة الدنيا وزينتها الفانية في تلك الحال؛ فإنه

стр. 972

ذلك الصفاء، فلذلك كان تباعده عنه غاية المباعدة. وهذا هو المعنى المشار إليه بقوله: ((فإنه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي)) . وفيه: دليل على أن المصلي لا ينبغي أن يترك بين يديه ما يشغله النظر إليه عن صلاته. وفي ((سنن أبي داود)) ، عن عثمان بن طلحة، أن النبي ﷺ قال: ((إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين؛ فإنه ليس ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي)) . وخرجه الإمام أحمد من حديث أم عثمان بنت سفيان، أن النبي ﷺ قال له في هذا الحديث: ((أنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يلهي المصلين)) . والمراد بالقرنين: قرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل ﵇؛ فإنه ما كانا في الكعبة إلى أن أحرقا عند حريق البيت في زمن ابن الزبير. وفي الحديث: دليل على جواز الصلاة في الكعبة. وقد نص أحمد على كراهة أن يكون في القبلة شيء معلق من مصحف أو غيره. وروي عن النخعي، قال: كانوا يكرهون ذلك. وعن مجاهد، قال: لم يكن ابن عمر يدع شيئا بينه وبين القبلة إلا نزعه: سيفا ولا مصحفا. ونص أحمد على كراهة الكتابة في القبلة لهذا المعنى، وكذا مذهب مالك.

стр. 973

وقد ذكر البخاري تعليقا عن عمر، أنه أمر ببناء المسجد، وقال: أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. وسيأتي في موضعه - أن شاء الله تعالى. ويستدل بحديث عائشة هذا على كراهة الصلاة إلى التصاوير المنصوبة؛ فإن في ذلك مشابهة للنصارى وعباد الأصنام المصلين لها، ولا يترك في المسجد صورة في بناء. سئل الحسن عن ساجة في المسجد فيها تصاوير؟ قال: انجروه. وتكره الصلاة في الكنائس التي فيها صور عند كثير من العلماء، وهو مروي عن عمر وابن عباس، وقول مالك وأحمد وغيرهما. وأما الصلاة في ثوب فيه تصاوير ففيه قولان للعلماء، بناء على أنه: هل يجوز لبس ذلك أم لا؟ فرخص في لبسه جماعة، منهم أحمد في رواية الشالنجي، وكذلك قال أبو خيثمة، وسليمان بن داود الهاشمي، واستدلوا بالحديث الذي جاء فيه: ((إلا رقما في ثوب)) . وقد خرجه البخاري في ((كتاب: اللباس)) من حديث أبي طلحة.

стр. 974

وخرجه الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي وصححه من حديث أبي أيوب وسهل بن حنيف، عن النبي ﷺ . وكان كثير من السلف يلبس خاتما عليه صورة حيوان منقوشة في فصه. وقالت طائفة: يكره ذلك، وهو قول مالك والثوري، وطائفة من أصحابنا. وقالت طائفة: يحرم لبسه، وهو رواية عن أحمد، أختارها القاضي أبو يعلى وغيره. وروى وكيع في ((كتابه)) عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن عمران بن حطان، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ لا يرى في ثوب تصاوير إلا نقضه. وقد خرجه البخاري في ((كتابه)) هذا عن طريق هشام، عن يحيى، ولفظه: لم يكن النبي ﷺ يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه. وظاهر تبويب البخاري يدل على كراهة الصلاة فيه استدلالا بقوله ﷺ : ((لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي)) . ولكن هذا لا ينافي فيما فيه تصاوير في موضع لا يقع بصره عليه في الصلاة. وصرح أصحابنا بكراهة استصحابه في الصلاة، وسواء قلنا: يجوز لبسه أو لا. ومذهب مالك: أنه لا يلبس خاتم فيه تماثيل، ولا يصلى به، ويلبس

стр. 975

ثوب فيه تصاوير. وأما الصلاة على بساط فيه تصاوير، فرخص فيه أكثر العلماء، ونص عليه أحمد وإسحاق؛ لأنهم أجازوا استعمال ما يوطأ عليه من الصور. وكره ذلك طائفة قليلة، ومنهم: الجوزجاني، وروى عن الزهري. وذكر ابن أبي عاصم في ((كتاب اللباس)) له: ((باب: من قال: لا بأس بالصلاة على البساط إذا كان فيه صور: حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم: ثنا روح بن عبادة: ثنا شعبة، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي على الخمرة، وفيها تصاوير)) . وهذا الحديث مخرج في ((الصحيحين)) من حديث شعبة بدون هذه الزيادة. وسيأتي بسط هذه المسائل في موضعها من الكتاب - أن شاء الله تعالى. وقد بوب البخاري في ((كتاب: اللباس)) على ((كراهة الصلاة في التصاوير)) ، وأعاد فيه حديث عائشة الذي خرجه هاهنا، وظاهر ذلك يدل على أنه يكره الصلاة في ثوب فيه صورة، وعلى بساط عليه صورة؛ فإن ذلك كله يعرض للمصلي في صلاته. وبوب هناك - أيضا - على الرخصة فيما يوطأ من الصورة، وعلى كراهة ذلك - أيضا -، فأشار إلى الاختلاف فيه.

стр. 976

١٦ - باب من صلى في فروج من حرير ثم نزعه

стр. 977

٣٧٥ - حثنا عبد الله بن يوسف: ثنا الليث، عن يزيد، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: أهدي إلى النبي ﷺ فروج حرير، فلبسه فصلى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا، كالكاره له، وقال: ((لا ينبغي هذا للمتقين)) . ((يزيد)) ، هو: ابن أبي حبيب، و ((أبو الخير)) ، هو: مرثد بن عبد الله اليزني، وهما مصريا جليلان. و ((الفروج)) : قباء له فرج من ورائه، هكذا قال أبو عبيد وغيره. وقال يحيى بن بكير: سألت الليث بن سعد عن الفروج؟ فقال: هو القباء. وفي الحديث: دليل على جواز لبس الأقبية، والصلاة فيها، وهو قول أكثر أهل العلم. وسئل عطاء: عن القباء يصلي فيه الرجل وحده؟ فقال: أن القباء مفروج، ولكن ليأتزر عليه إزارا تحته. قال حرب: سئل أحمد عن الصلاة في الدراج؟ فقال: وما بأسه؟ قيل: أنه ذكر عن ابن المبارك ووكيع أنه ما كرهاه، فرخص فيه، وقال: ما أنفعه من ثوب. وممن كره لبس الدراج: إسحاق -: نقله عنه ابن منصور.

стр. 978

واستدل الخطابي وغيره بهذا الحديث على صحة الصلاة في الحرير مع كراهته. وهذا غير صحيح؛ فإن النبي ﷺ إنما لبسه وصلى فيه قبل تحريمه، وهذا أمر لا شك فيه، فكيف يستدل به على صحة الصلاة بعد تحريمه؟! وقد استدل إسحاق لصحة الصلاة في الحرير بأن النبي ﷺ رخص للزبير وعبد الرحمان في قمص الحرير للحكة. وهذا - أيضا - لا يصح؛ فإنه من رخص له في الحرير أبيح له لبسه والصلاة فيه كالنساء، وإنما اختلف الناس في صلاة الرجال في الحرير بعد تحريمه. وأكثر أهل العلم على أن الصلاة فيه تجزئ، وتبرأ بها الذمة، ولا يلزم إعادتها. وعن أحمد في ذلك روايتان. ومذهب أهل الظاهر: أن الصلاة فيه غير مجزئة، وتلزم الإعادة، وهو اختيار كثير من أصحابنا، وهو قول إسحاق، إذا كان عالما بالنهي عنه. وقال ابن القاسم صاحب مالك: يعيد ما دام في الوقت. وكذا الخلاف في الصلاة في ثوب مغصوب، أو مشترى بعين مال حرام. وفي ((المسند)) : من حديث ابن عمر – مرفوعا -: ((من اشترى ثوبا بعشرة دراهم، وفيه درهم حرام، لم تقبل له صلاة ما دام عليه)) .

стр. 979

وقد ضعف الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي طالب، وقال: هذا ليس بشيء، ليس له إسناد. يشير إلى ضعف إسناده؛ فإنه من رواية بقية، عن يزيد بن عبد الله الجهني عن هاشم الأوقص، عن نافع. وقال أحمد – في رواية مهنا -: لا أعرف يزيد بن عبد الله، ولا هاشما الأوقص. وقد أشتد نكير عبد الرحمان بن مهدي لقول من قال: أن من اشترى ثوبا بدراهم فيها شيء حرام وصلى فيه أنه يعيد صلاته، وقال: هو قول خبيث، ما سمعت بأخبث منه، نسأل الله السلامة. ذكره عنه الحافظ أبو نعيم في ((الحلية)) بإسناده. وعبد الرحمان بن مهدي من أعيان علماء أهل الحديث وفقهائهم المطلعين على أقوال السلف، وقد عد هذا القول من البدع، فدل على أنه لا يعرف بذلك قائل من السلف. وأكثر العلماء على أن العبادات لا تبطل بارتكاب ما نهي عنه، إذا كان النهي غير مختص بتلك العبادة، وإنما تبطل بما يختص النهي بها. فالصلاة تبطل بالإخلال بالطهارة فيها، وحمل النجاسة، وكشف العورة ولو في الخلوة، ولا تبطل بالنظر إلى المحرمات فيها، ولا باختلاس مال الغير فيها، ونحو ذلك مما لا يختص النهي عنه بالصلاة. وكذلك الصيام، إنما يبطل بالأكل والشرب والجماع ونحو ذلك، دون ما لا يختص النهي عنه بالصيام، كقول الزور، والعمل به عند جمهور العلماء. وكذلك الاعتكاف، لا يبطل إلا بما نهي عنه لخصوص الاعتكاف وهو الجماع، أو ما نهي عنه لحق المساجد كالسكر عند طائفة منهم. ولا يبطل بسائر المعاصي عند

стр. 980

الأكثرين، وأن خالف في ذلك طائفة منهم. وكذلك الحج، إنما يبطل بارتكاب بعض ما نهي عنه فيه وهو الرفث، دون الفسوق والجدال. والله أعلم. وقد روي عن النبي ﷺ ، أنه علل كراهة لبس الحرير في صلاته، بأنه نظر إليه فألهاه عن صلاته. خرجه ابن وهب في ((مسنده)) عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية حدير ابن كريب، أن أكيدر أهدى النبي ﷺ حلة حرير، فشهد النبي ﷺ فيها الصلاة، فسها، فصلى الظهر سبع ركعات، فلما انصرف نزعها، وقال: ((إني نظرت إليها، فألهتني عن صلاتي)) . وهذا مرسل.

стр. 981

١٧ - باب الصلاة في الثوب الأحمر

стр. 982

٣٧٦ - حدثنا محمد بن عرعرة: حدثني عمر بن أبي زائدة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله في قبة حمراء من أدم، ورأيت بلالا أخذ وضوء رسول الله ﷺ ، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئا تمسح به، ومن لم يصب منه شيئا أخذ من بلل يد صاحبه، ثم رأيت بلالا أخذ عنزة فركزها، وخرج رسول الله ﷺ في حلة حمراء مشمرا، صلى إلى العنزة بالناس ركعتين، ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة. هذا الحديث قد خرجه في مواضع متعددة، مختصرا وتاما، وقد سبق في ((أبواب الوضوء)) بعضه، ويأتي في مواضع متفرقة - أيضا. والمقصود منه هاهنا: أن النبي ﷺ خرج في حلة حمراء مشمرا وصلى بالناس، فدل على جواز الصلاة في الثوب الأحمر. قال أبو عبيد: الخلة: برود اليمن من مواضع مختلفة منها. قال: والحلة إزار ورداء، لا يسمى حلة حتى يكون ثوبين. انتهى. وكذلك فسر سفيان الثوري الحلة الحمراء في هذا الحديث ببرد

стр. 983

الحبرة -: حكاه عنه عبد الرزاق، وهو في ((مسند الإمام أحمد)) وكتاب الترمذي. وحينئذ؛ فالحلة الحمراء التي لبسها النبي ﷺ إنما كانت بردا مخططا فيه خطط حمر، ولم يكن كله أحمر. وقد بوب البخاري في ((كتاب: اللباس)) : ((باب: الثوب الأحمر)) ، ثم خرج فيه من حديث البراء بن عازب، قال: رأيت النبي ﷺ في حلة حمراء. والقول في هذا الحديث كالقول في حديث أبي جحيفة. ثم قال: ((باب: الميثرة الحمراء)) ، وخرج فيه من حديث البراء، قال: نهانا رسول الله ﷺ عن لبس الحرير والديباج والقسي والإستبرق ومياثر الحمر. ((المياثر)) : مراكب، سميت مياثر لوثارتها – وهو لينها ووطأتها، وكانت من زي العجم. وقد قيل: أنها كانت من ديباج أو حرير -: قاله أبو عبيد وغيره. وفسر يزيد بن أبي زياد المثيرة بجلود السباع. وقد خرج النسائي من حديث المقدام بن معدي كرب، عن النبي ﷺ ، أنه نهى عن مياثر النمور. وفي الصلاة في الثوب الأحمر حديث آخر: خرجه الطبراني من رواية سعد بن الصلت، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن حسين، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يلبس يوم العيد بردة حمراء. ورواه حجاج بن أرطاة، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر

стр. 984

بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يلبس بردة الأحمر في العيدين والجمعة. كذا رواه حفص بن غياث، عن حجاج. وخالفه هشيم، فرواه عن حجاج، عن أبي جعفر – مرسلا -، أن رسول الله ﷺ كان يلبس يوم الجمعة بردة الأحمر، ويعتم يوم العيدين. خرجه ابن سعد من هذين الوجهين. والمرسل أشبه. وقد اختلف العلماء في لبس الأحمر: فرخص فيه ابن المسيب، والشعبي، والنخعي، والحسن، وعلي بن حسين، وابنه أبو جعفر. وروي عن علي بن أبي طالب، أنه كان يلبس بردا أحمر. وفي ((صحيح مسلم)) ، أن أسماء بنت أبي بكر أرسلت إلى ابن عمر تقول له: بلغني انك تحرم مياثر الأرجوان، فقال: هذه مثيرتي أرجوان. والأرجوان: الشديد الحمرة. وكرهت طائفة الثياب الحمر، منهم: طاوس، ومجاهد، وعطاء. وروي عن الحسن وابن سيرين، قالا: هو زينة آل قارون. وهو المنصوص عن أحمد في رواية المروذي، وسوى بين الرجال والنساء في كراهته. وروى عن عطاء وطاوس ومجاهد الرخصة فيه للنساء خاصة. وروي عن عائشة، أنها كانت تلبس درعا أحمر. وفي كراهة الأحمر من اللباس أحاديث متعددة، خرجها أبو داود وغيره، يطول ذكرها هاهنا، وربما تذكر في موضع آخر – أن شاء الله تعالى. ومنهم من رخص فيما حمرته خفيفة، وكره الشديد الحمرة، وروي

стр. 985

ذلك عن مالك وأحمد، ورجحه كثير من أصحابنا. وفي ((صحيح مسلم)) ، عن علي، أن النبي ﷺ نهى عن لبس المعصفر. وخرجه النسائي، وزاد فيه: المفدم. والمفدم: المشبع بالعصفر. وفي ((صحيح مسلم)) – أيضا – عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: رأى رسول الله ﷺ علي ثوبين معصفرين، فقال: ((إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسها)) . وقد اختلف في لبس المعصفر: فكرهه طائفة، روي عن عمر وعثمان وابن عمر وأنس، وهو قول الزهري وسعيد بن جبير ومالك وأحمد. ورخصوا فيه للنساء. وحكى ابن عبد البر الاجماع على جوازه لهن. وفي الرخصة لهن فيه حديث مرفوع. خرجه أبو داود. وهذا قد يخالف رواية المروذي عن أحمد بكراهة الأحمر للنساء، كما تقدم، لكن تلك مقيدة بإرادة الزينة به، فقد تكون الرخصة محمولة على من لم يرد به الزينة. وهذا القول روي عن ابن عباس، أنه يكره المعصفر للتزين به، ويرخص فيما امتهن منه. ورخص طائفة في المعصفر مطلقا للرجال والنساء، روي عن أنس، وعن أبي وائل، وعروة، وموسى بن طلحة، والشعبي، وأبي قلابة، وابن سيرين، والنخعي وغيرهم، وهو قول الشافعي. وكرهت طائفة المشبع منه – وهو المفدم – دون التخفيف، روي عن
следующие страницы →