← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13873

التفسير اللغوي للقرآن الكريم

مساعد الطيار

Полный текст (714 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المعنى مصطلحاً قرآنيًّا (١)؛ أي أنَّه أينما وردَ هذا اللَّفظُ في موضعٍ من القرآنِ، فإنه لا يحتملُ غيرَ هذا المعنى. ومن الأمثلةِ الواردةِ عن السَّلفِ في ذلك: لفظ «أليم»، قال الضَّحَّاكُ (ت:١٠٥): «كلُّ شيءٍ في القرآن من الأليمِ فهو الموجعُ» (٢). وقد وَرَدَتْ هذه اللَّفظة في القرآن اثنتين وسبعين مرةً، وَوَرَدَتْ بصيغةِ: تألمون ويألمون ثلاثَ مراتٍ (٣). وهذا المعنى الذي جعله الضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) معنًى كُلِّيًّا لهذه اللَّفظةِ، هو المعنى اللُّغويُّ لها. قال ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الهمزة واللام والميم: أصلٌ واحدٌ، وهو الوجعُ» (٤). وبناءً على قولِ الضَّحَّاكِ (ت:١٠٥)، فإنَّ هذه الكلمةِ أينما وُجِدَتْ في القرآنِ، فإنها بمعنى الألمِ، ومما يلاحظُ على هذا المعنى أنه هو المعنى اللُّغويُّ الوحيدُ لهذه اللَّفظةِ. ومن هذا البيان يظهرُ أنَّ الكلِّيَّةَ التَّامَّةَ في الألفاظ القرآنيَّةِ بحثٌ يقابلُ الوجوهَ والنَّظائرَ؛ لأنَّ كتبَ الوجوهِ والنَّظائرِ تذكرُ اللَّفظَ الذي يكونُ له أكثرُ من وجهٍ دونَ غيرِهِ، والكُّلِّياتُ التَّامَّةُ يُذكرُ فيها اللَّفظُ الذي له معنًى واحدٌ.

стр. 107

ومما وردَ عنِ السَّلفِ منْ كُلِّيَّات في الألفاظِ القرآنيَّةِ ما يلي: ١ - عن مجاهدٍ (ت:١٠٤) قال: «كُلُّ ظَنٍّ في القرآنِ فهو علمٌ»، وفي روايةٍ: «يقين» (١). هذا المعنى الذي ذكره مجاهدٌ (ت:١٠٤) للفظةِ الظَّنِّ هو أحدُ المعاني اللُّغويَّةِ لهذا اللفظِ، قالَ ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الظَّاءُ والنُّونُ: أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على معنيين مختلفين: يقينٍ وشكٍّ. فأمَّا اليقينُ، فقولُ القائلِ: ظَنَنْتُ ظَنًّا؛ أي: أَيْقَنْتُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] أرادَ ـ والله أعلمُ ـ: يوقنونَ، والعربُ تقولُ ذلك وتعرفُه، قال شاعرُهُم (٢): فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ سَرَاتُهُمْ فِي الفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ أرادَ: أَيْقِنُوا، وهو في القرآن كثير» (٣). ٢ - وعنْ سعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤) قالَ: «كُلُّ شيءٍ في القرآنِ إفكٌ فهو كَذِبٌ» (٤). وهذا الذي ذكرَه سعيدُ (ت:٩٤) هو المعنى اللُّغويُّ لهذه اللفظةِ. قال ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الهمزة والفاء والكاف: أصلٌ واحدٌ يدلُّ على قلبِ الشَّيءِ عن جهتِهِ، يقال: أَفِكَ الشَّيءُ، وأَفِكَ الرجلُ: إذا كذب. والإفكُ: الكذبُ ...» (٥). وبهذا تظهر علاقةُ هذينِ العلمينِ (الوجوه والنظائر، وكليات الألفاظ القرآنية) بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ، وأنَّ المفسِّرَ الذي يسلكُ هذا السَّبيلَ لا بُدَّ أنْ يكونَ معتمداً على اللُّغةِ، وإن لم يَنُصَّ على ذلك، والله أعلم.

стр. 108

ثانياً: التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغوِيين وفيه: القسم الأوَّلُ: المشاركةُ غيرُ المباشرةِ في تفسيرِ القرآنِ. القسم الثاني: المشاركةُ المباشرةُ في تفسيرِ القرآنِ.

стр. 109

تمهيد اللغويون: هم المشتغلون بجمعِ ألفاظِ العربِ ومعرفةِ دلالتِها واشتقاقِها وتصريفِها، ومعرفةِ أساليبِها في الخطابِ، والاستدلالِ لذلك بلغةِ العربِ من شعرٍ أو نثرٍ (١).

стр. 110

وبتَتبُّع تراجم اللُّغويِّين وفهارس كتبهم، ظهرَ أنهم برزوا في القرنِ الثَّاني الهجريِّ، وكانَ ظهورُهم إيذاناً ببروزِ هذا التَّخصُّصِ العلميِّ الذي لم يكنْ ينسبُ قبلهم إلى أعلامٍ في جيلِ الصَّحابةِ والتَّابعين، أي أنك لا تكادُ تجدُ في هذين الجيلينِ من وصفَ بأنه فلانٌ اللُّغويُ (١). وإنما تَجدُ في جيلِ الصَّحابةِ من عُرفَ بسعةِ علمِه بأشعارِ العربِ وأيَّامِها وأنسابِها؛ كأبي بكر الصِّديق، وابنتِه عائشة ﵄. وتجد في جيل التَّابعينَ منْ يوصفُ بالفصاحةِ في المنطقِ، وعدمِ الوقوعِ في اللَّحْنِ؛ كأبي الأَسْوَدِ ظالم بن عمرو الدُّؤْلِيِّ (ت:٦٩) (٢)، وزِرِّ بنِ حُبيشٍ الأسديِّ (ت:٨٣) (٣)،

стр. 111

ونَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ اللَّيثِيِّ (ت:٨٩) (١)، والحَسَنِ البَصرِي (ت:١١٠) (٢). أو تجدُ منِ اشْتَهَرَ بمعرفتِه بأيامِ العربِ أو أخبارِها أو أشعارِها؛ كعَامِرٍ الشَّعْبِي (ت:١٠٣) (٣)، وقَتَادَةَ بنِ دَعَامَةَ السَّدُوسِي (ت:١١٧) (٤). وتحفظُ كتبُ تراجمِ اللُّغويينَ بعضَ الأخبارِ التي تدلُّ على بدايةِ الاهتمامِ بتدوينِ ألفاظِ اللُّغةِ، ومن ذلك ما أسندَه أبو سَعِيدٍ السِّيرَافِي (٥)، عن عِيسَى بْنِ

стр. 112

عُمَرَ النحوي (١)، قال: «كُنَّا نمشي مع الحَسَنِ (٢)، ومعنا عبدُ الله بْنُ أبي إسحَاقَ (٣)، قال: فقال: حَادِثُوا هذه النُّفوسَ فإنَّها طُلَعَةٌ، ولا تدَعُوها فتنْزعُ بكم إلى شَرِّ غَايةٍ (٤). قال: فأخرجَ عبدُ اللهِ بنُ أبي إسْحَاقَ ألواحَه، فكتبَها، فقال: استفدنا منك يا أبا سعيدٍ: طُلَعَة» (٥). وكان ظهورُ هذا التَّخصُّصِ أثراً من آثار الاهتمامِ بتقويمِ اللسانِ العربي الذي أصابه شيءٌ من الخللِ بدخولِ غيرِ العربِ في الإسلامِ. وكانت بداية التَّوجُّه إلى تقويم اللِّسانِ (٦) كما ذهب إليه كثير من

стр. 113

الباحثين ـ على يد أبي الأَسْوَدِ الدُّؤَلي (ت:٦٩)، وقيل: إنه أخذ مبادئه عن عَلِيٍّ بْنِ أبي طَالِبٍ (ت:٤٠). وفي قول آخر: أنه من ابتكارِ أحد تلميذي أبي الأسْوَدِ (ت:٩٦)، وهما: نَصْرُ بنُ عَاصِمٍ (ت:٨٩)، ويَحْيَى بنُ يَعْمُر (ت:١٢٩) (١). وأيًّا ما كان الأمر، فإنه لم يشتهر في عهد الصَّحابة والتَّابعين مَنْ اهتم بجمع كلام العربِ وبيانِ معانيه، ولذا لم يرد في ترجمة أحدٍ منهم مصطلحُ اللُّغَويِّ، وهذا يظهر بمراجعة تراجمهم، وتبيُّن الألقاب العلميَّة التي كانت تُطلَق في عصرهم. وبتأمُّلِ تراجم اللُّغويِّين تَجِدُ أوائلَهم ـ كأبانَ بنِ تغلبٍ (ت:١٤١) (٢)، وأبي عَمْرو بنِ العَلاَءِ (ت:١٥٤)، والخَلِيلِ بنِ أحمد الفراهيديِّ (ت:١٧٥)، وعلي بن حمزة الكسائيِّ (ت:١٨٣)، وأبي عُبَيْدَةَ معمر بن المثنَّى (ت:٢١٠)، وغيرِهِم من اللُّغويِّين ـ قد عَاصَر مفسِّري أتباعِ التَّابعينَ؛ كمقاتل بن حيان البلخيِّ (ت:١٥٠)، وعبد الملك بنِ جُرَيجٍ المكيِّ (ت:١٥٠)، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدٍ المدنيِّ (ت:١٨٢)، وغيرهم من مفسِّري هذا الجيلِ (٣).

стр. 114

وقدْ قامَ اللُّغويُّونَ منْ أصحابِ هذه الطَّبقةِ ومن بعدهم ـ كأبي عُبَيْدَةَ (ت:٢١٠) والفَرَّاءِ (ت:٢٠٧)، وتلاميذِهم الذين أخذوا عنهم علم اللُّغةِ وتابَعُوهم في ذلك؛ كأبي عُبَيدٍ القَاسِمِ بنِ سَلاَّمٍ (ت:٢٢٤)، وأبي حَاتَمٍ السِّجِسْتَاني (ت:٢٥٥)، ثمَّ تلاميذ هؤلاء؛ كابن قُتَيبَةَ (ت:٢٧٦)، وأبي العباس المُبَرَّدِ (ت:٢٨٥)، وثَعْلَبٍ (ت:٢٩١) ـ بتدوينِ لغةِ العربِ وكانوا عمدةً لمنْ جَاءَ بعدَهم في حكايةَ اللُّغةِ. ولاستجلاءِ مشاركةِ اللُّغويِّينَ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، رجعتُ إلى تراجمِهم وفهارس كتبِهم، ثمَّ قرأتُ ما وقعَ بين يَدَيَّ من كتبِ أعلامِ هذه الفترةِ من اللُّغويِّينَ (١). وبعد رجوعي إلى تراجم هؤلاء اللغويين وفهارس كتبهم وجدتُ أنَّ مشاركة اللُّغويينَ في التفسيرِ كانتْ على قسمين: الأول: مشاركة غير مباشرة في تفسيرِ القرآنِ. والثاني: مشاركة مباشرة في تفسيرِ القرآنِ. وسأتحدَّث عن كلِّ قسمٍ على حِدَةٍ.

стр. 115

القسمُ الأولُ المشاركة غير المباشرة تَبْرُزُ مشاركةُ اللُّغويينَ غيرُ المباشرةِ في أنماطِ التَّأليفِ اللُّغويِّ التي سلكَها اللُّغويونَ في الكتابةِ اللُّغويَّةِ، وكانتْ كتبُ النَّوادرِ (١) من أقدمِ ما ظهر مِنْ أَنْماطِ التَّأليفِ اللُّغويِّ. وكان أبو عَمْرو بنُ العلاءِ (ت:١٤٥) (٢) أوَّلَ مَنْ ذُكِرَ له كتابٌ في «النَّوادرِ». وقد كانتِ الكتابةُ في هذه الأنماطِ اللُّغويَّةِ (٣) على ضَرْبَينِ: الأول: الكتابةُ على أسلوبِ الموضوعاتِ: كانت الكتابةُ على أسلوبِ الموضوعاتِ أسبقَ التَّأليفات اللُّغويَّةِ، وأغلبُ ما كُتِبَ كان في موضوعٍ واحدٍ؛ ككتبِ: الفروقِ، والنوادرِ، والأضدادِ، والنباتِ، وخلقِ الإنسانِ، والأنواءِ، ... وغيرِها. وقد ظهر جمع هذه الموضوعات في كتاب واحد عند أبي عبيد (ت:٢٢٤) في كتابه: «الغَرِيبِ المُصَنَّفِ» (٤)، حيثُ جعلَ لكلِّ موضوعٍ باباً مستقلاً، فتجدُ

стр. 116

فيه باباً في خلق الإنسان، وباباً في اللباس، وباباً في الأطعمة، وباباً في الأمراض، وباباً في الخمر، وباباً في الدور والأرضين ... إلخ (١). الثاني: الكتابةُ على الحروفِ: كانت الكتابةُ على الحروفِ تَهْدِفُ إلى استيعابِ ألفاظِ العربِ، وكانت البدايةُ فيها بكتابِ العينِ المنسوبِ للخَلِيلِ بن أحمد (ت:١٧٥)، ثمَّ تَلَتْهُ الكتبُ الأخرى، ومنها: كتاب الجِيمِ، لأبي عَمْرو الشَّيبانِيِّ (ت:٢٢٠ تقريباً) (٢)، وكتابِ البارعِ في اللُّغةِ، للْمُفَضَّلِ بنِ سَلَمَةَ (ت:٢٩٠) (٣)، وكتابِ جمهرةِ اللغةِ، لابن دُرَيدٍ (ت:٣٢١) ... إلخ. وسأذكرُ كيفَ كان التَّفسيرُ اللُّغويُّ في هذين الضَرْبَينِ من الكتابةِ، معَ ذكرِ الأمثلةِ لذلك. أولاً: التفسيرُ اللغويُ في كتبِ الموضوعات: ١ - يظهرُ منْ كتبِ اللُّغةِ التي كُتِبَتْ على نَمَطِ الموضوعاتِ أنَّ التَّفسيرَ لم يكنْ قَصْداً أوَّلِيًّا منْ مقاصدِ اللُّغويِّ في كتابِه.

стр. 117

٢ - غالبُ ما جاءَ في التَّفسيرِ كانَ تفسير ألفاظٍ قرآنيَّةٍ مفردةٍ، يَذْكُرُ فيها اللُّغويُّ دلالةَ هذه اللَّفظةِ، ومن ذلك قول أبي العَمَيثَلِ (ت:٢٤٠) (١)، قال: «والجُؤَارُ ـ مهموز ـ: صوتٌ في تَضَرُّعٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]» (٢). وقال أبو مِسْحَل (٣): «وتحيَّفَ مالَه وتَحَوَّفَهُ، وتَخَوَّفَتُ مالَه، وقال الله : ﴿أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]، وهو النقص» (٤). ٣ - غالباً ما يذكرُ اللُّغويُّ معنى اللَّفظةِ في لغةِ العربِ، ثمَّ يذكرُ الآيةَ التي وردَ فيها هذا اللَّفظُ، فيفسِّر لفظَ الآيةِ به، ومن ذلك ما ذكره قُطْرُبَ (ت:٢٠٦) (٥): «وقالوا ـ إذا دَنَا وِلادُهَا ـ: بَخَضَتْ بَخَاضاً، ومَخَضَتْ: لغةٌ، وهو قول الله : ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٣]» (٦).

стр. 118

٤ - كما أنَّ هذه الكتبَ لا تذكرُ ـ في الغالبِ ـ إلاَّ الألفاظَ المناسبةَ لموضوعِ الكتابِ، وقَلَّ أنْ تذكرَ ألفاظاً لا علاقةَ لها بموضوعِ الكتابِ، ومن ذلك ما ورد في كتابِ «الإبدال» لابن السِّكِّيت (ت:٢٤٤) (١)، قال: «... ما يَنُوصُ لحاجةٍ، وما يقدر على أن يَنُوصَ؛ أي: يتحرَّك لشيءٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣]، ومعنى وَلاَتَ: ليس. ومَنَاصٍ، مثل: مَنَاض» (٢). ففي هذا المثالِ تجدُ ابن السِّكِّيتِ (ت:٢٤٤) يُوردُ الإبدالَ في الضَّادِ والصَّادِ في مَنَاصٍ ومَنَاض، ثمَّ ذكر الآية، ثمَّ استطرد في معنى «وَلاَت». ٥ - وقدْ تخلو بعضُ الرَّسائلِ اللُّغويَّةِ منْ ذكرِ ألفاظٍ قرآنيَّةٍ مفسَّرةٍ، وذلك لأسباب؛ منها: * أن لا يوجدَ لموضوعِ الكتابِ ما يناسبُه منْ ألفاظٍ قرآنيَّةٍ. * أو لعدمِ حضورِها في ذهنِ المؤلِّفِ، أو لغيرِها من الأسبابِ (٣). وعوداً على بدءٍ، فإنَّ كتبَ الموضوعاتِ لا تكادُ تخرجُ عنْ بيانِ مدلولِ اللَّفظِ في اللُّغةِ، ومن الأمثلةِ الواردةِ في بعضِ الكتبِ ما يلي:

стр. 119

في كتاب «ما تلحن فيه العامَّة» المنسوب للكِسَائي (ت:١٨٣)، قال: «تقول: عندي وِقْرُ حطبٍ، ووِقْرُ حنطةٍ، وكلُّ ما يحملُ فهو وِقْرٌ ـ بكسر الواو ـ قال تعالى: ﴿فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢]. وتقولُ: في أُذُنيه وَقْرٌ ـ بفتح الواو ـ وهو رجلٌ موقورٌ: إذا كان به صَمَمٌ، وقال الله تعالى: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٥]» (١). وفي كتاب «الأمثال» لمؤَرِّجٍ (ت:١٩٥) (٢)، قال: «المُبْسَلُ: المُسْلَمُ. قال الله : ﴿أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ [الأنعام: ٧٠]» (٣). وفي كتاب «الغريب المصنف» لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت:٢٢٤)، قال: «والكوثرُ: الشيءُ الكثيرُ، ومنه قول الله جلَّ ذكره: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]» (٤). ثانياً: التفسير اللغوي في معاجم الحروف: يُعدُّ كتابُ العينِ أوَّلَ معجمٍ عربيٍّ سارَ في ترتيبه على الحروفِ، سواءً أكان كاتِبَه الخليلُ بنُ أحمدَ الفراهيديُّ (ت:١٧٥)، أمْ كان تلميذُه الليثُ بنُ

стр. 120

المظفَّرِ (١). وسأجعله مثالاً لهذه الكتبِ؛ لأنها ـ في الغالبِ ـ تسيرُ على منوالٍ واحدٍ. ولما كانَ مقصدُ التَّأليفِ على هذه الطريقةِ محاولةُ الإحاطةِ بلغةِ العربِ؛ فإنَّ المؤلِّفَ سيذكرُ ألفاظاً قرآنيَّةً ويقومُ بتفسيرِها. ومن الملاحظِ أنَّ اللُّغويَّ في هذه الكتبِ قد يوردُ اللفظَ القرآنيَّ دونَ ذكرِ الآيةِ التي ورَدَ فيها؛ مثل تفسيرِ العِهْنِ في كتاب العين: «والعِهْنُ: المصبوغُ ألواناً من الصُّوفِ، ويقال: كلَّ صوفٍ: عهنٌ، والقطعة؛ عِهنَةٌ، والجمعُ: عُهُونٍ» (٢). والعهنُ واردٌ في قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبِالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]، ولم يذكر شيئاً من هذين الموضعينِ. ومن أمثلةِ تفسيرِ الألفاظِ في كتابِ العينِ، ما يلي: ١ - قال: «والمُعْصِرَاتُ: سحاباتٌ تمطرُ، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤].

стр. 121

وأُعْصِرَ القومُ: أُمطِرُوا، قال الله : «وفيه يُعْصَرُون» [يوسف: ٤٩]، ويقرأ ﴿يُعْصِرُونَ﴾ (١): من عصيرِ العنب. قال أبو سعيدٍ (٢): يستغلونَ أَرَضِيهِم؛ لأنَّ الله يُغْنِيهم، فتجيءُ عصارةُ أَرَضيهم؛ أي: غلَّتها؛ لأنك إذا زرعتَ اعتصرَت من زرعِك ما رزقَك اللهُ. والإعصارُ: الرِّيحُ التي تُثِيرُ السَّحَابَ. عَصَرَت الرِّياحُ، فهي مُعْصِراتٌ؛ أي: مثيراتٌ للسَّحابِ. والإعصارُ: الغبارُ الذي يستديرُ ويسطعُ. وغبارُ العجاجةِ إعصارٌ أيضاً، قال الله : ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، يعني: العجاجة» (٣). ٢ - وقال: «نَسِيَ فلانٌ شيئاً كان يذكره، وإنه لنَسِيٌّ؛ أي؛ كثيرُ النسيانِ، من قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. والنِّسْيُ (٤): الشيءُ المنسي الذي لا يذكرُ، يقال: منه قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]. ويقال: هو خِرقَةُ الحائضِ إذا رمت به.

стр. 122

ونسيتُ الحديثَ نسياناً، ويقال: أَنْسَيْتُ إنساءً، ونَسِيتُ أجْوَدُ، قال الله تعالى: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] ولم يقل: أنسيت، ومعنى أنسيت: أخرت» (١). ٣ - وقال: «والهَجْرُ والهِجْران: تركُ ما يلزمك تعهُّدُه، ومنه اشتُقَّتْ هجرةُ المهاجرين؛ لأنهم هجروا عشائرهم فتقطَّعُوهم في الله، قال الشاعر (٢): وأُكثِرُ هَجْرَ البَيتِ حَتى كأنَّنِي مَلَلْتُ، وما بي من مَلاَلٍ ولا هَجْر وقال تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]؛ أي: يهجرونني وإيَّاه. وقال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]؛ أي: تهجرون محمداً ﷺ . ومن قرأ ﴿تُهجِرونَ﴾ (٣)؛ أي: تقولون الهُجْرَ؛ أي: قولَ الخَنَا والإفحاشِ في المنطقِ، تقولُ: أَهْجُرُهُ إهْجَاراً، قال الشَّمَّاخُ (٤): كمَاجِدَةِ الأعْرَاقِ قَالَ ابنُ ضَرَّةٍ عَلَيْهَا كَلاَماً جَارَ فيه وأَهْجَرَا والهَجْرُ: هذيانُ المُبَرْسَمِ (٥) ودأبُه وشأنُه، ويقال: منه ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]؛ أي: تَهْذُونَ في النَّومِ.

стр. 123

وتقولُ: هَجَرْتُ هَجْراً» (١). إنَّ هذه النُّصوصَ تعطي صورةً تقريبيَّةً للتَّفسيرِ اللُّغويِّ في كتبِ المعاجمِ التي نُظِّمتْ على الحروفِ. ويمكنُ تلخيصُ ذلك فيما يلي: ١ - بيانُ دلالةِ اللَّفظِ القرآنيِّ في لغةِ العربِ، والغالبُ عليها أنها تذكرُ الآيةَ التي وردتْ فيها اللَّفظةُ. وإذا كان للَّفظِ أكثرُ من دلالةٍ في لغةِ العربِ، فإنَّ كتبَ المعاجمِ تذكرُها. كما أنه إذا كانَ له أكثرُ من استعمالٍ ذُكِرَ؛ كما في لفظِ النسيءِ المذكورِ سابقاً. ٢ - الاهتمامُ باختلافِ القراءاتِ إذا كانَ في اختلافِها أثرٌ على المعنى؛ كلفظِ: (يعصرون، وتهجرون) الواردان في الأمثلة السَّابقة. ٣ - الاستشهادُ لِلَّفظِ القرآنِيِّ بأشعارِ العربِ؛ كالاستشهادِ الواردِ في تفسيرِ لفظِ: تهجرون. والاستشهادُ قدْ يَقِلُّ في كتابٍ ككتابِ العين (٢).

стр. 124

القسمُ الثاني المشاركة المباشرة في تفسير القرآن بعدَ قراءةٍ في تراجمِ اللُّغويِّين وجملةٍ من فهارسِ الكتبِ، ظهرَ لي أنَّ مشاركتَهم المباشرةَ في التَّفسيرِ برزتْ منْ خلالِ علمين: علم غريبِ القرآن، وعلمِ معاني القرآن. وقد تَتَبَّعْتُ كتبَ اللُّغويين المؤلَّفةِ في هذين العِلْمَينِ إلى نهايةِ القرنِ الثالثِ، فظهرَ لي منها ما يربو على العشرينَ مؤلَّفاً، وقبلَ ذكرِ هذه المؤلَّفاتِ أُسجِّلُ بعضَ التَّنْبيهاتِ، وهي: * ما سأذكرُه منها ليسَ على سبيلِ الحصرِ، إذ المرادُ التَّنبيه عل حرصِ اللُّغويِّينَ في التأليفِ في هذينِ العِلْمَيْنِ، وقد وقفتُ بها إلى نهايةِ القرن الثالثِ. *قد يُذكرُ للعالِمِ الواحدِ أكثرُ من كتابٍ، وقد تكونُ عِدَّةَ أسماءٍ لمؤلَّفٍ واحدٍ؛ ككتابِ مجاز القرآنِ، لأبي عُبَيدَةَ (ت:٢١٠)، حيثُ يُسمى: معاني القرآن، وغريب القرآن. * قد يَرِدُ بعضُ الكُتبِ باسم «مشكل القرآن»، وهو جزءٌ من علمِ معاني القرآنِ. * سأُرتِّبُ المؤلَّفاتِ حسبَ وفياتِ المؤلِّفينَ. وهذا أوانُ سردِ كُتبِ اللُّغويِّينَ في هذينِ العِلْمَيْنِ: ١ - غريبُ القرآنِ، لأبانَ بنِ تغلبٍ الجَرِيرِيِّ، القارئ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ (ت:١٤١) (١).

стр. 125

٢ - معاني القرآنِ، لمحمدِ بنِ الحسنِ الرُّؤاسِيِّ، الكوفيِّ، المقرئ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ (ت:١٧٠) (١). ٣ - معاني القرآنِ، ليونسَ بنِ حبيبٍ، البصريِّ، النَّحويِّ (ت:١٨٢) (٢). ٤ - معاني القرآنِ، لعلي بنِ حمزةَ الكسائيِّ، الكوفيِّ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ، أحدِ القرَّاءِ السَّبعةِ (ت:١٨٣ وقيل غيرها) (٣). ٥ - غريبُ القرآنِ، لِمُؤَرِّجِ بْنِ عَمْرٍو السَّدوسيِّ، البصريِّ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ (ت:١٩٥) (٤). ٦ - غريبُ القرآنِ، لأبي محمدٍ يحيى بنِ المباركِ اليزيديِّ، البصريِّ، اللُّغويِّ (ت:٢٠٢) (٥).

стр. 126

٧ - غريبُ القرآنِ، للنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، البصريِّ، اللُّغويِّ (ت:٢٠٣) (١). ٨ - مشكلُ القرآنِ، لمحمدِ بنِ المُسْتَنِيرِ (قطربَ) البصريِّ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ (ت:٢٠٦) (٢). ٩ - معاني القرآنِ، لأبي زكريا يحيى بنِ زيادٍ الفرَّاءِ، الكوفيِّ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ (ت:٢٠٧) (٣). ١٠ - مجازُ القرآنِ، لأبي عبيدَة معمرِ بنِ المثنى، البصريِّ، اللُّغويِّ (ت:٢١٠) (٤). ١١ - معاني القرآنِ، لأبي الحسنِ سعيدِ بنِ مسعدةَ (الأخفشِ)، النَّحويِّ، البصريِّ (ت:٢١٥) (٥).

стр. 127

١٢ - غريبُ القرآنِ، للأخفشِ (ت:٢١٥) (١). ١٣ - معاني القرآنِ، لأبي زيدٍ سعيدِ بنِ أوسٍ الأنصاريِّ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ، البصريِّ (ت:٢١٥) (٢). ١٤ - معاني القرآن، لأبي عبيد القاسم بن سلام، اللُّغويِّ (ت:٢٢٤) (٣). ١٥ - غريبُ القرآنِ، لأبي عبدِ اللهِ محمدِ بنِ سلامٍ الجُمَحِيِّ، الأديبِ، البصريِّ (ت:٢٣١) (٤). ١٦ - غريبُ القرآنِ، لأبي عبدِ الرحمنِ عبدِ اللهِ بنِ يحيى بنِ المباركِ اليزيديِّ (ت:٢٣٧) (٥).

стр. 128

١٧ - غريبُ القرآنِ، لأبي محمدٍ عبدِ اللهِ بنِ مسلمِ بنِ قُتَيْبَةَ، البصريِّ، اللُّغويِّ، الأديبِ (ت:٢٧٦) (١). ١٨ - تأويلُ مشكلِ القرآنِ، لابنِ قُتَيْبَةَ (ت:٢٧٦) (٢). ١٩ - معاني القرآنِ، لأبي العباسِ محمدِ بنِ يزيدَ (المبردِ)، النَّحويِّ، اللُّغويِّ، الأديبِ (ت:٢٨٥) (٣). ٢٠ - ضياءُ القلوبِ في معاني القرآنِ، للمُفَضَّلِ بنِ سلمةَ، الكوفيِّ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ (ت:٢٩٠ تقريباً) (٤). ٢١ - معاني القرآنِ، لأبي العباسِ أحمدَ بنِ يحيى (ثعلبٍ) الكوفيِّ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ (ت:٢٩١) (٥). ٢٢ - معاني القرآنِ، لمحمدِ بنِ أحمدَ بنِ كَيسَانَ، النَّحَويِّ، اللُّغويِّ (ت:٢٠٩) (٦).

стр. 129

طريقةُ التَّفسير اللُّغويِّ في هذه الكتبِ: لقد استقرأتُ المطبوعَ من هذه الكتبِ، وظهرَ لي من خلال هذا الاستقراءِ أنَّ اللُّغويِّينَ سلكوا في هذه الكتبِ مسلك السَّلفِ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، فظهرَ عندهم التَّفسيرَ على المعنى، وعلمَ الوجوهِ، وأسلوبَ التَّفسيرِ اللَّفظيِّ. غيرَ أنَّ هذا الأخيرَ هو الغالبُ على التَّفسيرِ اللُّغويِّ عندَ اللُّغويِّين، والأولانِ لا يشكِّلانِ شيئاً كثيراً عندهم. وقبلَ أنْ أذكرَ الأمثلةَ على ذلك، سأذكرُ ما تجدُه زائداً عن السَّلفِ من البحوث في مسائل العربيَّةِ في التَّفسيرِ عند اللُّغويِّين. أولاً: كثرةُ مباحثِ الصَّرفِ والاشتقاقِ: برزتْ هذه المباحثُ بكثرةٍ عند الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) والأخفشِ (ت:٢١٥)، وغالبُ هذه المباحثِ لا أثرَ لها على التَّفسيرِ؛ أي: لا يتوقَّفُ عليها البيانُ. وإنما لما كانَ النَّظرُ اللُّغويُّ عند هؤلاءِ اللُّغويِّين هو المقصدَ في التَّفسيرِ توسَّعُوا في ذكرِ هذه المباحثِ اللُّغويَّةِ. ويلاحظُ أنَّ هذه المباحثَ الصرفيَّةَ والاشتقاقيَّةَ في كتبِ المعاني، دون كتبِ الغريبِ. ومنَ الأمثلةِ في كتبِ المعاني: قال الأخفشُ (ت:٢١٥): «وقال: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ لأنك تقول: طَهَرَتْ المرأةُ، فهي تَطْهُرُ. وقال بعضهم: طَهُرَتْ. وقالوا: طَلَقَتْ تَطْلُقُ، وطَلُقَتْ تَطْلُقُ أيضاً. ويقال للنفساءِ إذا أصابها النفاس: نُفِسَتْ، فإذا أصابها الطَّلْقُ: طُلِقَتْ. وقال: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] تقول: لَغَوتُ في اليمين، فأنا أَلْغُو لَغْواً، ومن قال: هو يَمْحَى؛ قال: هو يَلْغَى لَغْواً ومَحْواً، وقد سمعنا ذلك من العرب، وتقول لَغِيتُ باسمِ فلانٍ، فأنا أَلْغَا به لَغاً؛ أي: أذكُرُهُ» (١).

стр. 130

قال الفراء (ت:٢٠٧) في قوله تعالى: ﴿لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]: «والعوان ليست بنعتٍ للبِكرِ؛ لأنها ليست بِهَرِمَةٍ ولا شابَّةٍ. انقطع الكلام ثمَّ استأنف، فقال: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ والعوانُ يقال منه: قد عَوَّنت، والفارض: قد فَرَضت. وبعضهم: قد فَرُضت. وأما البِكْرُ فلم نسمع فيها بفعلٍ. والبِكْرُ بكَسرِ أوَّلها إذا كانت بِكْراً من النساءِ، والبَكْرُ ـ مفتوحٌ أوُّلُهُ ـ من بِكَارَةِ الإبل» (١). ثانياً: كثرة المباحث النحوية: كان النَّحوُ وَعِلَلُهُ بارزاً في كتب المعاني، وقد كان أحدَ مقاصدِ التأليفِ في كتب المعاني دون كتب الغريب، وهذا مما لا تجده عند السلف، ومن الأمثلة على ذلك: قال الفرَّاء (ت:٢٠٧) «وقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨] يقول: نقضَ عهدٍ. ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ بالنقض ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ يقول: افعل كما يفعلون سواءً. ويقال في قوله: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾: جَهْراً غيرَ سِرٍّ. وقوله: ﴿تَخَافَنَّ﴾ في موضع جزمٍ، ولا تكاد العرب تدخلُ النون الشديدة ولا الخفيفة في الجزاء حتى يصلوها بـ «ما»، فإذا وصلوها، آثروا التنوين، وذلك أنهم جعلوا لـ «إمَّا» وهي جزاء شبيهاً بإمَّا من التخيير، فأحدثوا التنوين ليعلم به تفرقة بينهما، ثمَّ جعلوا أكثر جوابها بالفاء؛ كذلك جاء التنزيل، قال: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾، ثمَّ قال: ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧]، فاختيرت الفاء لأنهم إذا نوَّنوا في إمَّا جعلوها صدراً للكلام، ولا يكادون يؤخرونها. ليس من كلامهم: اضربه إمَّا يقومن، إنما كلامهم أن يقدموها، فلما

стр. 131

لزمت التقديم صارت كالخارج من الشرط، فاستحبوا الفاء وآثروها، كما استحبوها في قولهم: أما أخوك فقاعد، حين ضارعتها» (١). وقال أبو عبيدة (ت:٢١٠) في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَّرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]: «انتصب ولم تعمل (هو) فيه، وكذلك ما وقفت فيه فلم يتمَّ إلاَّ بِخَبَرٍ؛ نحو: ما ظننتُ زيداً هو خيراً منك، وإنما نصبت خيراً؛ لأنك لا تقول: ما ظننتُ زيداً، ثمَّ تسكتُ، وتقولُ: رأيتُ زيداً فيتمَّ الكلام، فلذلك قلت: هو خيرٌ منك، فرفعتَ، وقد يجوز في هذا النصبُ» (٢). وقال الأخفش (ت:٢١٥) ـ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: ٥١]ـ: «وهذه إِنْ التي تكونُ للإيجابِ وهي في معنى الثقيلةِ، إلاَّ أنَّها ليست بثقيلةٍ؛ لأنَّكَ إذا قلتَ: إِنْ كان عبدُ اللهِ لظريفاً، فمعناه: إنَّ عبدَ اللهِ لَظَرِيفٌ قبلَ اليومِ، فـ «إنْ» تدخل في هذا المعنى، وهي خفيفةٌ» (٣). هذه الأمثلةُ ـ وهي كثيرةٌ جداً في معاني القرآنِ للفرَّاءِ (ت:٢٠٧) والأخفش (ت:٢١٥) ـ توضِّحُ صورةَ المسائلِ النَّحويةِ التي طَرَقَهَا اللُّغويُّون في كتبِ المعاني، ويلاحظُ أنَّ أغلبَ هذه المسائلِ لا أثرَ فيه على التَّفسيرِ، بل هي بكتب النَّحْوِ ألصقُ. ثالثاً: كثرةُ الاستشهادِ منْ لغةِ العربِ: لقدْ كانَ الشَّاهدُ العربيُّ عند اللُّغويِّين ذا قيمةٍ كبيرةٍ. ويلاحظُ هاهنا أمرانِ: الأولُ: أنَّ الشَّواهدَ للمسائلِ النَّحويَّةِ والصَّرفيَّةِ والاشتقاقيَّةِ أكثرُ من الشَّواهدِ اللُّغويَّةِ في كتبِ معاني القرآنِ.

стр. 132

الثاني: أنَّ كتبَ الغريبِ يكثر فيها الاستشهادُ اللُّغويُّ، وهي أكثرُ من شواهدِ كتبِ المعاني في هذا البابِ. ومنَ الأمثلةِ على هذه الشَّواهدِ في كتبِ اللُّغويِّين ما يلي: ١ - قال الفراءُ (ت:٢٠٧): «وقولُهُ: ﴿لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [الفرقان: ٢١]: لا يخافون لقاءنا، وهي لغةٌ تِهاميَّةٌ، يَضَعُونَ الرَّجاءَ في موضعِ الخوفِ إذا كان معه جحدٌ. ومن ذلك قول الله: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أي: لا تخافون له عظمةً، وأنشدني بعضهم (١): لا تَرْتَجِي حين تُلاقِي الذَّائِدا ... أَسَبْعَةً لاقتْ مَعاً أَمْ واحِدا يريد: لا تخاف ولا تبالي. وقال الآخر (٢): إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لم يَرْجُ لَسْعَها ... وَحَالَفَهَا في بيتِ نُوبٍ عَوَامِلِ يقال: نَوب ونُوب، ويقال: أَوب وأُوب: من الرجوع. وقال الفرّاء: والنُّوبُ: ذَكَرُ النَّحْلِ» (٣). ٢ - وقال أبو عبيدة (ت:٢١٠) ـ في قوله تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤]ـ: «نوماً ولا شراباً، وقال الكندي (٤):

стр. 133

.. فَصَدَّني ... • عنها وعن قُبْلَتِها ـ البَرْدُ أي: النُّعاس» (١). ٣ - وقال الأخفش (ت:٢١٥): «وقوله: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، تقول: نَذَرَ يَنْذُرُ على نفسه نَذْراً، ونَذَرْتُ مالي، فأنا أَنْذُرُهُ نَذْراً، أخبرنا بذلك يونس (٢) عن العرب. وفي كتاب الله: ﴿لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]، وقال الشَّاعرُ (٣): هُمْ يَنْذُرُونَ دَمِي وَأَنْـ ... ـذُرُ إِنْ لَقِيتُ بأنْ أَشُدَّا وقال غيرُه (٤): الشَّاتِمِي عِرْضِي ولم أَشْتُمْهُمَا ... والنَّاذِرِينَ إذا لم أَلْقَهُمَا دَمِي» (٥) ٤ - وقال ابن قتيبة (ت:٢٧٦) ـ في غريب القرآن، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١]؛ «أي: عُظْمَهُ، وقال الشاعرُ (٦) ـ يَصِفُ امرأةً ـ: تنامُ عن كِبْرِ شَأنِها فإذا ... قامتْ رُوَيداً تكادُ تنغرفُ أي: تنامُ عن عُظْمِ شأنها؛ لأنها مُنَعَّمَةٌ» (٧). وقال في تأويل مشكل القرآن: «... ومن ذلك قوله: ﴿وَلَكِنْ لاَ

стр. 134

تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ أي: نكاحاً؛ لأنَّ النكاحَ يكونُ سِرّاً ولا يظهرُ، فاستُعيرَ له السِّرُّ. قال رؤبةُ (١): فَعَفَّ عن أَسْرَارِها بعد العَسَقِ والعَسَقُ: الملازمةُ» (٢). رابعاً: بيانُ الأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ: اعتنى اللُّغويُّونَ ببيانِ الأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ: من حذفٍ واختصارٍ، وذكرٍ للسَّببِ وتركِ المسببِ، وعكسِه، وذكرٍ للواحدِ بلفظِ الجمعِ، وعكسِه، وذكرٍ للإجابة على خاصٍّ بلفظِ العامِّ، وعكسِه، وغيرِها. وقد كان لاهتمامهم هذا أسبابٌ؛ كالنَّصِّ على عربيَّة القرآن؛ كما عند أبي عبيدة (ت:٢١٠) في مجاز القرآن، والردِّ على الطَّاعنين فيه؛ كما عند ابن قتيبة (ت:٢٧٦) في تأويل مشكل القرآن. ومن الأمثلة الواردة في كتبهم: ١ - قال الفراء (ت:٢٠٧) ـ في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]ـ: «فإن قال قائلٌ: فأين جواب ﴿أَمَّنْ هُوَ﴾ فقد تبين في الكلام أنه مضمر، قد جرى معناه في أوَّل الكلمة، إذ ذكر الضالَّ، ثمَّ ذكر المهتدي بالاستفهام، فهو دليل على أنه يريد: أهذا مثل هذا، أو هذا أفضل أم هذا. ومن لم يعرف مذاهب العرب ويتبين له المعنى في هذا وشبهه لم يكتفِ ولم يشتفِ، ألا ترى قول الشاعر (٣):

стр. 135

فَأُقْسِمُ لَوْ شَيءٌ أَتَانَا رَسُولُهُ ... سِوَاكَ، وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا أنَّ معناه: لو أتانا رسولُ غيرك لدفعناه، فَعُلِمَ المعنى ولم يُظْهِرْ. وجَرَى قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ [الزمر: ٢٢] على مثلِ هذا» (١). ٢ - وقال أبو عبيدة (ت:٢١٠) ـ في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]ـ: «العربُ تؤكِّدُ الشيءَ وقد فُرِغَ منه، فتقيدُهُ بلفظِ غيرِه تفهيماً وتوكيداً» (٢). ٣ - وفي قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢]، قال الأخفشُ (ت:٢١٥): «وقال في أوَّل هذه السورةِ: كتابٌ أُنزلَ إليك لتنذرَ به فلا يكنْ في صدرِكَ حَرَجٌ منه، هكذا تأويلُها على التَّقديمِ والتَّأخيرِ. وفي كتابِ اللهِ مثلُ ذلكَ كثيرٌ، وقال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] والمعنى ـ واللهُ أعلمُ ـ: فانظرْ ماذا يرجعون، ثمَّ تولَّ عنهم ... ومثلُ هذا في كلامِ العربِ وفي الشِّعرِ كثيرٌ في التَّقديمِ والتَّأخيرِ. يَكتبُ الرَّجلُ: أما بعدُ ـ حفظكَ اللهُ وعافاك ـ فإني كتبتُ إليك. فقوله: «فإني»: محمولٌ على «أما بعد»، إنما هو: أمَّا بعدُ، فإنِّي، وبينهما ـ كما ترى ـ كلامٌ. قال الشَّاعرُ (٣): خيرٌ من القومِ العصاةِ أميرَهم ... يا قومِ فاستحيوا، النساءُ الجُلَّسُ والمعنى: خيرٌ من القومِ العُصَاةِ أميرَهم النساءُ الجُلَّسُ، فاستحيوا يا قوم ...» (٤).

стр. 136

٤ - وقال ابن قتيبة (ت:٢٧٦): «... وتبينَ له ـ أيضاً ـ أنَّ أفعالَ المجازِ لا تَخْرُجُ منها المصادرُ ولا تؤكَّدُ بالتَّكرارِ، فتقولُ: أرادَ الحائطُ أن يسقطَ، ولا تقولُ: أرادَ الحائطُ أن يسقطَ إرادةً شديدةً، واللهُ تعالى يقولُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] فوكَّدَ بالمصدرِ معنى الكلامِ، ونفى عنه المجازَ. وقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فوكَّدَ القولَ بالتَّكرارِ، ووكَّد المعنى بإنما» (١). ولو تُتُبِّعَتِ الأساليبُ العربيَّةُ التي نزلَ بها القرآنُ لشكَّلتْ بحثاً مستقلًّا، واللهُ الموفقُ. وبعد، فهذه أظهرُ الموضوعات التي أبدعَها اللُّغويُّون في التَّفسيرِ زيادةً عن الَّذي جاءَ عنِ السَّلفِ ﵃، أمَّا ما وردَ عن السَّلفِ من موضوعاتِ التفسيرِ اللُّغويِّ فهي متفاوتةٌ عند اللُّغويين، وهي كالآتي. أوَّلاً: التَّفسيرُ على المعنى عند اللُّغويِّين: أمَّا التَّفسيرُ على المعنى، فكان قليلاً عند اللُّغويِّينَ، وإنْ كانَ لا يمكنُ أنْ ينفكَّ عنه المفسِّرُ، ومن ذلكَ تفسيرُ أبي عُبَيدَةَ (ت:٢١٠) قولَ الله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]، قال: «هذا القرآنُ ما يُتْلَى عليكم، فلذلك ذَكَّره، والعربُ تفعلُ ذلكَ، قال (٢): قَبَائلُنا سبعٌ وأنتم ثلاثةٌ، ولَلسَّبعُ أَزْكَى من ثَلاثٍ وأكثرُ ذكَّرَ «ثلاثة» ذهبَ به إلى «بطنٍ»، ثُمَّ أَنَّثَهُ لأنَّه ذهبَ به إلى «قبيلة». ومجاز بصائر؛ أي: حُجَجٌ وبيانٌ وبرهانٌ» (٣).

стр. 137

فأبو عبيدة (ت:٢١٠) في هذا المثالِ تراه فسَّرَ المراد بالبصائرِ في الآيةِ، وهذا هو التَّفسيرُ على المعنى، ثمَّ ذكرَ وجهَ التَّذكيرِ فيه، ثمَّ ذكرَ التَّفسيرَ اللَّفظيَّ لبصائر. ثانياً: علم الوجوه والنَّظائر عند اللُّغويِّين: أمَّا علمُ الوجوهِ والنَّظائرِ، فلمْ أجدْ لأحدٍ من أهلِ اللُّغةِ كتاباً خاصًّا فيه، وقد خصَّ ابن قتيبة (ت:٢٧٦) هذا العلمَ بمبحثٍ من كتابه: «تأويل مشكل القرآن» تحتَ بابٍ بعنوانِ: (اللَّفظُ الواحدُ للمعاني المختلفةِ) (١)، ومن الأمثلةِ التي ذكرها في ذلك: قال: «الحَرَجُ: أصلُه الضِّيقُ (٢). ومن الضِّيقِ: الشَّكُّ؛ كقول الله تعالى: ﴿فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ٢]؛ أي: شكٌّ؛ لأنَّ الشَّاكَّ في الشَّيءِ يضيقُ صدراً به. ومنَ الحرجِ الإثمُ، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]؛ أي: إثمٌ، ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١]؛ أي: إثمٌ. وأمَّا الضِّيقُ بعينِه، فقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:

стр. 138

٧٨]؛ أي: ضيقٍ، و ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، و ﴿حَرِجَا﴾ (١). ومنه الحَرَجَةُ، وهي: الشَّجرُ المُلْتَفُّ» (٢). أمَّا كتابُ المبرد (ت:٢٨٥): (ما اتفقَ لفظُه: واختلفَ معناه من القرآنِ المجيدِ)، فإنَّ عنوانَه يوحي بعلاقتِه بعلمِ الوجوه والنَّظائرِ، إلا أنَّه لم يقتصرْ فيه على هذا العلمِ، بل حَوَى ـ مع صِغَرِ حجمِهِ ـ موضوعات أخرى؛ كالحذفِ، والاختصارِ، والتَّحويلِ في القرآنِ وكلامِ العربِ، ومما ذكره في هذا الموضوع، قوله: «فمما اتفقَ لفظهُ واختلفَ معناه، قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، هذا لِمَنْ شكَّ، ثُمَّ قالَ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، فهذا يقين؛ لأنهم لو لم يكونوا مُستيقنينَ، لكانوا ضُلاَّلاً شُكَّاكاً في توحيد الله تعالى. ومثلُه في اليقينِ قولُ المؤمنِ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]؛ أي: أيقنتُ. ومثلُه قوله تعالى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]؛ أي: أيقنوا ...» (٣). والمنثورُ من هذا العلمِ في كتبِ اللُّغويِّينَ ليسَ كثيراً إذا ما قِيسَ بما كتبَهُ أتباعُ التَّابعينَ، وقد كان أكثرُ اللُّغويِّينَ اهتماماً به ـ بعد ابن قتيبة (ت:٢٧٦) ـ ابنُ عُزَيزٍ السِّجِسْتَانِيُّ (ت:٣٣٠) (٤) في كتابِه: غريبِ القرآنِ، كما سيأتي في الحديث عنه (٥).

стр. 139

ثالثاً: أسلوبُ التَّفسير اللَّفظيِّ عند اللُّغويِّين: وأمَّا أسلوبُ التفسيرِ اللَّفظيِّ، فإنه بارزٌ بروزاً لا يخفى على منْ يقرأُ في كتبِ اللُّغويِّينَ، بل كانَ هذا منْ أصولِ بحثهم في القرآنِ. وقد كانتْ طريقةُ إيرادِهم له كطريقةِ السَّلفِ، وإليك بيانُ ذلك بالأمثلةِ: الأول: أنْ يُفسِّروا اللَّفظَ، دونَ أنْ يستشهدوا لهذا التَّفسيرِ: منْ خلالِ ما كتبَهُ اللُّغويُّونَ في هذا، فإنَّه يظهرُ أنه كانَ الأغلبَ على تفسيرِهم اللُّغويِّ، حيث كانوا يُورِدُونَ معنى اللَّفظِ دونَ ذِكْرِ الشَّواهدِ على ذلك، وقد كان هذا الأسلوبُ غالباً على كتبِ غريبِ القرآنِ. ومن أمثلةِ ذلك في كتبِ اللُّغويِّينَ: ١ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]، قال الفرَّاءُ (ت:٢٠٧): «وقوله: ﴿صَعِيدًا﴾؛ الصَّعيدُ: التُّرابُ. والجُرُزُ: أنْ تكونَ الأرضُ لا نباتَ فيها، يقال: جُرِزَتِ الأرضُ، وهي مَجْرُوزَةٌ، وجَرَزَهَا الجرادُ أو الشَّاءُ أو الإبلُ، فَأَكَلْنَ ما عليها» (١). ٢ - وفي تفسير لفظِ المهادِ من قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، قال أبو عبيدةَ (ت:٢١٠): «الفراش» (٢). ٣ - وفي تفسير لفظِ يؤوده، قال الأخفشُ (ت:٢١٥): «وقال: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ لأنه من آدهُ يؤودُه أوْداً، وتفسيرُه: لا يُثْقِلُهُ» (٣).

стр. 140

٤ - وفي تفسيرِ لفظِ الغشاوةِ، من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، قال ابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦): «والغِشاوةُ: الغِطاءُ. ومنه يقال: غَشِّهِ بثوبٍ؛ أي: غَطِّهِ. ومنه قيل: غاشيةُ السِّراجِ؛ لأنها غطاءٌ له، ومثلُه قولُه: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]» (١). الثاني: أنْ يستشهدوا لتفسيرِهم: قد مضى أمثلةٌ لاستشهادِ اللُّغويِّينَ بأشعارِ العربِ (٢)، أمَّا استشهادُهم بالنَّثْرِ، فكانَ على قسمين: الأوَّلُ: أن ينصُّوا على أنَّ ذلكَ لغةُ العربِ، وغالباً ما تكونُ عبارتُهم: تقولُ العربُ، وهذا قولُ العربِ، ثُمَّ يذكرونَ شيئاً من نَثْرِها، ومنْ ذلكَ: ١ - قال الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) في تفسيرِ لفظِ مثبوراً: «وقولُه: ﴿يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]: ممنوعاً من الخيرِ. والعربُ تقولُ: ما ثَبَرَكَ عن ذا؟ أي: ما منعَك عنه وصرفَك عنه» (٣). ٢ - وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧]، قال أبو عبيدة (ت:٢١٠): «أي: فإن ظهرَ عليه وَوَقَعَ، وهو منْ قولِهم: عَثَرَتْ على أغزلَ بأخرةٍ، فلمْ تَدَعْ بِنَجْدٍ قَرَدَةً» (٤). ٣ - وقال الأخفشُ (ت:٢١٥): «وقال: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود: ٧٤]: وهو الفزعُ، يقال: أَفْرَخَ رَوْعُكَ، وأُلْقِيَ في رُوعِي؛ أي: في خَلَدِي. الرُّوعُ: القلبُ والعقلُ، والرَّوعُ: الفزعُ» (٥). ٤ - وفي تفسيرِ لفظِ ظهريًّا من قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾

стр. 141

[هود: ٩٢]، قال ابن قتيبة (ت:٢٧٦): «أي: لم تلتفتوا إلى ما جئتكم به عنه، تقولُ العربُ: جعلتني ظِهريًّا، وجعلتَ حاجتي منك بظهرٍ: إذا أعرضتَ عنه وعن حاجته» (١). الثاني: أن ينصُّوا على لغة القبيلة التي نزل بها القرآن، وهذا من أقلِّ ما ورد عنهم في التَّفسيرِ اللُّغويِّ. ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال الفرَّاءُ (ت:٢٠٧): «وقوله: ﴿أَوَّاهٌ﴾ [هود: ٧٥] دعَّاءٌ، ويقالُ: هو الذي يتأوَّهُ من الذُّنوبِ، فإذا كانت مِن: يتأوَّهُ من الذُّنوبِ، فهي من: أوِّهْ له، وهي لغةُ بني عَامِرٍ (٢) ...» (٣). ٢ - وفي تفسيرِ قوله تعالى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، قال ابن قتيبة (ت:٢٧٦): «أي: افعلْ بهم فعلاً منَ العقوبةِ والتنكيلِ يتفرقُ به من وراءهم من أعدائك. ويقالُ: شرِّدْ بهم: سَمِّعْ بهم، لغةُ قريشٍ ...» (٤). وأخيراً، فإن غالب اللُّغويِّين والمفسِّرين الذين جاؤوا بعد هؤلاءِ لم يضيفوا جديداً على الأسلوبِ التَّفسيريِّ اللُّغويِّ، بل اعتمدوا ما ورد عن أعلامِ المفسِّرين واللُّغويِّينَ في هذه الفترةِ، وإن كانَ ثَمَّت زيادةٌ، فإنها في الأوجه التَّفسيريَّةِ للمفرداتِ أو الأساليبِ، والله أعلم.

стр. 142

الفصل الثالث مسائل في نشأة التفسير اللغوي المسألة الأولى: في سَبْقِ السلفِ في علمِ التَّفسيرِ. المسألة الثانية: شمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين. المسألة الثالثة: في الاعتمادِ على اللُّغةِ. المسألة الرابعة: في الشَّاهِدِ الشِّعريِّ. المسألة الخامسة: في علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ. المسألة السادسة: التَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ.

стр. 143

المسألة الأولى في سَبْقِ السَّلفِ في علمِ التَّفسيرِ كان علم التَّفسير علماً مستقلًّا قائماً بذاته منذ عهد الصَّحابة ﵃، وكان لهذا العِلْمِ أعلامُه البارزون؛ كعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ الهُذَليِّ (ت:٣٥)، وعبدِ اللهِ بنِ عبَّاسِ (ت:٦٨). ثمَّ حمله من بعدِهم جَمْعٌ من أعلامِ جيلِ التَّابعين؛ كأبي العالية الرِّيَاحِيِّ (ت:٩٣)، وسعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤)، وعامرٍ الشَّعبيِّ (ت:١٠٣)، ومجاهدِ بنِ جبرٍ (ت:١٠٤)، والضَّحَّاكِ بنِ مزاحمٍ (ت:١٠٥)، وعكرمةَ (ت:١٠٥)، والحسنِ البَصْرِيِّ (ت:١١٠)، وقتادةَ بنِ دِعَامَةَ السَّدُوسِيِّ (ت:١١٧)، ومحمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ (ت:١٢٠) (١)، وزيدِ بنِ أَسْلَمَ (ت:١٣٦) (٢)، وغيرِهم. وكان مفسِّرو التَّابعينَ أكثرَ طبقاتِ السَّلفِ مشاركةً في التَّفسيرِ. ثمَّ حملَه في جيلِ أتباعِ التَّابعين أمثالُ: إسماعيلَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ

стр. 144

السُّدِّيِّ (ت:١٢٨)، والرَّبيعِ بنِ أنسٍ البكريِّ (ت:١٣٩) (١)، ومحمدِ بنِ السَّائبِ الكَلْبِيِّ (ت:١٤٦) (٢)، ومقاتلِ بن حيَّانٍ البلخيِّ (ت:١٥٠) (٣)، ومقاتلِ بنِ سليمانَ البَلْخِيِّ (ت:١٥٠)، وعبدِ الملكِ بنِ جُرَيجٍ المَكِّيِّ (ت:١٥٠)، وسُفيانَ بنِ سعيدٍ الثَّوريِّ (ت:١٦١)، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدِ المدنِيِّ (ت:١٨٢)، ويحيى بنِ سلامٍ البصريِّ (ت:٢٠٠)، وغيرِهم. هذا، وقد برزتْ كتابةُ التَّفسيرِ وتدوينُهُ في عهدِ التَّابعينِ وأتباعِهم، وكانَ لهم في ذلك صحائفُ وكتبٌ، مع ما كانَ لبعضِهم منْ رواياتٍ شفويةٍ، ومِمَّنْ كتبَ التَّفسير، أو أملاه على تلاميذِه: ١ - سعيدُ بنُ جبيرٍ (ت:٩٤) الذي كتبَ جملةً منَ التَّفسيرِ لعبدِ الملكِ بنِ مروانَ (ت:٨٦) (٤). وعن وِقاءِ بنِ إياس (٥)، قال: «رأيتُ عَزْرةَ (٦) يختلفُ إلى سعيدِ بنِ

стр. 145

جبيرٍ، ومعه التَّفسيرُ في كتابٍ، ومعه الدَّواةُ يُغَيِّرُ» (١). ٢ - ومجاهد بنُ جبرٍ (ت:١٠٤) الذي كتبَ تفسير شيخِه عبد الله بنِ عباسٍ (ت:٦٨) (٢). وأملى مجاهدٌ (ت:١٠٤) التَّفسير على القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ (ت:١١٥) (٣)، فكتبه. وقدْ أُخِذَ تفسيرُ مجاهدٍ (ت:١٠٤) من إملائه للقاسمِ (ت:١١٥) (٤). ٣ - وأملى الحسنُ البصريُّ (ت:١١٠) التَّفسيرَ على تلاميذِهِ (٥). ٤ - وكتبَ عليُّ بنُ أبي طلحةَ الوَالِبيُّ (ت:١٤٣) (٦) صحيفتَهُ المشهورةَ
следующие страницы →