[هود: ٩٢]، قال ابن قتيبة (ت:٢٧٦): «أي: لم تلتفتوا إلى ما جئتكم به عنه، تقولُ العربُ: جعلتني ظِهريًّا، وجعلتَ حاجتي منك بظهرٍ: إذا أعرضتَ عنه وعن حاجته» (١).
الثاني: أن ينصُّوا على لغة القبيلة التي نزل بها القرآن، وهذا من أقلِّ ما ورد عنهم في التَّفسيرِ اللُّغويِّ. ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال الفرَّاءُ (ت:٢٠٧): «وقوله: ﴿أَوَّاهٌ﴾ [هود: ٧٥] دعَّاءٌ، ويقالُ: هو الذي يتأوَّهُ من الذُّنوبِ، فإذا كانت مِن: يتأوَّهُ من الذُّنوبِ، فهي من: أوِّهْ له، وهي لغةُ بني عَامِرٍ (٢) ...» (٣).
٢ - وفي تفسيرِ قوله تعالى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، قال ابن قتيبة (ت:٢٧٦): «أي: افعلْ بهم فعلاً منَ العقوبةِ والتنكيلِ يتفرقُ به من وراءهم من أعدائك. ويقالُ: شرِّدْ بهم: سَمِّعْ بهم، لغةُ قريشٍ ...» (٤).
وأخيراً، فإن غالب اللُّغويِّين والمفسِّرين الذين جاؤوا بعد هؤلاءِ لم يضيفوا جديداً على الأسلوبِ التَّفسيريِّ اللُّغويِّ، بل اعتمدوا ما ورد عن أعلامِ المفسِّرين واللُّغويِّينَ في هذه الفترةِ، وإن كانَ ثَمَّت زيادةٌ، فإنها في الأوجه التَّفسيريَّةِ للمفرداتِ أو الأساليبِ، والله أعلم.
стр. 142
الفصل الثالث
مسائل في نشأة التفسير اللغوي
المسألة الأولى: في سَبْقِ السلفِ في علمِ التَّفسيرِ.
المسألة الثانية: شمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين.
المسألة الثالثة: في الاعتمادِ على اللُّغةِ.
المسألة الرابعة: في الشَّاهِدِ الشِّعريِّ.
المسألة الخامسة: في علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ.
المسألة السادسة: التَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ.
стр. 143
المسألة الأولى
في سَبْقِ السَّلفِ في علمِ التَّفسيرِ
كان علم التَّفسير علماً مستقلًّا قائماً بذاته منذ عهد الصَّحابة ﵃، وكان لهذا العِلْمِ أعلامُه البارزون؛ كعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ الهُذَليِّ (ت:٣٥)، وعبدِ اللهِ بنِ عبَّاسِ (ت:٦٨).
ثمَّ حمله من بعدِهم جَمْعٌ من أعلامِ جيلِ التَّابعين؛ كأبي العالية الرِّيَاحِيِّ (ت:٩٣)، وسعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤)، وعامرٍ الشَّعبيِّ (ت:١٠٣)، ومجاهدِ بنِ جبرٍ (ت:١٠٤)، والضَّحَّاكِ بنِ مزاحمٍ (ت:١٠٥)، وعكرمةَ (ت:١٠٥)، والحسنِ البَصْرِيِّ (ت:١١٠)، وقتادةَ بنِ دِعَامَةَ السَّدُوسِيِّ (ت:١١٧)، ومحمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ (ت:١٢٠) (١)، وزيدِ بنِ أَسْلَمَ (ت:١٣٦) (٢)، وغيرِهم. وكان مفسِّرو التَّابعينَ أكثرَ طبقاتِ السَّلفِ مشاركةً في التَّفسيرِ.
ثمَّ حملَه في جيلِ أتباعِ التَّابعين أمثالُ: إسماعيلَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ
стр. 144
السُّدِّيِّ (ت:١٢٨)، والرَّبيعِ بنِ أنسٍ البكريِّ (ت:١٣٩) (١)، ومحمدِ بنِ السَّائبِ الكَلْبِيِّ (ت:١٤٦) (٢)، ومقاتلِ بن حيَّانٍ البلخيِّ (ت:١٥٠) (٣)، ومقاتلِ بنِ سليمانَ البَلْخِيِّ (ت:١٥٠)، وعبدِ الملكِ بنِ جُرَيجٍ المَكِّيِّ (ت:١٥٠)، وسُفيانَ بنِ سعيدٍ الثَّوريِّ (ت:١٦١)، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدِ المدنِيِّ (ت:١٨٢)، ويحيى بنِ سلامٍ البصريِّ (ت:٢٠٠)، وغيرِهم.
هذا، وقد برزتْ كتابةُ التَّفسيرِ وتدوينُهُ في عهدِ التَّابعينِ وأتباعِهم، وكانَ لهم في ذلك صحائفُ وكتبٌ، مع ما كانَ لبعضِهم منْ رواياتٍ شفويةٍ، ومِمَّنْ كتبَ التَّفسير، أو أملاه على تلاميذِه:
١ - سعيدُ بنُ جبيرٍ (ت:٩٤) الذي كتبَ جملةً منَ التَّفسيرِ لعبدِ الملكِ بنِ مروانَ (ت:٨٦) (٤).
وعن وِقاءِ بنِ إياس (٥)، قال: «رأيتُ عَزْرةَ (٦) يختلفُ إلى سعيدِ بنِ
стр. 145
جبيرٍ، ومعه التَّفسيرُ في كتابٍ، ومعه الدَّواةُ يُغَيِّرُ» (١).
٢ - ومجاهد بنُ جبرٍ (ت:١٠٤) الذي كتبَ تفسير شيخِه عبد الله بنِ عباسٍ (ت:٦٨) (٢).
وأملى مجاهدٌ (ت:١٠٤) التَّفسير على القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ (ت:١١٥) (٣)، فكتبه.
وقدْ أُخِذَ تفسيرُ مجاهدٍ (ت:١٠٤) من إملائه للقاسمِ (ت:١١٥) (٤).
٣ - وأملى الحسنُ البصريُّ (ت:١١٠) التَّفسيرَ على تلاميذِهِ (٥).
٤ - وكتبَ عليُّ بنُ أبي طلحةَ الوَالِبيُّ (ت:١٤٣) (٦) صحيفتَهُ المشهورةَ
стр. 146
التي فيها تفسيرُ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨) (١).
٥ - وكتبَ سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ (ت:١٥٦) (٢) تفسيرَ قتادةَ بنِ دِعَامَةَ السَّدُوسِيِّ (ت:١١٧) (٣).
٦ - وألَّفَ عبدُ الملكِ بنُ جُرَيجٍ المكيُّ (ت:١٥٠) كتاباً في التَّفسيرِ (٤).
٧ - وألَّفَ مقاتلُ بنُ سليمانَ (ت:١٥٠) كتاباً في التَّفسيرِ (٥)، وآخرَ في الوجوهِ والنَّظائرِ (٦).
٨ - وألَّف سفيانُ الثَّوريُّ (ت:١٦١) كتاباً في التَّفسيرِ (٧).
стр. 147
٩ - وألَّفَ وكيعُ بنُ الجَرَّاحِ (ت:١٩٧) كتاباً في التَّفسيرِ (١).
١٠ - وألَّفَ يحيى بنُ سلامٍ البصريُّ (ت:٢٠٠) كتاباً في التَّفسيرِ (٢)، وآخرَ في الوجوهِ والنَّظائرِ (٣).
وهناك غيرهم كثيرٌ، وليس ما ذكرتُه منهم على سبيل الحصر، واللهُ الموفقُ (٤).
стр. 148
وفي عهد أتباعِ التابعينَ ظهرَ اللُّغويُّونَ الذين شاركوا في التَّفسيرِ من خلالِ الكتابة في علمي: معاني القرآنِ وغريبِ القرآن؛ كأبانَ بنِ تغلبٍ الجريريِّ (ت:١٤١)، وعلي بنِ حمزةَ الكسائيِّ (ت:١٨٣)، ويحيى بنِ زيادٍ الفرَّاءِ (ت:٢٠٧)، وأبي عبيدةَ مَعْمَرِ بنِ المُثَنَى (ت:٢١٠)، وغيرِهم.
وينتجُ عن ذلكَ:
* أنَّ السَّلفَ قد سبقوا اللُّغويِّينَ في التَّفسيرِ تعلُّماً، وتعليماً، وتدويناً.
* ومنْ ثَمَّ، فإنَّ السَّلفَ قد سبقوا اللُّغويينَ ـ أيضاً ـ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ؛ لأن التَّفسيرَ اللُّغويَّ جزءٌ من علمِ التَّفسيرِ، لا يمكنُ أنْ ينفكَّ عنه.
* أنَّ كُتب السَّلفِ ورواياتِهم في التَّفسيرِ كانت متيسِّرَةً للُّغويِّينَ الذينَ دوَّنوا اللُّغةَ (١)، وكانَ من المتوقَّعِ أنْ يستفيدوا منها في تدوينِ ألفاظِ اللُّغةِ وثبوتِها، ولكنَ الحاصلَ غيرُ ذلكَ كما سيأتي.
стр. 149
المسألة الثانية
شمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين
لقد كان تفسيرُ السَّلفِ شاملاً للقرآنِ (١)، كما أنَّه يشملُ كلَّ ما يتعلَّقُ ببيانِ القرآنِ من تفسيرِ القرآن بقرآنٍ، أو بسُنَّةٍ، أو بلغةٍ، أو بسببِ نزولٍ، أو ببيانِ حُكْمٍ، أو غيرِها من أنواعِ البيانِ التي تدخلُ في مصطلحِ التَّفسيرِ. والمقصودُ أنَّ السَّلفَ لم يقتصروا فيه على نوعٍ واحدٍ من البيانِ، بل اشتملَ بيانُهم للقرآنِ على جملةِ مصادرِ التَّفسيرِ.
أمَّا اللُّغويُّونَ، فغلبَ التَّفسيرُ اللُّغَوِيُّ (٢) على مشاركتِهم في التَّفسيرِ، ولعلَّ سببَ ذلك أنَّ أصلَ بحثِ اللُّغويِّين كانَ في اللُّغةِ؛ لذا كان النَّظرُ اللُّغويُّ أسبقَ إلى ذهنِ اللُّغويِّين عند تفسيرِهم القرآنَ، أمَّا السَّلفُ، فكانَ أصل بحثِهم بيان القرآنِ؛ لذا كانَ يكثرُ في تفسيرِهم بيانُ المعنى المرادِ، وكان التَّفسيرُ على المعنى سِمَةً بارزةً في تفسيرِ السلف.
ولقد أوقع سبقُ النَّظرِ اللُّغويِّ بعضَ اللُّغويِّيَن في ذِكْرِ أقوالٍ تعتمدُ على معنى قليلٍ أو شاذٍّ أو مشكوكٍ في صِحَّته. ومن أمثلة ذلك:
١ - قال قطربُ: (ت:٢٠٦) ـ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي
стр. 150
الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]ـ: «سمعْنا العربَ تقولُ: أَهْجَرَ النَّاقَةَ بالهِجَارِ، وهو حَبْلٌ يُجْعَلُ في أنفِها تُعْطَفُ به على ولدِ غيرِها ـ وقال أبو محمد (١): الهجر: حبلٌ يوضع في الرُّسْغِ إلى السَّاقِ ـ، فإنْ كانَ قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]؛ أي: اعطفُوهنَّ إليكم، فهو ضدٌّ للهجرِ (٢)، إلاَّ أنَّ ابنَ عباسٍ كانَ يقولُ: الهَجْرُ: السَّبُّ (٣)، اهجروهن: سُبُّوهُنَّ» (٤).
إنَّ هذا المعنى الذي حَمَلَ قطرب (ت:٢٠٦) معنى الآيةِ عليه معنىً غيرُ مُسْتَعْمَلٍ في النَّاسِ ولا مشهور في اللُّغةِ؛ لأنه إنما يُطلقُ على النُّوقِ، أمَّا إطلاقُه على النِّساءِ في مثلِ هذه الحالِ فلم يردْ عنِ العربِ.
وقد اعترضَ على هذا الاحتمال التفسيريِّ أبو بكر محمد بن القاسم بنُ الأنباريِّ (ت:٣٢٨) (٥)، فقال: «وهذا القولُ عندي بعيدٌ؛ لأنَّ المعنى الثاني لم يُستعملْ في النَّاسِ.
стр. 151
والمفسرونَ يقولونَ: هِجْرَانُهُنَّ: تركُ مضاجعتهنَّ» (١).
ولا يُتركُ المعنى المشهورُ والمتبادرُ للَّفظةِ إلى معنىً غامضٍ غريبٍ إلاَّ بدليلٍ يدلُّ عليه، ولا يوجدُ هاهنا إلاَّ الاحتمالُ واستعمالُ اللُّغةِ، وليس ذلك كافياً في تركِ المشهورِ، إذ لو أُورِدتْ على الآيةِ كلَّ المحتملاتِ لاتَّسَعَ التَّفسير، ودخلَه كثيرٌ منَ الأقوالِ المرذولةِ.
٢ - وقالَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠): «... عنِ ابنِ الأعرابيِّ في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] قالَ: النَّاقُورُ: القَلْبُ» (٢).
وهذا التَّفسيرُ الذي قاله ابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١) غريبٌ جداً، ولم أجدْ منْ قالَ به غيرَه، والواردُ عن السَّلفِ أنَّ النَّاقورَ: البُوقُ الذي يَنْفُخُ فيه إسرافيلُ ﵇ (٣).
٣ - فسَّرَ بعضُ اللُّغويِّين (٤) لفظَ «عجل» في قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ
стр. 152
مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، فقال: من عجل: من طينٍ، وأنشدَ:
والنَّبْعُ في الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ مَنْبَتُهُ ... وَالنَّخْلُ يَنْبُتُ بَينَ المَاءِ وَالعَجَلِ (١)
وقدِ اعترضَ بعضُ العلماءِ على حملِ الآيةِ على هذا المعنى (٢).
وهذا المعنى ليس في اللُّغةِ دلالةٌ عليه سوى هذا البيتِ الذي حكمَ عليه بعضُ العلماء، فقال فيه: «ولا يبعدُ عنِ الصُّنْعِ» (٣).
стр. 153
ومن أجلِ هذا فإنَّ حملَ الآيةِ عليه ـ مع افتراضِ صِحَّةِ هذا الإطلاقِ في اللغةِ ـ فيه تركٌ للمشهورِ من معنى اللَّفظِ إلى معنى قليلٍ، ولا يصِحُّ أنْ يُترَكَ المعنى المشهورُ لأجلِ معنى قليلٍ في اللَّفظِ. واللهُ أعلمُ.
стр. 154
المسألة الثالثة
في الاعتمادِ على اللُّغةِ
برز من خلال الأمثلةِ التي ذكرتُها عنِ السَّلفِ واللُّغويِّينَ أنَّ اللُّغةَ العربيَّةَ مصدرٌ أصيلٌ، وأنَّه لا بدَّ من الاعتمادِ عليها، شعراً كانَتْ أم نثراً.
ويظهرُ أنَّ اللُّغة من أوسعِ المصادرِ التي كان يعتمدُ عليها الفريقانِ، وذلك ظاهرٌ بتتبُّع تفاسيرِهم.
ولقد كان في عملِ مُفَسِّري السَّلفِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ وأتباعِهم بالأخذِ بلغةِ العربِ في التَّفسيرِ = إجماعٌ فِعْلِيٌّ منهم (١)، وهذا العملُ حُجَّةٌ في صحَّةِ الاستدلالِ للتَّفسيرِ بشيءٍ من كلامِ العربِ: نثرِه وشعرِه.
وإنْ لمْ يُقَلْ بالأخذِ بلغةِ العربِ في التَّفسيرِ، فكيفَ سَيُفَسَّرُ القرآنُ دونَ الرجوعِ إليها؟!
وقدْ نَصَّ أبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلامٍ (ت:٢٢٤) على الاحتجاجِ بلغةِ العربِ في التَّفسيرِ عند تعليقِه على أثرِ أبي وائلٍ شقيقِ بن سَلَمَةَ (٢) في تفسيرِه دلوك الشَّمسِ، قال أبو وائل: «دُلُوكُهَا: غُرُوبُهَا. قال: وهو في كلام العرب:
стр. 155
دلكت براح» (١).
قال أبو عبيدٍ (ت:٢٢٤): «وفي هذا الحديثِ (٢) حُجَّةٌ لمن ذهب بالقرآنِ إلى كلامِ العربِ، إذا لم يكنْ فيه حلالٌ ولا حرامٌ (٣)، ألا تراهُ يقولُ: هو في كلامِ العربِ: دَلَكَتْ بَراحِ.
وقد رُوِيَ مثلُ هذا عن ابنِ عباسٍ.
قال: حدثني يحيى (٤)، عنْ سفيانَ (٥)، عن إبراهيمَ بنِ المهاجرِ (٦)، عنْ مجاهدٍ، عنِ ابنِ عباسٍ، قال: كنتُ لا أدري ما فاطرُ السَّماوات؟ حتى أتاني
стр. 156
أعرابيانِ يختصمانِ في بئرٍ، فقالَ أحدُهما: أنا فَطَرْتُها؛ يعني: أنا ابتدأتها (١).
قال: وحدَّثنا هُشَيمٌ (٢)، عنْ حُصَينٍ (٣)، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ (٤)، عنِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّه كانَ يُسألُ عنِ القرآنِ، فينشدُ الشِّعرَ» (٥).
والمسألةُ التي ذكرَها أبو عبيدٍ (ت:٢٢٤) من الاستشهادِ بلغةِ العربِ شعرِها ونثرِها واضحةٌ، وقد مضى ذِكرُ أمثلةٍ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ لأهلِ الحُجَّةِ من السَّلفِ في التَّفسيرِ.
وإذا تأمَّلتَ الأمثلةَ السابقةَ الواردةَ عنهم في الاستشهادِ بنثرِ العربِ تبيَّنَ ما يأتي:
* أنَّ السَّلفَ كانوا يَكْتَفُونَ بسماعِ معنى اللَّفظةِ من عربيٍّ ينطقُ بها، أو يخبِرُ أنَّها لغةُ قومِه؛ كالمثال السَّابقِ عن ابنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨) في تفسيرِ لفظِ «البعل»، ولفظِ «فاطر»، وما وردَ عنِ الحسنِ (ت:١١٠) في تفسيرِ لفظِ «الأرائك».
стр. 157
ويبدو من هذه الأمثلةِ أنهم لا يشترطونَ أكثرَ منْ هذا؛ أي أنهم يَكْتَفُونَ بهذا النَّقلِ أو السَّماعِ من العربيِّ الواحدِ.
* وفيما يتعلقُ بالنَّصِّ على لغاتِ العربِ الواردة في القرآن، يلاحظ: أنَّ الواردَ عنِ السَّلفِ أكثرُ منَ الواردِ عنِ اللُّغويِّينَ، مع أنَّ هذا المجالَ مما كانوا يعتنون به.
* كما يظهرُ منَ الأمثلةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ أنَّهم يُعْنَونَ بصحَّةِ المعنى في السِّياقِ، وأنَّه لا يلزمُ منْ صِحَّتِهِ لُغَةً صِحَّةُ التَّفسيرِ به، وهذا الأمرُ بَيِّنٌ وظاهرٌ في المثالِ الواردِ عنِ ابنِ مسعودٍ (ت:٣٥) في قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]، حيثُ نفى أنْ يكونَ المرادُ بالخِتَامِ الخاتمَ الذي يَخْتِمُ، مع صِحَّةِ إطلاقِ هذا المعنى المنفيِّ لغةً.
وكذا ما وردَ من استدراكِ خالدِ بنِ صفوان، واستدراكِ حُمَيدٍ الحِمْيَرِيِّ (١) على الحسنِ البصريِّ (ت:١١٠) في تفسيره لفظَ «سريًّا» بأن المقصودَ به عيسى؛ أي أنه سيدٌ شريفٌ. فقالا للحسنِ: إنَّ العربَ تُسمِّي الجَدْوَلَ: السَّريَّ، فأجابَ الحسنُ (ت:١١٠) بقوله: «صدقت»، وهذا يُشْعِرُ بعدمِ قبولهما تفسير الحسنِ (ت:١١٠)، وإنْ كانَ ما قالَهُ منْ حيثُ اللُّغةِ صحيحاً، إلاَّ أنَّ تفسيرَهما أنسبُ لسياقِ الآيةِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ [مريم: ٢٦]؛ أي: كُلِي منَ الرُّطَبِ واشربي من السَّرِيِّ؛ أي: النَّهْر، والله أعلم.
* أنَّ السَّلفَ كانوا يجتهدونَ في اختيارِ المعنى اللُّغويِّ المناسبِ إذا كانَ للَّفظِ المفسَّرِ أكثرُ منْ دلالةٍ، وهذا ظاهرٌ في الأمثلةِ السَّابقةِ.
ويلاحظ أنَّ هذا الاجتهادَ في التَّفسيرِ كانَ في طبقاتِ السَّلفِ الثَّلاثِ: الصَّحابةِ والتَّابعينَ وأتباعِ التَّابعينَ، ولو كانوا أخذوا ما عند الصَّحابةِ ولم يتعدَّوه، لتوقَّفَ الاجتهادُ في علمِ التَّفسيرِ، والله أعلم.
стр. 158
أمَّا اللُّغويُّونَ، فإنهم مع سلوكِهم هذا المنهجَ الواردَ عن السَّلفِ، إلاَّ أنَّهم توسَّعوا في حَمْلِ بعضِ الآياتِ على المحتملاتِ اللُّغويَّةِ التي ظهرتْ لهم منْ خلالِ جمعِهم لِلُغَةِ العربِ، والتي لم تكنْ واردةً عن السَّلفِ، ولذا ظهرتْ عندَهم بعضُ الأقوالِ الشَّاذَّةِ في التَّفسيرِ؛ كالتَّفسيرِ الذي سبقَ ذكْرُهُ في لفظ «واهْجُرُوهُنَّ»، ولفظ «النَّاقُورِ»، ولفظ «مِنْ عَجَلٍ»، والله أعلم.
حكم الاستشهادِ بالشِّعرِ:
وأمَّا الشِّعرُ، فهو كما وصفهُ الخطيبُ البغداديُّ (ت:٤٦٣) (١)، فقال: «في الشِّعرِ الحِكمةُ النَّادرةُ، والأمثالُ السائرةُ، وشواهدُ التَّفسيرِ، ودلائلُ التأويلِ، فهو ديوانُ العربِ، والمقيِّدُ للغاتها، ووجوه خطابِها، فلزِمَ كَتُبهُ للحاجَةِ إلى ذلكَ» (٢).
والاستشهادُ بالشِّعرِ، حكُمُه كالنَّثرِ؛ إلاَّ أنَّه قد اعتُرضَ عليه كما سيأتي، والصَّوابُ أنَّ الاستشهادَ بالشِّعرِ جائزٌ في التَّفسيرِ، وقد نصَّ على هذا المنهجِ ابن عباس (ت:٦٨)، فقال: «إذا خفي عليكم شيءٌ من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب» (٣).
стр. 159
وقد حُكِيَ عن بعضِهم إنكارُ الاستشهادِ بالشِّعْرِ في تفسيرِ القرآنِ، وقالوا: «إذا فعلتم ذلك، جعلتم الشِّعْرَ أصلاً للقرآنِ.
وقالوا أيضاً: وكيفَ يجوزُ أن يُحْتَجَّ بالشِّعْرِ على القرآنِ، وقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، وقالَ النبيُّ ﷺ : لأنْ يَمْتَلِئَ جَوفُ أحدِكم قيحاً حتى يَرِيَهُ، خيرٌ له منْ أنْ يَمْتَلِئَ شِعْراً؟» (١).
وهذا قولٌ ضعيفٌ، وقد ردَّ عليه ابنُ الأنباريِّ (ت:٣٢٨) فقال: «فأمَّا ما ادَّعوه على النَّحويِّينَ مِنْ أنَّهم جعلوا الشِّعْرَ أصلاً للقرآنِ، فليس كذلك، إنَّمَا أرادوا أنْ يَتَبَيَّنُوا الحرفَ الغريبَ منَ القرآنِ بالشِّعْرِ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، وقالَ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].
وقال ابن عباس: «الشعر ديوان العرب». فإذا خَفِيَ عليهم الحَرْفُ من القرآنِ الذي أنزلَه اللهُ بلغةِ العربِ، رجعوا إلى ديوانها فالتمسُوا معرفةَ ذلك منه ...» (٢).
وهذا الإنكارُ ـ كما ترى ـ لا دلالةَ عليه من نقلٍ ولا عقلٍ، وهو يدلُّ على عدمِ فَهْمِ قائِله، وعَمَلُ السَّلفِ ونَصُّ حبرِ الأمَّةِ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) حجةٌ يستندُ إليها في هذه المسألةِ.
стр. 160
قول الإمام أحمد في الاحتجاج بالشعر:
وأمَّا ما وردَ عنِ الإمامِ أحمدٍ (ت:٢٤٢) لما سئلَ عنِ القرآنِ يَتَمَثَّلُ له الرجلُ بشيءٍ من الشِّعْرِ؟ قال: «لا يعجبني» (١). فإنه قولٌ مُجْمَلٌ غيرُ مُبَيَّنٍ، ولذا اختلفَ أصحابُه في تخريجِ قوله: «فقال بعضُهم: ظاهرُهُ المنعُ.
وقال غيرُهم: بل يفيدُ الكراهةَ.
وقال آخرونَ: بلْ يُحْمَلُ على من يصرفُ الآيةَ عن ظاهرِها إلى معانٍ صالحةٍ محتملةٍ يدلُّ عليها القليلُ منْ كلامِ العربِ، ولا يُوجَدُ ـ غالباً ـ إلا في الشِّعْرِ ونحوِه، ويكونُ المتبادرُ خلافَهُ» (٢).
هذا، وإنْ كانَ مرادُه أنه لا يعجبُه الاحتجاجُ بالشِّعْرِ مطلقاً في تفسيرِ القرآنِ، فإنَّ ذلك اجتهادٌ مخالفٌ لما عليه عَمَلُ مفسري السَّلفِ المتقدمينَ العالمينَ بكتابِ اللهِ؛ كابنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨)، وسعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٥)، وعامرٍ الشَّعبيِّ (ت:١٠٣)، ومجاهدٍ (ت:١٠٤)، والضَّحَّاكِ (ت:١٠٥)، وعكرمةَ (ت:١٠٥)، وغيرِهم مِمَّنْ مَرَّ ذِكْرُ أمثلةٍ عنهم فيها الاحتجاجُ بالشِّعْرِ في التَّفسيرِ، والله أعلم.
تنبيهٌ يتعلَّقُ بالاحتجاجِ بقولِ السَّلفِ في اللُّغةِ:
وقبلَ أن أختمَ هذه المسألةَ أسوقُ هاهنا ملاحظَةً تتعلقُ بزمنِ الاحتجاجِ ونقلِ اللُّغةِ، وإليك بيانُها:
стр. 161
كانَ الصَّحابةُ والتَّابعونَ في زمنِ الاحتجاجِ اللُّغويِّ؛ لذا، فإنَّ الأصلَ أن يُحتجَّ بكلامِهم، وكذا تفسيرُهم لألفاظِهم التي يتداولونَها، ويدخل في ذلك تفسيرُهم لعربيَّةِ القرآنِ.
أمَّا أتباعُ التابِعينَ، فإنْ لم تُدخِلهُم في من يُحتجُّ بكلامِهم، فلا يخرجُونَ عن كونهم نَقَلَةً للُّغةِ، كحالِ اللُّغويِّينَ الَّذِين عاصروهم، وإنما الفرقُ بينهم في هذا: أنَّ أتباعَ التَّابعينَ اعتنوا بتفسيرِ القرآنِ، واللُّغويُّون اعتنوا مع ذلكَ بجمعِ لغةِ العربِ والتَّدوينِ فيها.
ومن هنا، فإنَّ اللُّغويَّ إذا فسَّرَ عربيَّةَ آيةٍ إمَّا أن يكونَ سَمِعها من العربِ الذينَ يُحتَجُّ بلغتهم، وإمَّا أن يكونَ نقلَها عن غيرِه ممَّن سمعها من العربِ.
فإنْ كانَ نقلَها عن العربِ، فهو ناقلٌ لما سمِعَه، ويرجعُ الأمرُ إلى توثيقِه في نَقْلِهِ، وغالبُ اللُّغويِّينَ الذينَ عاصروا أتباعَ التابعينَ لم يُعرفْ عنهم الكذبَ في سماعِهم للعربِ ونقلِهم عنهم، بل كانوا موثَّقين في نقلهم.
وإنْ كانَ نقلَ عمَّن سمِعَ من العربِ ـ وهذا هو الأكثرُ في نقلِهم للغةِ العربِ ـ فإنَّ في النَّقلِ إبهاماً؛ أي أنَّه لا يوجدُ سندٌ متصلٌ من اللُّغويِّ إلى من سُمِعَ كلامُه من العربِ، وهذا يُبنى عليه أنَّ تفسيرَ السَّلفِ مُقدَّمُ على تفسيرِ اللُّغويِّينَ، وسيأتي مزيدُ إيضاحٍ لذلكَ (١)، واللهُ الموفقُ.
стр. 162
المسألة الرابعة
في الشَّاهِد الشِّعريّ
كانتْ ظاهرةُ الاستشهادِ بالشِّعرِ بارزةً عند مفسِّري السَّلفِ (١)، وهي عند اللُّغويِّين أكثرُ، وقدْ كانتْ كتبُ غريبِ القرآنِ من أكثرِ كتبِ اللُّغويِّينَ إيراداً للشَّواهد اللُّغويَّةِ (٢)؛ كمجازِ القرآنِ، لأبي عبيدةَ (ت:٢١٠)، وغريبِ القرآنِ، لأبي عبدِ الرَّحمنِ عبدِ اللهِ بنِ يحيى اليزيديِّ (ت:٢٣٧) الذي قال عنه القفطي (ت:٦٢٤) (٣): «وصنَّف كتاباً في غريب القرآن حسناً في بابه، ورأيته في ستة مجلدات، يستشهد على كلِّ كلمة من القرآن بأبيات من الشعر، ملكته بخطِّهِ ...» (٤).
стр. 163
صور الاستفادة من الشِّعرِ في تفسيرِ القرآنِ:
الشَّاهدُ الشِّعريُّ وعلاقتُه بتفسيرِ القرآنِ من المباحثِ التي لم تلقَ عنايةً، حسبَ علمي، وهو من المباحثِ المليئةِ التي تحتاجُ إلى دراسةٍ مُستقلَّةٍ (١)، وسأذكرُ هنا بعضَ ما يتعلَّقُ به على سبيلِ الإيجازِ.
* صورُ الاستشهادِ بالشعر:
ظهرَ لي من خلالِ استقراءِ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ التي يستدلُّ بها مفسِّرو السَّلفِ واللُّغويُّون صورتان:
الصُّورةُ الأولى: أنْ يُورِدَ المفسِّرُ الشِّعرَ المُسْتَشْهَدَ به مُكتفياً فيه بورودِ اللَّفظِ المُسْتَشْهَدِ له، وإن لم يتضحْ معناه في بيتِ الشِّعر الذي استُعينَ به على فَهْمِ معنى اللَّفظِ.
وأكثرُ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ المستشهَدِ بها جاءت على هذه الصُّورةِ (٢)، ومنْ أمثلةِ ذلك:
قال أبو عبيدةَ (ت:٢١٠): ﴿عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]: العَاقِرُ: التي لا تَلِدُ،
стр. 164
والرَّجُلُ العاقرُ: الذي لا يُولدُ له، قالَ عَامِرُ بنُ الطُّفَيلِ (١):
لَبِئْسَ الفَتَى إِنْ كُنْتُ أَعْوَرَ عَاقِراً جَبَاناً
فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ» (٢)
وإذا تأمَّلتَ هذا التَّفسيرَ، وجدتَ أنَّ أبا عبيدةَ (ت:٢١٠) قد فسَّرَ العَاقِرَ في الآيةِ بأنها التي لا تَلِدُ، ثمَّ استدلَّ لذلكَ التَّفسيرِ بهذا البيتِ، غيرَ أنَّ اللَّفظَ في البيتِ غيرُ مفسَّرٍ، بل هو محتاجٌ إلى تفسيرٍ؛ أي: لو قرأتَ البيتَ مُفْرَداً عنِ الآيةِ، فإنَّك لا تَصِلُ به إلى دلالةِ لفظِ العَاقِرِ.
وقُصَارَى الأمرِ في ذلك أنَّه جعلَ معنى اللَّفظِ في الآيةِ هو معناه في البيتِ المستشهَدِ به، وبهذا يظهرُ أن المُسْتَشْهِدَ لا يَلتزمُ في الشَّاهدِ الشِّعريِّ أنْ يكونَ مُفَسَّراً بذاته في البيتِ، بل يكتفي بورودِ لفظِهِ فقط.
الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يكونَ سياقُ الشَّاهدِ الشِّعريِّ مُبيناً عن معنى اللَّفظِ، ويكون الشَّاهدُ بذلك موضِّحاً لمعنى اللَّفظِ القرآنيِّ بذاته، وهو بهذا غيرُ محتاجٍ لبيانٍ، ومن ذلك:
قالَ أبو عبيدةَ: (ت:٢١٠) في قولِه تعالى: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣]: «أي: مجاعة. قال الأعشى (٣):
تَبِيتُونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطُونُكُمْ ... وَجَارَاتُكُمْ سُغْبٌ يَبِتْنَ خَمَائِصاً
أي: جياعاً» (٤).
стр. 165
في هذا البيتِ ـ كما ترى ـ يَتَبَيَّنُ معنى الخَمَائصِ بسببِ مقابلةِ الشَّاعرِ لها بقولِه: مِلاءً بطونُكم، فَيُفْهَمُ منه أنهما على التَّضادِّ؛ لأن سياقَ البيتِ يدلُّ على أنَّه يذمُّهم، وأنهم لا يُعطونَ جاراتِهم مما يملكونَه.
وقد يَرِدُ بيانُ مدلولِ اللَّفظِ عن الشَّاعرِ نفسهِ في البيتِ المُسْتَشَهَدِ به، وهذا قليلٌ جداً، ومن ذلك ما وردَ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤].
قالَ ابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦): «أي: يضعَ أهلُ الحربِ السِّلاحَ، قالَ الأعشى (١):
وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزَارَهَا ... رِمَاحاً طِوالاً، وَخَيلاً ذُكُوراً
ومِنْ نَسْجِ داود يُحْدَى بِهَا ... عَلَى أَثَرِ الحَيِّ، عِيراً فَعِيراً» (٢)
إنَّ الأعشى في هذا البيتِ يُبَيِّنُ مدلولَ اللَّفظِ الذي ذَكَرَهُ، فَأَوزَارُ الحربِ: عُدَّتُّهُ من السِّلاحِ: الرِّماحُ والخيلُ الذُّكورُ والدُّروعُ. ولكنَّ هذا الأسلوبَ في الشِّعرِ العربيِّ قليلٌ جداً.
وهذا المبحث يتعلَّقُ بمسألةٍ كبيرةٍ في اللُّغةِ، وهي: كَيفِيَّةُ الوصولِ إلى معرفةِ مدلولِ اللَّفظِ في لغةِ العربِ (٣)؟.
والألفاظُ العربيَّةُ من حيثُ وضوح الدلالةِ على قسمين:
стр. 166
الأوَّلُ: ما هو واضحٌ مدلولُه لكلِّ أحدٍ؛ كالسَّماءِ والأرضِ والأكلِ والشُّربِ والنَّومِ، وغيرِها من الألفاظِ الواضحةِ المدلولِ عند النَّاطقين بلغةِ العربِ.
الثاني: ما في دلالتِه خفاءٌ، إمَّا بسببِ غرابةِ اللَّفظِ؛ كالألفاظ الآتية: لفظ «المَورِ»، ولفظ «الكفات» ولفظِ «دَيَّاراً»، ولفظِ «الحافرة»، ولفظِ «الهُمَزَةِ»، ولفظِ «اللُّمَزَةِ»، وغيرِها.
وإمَّا لوجودِ أكثرَ من مدلولٍ له، وهو ما يُسَمَّى بالمشتركِ اللُّغويِّ؛ كلفظِ «عَسْعَسَ»، ولفظِ «سَجَى»، ولفظِ «المُعْصِرَاتِ»، وغيرِها.
وهذا النوعُ قد يكونُ في السِّياقِ ما يدلُّ على المرادِ به؛ كمعنى لفظ «الفلاحِ» في قولِ الشَّاعرِ (١):
نَحُلُّ بِلاداً كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا
وَنَرْجُو الفَلاحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ
فيكونُ المعنى: نرجو البَقَاءَ، بدلالةِ مجيءِ عَادٍ وحِمْيَرَ الهالكين، ولم يُفسَّرَ بالفوزِ والظَّفرِ بإصابةِ ما يريدُ ـ وهو الدلالةُ الأخرى للفلاحِ ـ؛ لأنَّ السياقَ لا يُنَاسِبُ هذا المعنى، واللهُ أعلمُ.
فإنْ لم يكنْ في السِّياقِ ما يدلُّ على المدلولِ المرادِ، فإنَّك تعتمدُ تفسيرَ منْ هو موثوقٌ في فهمِه ونَقْلِهِ لِلُغَةِ العربِ؛ كالكسائيِّ (ت:١٨٣)، والفرَّاءِ (ت:٢٠٧)، وأبي عبيدةَ (ت:٢١٠)، والأصمعيِّ (ت:٢١٥)، وأبي زيدٍ الأنصاريِّ (ت:٢١٥)، وغيرِهم.
* ومِمَّا يجمُلُ ذكره هاهنا أنه لا يلزم أنْ يكون لِكُلِّ لفظٍ قرآنيٍّ شاهدٌ عربيٌّ؛ لأنَّ القرآنَ عربيٌ بذاته، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: ١٢].
стр. 167
فورودُ اللَّفظِ في القرآنِ كافٍ في الحكمِ على عَرَبِيَّتِهِ، والقرآنُ في هذا يُحْتَجُّ به، ولا يُحْتَجُّ له أو عليه، وإنما يُستفادُ من الشِّعرِ في بيانِ ما خَفِي منْ معاني القرآنِ.
وقد وَرَدَتْ بعضُ الألفاظِ القرآنيَّةِ التي ليس لها شاهدٌ عربيٌّ، ولم يَعْرِفْ مدلولَها أهلُ اللُّغةِ، وإنما أخذوها عن المفسرين؛ كلفظ «التَّفَثِ» في قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، قال الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «والتَّفثُ في التَّفسيرِ جاءَ، وأهلُ اللُّغةِ لا يعرفونَه إلا من التَّفسيرِ» (١).
وقال ابنُ دريدٍ (ت:٣٢١): «قالَ أبو عبيدةَ: هو قَصُّ الأظافرِ، وأخذُ الشَّاربِ، وكلُّ ما يحرمُ على المحرمِ، إلا النِّكاحَ. ولم يجئ فيه شعر يُحْتَجُّ به» (٢).
* ولقدْ حدثَ عندي تساؤلٌ، وهو: هل الاستشهادُ بالشِّعْرِ لإثباتِ صِحَّةِ التَّفسيرِ؟ أي أنَّ المفسِّرَ يُورِدُ الشَّاهدَ من الشِّعْرِ لِيُثْبِتَ أنَّ تفسيرَهُ صحيحٌ، ومثالُ ذلكَ:
ما يُورِدُهُ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]، فيقول: «وقال أبو عبيدة: الموبق: الموعد في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]، واحتجَّ بقوله (٣):
стр. 168
وَجَادَ شَرَورَى والسِّتَارَ، فَلَمْ يَدَعْ ... يَعَاراً لَهُ، وَالوَادِيَينِ بِمَوبِقِ
يعني: بموعد» (١).
فهلِ احتجاجُ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) لأجلِ أن يُدَلِّلَ على صِحَّةِ تفسيرِهِ واختيارِهِ؛ لأنَّ اللَّفظةَ تحتملُ غيرَ ما قالَ، أمْ ماذا؟.
لقد وردَ التَّفسيرُ بغيرِ ما قالَه أبو عبيدة (ت:٢١٠)، فقد قال ابنُ عباسٍ (ت:٦٨) والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) وقتادة (ت:١١٧) وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت:١٨٢): «مهلكاً» (٢). وكذا قال الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٣).
وقالَ الحسنُ (ت:١١٠): «جعل بينهم عداوة يوم القيامة» (٤).
وقالَ ابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١): «حاجزاً، قال: وكلُّ حاجزٍ بين شيئينِ فهو مَوبِقٌ» (٥).
قال الطبري: «وأولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ، القولُ الذي ذكرْنَا عن ابنِ عبَّاسٍ ومنْ وافقَهُ في تأويلِ المَوبِقِ أنَّه المهلكُ، وذلكَ أنَّ العربَ تقولُ في كلامِها: قد أَوْبَقْتُ فلاناً: إذا أهلكتُه، ومنه قولُ اللهِ : ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا
стр. 169
كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤] بمعنى: يُهْلِكْهُنَّ، ويقالُ للمُهْلِكِ نفسَه: قد وَبَقَ فلانٌ، فهو يَوبَقُ وَبَقاً ...» (١).
فهل استشهدَ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) للمعنى الذي ذكرَهَ لِيُثْبِتَ صِحَّةَ تفسيرِهِ؟ فالتَّفسيرُ الذي ذَكَرَهُ ليس مشهوراً من معنى اللَّفظِ، والمعنى المشهورُ ما فسَّرَ به ابنُ عبَّاسٍ (ت:٦٨) وغيره، واختاره الطبريُّ (ت:٣١٠)، واللهُ أعلمُ.
* وقدْ يختلفُ اللُّغويُّونَ في دلالةِ لفظٍ في البيتِ المُسْتَشْهَدِ به، كما وردَ في تفسيرِ آية: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَناً﴾ [النحل: ٦٧]، فقدْ قال أبو عبيدةَ (ت:٢١٠): «أي: طُعْماً، ويقال: جعلوا لك هذا سَكَراً؛ أي: طُعْماً، وهذا سَكَرٌ؛ أي: طُعْمٌ، وقال جندل (٢):
جَعَلْتَ عَيبَ الأكْرَمِينَ سَكَراً» (٣)
وقد اعترض عليه الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) في دلالةِ اللَّفظِ، فقال: «وقالوا في تفسيرِ قوله: ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَناً﴾ [النحل: ٦٧]: إنه الخمرُ قبلَ أنْ تُحرَّمَ، والرِّزقُ الحَسَنُ يؤكلُ من الأعنابِ والتُّمورِ (٤).
وقيلَ: إنَّ معنى السَّكَرِ: الطُعْم، وأنشدوا:
стр. 170
جَعَلْتَ عَيبَ الأكْرَمِينَ سَكَراً
أيْ: جعلتَ دمهم (١) طُعْماً لكَ، وهذا بالتَّفسيرِ الأوَّلِ أشبهُ، والمعنى: جعلتَ تَتَخَمَّرُ بأعراضِ الكرامِ، وهو أبينُ فيما يقالُ: الذي يتبركُ (٢) في أعراضِ النَّاسِ» (٣).
وفي لسانِ العربِ: «وقيلَ: السَّكَرُ ـ بالتحريكِ ـ: الطَّعامُ، وأنكرَ أهلُ اللُّغةِ هذا، والعربُ لا تعرفُهُ» (٤).
وهذا الذي قالهُ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) في دلالةِ اللَّفظِ، وأُنكِرَ عليه، جعله الطَّبريُّ (ت:٣١٠) أحدَ معاني السَّكرِ، فقال: «... إذ كان السَّكَرُ أحد معانيه عند العربِ، ومنْ نزلَ بلسانِه القرآنُ: هو كلُّ ما طُعِمَ» (٥).
فإذا تأمَّلتَ هذا المثالَ، وجدتَ أنَّ هذا المدلولَ مُخْتَلَفٌ فيه بينَ أنْ يكونَ منَ اللُّغةِ أو لا يكون، ثمَّ لو كان، فإنه مُخْتَلَفٌ في كونِه هو المرادَ ببيتِ الشِّعرِ، أو غيرَ مرادٍ، وكونُه أن لا يكونَ مراداً في الآيةِ أَولى، ومثل هذا الخلافِ في دلالةِ اللَّفظةِ في البيتِ وحملِها على اللَّفظِ في الآيةِ كثيرٌ (٦)، والله الموفق.
* استِفَادَةُ اللُّغويِّين من الشِّعرِ في بيانِ الأساليبِ القرآنيَّةِ:
اهتمَّ اللغويونُ بالشَّاهدِ الشِّعريِّ في بيانِ الأساليبِ العربيَّةِ التي نزلَ بها
стр. 171
القرآنُ، وحرصوا عليه لإبرازِ الأسلوبِ القرآنيِّ الذي يفسِّرونه، وكان ذلك مما تميَّزوا به عن تفسيرِ السلفِ، ومثالُ ذلكَ:
قال ابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦): «وأمَّا قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] ففيه تأويلان:
أحدُهما: أنْ تكونَ المخاطبةُ لرسولِ اللهِ ﷺ ، والمرادُ غيرُه من الشُّكَّاك؛ لأنَّ القرآنَ نزلَ عليه بمذاهبِ العربِ كلِّهم، وهمْ قد يخاطبونَ الرَّجلَ بالشَّيءِ ويريدونَ غيرَهُ، ولذلك يقولُ مُتَمَثِّلُهم: «إيَّاك أعني واسمعي يا جارة» (١).
ومثلُه قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١] ... ومثلُ هذا قولُ الكُمَيتِ (٢) في مَدْحِ الرَّسولِ ﷺ :
إلى السِّرَاجِ المُنِيرِ أحْمَدَ، لا ... يَعْدِلُنِي رَغْبَةٌ وَلا رَهَبُ
عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، وَلَوْ رَفَعَ النَّـ ... ـاسُ إليَّ العُيونَ وَارْتَقَبُوا
وَقِيلَ: أفْرَطْتَ، بَلْ قَصَدْتُ، ... وَلَوْ عَنَّفَنِي القَائِلُونَ أوْ ثَلَبُوا
لَجَّ بِتَفْضِيلكَ اللِّسَانُ، وَلَوْ ... أُكثِرَ فِيكَ اللِّجَاجُ واللَّجَبُ
стр. 172
أنْتَ المصطفى المَحْضُ المُهَذَّبُ في النِّسـ ... ـبَةِ وَإِنْ نَصَّ قَومَكَ النَّسَبُ
فالخطابُ للنبيِّ ﷺ ، والمرادُ أهل بيتِه، فَوَرَّى عن ذكرِهم به، وأرادَ بالعائبين اللائمينَ: بني أُمَيَّةَ.
وليسَ يجوزُ أنْ يكونَ هذا للنبيِّ ﷺ ؛ لأنه ليسَ أحدٌ من المسلمينَ يسوءه مدحُ الرسولِ ﷺ ، ولا يُعنِّفُ قائلاً عليه، ومن ذا يساوى به، ويفضَّلُ عليه؟!، حتى يُكثِرَ في مدحِه الضِّجَاجُ واللَّجَبُ ... ولكنه أراد أهل بيته ...» (١).
هذا، وتتبع طرائقِ الاستشهادِ بالشِّعر في تفسيرِ القرآنِ تحتاجُ إلى بحثٍ أوسعَ من هذا، والمرادُ هنا ذكرُ شيءٍ من صُورِ الاستشهادِ، والله الموفق.
стр. 173
المسألة الخامسة
في علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ
* ظهرتْ كتبُ الوجوهِ والنَّظائرِ في القرنِ الثاني الذي بدأ فيه تدوينُ كتبِ اللُّغةِ التي تناولت مدلول ألفاظِ العربِ، وكان بروزها على يد مفسِّري أتباعِ التَّابعين من السَّلفِ: مقاتلِ بن سليمانَ (ت:١٥٠)، والحسينِ بنِ واقدٍ (ت:١٥٩)، وهارونَ الأعورَ (ت:١٧٠)، ويحيى بنِ سلامٍ (ت:٢٠٠)، وكانوا بهذا قد سبقوا اللُّغويِّين الذين لم يظهرْ علمُ الوجوهِ والنَّظائرِ في كتابتهم إلاَّ عند ابنِ قتيبةَ (ت:٢٧٦) في كتابه تأويلِ مشكلِ القرآنِ، تحت عنوان: (اللفظ الواحد للمعاني المختلفة).
ثُمَّ ظهرَ عند المبردِّ (ت:٢٨٥) في كتابِه: ما اتفقَ لفظُه واختلفَ معناه في القرآنِ المجيدِ، وهو مع صِغَرِ حجمِه لم يكنْ خالصاً لهذا الموضوعِ، بل شملَ موضوعاتٍ أخرى.
ثُمَّ برزَ في أمثلةٍ كثيرةٍ عندَ ابنِ عُزَيزٍ السِّجستانيِّ (ت:٣٣٠)، ثمَّ كتب فيه ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥) كتاباً أسمَاه: الأفراد (١).
وكانَ من الممكنِ أن يستفيدَ اللُّغويونَ من كتب الوجوهِ والنَّظائرِ في معرفةِ مدلولِ الألفاظِ العربيَّةِ التي وردتْ في القرآنِ كما استفادوا من كتب غريبِ القرآنِ والحديثِ ومعاني القرآنِ، غيرَ أنَّ هذا لم يقعْ في كتبِ المعاجمِ اللغويةِ، حيث لم تتمَّ الاستفادةُ مما كتبه أتباع التَّابعين في هذا العلم.
стр. 174
وأظُنُّ أنه لو كتبَ فيه أحدُ اللُّغويِّين الذين عاصروا أتباع التَّابعين؛ لنُقِلَ عنه في معاجمِ اللُّغةِ، كما نقلوا عنهم ما دونوه في غريبِ القرآنِ ومعانيهِ وغريبِ الحديثِ، وقد يكون إهمالُ ما كتبَه أتباعُ التَّابعين في هذا العلمِ ناتجاً عن غفلةِ اللُّغويِّين عمَّا كتبَهُ مفسرو السَّلفِ في التَّفسيرِ وعلومِه، أو يكونُون لا يعتدُّونَ في نقل اللُّغة بما ورد عن السَّلف في التَّفسير، وفي كلا الاحتمالين قصورٌ من أهلِ اللُّغةِ في الاستفادةِ من تفاسيرِ السَّلفِ. والله الموفق.
* يلاحظ أن كتبَ الوجوهِ والنَّظائرِ لا تعتمد في معاني الوجوه على شواهدَ عربيَّةٍ من شعرٍ أو نثرٍ، بل يعمدُ أصحابُها إلى النصِّ مباشرةً لاستنباطِ المعنى من سياقِه. ولذا كَثُرَتِ الوجوهُ التي يذكرونها؛ لأنَّهم يريدونَ تفسيرَ معنى اللَّفظةِ في هذا السِّياقِ الذي يفسِّرونه، دونَ النَّظرِ منهم إلى الأصلِ اللُّغويِّ للَّفظةِ.
وقدَ ظهرَ عند ابن قتيبةَ في حديثه عن (باب اللَّفظِ الواحدِ للمعاني المختلفةِ) النظرُ إلى أصلِ معنى اللفظِ، وقد ذكر أربعةً وأربعينَ لفظاً، وذكرَ الأصلَ اللُّغويَّ والشَّواهدَ لأغلبِها، ومن الأمثلةِ التي ذكرها:
قال: «السَّببُ أصلُه الحبلُ، ثُمَّ قيلَ لكلِّ شيءٍ وَصَلْتَ به إلى موضعٍ أو حاجةٍ تريدها: سببٌ. تقولُ: فلانٌ سببي إليكَ؛ أي: وصلني إليكَ. وما بيني وبينك سببٌ؛ أي: آصِرَة رَحِمٍ، أو عاطفةُ مودَّةٍ، ومنه قيلَ للطريقِ سببٌ؛ لأنكَ بسلوكِه تصلُ إلى الموضِع الذي تريدُه، قال : ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥]؛ أي: طريقاً.
وأسبابُ السماءِ: أبوابها؛ لأنَّ الوصولَ إلى السماءِ يكونُ بدخولها، قال اللهُ حكايةً عن فرعونَ: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]، وقال زهير (١):
стр. 175
وَمَنْ هَابَ أسْبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَهُ ... وَلَو نَالَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ
وكذلكَ الحبلُ، قال اللهُ : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣]؛ أي: بعهدِ اللهِ، أو بكتابِه؛ يريد: تمسَّكوا به؛ لأنه وصلة لكم إليه وإلى جنَّته.
ويقال للأمانِ أيضاً: حبلٌ؛ لأنَّ الخائفَ مستترٌ مقموعٌ، والآمِنُ منبسطٌ بالأمانِ متصرِّفٌ، فهو له حبلٌ إلى كلِّ موضعٍ يريده، قال اللهُ تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]؛ أي: بأمان ...» (١).
ولم يبرزِ الاهتمامُ بتحرير مدلولِ اللفظةِ عربيًّا في كُتبِ الوجوهِ والنَّظائرِ إلاَّ متأخراً، وكانَ ذلكَ عندَ أبي الفرجِ عبدِ الرحمنِ بنِ الجوزيِّ (ت:٥٩٧) في كتابِهِ: نزهة الأعينِ النَّواظرِ في علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ، وكان يُقدِّمُ الكلامَ على مدلولِ اللَّفظِ في لغةِ العربِ، ثمَّ يذكرُ الوجوهَ معتمداً على المفسِّرين في ذلك.
ومن ذلك ما ذكر من الوجوه في لفظِ الاتِّباع، فقال: «الأصلُ في الاتباعِ: أنْ يقفوَ المتَّبِعُ أثرَ المتَّبِعِ بالسَّعي في طريقهِ، وقدْ يُستعارُ في الدِّينِ والعقلِ والفعلِ.
وقدَ ذكرَ أهل التَّفسيرِ أنَّه في القرآن على هذينِ الوجهينِ.
فمن الأوَّلِ: قولُه تعالى في طه: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ [طه: ٧٨]، وفي الشُّعراء: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠].
стр. 176
ومن الثاني: قولُه تعالى في البقرةِ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة: ١٦٦، ١٦٧]، وفي الأعرافِ: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٩٠]، وفي إبراهيم: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]، وفي الشعراء: ﴿وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].
ولا يصحُّ هذا التَّقسيم إلاَّ أن تقولَ: إنَّ الإتْبَاعَ بالتَّخفيفِ والتَّشديدِ بمعنًى واحدٍ» (١).
стр. 177
المسألة السادسة
التَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ
إذا تأمَّلتَ المؤلفاتِ التي كَتَبَهَا اللُّغويُّون في البحثِ اللُّغويِّ والقرآنيِّ، وجدتَ أنها ظهرتْ في البصرةِ والكوفةِ (١)، وهاتان القريتانِ كانتا منشأ البحثِ النَّحويِّ الذي كان قد سبق البحثَ اللُّغويَّ.
وإذا قرأتَ في تراجمِ علماءِ العربيَّةِ في هاتين المدينتين، وجدتَ بينهم منافسةً علميةً في البحثِ والكتابةِ، ووجدتَ أنَّ علماءَ البصرةِ كانوا السَّابقينَ في التَّأليفِ النَّحويِّ بكتابِ سيبويه (ت:١٨٠) (٢)، وفي التَّأليفِ اللُّغويِّ بكتابِ النَّوادرِ، لأبي عمرِو بنِ العلاءِ (ت:١٤٥)، وفي البحثِ اللُّغويِّ القرآنيِّ بكتابِ مجازِ القرآنِ، لأبي عبيدةَ (ت:٢١٠) (٣).
وقدْ كانَ لعلماءِ هاتين المدينتين منهجُهم في البحثِ النَّحويِّ، ولا يبعدُ
стр. 178
أنْ يكونَ له أثرٌ في البَّحث اللُّغويِّ، خاصةً أنَّ كثيراً منْ علمائهما نحويٌّ لغويٌّ في آنٍ واحدٍ.
وهذا الاختلافُ بينهم قد يفسرُ نَقْدَ الفرَّاءِ الكوفيِّ (ت:٢٠٧) لأبي عبيدةَ البصريِّ (ت:٢١٠)، حيثُ قالَ: «لو حُمِلَ إليَّ أبو عبيدةَ، لضربتُه عشرين في كتابِ المجازِ» (١). ويظهرُ أنَّ هذا القولَ إنما خرجَ بسببِ المنافسةِ التي كانت بين الفريقين، وهذا النَّقد ـ كما ترى ـ مجملٌ، ولم يتبينْ فيه سببِ نقدِ الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) لكتابِ مجازِ القرآنِ، وهو لما ألَّفَ كتابه في معاني القرآنِ كانَ فيه أكثرَ بُعْداً عن التَّفسيرِ من أبي عبيدةَ (ت:٢١٠)، والله أعلم.
стр. 179
الباب الثاني
مصادر التفسير اللغوي
وفيه:
المصدرُ الأوَّلُ: كتبُ التَّفسيرِ.
المصدرُ الثاني: كتبُ معاني القرآنِ.
المصدرُ الثالثُ: كتبُ غريبِ القرآنِ.
المصدرُ الرابعُ: كتبُ معاجمِ اللُّغةِ.
المصدرُ الخامسُ: كتبٌ أخرى لها علاقة بالتفسير اللغوي.
стр. 180
المصدرُ الأوَّلُ
كتبُ التَّفسيرِ
وفيه:
أولاً: جَامِعُ البَيَانِ عَن تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ، للطبري.
ثانياً: الجامع لعلم القرآن، للرماني.
ثالثاً: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية.