أولاً: الطَّريقُ الأولُ:
أنْ يذكروا معنى اللَّفظِ في اللُّغةِ، دونَ أنْ ينصُّوا على ما يدلُّ عليه من شعرٍ أو نثرٍ.
وهذا هو الأغلبُ فيما ورد عنهم من تفسيراتِهم اللُّغويَّةِ، إذ يَنُصُّ المفسِّرُ منهم على معنى اللَّفظِ، دون أن يستشهد لتفسيره هذا، ومن أمثلةِ ذلك ما يلي:
١ - أخرجَ الطَّبريُّ (ت:٣١٠) عن عمرَ بنِ الخطابِ (ت:٢٣) أنه سُئلَ عن قولِ اللهِ : ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]، قال: «يُقرنُ بينَ الرَّجلِ الصَّالحِ مع الصَّالِح في الجنَّةِ، وبَين الرَّجلِ السُّوءِ مع الرَّجلِ السُّوءِ في النَّارِ» (١).
فقولُه: «يقرن»، تفسيرٌ لمعنى التَّزويجِ في الآيةِ. وهذا هو أصلُ معنى اللَّفظِ لغويًّا. قالَ ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الزَّاءُ والواوُ والجيمُ: أصلٌ يدلُّ على مقارنةِ شيءٍ لشيءٍ» (٢).
٢ - وردَ عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) في معنى «دِهَاقاً» من قولِه تعالى: ﴿وَكَاسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤] قال: «ملأى» (٣).
وقد وردَ ذلك عن مجاهدٍ (ت:١٠٤)، والحسنِ البصري (ت:١١٠)، وقتادةَ (ت:١١٧)، وابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) (٤).
وفي أصلِ معنى هذهِ اللَّفظةِ، قالَ ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الدَّالُ والهاءُ والقافُ: يَدلُّ على امتلاءٍ في مجيءٍ وذهابٍ واضطرابٍ. يقالُ: أَدْهَقْتُ الكأسَ: ملأتُها، قال تعالى: ﴿وَكَاسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤]» (٥).
стр. 72
٣ - أخرجَ الطَّبري (ت:٣١٠) عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) في معنى «لا وَزَرَ» من قولِه تعالى: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] قال: «لا حِرز». وفي رواية أخرى عنه: «لا حِصْنَ ولا مَلْجَأَ» (١).
ويجيء الوَزَرُ بمعنى: الشَّيء الذي يَلْجَأُ إليه الإنسانُ من حصنٍ أو جبلٍ أو معقلٍ (٢). وهذا أحدُ معاني اللَّفظةِ في اللُّغةِ.
قالَ أحمدُ بنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الواوُ والزَّاءُ والرَّاءُ: أصلانِ صحيحانِ: أحدُهما: الملجأُ، والآخرُ: الثِّقَلُ في الشَّيءِ. الأولُ: الوَزَرُ: الملجأُ، قال تعالى: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ...» (٣).
وقد ورد هذا التَّفسيرُ عن بعضِ السَّلفِ، منهم: سعيدُ بنُ جُبيرٍ (ت:٩٤)، ومُطَرِّفُ بنُ الشِّخِّيرِ (ت:٩٥) (٤)، وأبو قِلابةَ الجرميُّ (ت:١٠٤) (٥)، ومجاهدٌ (ت:١٠٤)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥)، والحسنُ البصريُ (ت:١١٠)، وقتادةُ (ت:١١٧)، وابنُ زيدٍ (ت:١٨٢) (٦).
ثانياً: الطريقُ الثاني:
أنْ يستدلوا لمعنى اللَّفظةِ من لغتِهِم. وذلك قسمانِ:
стр. 73
القسمُ الأولُ: أنْ يستشهدوا لذلك بالشِّعرِ.
لقد كان الشِّعرُ ديوانَ العربِ، إذ فيه مخزونٌ من حضارتِهم ولغتِهم، وكانَ السَّلفُ يعمدونَ إلى تلك الأشعار العربيَّةِ فيستعينونَ بها في التَّفسيرِ، ولمْ تكنْ قليلةً، وإن كانت من أقلِّ الواردِ عنهم في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، ومن الأمثلةِ الواردةِ عنهم في ذلك:
١ - عن عكرمةَ (ت:١٠٥) أنَّ ابنَ عباسٍ (ت:٦٨) سُئِلَ عن قولِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قالَ: لا تلبسْها على غَدْرَةٍ ولا فَجْرَةٍ، ثمَّ قالَ: ألا تسمعون قولَ غيلانَ بنِ سلمةَ (١):
إني بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوبَ فَاجِرٍ
لَبَسْتُ، ولا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ (٢)
وبهذا قال الفراء (ت:٢٠٧): «لا تكن غادراً فتدنِّسَ ثيابَك، فإنَّ الغادرَ دَنِسُ الثيابِ» (٣).
٢ - وعن عكرمةَ (ت:١٠٥)، عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) في قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤]، قال: «على الأرضِ.
стр. 74
قال: فذكرَ شعراً قالُه أُميةُ بنُ أبي الصلتِ (١)، فقال (٢):
عندنا صيد بحر وصيد ساهرة» (٣).
هذا المعنى حكاهُ أهلُ اللُّغةِ، ومن ذلك ما ذكره ابن فارس (ت:٣٩٥)، قال: «ويقالُ للأرضِ: السَّاهرةُ، سُمِّيتْ بذلك لأنَّ عملها في النَّبْتِ دائماً ليلاً ونهاراً (٤)، ولذلك يقالُ: خيرُ المالِ عينٌ خرَّارَةٌ (٥)، في أرضٍ خوَّارةٍ (٦)، تسهرُ إذا نِمْتَ، وتشهدُ إذا غِبْتَ. وقال أُميةُ بنُ أبي الصلتِ:
وفِيهَا لَحْمُ سَاهِرَةٍ وَبَحْرِ ... وَمَا فَاهُوا بِهِ لَهُمُ مُقِيمُ
وقالَ آخرُ ـ وذكرَ حميرَ وحشٍ ـ (٧):
стр. 75
يَرْتَدْنَ سَاهِرَةً كَأَنَّ عَمِيمَهَا ... وَجَمِيمَهَا أَسْدَافُ لَيلٍ مُظْلِمِ
ثمَّ صارت الساهرةُ اسماً لكلِّ أرضٍ. قال ﷻ : ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ *فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣، ١٤]» (١).
٣ - عن سعيدٍ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤) في قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، قال: «القانعُ: السائلُ الذي يسألُ، ثمَّ أنشدَ قولَ الشاعرِ (٢):
لَمَالُ المَرْءِ يُصلِحُهُ فَيَبقَى ... مُعَاقِرَهُ، أَعَفُّ من القُنُوعِ» (٣)
وقد ورد هذا المعنى في اللُّغة، قال ابن فارسٍ (ت:٣٩٥): «القافُ والنونُ والعينُ: أصلانِ صحيحانِ، أحدهما يدلُّ على الإقبالِ على الشيءِ، ثمَّ تختلفُ معانيه مع اتفاقِ القياسِ، والآخرُ يدلُّ على استدارةٍ في الشيءِ.
فالأولُ: الإقناعُ: الإقبالُ بالوجهِ على الشيءِ ... ومن البابِ قَنَعَ الرجلُ يَقْنَعُ قُنُوعاً، إذا سألَ، قالَ اللهُ سبحانَهُ: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] فالقانعُ: السائلُ، وسُمِّيَ قانعاً؛ لإقباله على من يسأله، قال:
لمالُ المَرءِ يُصلِحُهُ فَيُغني ... مَفَاقِرَهُ، أَعَفُّ من القُنُوعِ» (٤)
стр. 76
٤ - وسُئل عكرمةُ (ت:١٠٥) عن الزَّنيمِ، فقالَ: «هو ولدُ الزِّنا، وتمثَّلَ بقولِ الشاعرِ (١):
زَنِيمٌ ليس يُعرَفُ من أَبُوهُ ... بَغِيُّ الأُمِّ، ذو حَسَبٍ لَئِيمٍ» (٢)
قال ابن فارس (ت:٣٩٥): «الزَّاءُ والنُّونُ والميمُ: أصلٌ واحدٌ يدلُّ على تعلُّقِ شيءٍ بشيءٍ، ومن ذلك الزَّنيمُ، وهو الدَّعيُ ...
قال الشاعر في الزَّنيم (٣):
زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجَالُ زيادةً ... كَمَا زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكَارِعُ» (٤)
٥ - وعن الضَّحَّاكِ بن مزاحم (ت:١٠٥) في قوله تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَاسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨]، قال: «الأكوابُ: جِرارٌ ليس لها عُرىً. وهي في النِّبطِيَّة (٥):
стр. 77
«كوبا»، وإيَّاها عنى الأعشى (١) بقوله (٢):
صَرِيفِيَّةً طَيِّبٌ طَعْمُهَا لَهَا ... زَبَدٌ بَينَ كُوبٍ وَدَنِّ» (٣)
وقال ابن فارسٍ (ت:٣٩٥): «الكافُ والواوُ والباءُ: كلمةٌ واحدةٌ، وهي الكوبُ: القَدَحُ لا عُروَةَ له، والجمعُ: أكوابٌ، قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤]» (٤).
٦ - وعن ابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) في قوله تعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]، قال: «الموت. قال الشاعرُ (٥):
стр. 78
تَرَبَّصَ بِهَا رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّهَا ... سَيَهْلَكُ عنها بَعلُهَا أَو تُسَرَّحُ» (١)
وللمنونِ في لغةِ العربِ معانٍ، منها المنيَّةُ [أي: الموت].
وقدْ أوردَ عبد الله بنُ بري المصريُّ اللُّغويُّ (ت:٥٨٢) (٢) عِدَّةَ شواهدٍ على أنَّ العربَ تطلقُ المنونَ على الموتِ.
ومن هذه الشَّواهدِ قولُ الشاعرِ (٣):
لَقُوا أُمَّ اللُّهَيمِ فَجَهَّزَتْهُم ... غَشُومُ الوِرْدِ نَكنِيهَا: المَنُونَا (٤)
٧ - وعن السُّدِّيِّ (ت:١٢٨) في قوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حْجِرٍ﴾ [الفجر: ٥]، قالَ: لِذِي لُبٍّ، قال الحارثُ بنُ ثعلبةَ (٥):
وكيفَ رَجَائِي أنْ تَثُوبَ وإنما ... يُرَجَّى مِنَ الفِتيَانِ مَنْ كَانَ ذَا حِجْرِ (٦)
واللُّبُّ: العقلُ، قال ابن فارسٍ (ت:٣٩٥): «والعقلُ يُسَمَّى حِجراً لأنه
стр. 79
يمنعُ من إتيانِ ما لا ينبغي، كما سُمِّيَ عقلاً تشبيهاً له بالعِقَالِ، قال الله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حْجِرٍ﴾ [الفجر: ٥]» (١).
ولهم في هذا القسم أمثلة أخرى (٢)، وهي تدلُّ بمجموعها على أنَّ السَّلف اعتمدوا الشَّاهد الشِّعريَّ في التَّفسير، وسيأتي بيان ذلك، إن شاء الله.
القسمُ الثاني: أن يستشهدوا بالنَّثْرِ:
وهو نوعان:
النوعُ الأولُ: أنْ يَنُصُّوا على لغةِ القبيلةِ التي نزلَ القرآنُ بلفظِها (٣).
نزل القرآنُ بجملةٍ من ألفاظِ قبائلِ العربِ، أمَّا أغلبُه فكانَ بلغةِ
стр. 80
الرسول ﷺ : لغةِ قريشٍ؛ لذا كان المفسِّرونَ من السَّلفِ يُعيِّنونَ القبيلةَ التي نزل القرآنُ بلفظِها.
ولَعَلَّ هذا يُفسِّرُ ما وقعَ لبعضِ الصَّحابةِ ﵃ من جهلِ شيءٍ من معاني ألفاظِه؛ كالذي وقعَ لعمرَ بنِ الخطابِ ﵁ في عدمِ معرفتِه معنى «الأبِّ» من قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قال: «قرأ عمرُ بنُ الخطابِ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، ومعه عصا في يدِه، فقال: ما الأَبُّ؟، ثمَّ قالَ: بِحَسبِنَا ما قد عَلِمنَا، وألقى العصا من يدِه» (١).
والذي وقع لابن عباس (ت:٦٨) في لفظ: فاطر السموات، فقد ورد عنه أنَّه قالَ: «كنتُ لا أدري ما فاطر السَّموات؟ حتى أتاني أعرابيَّان يختصمان في بئرٍ، فقال أحدهُما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها» (٢).
ومن أمثلة ما فسَّروه بلغات العرب:
١ - عن أبي الصَّلت الثقفي (٣): «أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ ـ رحمةُ اللهِ عليه ـ قرأ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] بنصب الراءِ. قال: وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله ﷺ : «ضَيِّقاً حَرِجاً» (٤).
стр. 81
قالَ صفوانُ (١): فقالَ عمرُ: أَبغُوني رَجُلاً من كِنَانةَ، واجعلوه راعيَ غنمٍ، وليكن مُدْلِجياً (٢). قالَ: فأتوا به. فقالَ عمرُ: يا فتى ما الحرجةُ؟
قالَ: الحرجةُ فينا: الشَّجرةُ تكونُ بينَ الأشجارِ التي لا تصلُ إليها راعيةٌ ولا وَحْشِيَّةٌ ولا شيءٌ.
قالَ عمرُ: كذلك قلبُ المنافقِ لا يَصِلُ إليه شيءٌ من الخيرِ» (٣).
وقد قالَ محمود شاكر في تعليقِه على هذا الأثرِ: «وهذا خبرٌ عزيزٌ جداً في بيانِ روايةِ اللُّغةِ وشرحِها، وسؤالِ الأعرابِ والرُّعاةِ عنها» (٤).
٢ - وعن عكرمةَ (ت:١٠٥)، عن ابنِ عباس (ت:٦٨) في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] قالَ: «هو الغِناءُ. كانوا إذا سَمِعُوا القرآنَ تَغَنَّوا ولَعِبُوا، وهي لغةُ أهلِ اليمنِ. قالَ اليمانيُ: اسْمُد» (٥).
стр. 82
كذا ورد عن ابن عباس ﵁، وقد نقلَ عنه أهلُ اللُّغةِ هذا المعنى، قالَ الزَّبِيدي (ت:١٢٠٥) (١): «سَمَدَ سُمُوداً: غَنَّى. قالَ ثعلبٌ (٢): وهي قليلةٌ، وقوله : ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] فُسِّرَ بالغناءِ، ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ أنه قال: السُّمودُ: الغناء بلغةِ حِمْيَرَ (٣).
وزاد في الأساس (٤)؛ لأن المُغَنِّيَ يرفعُ رأسَه ويَنْصِبُ صدرَه، ويقال للقينة: اسمُدينا؛ أي: ألهينا بالغناءِ» (٥).
وقال ابنُ دُرَيْدٍ (ت:٣٢١) (٦): «والسامدُ: اللاهي، سَمَدَ يَسْمَدُ سُمُوداً، لغةٌ يمانيةٌ، يقولون للقينة: اسْمدينا؛ أي: ألهينا.
стр. 83
وقد رُوِيَ هذا البيتُ في شعرِ عادٍ (١) ـ ولا أدري ما صحته، وقد احتج به العلماءُ ـ:
قَيْلُ، قُمْ، فانظُرْ إليهم، ... ثُمَّ دَعْ عَنْكَ السُّمُودا
قَيْلُ: اسمُ رجلٍ، وجاء في القرآن: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾، قال أبو عبيدةَ: لاهون (٢)، والله أعلم» (٣).
وقال نَشْوَانُ الحِمْيَرِي (ت:٥٧٣) (٤): «السَّمود: اللَّهوُ والغِناءُ، يقال: سَمَدَتِ القَينَةُ: إذا غنَّتْ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. والسَّامدُ: اللاهي، قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١]: لاهون» (٥).
٣ - وعن ابن عباسٍ «أنه أبصرَ رجلاً يسوقُ بقرةً، فقالَ: من بعلُ هذه؟ فدعاه، فقالَ: ممن أنت؟ قالَ: من أهلِ اليمنِ.
فقال: هي لغةُ ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ [الصافات: ١٢٥]؛ أي: ربّاً» (٦).
стр. 84
وهذا يعني أنَّ معنى ﴿بَعْلاً﴾: رَبًّا، وقد ورد هذا المعنى في كتبِ أهلِ اللُّغةِ، ومن ذلك ما ورد في لسان العرب: «وَبَعْلٌ والبَعْلُ جميعاً: صَنَمٌ، سُمِّيَ بذلك لعبادتهم إيَّاه كأنه ربهم، وقوله : ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥]، قيلَ: معناهُ: أتدعونَ رَبًّا، وقيلَ: هو صنمٌ، يقال: أنا بَعْلُ هذا الشيءِ؛ أي: ربُّه ومالِكُه؛ كأنَّه قالَ: أتدعونَ رَبًّا سوى اللهِ (١).
ورُوِيَ عنِ ابنِ عباسٍ أنَّ ضَالَّةً أُنْشِدتْ، فجاء صاحبُها، فقالَ: أنا بَعْلُها؛ يُريدُ: رَبَّها، فقالَ ابنُ عباسٍ: هو مِنْ قولِ اللهِ: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ [الصافات: ١٢٥]؛ أي: رَبًّا.
ووردَ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ مرَّ برجُلينِ يختصمانِ في ناقةٍ، وأحدُهما يقولُ: أنا بَعْلُها؛ أيْ: مالكُها وربُّها.
стр. 85
وقولُهم: مَنْ بَعْلُ هذهِ النَّاقةِ؛ أيْ: مَنْ رَبُّها وصاحبُها» (١).
٤ - وعنْ مجاهدٍ (ت:١٠٤) في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨]» قالَ: «هي بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، أَوْصَدَ البابَ: أغْلَقَهُ» (٢).
وهذا المعنى الذي فسَّرَ بِهِ مجاهدٌ (ت:١٠٤) هو معنى هذا اللَّفظِ في لغةِ العربِ، قال ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الواوُ والصَّادُ والدَّالُ: أصلٌ يدلُّ على ضَمِّ شيءٍ إلى شيءٍ، أَوْصَدتُ البابَ: أغلقتُه ... والمُوصَدُ: المُطْبَقُ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨]» (٣).
ولم أجد ـ فيما وقفتُ عليه ـ أحداً من اللُّغويينَ نَصَّ على أنَّ هذه اللفظةَ مُختصَّةٌ بقريشٍ، ومجاهد (ت:١٠٤) عاش في مَكَّةَ، وهو ينقل هذا عن سماعٍ، ولذا فإنَّ تحديده هذا يُقبَلُ، والله أعلم.
٥ - وعن سعيدِ بنِ المسيبِ (ت:٩٥) والزُّهْرِي (ت:١٢٤) (٤) في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، قالا: «الماعونُ بلسانِ قريشٍ: المالُ» (٥).
ولم أجدْ في كتبِ اللُّغةِ التي رجعتُ إليها من نَصَّ على أنَّ الماعونَ: المالُ.
стр. 86
ومادةُ: (مَعَنَ) تحتملُ هذا المعنى الذي ذكراه، وقد وردَ أنَّ المَعْنَ: القليلُ من المالِ والكثيرُ من المالِ، ومنه قولهم: أمعنَ الرجلُ: إذا كَثُرَ مالُه، وأمعنَ: إذا قلَّ مالُه، وهو من الأضدادِ.
وقد ذُكِرَ أنَّ الماعونَ: الزكاةُ، وهي ترجعُ إلى معنى المالِ، وإن لم تكن نصّاً فيه (١)، والله أعلم.
٦ - وعنِ الحسنِ (ت:١١٠)، قال: «كُنَّا لا ندري ما الأرائكُ؟ حتى لَقِينَا رجلاً من أهلِ اليمنِ، فأخبرنا أنَّ الأريكةَ عندهم: الحجلةُ فيها السريرُ» (٢).
وكذا جاء في معاجم اللغة: والأريكةُ: سريرٌ في حجلةٍ، والجمعُ: أرِيكٌ وأرَائِكُ، وفي التَّنْزِيل: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]، قال المفسِّرون: الأرائكُ: السُّرُرُ في الحِجَالِ» (٣).
٧ - وعن الضَّحَّاكِ (ت:١٠٥) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] قال: «سُتُورَهُ، أهلُ اليمنِ يُسمُّونَ السِّتْرَ: المِعْذَارَ» (٤).
وقد نقلَ هذا المعنى بعضُ أهلِ اللُّغةِ، قالَ ابنُ دريدٍ (ت:٣٢١): «وفسَّرَ قومٌ قولَه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] قالوا: السِّتر، لغةٌ أَزْدِيةٌ، الواحدُ: مِعْذَارٌ.
قال الشاعرُ (٥):
стр. 87
لَمَحَتْ لَمْحَةً كجانب قَرْنِ الـ ... ـشَّمْسِ بين القِرَامِ والمِعْذَارِ
والقِرَامُ: سِتْرٌ رَقِيقٌ» (١).
وقال رضيُّ الدِّين الصَّغَانِيُّ (ت:٦٥٠) (٢): «والمِعْذَار: السِّترُ في لغةِ قومٍ من اليمنِ، وعلى ذلك فسَّرَ بعضُ المفسرين قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] قال: معناه: أَرْخَى سُتُورهُ» (٣).
وتتبع الأمثلة الواردة عن السلفِ في هذا النوعِ يطول، وهي منثورةٌ في المرويِّ عنهم، وفيما ذكرتُه غُنيةٌ في بيانِ الموضوعِ (٤)، والله الموفق.
стр. 88
النوع الثاني: أن يرجعوا إلى منثورِ كلامِهم، دونَ أن ينصُّوا على لغةِ قبيلةٍ بعينِها.
يعتمدُ المفسِّرُ في هذا النَّوعِ على شيءٍ من كلامِ العرب المنثورِ، أو ينصُّ على أنَّ هذا من لغةِ العربِ، ومن أمثلةِ ذلك:
١ - عن ابنِ مسعودٍ (ت:٣٥) في قولِه تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] قال: «إنه ليسَ بالخَاتِمِ الذي يختمُ، أمَا سمعتُمُ المرأةَ من نسائِكُم تقولُ: طِيبُ كذا وكذا خِلْطُهُ مِسْكٌ» (١).
٢ - وعن ابن عباس (ت:٦٨) في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، قال: «مِنَ الإثمِ، ثُمَّ قالَ: نَقِيُّ الثِّيابِ في كلامِ العربِ» (٢).
والمراد بقوله: «نقيُّ الثِّياب»؛ أي: أنَّ فِعْلَه فعلٌ محمودٌ.
وقد ورد في اللُّغةِ: «فلانٌ دَنِسُ الثِّيابِ: إذا كان خبيث الفعلِ والمذهبِ خبيث العِرْضِ، قال امرُؤ القيسِ (٣):
ثِيَابُ بني عَوفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ ... وأَوجُهُهُم بِيضُ المَسَافِرِ غرَّانُ» (٤)
стр. 89
٣ - وقالَ: «كنتُ لا أدري ما فاطر السماوات؟ حتى أتاني أعرابيانِ يختصمانِ في بئرٍ، فقالَ أحدُهما: أنَا فطرتها؛ يعني: أنا ابتدأتها» (١).
وقد ورد هذا عن بعض أئمة اللُّغة، قال ابن الأعرابي (ت:٢٣١): «أنا أولُ من فطر هذا؛ أي: ابتدأه» (٢).
٤ - وعن مجاهد (ت:١٠٤) في قوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات: ٢] قال: «المكرُ، تقولُ العربُ ـ إذا أرادَ الرجلُ أن يمكرَ بصاحبِه ـ: أمَا واللهِ لأقدحنَّ لك» (٣).
وقد ورد في بعض كتبِ اللُّغةِ قريبٌ من هذا، يقال: قدح في ساق أخيه: إذا غشَّهُ، وعَمِلَ في شيءٍ يكرهه (٤). كما ورد فيها: اقتدحَ الأمرَ: تدبَّرَهُ (٥).
ولفظُ المكرِ فيه شيءٌ من معنى التَّدبرِ؛ إذ يشتركان في إعمال الفكر والتأمُّل، وإن كان المكرُ أخصَّ من التَّدبرِ.
٥ - وقال عكرمة (ت:١٠٥) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]: «إن العربَ إذا اشتدَّ القتالُ فيهم والحربُ، وعَظُمَ الأمرُ فيهم، قالوا لِشِدَّةِ ذلك: قد كشفتْ الحربُ عن ساقٍ، فذكرَ اللهُ شِدَّةَ ذلك اليوم بما يعرفون» (٦).
стр. 90
٦ - وورد عن الحسنِ البصريِّ (ت:١١٠) في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] أنه قال: «كان واللهِ سَرِيًّا [يعني: عيسى].
فقال له خالدُ بنُ صفوان (١): يا أبا سعيد، إنَّ العربَ تسمي الجدولَ: السَّرِيَّ. فقال: [أي: الحسن]: صدقت» (٢).
والسَّريُّ بمعنى: السَّيدُ الشَّريفُ واردٌ في لغة العربِ، قال نشوان الحِمْيَرِي (ت:٥٧٣): «والسَّرَاة: جمعُ سَرِيٍّ، وهو الفاضلُ» (٣).
وأمَّا المعنى الآخرُ للسَّرِيِّ، وهو النَّهْرُ، فقال أبو بكر بن دريد الأزديُّ (ت:٣٢١): «والسَّرِيُّ: النَّهْرُ، هكذا فُسِّرَ في التَّنْزيل» (٤).
والأمثلة الواردة عنهم في هذا كثيرة (٥)، والله الموفقُ.
стр. 91
الأسلوب الثاني
أسلوبُ الوجوه والنَّظائر
ظَهَرَ لهذا العلم تسميتان:
الوجوهُ والنَّظائرُ.
والأشباهُ والنظائرُ.
والغالبُ من هاتين التَّسميتين التَّسميةُ الأولى (١)، ولم أجدْ منْ عرَّفَ مصطلحَ الأشباهِ عند من ذكره، كما لم أجدْ له ذكراً في تطبيقاتِ هذه الكتبِ التي ذكرته (٢)، وإنما الموجودُ لفظُ الوجوه، ولفظُ النَّظائرِ، ومرادفاتُ لفظِ
النَّظائرِ، ولما كان الأمر كذلكَ، فإنِّي رجعتُ إلى كتبِ اللُّغةِ؛ لمعرفةِ معنى الأشباهِ، وهل بينه وبين النَّظائرِ فرقٌ في المعنى.
الأشباهُ والنَّظائرُ في اللُّغةِ:
ورد في القاموسِ المحيطِ: «الشِّبهُ ـ بالكسرِ والتحريكِ وكأميرٍ ـ: المِثْلُ، والجمعُ: أشباهٌ» (١).
وقال الزَّبيديُّ (ت:١٢٠٥) في شرحه: «النَّظيرُ ـ كأميرٍ ـ والمُنَاظِرُ: المَثِيلُ والشَّبِيهُ في كلِّ شيءٍ، يقال: فلانٌ نَظِيرُكَ؛ أي: مِثْلُكَ؛ لأنَّه إذا نَظَرَ إليهما النَّاظِرُ رآهما سواءً» (٢).
وقال: «والنَّظَائِرُ: الأفَاضِلُ والأمَاثِلُ؛ لاشْتِبَاهِ بعضهم ببعضٍ في الأخلاقِ والأفعالِ والأقوالِ» (٣).
ومن هذا يتبينُ أنَّ لفظيْ الأشباهِ والنَّظَائرِ يأتيان في اللُّغة لمعنىً واحدٍ، ولَمَّا لَم يتبينْ مرادُ من أطلقَ الأشباهَ والنَّظائرَ على هذا العلمِ، فإنَّ اللُّغةَ تُحَكَّمُ في هذا، ويكونُ معنى الأشباهِ هو معنى النَّظائرِ.
الوجوهِ والنَّظائر في الاصطلاح:
غلبَ هذا المصطلحُ على المؤلَّفات التي كُتِبَتْ في هذا العلمِ، وقد اختلفَ العلماءُ في بيانِه (٤)، ولما لم يكنْ تحريرُ هذا الخلافِ من صلبِ
стр. 94
البحثِ، فإنِّي قد حَرَصْتُ على استقراءِ أوَّلِ كتابٍ فيه: كتابِ مقاتلِ بنِ سليمانَ البلخيِّ (ت:١٥٠) (١)، حتى أتبينَ منه المرادَ بهذا المصطلحِ؛ لأنَّ من كتبَ بعده في هذا العلمِ عَالَةٌ عليه، وإذا ظهرَ بهذا المصطلحِ، فإنه يُحتكمُ إليه، ويُصحَّحُ ما خالفَه من التَّعريفاتِ التي ذكرها العلماءُ.
وبعدَ استقراءِ كتاب مقاتلٍ (ت:١٥٠)، ظهرَ لي مرادُه بعلمِ الوُجُوهِ والنَّظائِر، وإليك هذا المثال الذي يتبيَّنُ منه مرادُه بالوجوه والنَّظائرِ:
* قال مقاتل (ت:١٥٠): «تفسيرُ الحسنى على ثلاثةِ أوجهٍ:
فوجهٌ منها: الحسنى؛ يعني: الجنَّةَ، فذلك قولُه في يونسَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]؛ يعني: الذين وَحَّدُوا لهم الحسنى؛ يعني: الجنَّةَ، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]؛ يعني: النَّظرَ إلى وجهِ اللهِ.
ونَظِيرُها في النَّجمِ، حيثُ يقولُ: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]؛ يعني: بالجنَّةِ، وكقولِه في الرحمنِ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] يقول: هلْ جزاءُ أهلِ التَّوحيدِ إلا الجنَّةَ.
стр. 95
الوجه الثاني: الحسنى؛ أي: البنون، فذلك قول الله تعالى في النَّحْلِ: ﴿لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ [النحل: ٦٢] (١)؛ أي: البنون.
والوجه الثالث: الحسنى؛ يعني: الخيرَ، فذلك قولُه في براءة: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧] يقولُ: ما أردنا ببناء المسجدِ إلاَّ الخيرَ (٢).
ونظيرها في النساءِ: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] (٣)، يعني: الخير» (٤).
تحليلُ هذا المثالِ:
١ - إنَّ مقاتلَ بنَ سليمان (ت:١٥٠) جعلَ لفظَ الحسنى في القرآن على ثلاثةِ وجوهٍ: (الجنَّة، والبنون، والخير)، وهذه الوجوهُ معانٍ مختلفةٌ لهذه اللَّفظةِ.
٢ - وإنه يكفي في الوجوه اتفاقها في المادَّةِ، وإن لم تتفقْ في صورةِ اللَّفظِ؛ كالحسنى والإحسان.
٣ - وإنه في الوجه الأولِ فَسَّرَ الحسنى في آيةِ يونسَ بأنها الجنَّة، ثمَّ جعل الحسنى في آية سورةِ النَّجمِ نظيرةً لآيةِ سورةِ يونس.
وفسَّرَ الحسنى في آية سورة براءة بأنها الخير، ثُمَّ جعلَ الحسنى في آية سورة النِّساء نظيرةً لها، فهما موضعان مختلفان من القرآنِ، لكنهما اتفقا في
стр. 96
مدلولِ اللَّفظةِ، وهذا يعني أنَّ تماثلَ المدلولِ في الآيتينِ هو النظائرُ (١).
٤ - وإنه لم يذكر في الوجه الثاني نظيراً للآيةِ، وهذا يعني أنَّه لا يلزمُ أن يكونَ في كلِّ وجهٍ من الوجوهِ نظائرُ من الآيات.
ومن هذا الموضع المنقولِ عن مقاتلٍ (ت:١٥٠) يتحرَّرُ مصطلحُ الوجوهِ والنَّظائرِ، ويكونُ كالآتي:
الوجوهُ: المعاني المختلفةُ لِلَّفظةِ القرآنيةِ في مواضعِها من القرآنِ.
والنَّظَائِرُ: المواضعُ القرآنيةُ المتعدِّدَةُ للوجهِ الواحدِ التي اتفقَ فيها معنى اللَّفظِ، فيكون معنى اللَّفظ في هذه الآية نظيرَ (أي: شبيه ومثيل) معنى اللَّفظ في الآيةِ الأخرى، واللهُ أعلمُ.
بداية الكتابة في هذا العلم:
برزتْ كتبُ هذا العلمِ في عهد أتباعِ التَّابعينَ، وقدْ كتبَ فيه منهم:
١ - مقاتلُ بنُ سليمانَ البلخيُّ (ت:١٥٠)، وكتابه: الوجوه والنَّظائر.
٢ - أبو عليِّ الحسينُ بنُ واقدٍ المروزيُّ (ت:١٥٩) (٢)، وكتابه: وجوه القرآن (٣).
стр. 97
٣ - هارونُ بن موسى الأعورُ (ت:١٧٠ تقريباً) (١)، وكتابه: الوجوه والنَّظائر.
٤ - يحيى بنُ سلامٍ (ت:٢٠٠)، وكتابه: تفسيرُ القرآن مما اشتبهت أسماؤه وتصرَّفت معانيه، وقد عَنْوَنَتْ له المحقِّقَةُ بعنوان (التَّصاريف) بناءً على ما جاء في أول ورقة من المخطوطِ.
علاقةُ الوجوهِ والنَّظائر بالتَّفسير اللُّغويِّ:
يظهر من كُتبِ هذا العلمِ أنَّ البحثَ فيه يتعلَّقُ بالنَّصِّ القرآنيِّ مباشرةً، حيثُ يستنبطُ المفسِّرُ معانيَ الوجوهِ والنَّظائرِ من الآيات مباشرةً، ويقتنصُها من السِّياقِ القرآنيِّ الذي وردت فيه اللَّفظةُ، ولذا كثُرتْ عندهم الوجوهُ في بعضِ الألفاظِ بسببِ النَّظرِ إلى الاستعمالِ السِّياقيِّ، دون الاقتصارِ على أصلِ المدلولِ اللُّغويِّ (٢).
وعند بحثِ علاقةِ الوجوهِ والنَّظائرِ القرآنيَّةِ باللُّغةِ، فإنَّ الأمرَ فيه جانبانِ مرتبطانِ باللُّغةِ:
стр. 98
الأولُ: الأصلُ الجامعُ لمعنى اللَّفظِ في لغةِ العربِ، ومعرفةُ علاقةِ هذه الوجوهِ بهذا الأصلِ (١).
الثاني: أنَّ بعضَ هذه الوجوهِ تكونُ دلالاتٍ لغويَّةً مباشرةً، وقد تتعدَّدُ الوجوهِ بتعدُّد هذه الدلالاتِ، والنَّظرُ في ذلكَ يرجعُ إلى استعمالِ العربِ حسبما قرَّرهُ أهلُ اللُّغةِ.
وإذا وُجِدَ في كُتبهم شيءٌ من الوجوهِ لا يوجدُ له دلالةٌ مباشرةٌ في كتبِ أهل اللُّغةِ، فإنَّ هذا لا يعني خروجَه عن اللُّغةِ (٢)، ولكنْ يُلْحَظُ أنَّهُ لا بدَّ من وجودِ ارتباطٍ بينه وبينَ أصلِ المعنى اللُّغويِّ.
وسأذكر من الأمثلةِ ما يوضِّحُ ذلكَ:
* قال مقاتل (ت:١٥٠): «تفسيرُ اللَّبسِ على أربعةِ وجوهٍ:
فوجهٌ منها: يلبسونَ؛ يعني: يخلِطونَ، فذلكَ قوله في البقرةِ: ﴿وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢]؛ يعني: لا تخلِطوا. ونظيرها في آل عمرانَ: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران: ٧١]؛ يعني: لمَ تخلِطونَ، كقوله في الأنعامِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]؛ يعني: لم يخلِطوا الإيمانَ بالشِّرك.
والوجه الثاني: اللِّباسُ؛ يعني: سَكَنٌ (٣)، فذلك قوله في البقرة: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، يقول: نساؤكم سكنٌ لكم. ﴿وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾؛ يعني: سكنٌ لهنَّ؛ كقولِه في الفرقانِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [الفرقان: ٤٧]؛ يعني: سكناً، نظيرُها في عمَّ يتساءلونَ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠]؛ يعني: سكناً.
стр. 99
والوجهُ الثالثُ: اللِّباسُ؛ يعني: الثِّياب الَّتي تُلبَسُ، فذلك قوله في الأعراف: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ يعني: الثياب.
وقال في حم الدُّخان: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الدخان: ٥٣]؛ يعني: الثياب.
والوجهُ الرابعُ: يعني العملَ الصالحَ، كذلك (١) قوله في الأعرافِ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ يعني: العمل الصالح» (٢).
تحليلُ هذه الوجوه:
١ - أصلُ مادةِ «لبس» يدلُّ على مخالطةٍ ومداخلةٍ، كما قاله ابن فارسٍ (ت:٣٩٥) (٣)، والوجه الأولُ من الوجوه التي ذكرها مقاتلٌ (ت:١٥٠) جاءَ على أصلِ مادَّةِ اللَّفظِ.
٢ - غلبَ إطلاقُ لفظِ اللِّباسِ على الثِّيابِ الملبوسةِ، فصارَ شيوع هذا المعنى أشبهَ بأن يكونَ أصلَ المادَّةِ (٤)، وإن كانَ في حقيقتِه يعودُ إلى معنى المخالطةِ والمداخلةِ، وعلى هذا المعنى المشهورِ جاء تفسيرُ الوجه الثالثِ من الوجوه التي ذكرها مقاتلٌ (ت:١٥٠).
٣ - أمَّا الوجه الثَّاني والرَّابع، فإنه نحى به إلى التَّفسيرِ على المعنى، ولم يبيِّنْ مدلولَ اللَّفظِ المباشرِ، وإن كانَ يعودُ إلى أصلِ المادَّةِ الدَّالِّ على الاختلاطِ، وهو ألصقُ بالمدلولِ المشهور في المادَّةِ، وهو اللِّباسُ.
стр. 100
فقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] فيه تشبيهٌ للزوجينِ باللِّباسِ، لشدَّةِ مخالطتهما فيما بينهما، كما قال الشاعر (١):
إذا ما الضَّجِيعُ ثَنَى جيدَهَا ... تَدَاعَتْ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاساً
وتفسيرُه اللِّباسَ في هذه الآية بأنه السَّكنُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من الزوجينِ يسكنُ إلى صاحبِه؛ كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]، فكأنَّه نظرَ إلى هذه الآيةِ ففسَّرَ اللِّباسَ بالسكنِ، وهو تفسيرٌ لا يَخْرُجُ عن معنى المُخالطةِ، لأنَّ الساكنَ مخالطٌ لمسكنِه.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [الفرقان: ٤٧] ونظيره من سورة النَّبأ، هو من بابِ تشبيهِ الليلِ باللِّباسِ الذي يستُرُ الإنسانَ؛ أي أنَّ اللِّباسَ كما يسترُ جسمَ الإِنسانِ، فكذلك اللَّيل يسترُ الإنسانَ.
وتفسيرُه اللِّباسَ في هاتينِ الآيتينِ بأنه «السكنُ»، كأنَّ فيه إشارةً إلى تفسيرِها بما وردَ في قوله تعالى: و ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦]، وغيرها من الآياتِ الدَّالَّةِ على هذا المعنى الذي لا يَخْرُجُ ـ أيضاً ـ عن معنى المخالطةِ، لأنَّ اللَّيلَ يختلطُ بالإنسانِ ويغطِّيه، فيكون له كاللِّباسِ الذي يلبسُه.
وأما تفسيرُه قولَه تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦] بأنه العملُ الصالحُ، فهو تفسيرٌ على المعنى؛ لأنَّ المرادَ بلباسِ التقوى استشعارُ النَّفسِ تقوى الله، في الانتهاء عمَّا نهى الله عنه، وإتيان ما أمر الله به، وذلكَ يجمعُ الإيمانَ والعملَ الصالحَ (٢)، فتلبُّسُه بهذا يدلُّ على المخالطةِ منه لهذه الأمورِ،
стр. 101
حتى كأنها عليهِ كاللِّباسِ الذي يلبسُه، فكما يظهر أثرُ لباسهِ عليه، يظهرُ عليه أثرُ التقوى بعمل الطَّاعات واجتنابِ المنهيَّاتِ، وما يلحقُ ذلكَ من حُسنِ السَّمتِ والحياءِ وغيرِها من أخلاقِ الإيمانِ.
* وقال مقاتلٌ (ت:١٥٠): «تفسيرُ الحِسَّ على أربعةِ أوجهٍ:
فوجهٌ منها: أَحَسَّ؛ يعني: رَأَى، فذلك قولُه في آل عمرانَ: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، كقولِه في الأنبياء: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَاسَنَا﴾ [الأنبياء: ١٢] يقولُ: فلمَّا رَأَوا عذابَنا، وكقولِه في مريم: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨]، يقول: هلْ تَرَى مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ؟
والوجه الثَّاني: الْحَسُّ؛ يعني: القَتْلَ، فذلك قولُه في آلِ عمرانَ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]؛ يعني: إذ تقتلونهم.
والوجه الثَّالث: الحس؛ يعني: البَحْثَ، فذلك قولُه في يوسفَ: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧].
والوجه الرابع: الحسُّ؛ يعني: الصَّوتَ، فذلك قولُه في الأنبياء: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾؛ يعني: صوتَها، ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٢]» (١).
تحليل هذه الوجوه:
مادةُ «حَسَّ» ترجعُ إلى أصلينِ لُغويَّين، كما قاله ابن فارسٍ (ت:٣٩٥):
стр. 102
«الأولُ: غلبةُ الشيء بقتلٍ أو غيرِه. والثاني: حكايةُ صوتٍ، عند توجُّعٍ وشبهِه» (١).
وإذا تأمَّلتَ هذه الوجوهَ المفسَّرةَ وجدتَها ترجعُ إلى هذين الأصلين، كما تجدُها ـ مع هذا التَّفسيرِ السِّياقي ـ مدلولاتٍ لغويةً لهذا اللَّفظِ، وبهذه المعاني الأربعةُ فَسَّرَ اللُّغويون هذه الآيات. فقد جاء في تهذيب اللغة: «قال ابن المظفر (٢): الحَسُّ: القتلُ الذريعُ (٣)، وفي القرآن: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: تقتلونهم قتلاً شديداً كثيراً ...
وقال أبو إسحاق [يعني: الزَّجَّاج] في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] معناه: تستأصلونهم قتلاً، يقالُ: حَسَّهم القائد، يَحُسُّهم: إذا قتلهم (٤).
وقال الفراءُ: الحَسُّ: القتلُ والإفناءُ هاهنا (٥) ... وقال الفراءُ في قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٢٥]، وفي قولِه: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨]، معناه: فلمَّا وَجَدَ عيسى. قال: والإحساسُ: الوجودُ، تقولُ في الكلامِ: هَلْ أَحْسَسْتَ منهم مِنْ أَحَدٍ (٦)؟.
قال الزجَّاج (٧): معنى أحسَّ: عَلِمَ وَوَجَدَ في اللغةِ. قال: ويقال: هل
стр. 103
أَحْسَسْتَ صاحبك؟ أي: هلْ رأيتَهُ؟ (١) ...
وقوله : ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢]؛ أي: لا يسمعون حِسَّهَا وحركةَ تَلَهُّبِها. والحَسِيسُ والحِسُّ: الحركةُ، وقولُه: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨]، معناه: هلْ تبصر؟ هل ترى؟ ...
قال الليث [يعني: ابن المظفر] في قوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢]؛ أي: رأى (٢)» (٣).
* وقال مقاتلٌ (ت:١٥٠): «تفسيرُ الطَّاغوتِ على ثلاثةِ وجوهٍ:
فوجهٌ منها: الطَّاغوتُ: يعني به الشيطان، فذلك قوله في البقرةِ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، نظيرُها في النساءِ، حيثُ يقولُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦]؛ يعني: في طاعةِ الشَّيطانِ، ونظيرُها أيضاً في المائدةِ، حيثُ يقولُ: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]؛ يعني: الشيطان.
والوجه الثاني: الطَّاغوتُ؛ يعني: الأوثانَ التي تُعبدُ من دون الله، فذلك قولُه في النَّحلِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]؛ يعني: اجتنبوا عبادة الأوثانِ، ونظيرُها في الزُّمرِ، حيثُ يقولُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧]؛ يعني: الَّذينَ اجتنبوا عبادة الأوثانِ، وأنابوا إلى ربِّهم.
والوجه الثالثُ: الطَّاغوتُ؛ يعني: كعبَ بنَ الأشرفِ اليهوديَّ، فذلك
стр. 104
قوله في البقرة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]؛ يعني: كعب، ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النَّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾.
نظيرُها في النساء، حيثُ يقولُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ٥١]؛ يعني: اليهود، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾؛ يعني: كعبَ بن الأشرفِ» (١).
تحليل هذه الوجوه:
إذا نظرتَ إلى هذه التفسيراتِ التي ذكرها لِلَفْظِ الطَّاغوتِ، وجدتها تفاسيرَ على المعنى، نظرَ فيها إلى سياقاتِ الآي ففسَّر بها، ولم يُعرِّجْ على أصلِ اللَّفظِ ومعناه في اللُّغةِ.
والطَّاغوتُ مأخوذٌ من مادَّةِ «طغى»، وهذه المادَّةُ لها أصلٌ واحدٌ، وهو مجاوزةُ الحَدِّ (٢)، فكلُّ شيءٍ تجاوز به المرءُ الحدَّ، فقد طغى به، قال الرَّاغبُ الأصفهانيُّ (ت: بعد ٤٠٠): «الطَّاغوتُ: عبارةٌ عن كلِّ متعدٍّ، وكلِّ معبودٍ من دونِ اللهِ» (٣).
وإذا تأمَّلتَ هذه الوجوه الثلاثَةَ التي ذكرَها مقاتلٌ (ت:١٥٠)، وجدتها ترجِعُ إلى هذا المعنى الذي ذكره الراغبُ (ت: بعد ٤٠٠)، والله أعلم.
وهذه الأمثلةُ وغيرُها تُبَيِّنُ أنَّ كتبَ الوجوهِ والنَّظائرِ تَنُصُّ على المعنى اللُّغويِّ إذا كانَ مراداً في الآيةِ، كما تُكثِرُ من ذِكْرِ المعنى الاستعمالي [أي: المناسب للسياق]، ولا يكونُ فيه ـ في الغالبِ ـ خروجٌ عن المعنى اللُّغوي، كما ظهرَ في التَّمثيلِ السَّابقِ، والله أعلم.
стр. 105
كُلِّيَّات الألفاظِ القرآنيَّة:
المرادُ بكلِّيَّات الألفاظِ القرآنيَّةِ = ما يُصَدِّرُ به المفسِّرونَ تفسيرَ بعضِ الألفاظِ بقولِهم: كُلُّ ما في القرآنِ من كذا، فهو كذا، وهذا هو الغالبُ في التَّعبيرِ عن كليَّاتِ القرآنِ، وقد يردُ التَّعبيرُ عنها بغير لفظِ «كل»، مثل: ما ورد في القرآن من كذا، فهو كذا، ولهم في ذكرِها طريقتان:
الأولى: أنْ ينُصُّوا على انخرامِ الكُلِّيَّةِ في اللَّفظِ المفسَّرِ، ومثالُ ذلك ما قاله ابن فارس (ت:٦٩٥): «ما في القرآنِ من ذِكْرِ البعلِ فهو الزوجُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، إلا حرفاً واحداً في الصَّافَّاتِ: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ [الصافات: ١٢٥]، فإنه أراد صنماً» (١).
وبتأملِ هذا النوعِ من الكلياتِ يظهرُ أنه مندرجٌ في الوجوهِ والنَّظائرِ، غيرَ أنه هاهنا لا يكونُ لِلَّفظةِ إلا معنيانِ، أحدُهما هو المطَّرِدُ في مواضعِ اللَّفظةِ من القرآنِ، والآخرُ يكونُ في موضعٍ أو موضعينِ. وعندَ حكايةِ ما ذكرَهُ ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥) على أسلوبِ الوجوهِ والنظائرِ، فإنه يكونُ كالآتي:
البعل، له في القرآنِ وجهان:
الأولُ: الزَّوجُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ونظيرُها قولُهُ تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، ونحوُها.
الثاني: صنمٌ، وهو قولُه تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ [الصافات: ١٢٥]؛ أيْ: صنماً.
وعلى هذا الأسلوب، صار لِلَفظِ البعلِ وجهانِ، وللوجه الأولِ نظائرٌ، وهذا الأسلوبُ في الكليَّةِ المنخرمةِ غيرُ موجودٍ عند السَّلفِ، بل هو موجودٌ عندهم على أسلوب الوجوه والنَّظائر.
الثانية: أن لا ينصوا على انخرامِ الكليةِ، وهذا يحتاجُ إلى تتبع معنى اللَّفظةِ في كلِّ القرآن، وأن تكون بمعنىً واحدٍ في كلِّ هذه المواضع، فإذا كانت كذلك، فإنها تكون كلِّيةً تامَّةً غيرَ مُنْخَرِمَةٍ، ويمكنُ أنْ يصبحَ هذا
стр. 106
المعنى مصطلحاً قرآنيًّا (١)؛ أي أنَّه أينما وردَ هذا اللَّفظُ في موضعٍ من القرآنِ، فإنه لا يحتملُ غيرَ هذا المعنى.
ومن الأمثلةِ الواردةِ عن السَّلفِ في ذلك: لفظ «أليم»، قال الضَّحَّاكُ (ت:١٠٥): «كلُّ شيءٍ في القرآن من الأليمِ فهو الموجعُ» (٢). وقد وَرَدَتْ هذه اللَّفظة في القرآن اثنتين وسبعين مرةً، وَوَرَدَتْ بصيغةِ: تألمون ويألمون ثلاثَ مراتٍ (٣).
وهذا المعنى الذي جعله الضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) معنًى كُلِّيًّا لهذه اللَّفظةِ، هو المعنى اللُّغويُّ لها. قال ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الهمزة واللام والميم: أصلٌ واحدٌ، وهو الوجعُ» (٤).
وبناءً على قولِ الضَّحَّاكِ (ت:١٠٥)، فإنَّ هذه الكلمةِ أينما وُجِدَتْ في القرآنِ، فإنها بمعنى الألمِ، ومما يلاحظُ على هذا المعنى أنه هو المعنى اللُّغويُّ الوحيدُ لهذه اللَّفظةِ.
ومن هذا البيان يظهرُ أنَّ الكلِّيَّةَ التَّامَّةَ في الألفاظ القرآنيَّةِ بحثٌ يقابلُ الوجوهَ والنَّظائرَ؛ لأنَّ كتبَ الوجوهِ والنَّظائرِ تذكرُ اللَّفظَ الذي يكونُ له أكثرُ من وجهٍ دونَ غيرِهِ، والكُّلِّياتُ التَّامَّةُ يُذكرُ فيها اللَّفظُ الذي له معنًى واحدٌ.
стр. 107
ومما وردَ عنِ السَّلفِ منْ كُلِّيَّات في الألفاظِ القرآنيَّةِ ما يلي:
١ - عن مجاهدٍ (ت:١٠٤) قال: «كُلُّ ظَنٍّ في القرآنِ فهو علمٌ»، وفي روايةٍ: «يقين» (١).
هذا المعنى الذي ذكره مجاهدٌ (ت:١٠٤) للفظةِ الظَّنِّ هو أحدُ المعاني اللُّغويَّةِ لهذا اللفظِ، قالَ ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الظَّاءُ والنُّونُ: أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على معنيين مختلفين: يقينٍ وشكٍّ.
فأمَّا اليقينُ، فقولُ القائلِ: ظَنَنْتُ ظَنًّا؛ أي: أَيْقَنْتُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] أرادَ ـ والله أعلمُ ـ: يوقنونَ، والعربُ تقولُ ذلك وتعرفُه، قال شاعرُهُم (٢):
فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ
سَرَاتُهُمْ فِي الفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ
أرادَ: أَيْقِنُوا، وهو في القرآن كثير» (٣).
٢ - وعنْ سعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤) قالَ: «كُلُّ شيءٍ في القرآنِ إفكٌ فهو كَذِبٌ» (٤).
وهذا الذي ذكرَه سعيدُ (ت:٩٤) هو المعنى اللُّغويُّ لهذه اللفظةِ.
قال ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الهمزة والفاء والكاف: أصلٌ واحدٌ يدلُّ على قلبِ الشَّيءِ عن جهتِهِ، يقال: أَفِكَ الشَّيءُ، وأَفِكَ الرجلُ: إذا كذب. والإفكُ: الكذبُ ...» (٥).
وبهذا تظهر علاقةُ هذينِ العلمينِ (الوجوه والنظائر، وكليات الألفاظ القرآنية) بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ، وأنَّ المفسِّرَ الذي يسلكُ هذا السَّبيلَ لا بُدَّ أنْ يكونَ معتمداً على اللُّغةِ، وإن لم يَنُصَّ على ذلك، والله أعلم.
стр. 108
ثانياً: التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغوِيين
وفيه:
القسم الأوَّلُ: المشاركةُ غيرُ المباشرةِ في تفسيرِ القرآنِ.
القسم الثاني: المشاركةُ المباشرةُ في تفسيرِ القرآنِ.
стр. 109
تمهيد
اللغويون: هم المشتغلون بجمعِ ألفاظِ العربِ ومعرفةِ دلالتِها واشتقاقِها وتصريفِها، ومعرفةِ أساليبِها في الخطابِ، والاستدلالِ لذلك بلغةِ العربِ من شعرٍ أو نثرٍ (١).
стр. 110
وبتَتبُّع تراجم اللُّغويِّين وفهارس كتبهم، ظهرَ أنهم برزوا في القرنِ الثَّاني الهجريِّ، وكانَ ظهورُهم إيذاناً ببروزِ هذا التَّخصُّصِ العلميِّ الذي لم يكنْ ينسبُ قبلهم إلى أعلامٍ في جيلِ الصَّحابةِ والتَّابعين، أي أنك لا تكادُ تجدُ في هذين الجيلينِ من وصفَ بأنه فلانٌ اللُّغويُ (١).
وإنما تَجدُ في جيلِ الصَّحابةِ من عُرفَ بسعةِ علمِه بأشعارِ العربِ وأيَّامِها وأنسابِها؛ كأبي بكر الصِّديق، وابنتِه عائشة ﵄.
وتجد في جيل التَّابعينَ منْ يوصفُ بالفصاحةِ في المنطقِ، وعدمِ الوقوعِ في اللَّحْنِ؛ كأبي الأَسْوَدِ ظالم بن عمرو الدُّؤْلِيِّ (ت:٦٩) (٢)، وزِرِّ بنِ حُبيشٍ الأسديِّ (ت:٨٣) (٣)،