ومن الثاني: قولُه تعالى في البقرةِ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة: ١٦٦، ١٦٧]، وفي الأعرافِ: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٩٠]، وفي إبراهيم: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]، وفي الشعراء: ﴿وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].
ولا يصحُّ هذا التَّقسيم إلاَّ أن تقولَ: إنَّ الإتْبَاعَ بالتَّخفيفِ والتَّشديدِ بمعنًى واحدٍ» (١).
стр. 177
المسألة السادسة
التَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ
إذا تأمَّلتَ المؤلفاتِ التي كَتَبَهَا اللُّغويُّون في البحثِ اللُّغويِّ والقرآنيِّ، وجدتَ أنها ظهرتْ في البصرةِ والكوفةِ (١)، وهاتان القريتانِ كانتا منشأ البحثِ النَّحويِّ الذي كان قد سبق البحثَ اللُّغويَّ.
وإذا قرأتَ في تراجمِ علماءِ العربيَّةِ في هاتين المدينتين، وجدتَ بينهم منافسةً علميةً في البحثِ والكتابةِ، ووجدتَ أنَّ علماءَ البصرةِ كانوا السَّابقينَ في التَّأليفِ النَّحويِّ بكتابِ سيبويه (ت:١٨٠) (٢)، وفي التَّأليفِ اللُّغويِّ بكتابِ النَّوادرِ، لأبي عمرِو بنِ العلاءِ (ت:١٤٥)، وفي البحثِ اللُّغويِّ القرآنيِّ بكتابِ مجازِ القرآنِ، لأبي عبيدةَ (ت:٢١٠) (٣).
وقدْ كانَ لعلماءِ هاتين المدينتين منهجُهم في البحثِ النَّحويِّ، ولا يبعدُ
стр. 178
أنْ يكونَ له أثرٌ في البَّحث اللُّغويِّ، خاصةً أنَّ كثيراً منْ علمائهما نحويٌّ لغويٌّ في آنٍ واحدٍ.
وهذا الاختلافُ بينهم قد يفسرُ نَقْدَ الفرَّاءِ الكوفيِّ (ت:٢٠٧) لأبي عبيدةَ البصريِّ (ت:٢١٠)، حيثُ قالَ: «لو حُمِلَ إليَّ أبو عبيدةَ، لضربتُه عشرين في كتابِ المجازِ» (١). ويظهرُ أنَّ هذا القولَ إنما خرجَ بسببِ المنافسةِ التي كانت بين الفريقين، وهذا النَّقد ـ كما ترى ـ مجملٌ، ولم يتبينْ فيه سببِ نقدِ الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) لكتابِ مجازِ القرآنِ، وهو لما ألَّفَ كتابه في معاني القرآنِ كانَ فيه أكثرَ بُعْداً عن التَّفسيرِ من أبي عبيدةَ (ت:٢١٠)، والله أعلم.
стр. 179
الباب الثاني
مصادر التفسير اللغوي
وفيه:
المصدرُ الأوَّلُ: كتبُ التَّفسيرِ.
المصدرُ الثاني: كتبُ معاني القرآنِ.
المصدرُ الثالثُ: كتبُ غريبِ القرآنِ.
المصدرُ الرابعُ: كتبُ معاجمِ اللُّغةِ.
المصدرُ الخامسُ: كتبٌ أخرى لها علاقة بالتفسير اللغوي.
стр. 180
المصدرُ الأوَّلُ
كتبُ التَّفسيرِ
وفيه:
أولاً: جَامِعُ البَيَانِ عَن تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ، للطبري.
ثانياً: الجامع لعلم القرآن، للرماني.
ثالثاً: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية.
стр. 181
مصادر التفسير اللغوي
المصَادِرُ: جمعُ مصدرٍ، والمصدرُ: ما يصدرُ عنه الشَّيءُ (١)، ويسمَّى الموضعُ: المصدر (٢)؛ لأنَّ الشَّيءَ يصدر عنه؛ أي: يخرج منه إلى غيره.
ومصادرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ: الكتبُ التي هي موضعٌ له، وعنها يصدرُ.
ويمكنُ تقسيمُ مصادرِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ إلى عِدَّةِ مصادرَ:
١ - المصدرُ الأوَّلُ: كتبُ التَّفسيرِ.
٢ - المصدرُ الثاني: كتبُ معاني القرآنِ.
٣ - المصدرُ الثالثُ: كتبُ غريبِ القرآنِ.
٤ - المصدرُ الرابعُ: كتبُ معاجمِ اللُّغةِ.
٥ - المصدرُ الخامسُ: كتبٌ أخرى لها علاقة بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ.
وتختلفُ هذه المصادرُ في عرضِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ، كما سيظهرُ من استعراضِه فيها، وقد انتهجتُ في بحثِ هذه المصادرِ النَّهج الآتي:
* سأذكرُ في كلِّ مصدرٍ ثلاثةَ أمثلةٍ من الكتبِ.
* سأُبَيِّنُ في هذه الكتبِ صُوراً من التَّفسيرِ اللُّغويِّ الذي سارَ عليه مؤلفُ الكتابِ، وسأحرصُ على أن تكونَ الأمثلةُ المذكورةُ لها أثرٌ في المعنى والتَّفسيرِ.
* سيكون سَيرُ هذه المباحثِ في أغلبِ هذا البابِ على المنهجِ الوصفيِّ؛ لأنَّ المنهجَ التحليليَّ يحتاجُ إلى أكثرَ من هذا البابِ، والله الموفقُ.
стр. 182
المصدرُ الأول
كتب التفسير
كتبُ التَّفسيرِ أكبرُ من أنْ تُحْصَرَ في هذه الجزئيةِ من البحثِ، وإنَّما المرادُ هنا التَّمثيلُ للتَّفسيرِ اللُّغويِّ في بعضِها.
وقدْ كتبَ في التَّفسيرِ أعلامٌ من القرنِ الأوَّلِ؛ كسعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤) ومجاهدِ بنِ جبرٍ (ت:١٠٤).
وكتبه من أعلامِ القرنِ الثّاني: إسماعيلُ السُّدِّيُّ (ت:١٢٨)، مقاتلُ بنُ سليمانَ البلخيُّ (ت:١٥٠)، وعبدُ الملكِ بنُ جُرَيجٍ (ت:١٥٠)، ومالكُ بنُ أنسٍ الأصبحيُّ (ت:١٧٩)، ويحيى بنُ سلامٍ (ت:٢٠٠).
ومنْ أعلامِ القرنِ الثَّالثِ: عبدُ الرَّزَّاقِ الصَّنعانيُّ (ت:٢١٠)، وآدمُ بنُ أبي إياسٍ (ت:٢٢٠) (١)، وأحمدُ بنُ حنبلٍ (ت:٢٤١)، وعبدُ بنُ حميدٍ الكشيُّ (ت:٢٤٩) (٢).
ومنْ أعلامِ القرنِ الرَّابعِ: محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ (ت:٣١٠)، ومحمدُ بنُ
стр. 183
إبراهيمَ بنُ المنذرِ (ت:٣١٩)، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي حاتم (ت:٣٢٧)، وغيرهم.
وكانَ يغلبُ على هذه الكتاباتِ الاهتمامُ بنقلِ ما رُوِيَ عنِ السَّلفِ الكرامِ، دونَ العنايةِ بنقدِ الأقوالِ المذكورةِ في التَّفسيرِ، سوى ما كتبه يحيى بنُ سلامٍ (ت:٢٠٠) (١)، وابنُ جريرٍ الطبريُّ (ت:٣١٠).
ولَمَّا شاركَ في علمِ التَّفسيرِ علماءُ برزوا في علمٍ من العلومِ التي تحدَّدتْ معالِمُها؛ كعلمِ النحوِ، وعلمِ البلاغةِ، وعلمِ الفقهِ، وغيرِها، صَبَغُوا تفاسيرَهم بهذهِ العلومِ التي برزوا فيها؛ كما فعلَ الزمخشريُ (ت:٥٣٨) في تفسيرِه: (الكشافِ عنْ حقائقِ التَّنْزِيلِ وعيونِ الأقاويلِ في وجوهِ التَّأويلِ)، الذي صبغَهُ بالاتجاهِ البلاغيِ.
وكُتُبُ التَّفسيرِ لا يمكنُ أنْ تخلوَ من التَّفسيرِ اللُّغويِّ، وإنما التَّمَايُزُ بينها في طريقةِ عرضهِ، وقِلَّتِهِ وكثرتِهِ، ومدى استفادةِ المفسِّرِ من لغةِ العربِ في بيانِ معانِي كلامِ اللهِ سبحانَهُ.
وسأذكر ثلاثة أمثلة من كتب التَّفسير، وهي:
جامع البيان عن تأويل آي القرآنِ، للطبري (ت:٣١٠)، والجامع لعلم القرآنِ، للرُّمَّانيِّ (ت:٣٨٢)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (ت:٥٤٢)، وسأُبيِّن فيها صُوَرَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ الذي سلكَهُ المُفَسِّرُ في تفسيرِهِ.
стр. 184
أولاً جَامِعُ البَيَانِ عَن تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ
أملى الإمامُ أبو جعفرٍ محمدُ بنُ يزيدٍ الطبري (ت:٣١٠) على تلاميذِه كتابَ التفسيرِ من سنةِ ثلاثٍ وثمانينَ ومائتينِ إلى سنةِ تسعينَ ومائتينِ (١)، ثمَّ قُرِئَ عليه في سنةِ ستٍّ وثلاثِمائةٍ، كما جاءَ ذلكَ في أوَّلِ التفسيرِ: «قُرِئ على أبي جعفرَ في سنةِ ستٍ وثلاثِمائةٍ» (٢).
وقدْ نَصَّ ﵀ في مقدمتِه على وجوهِ تأويلِ القرآنِ ، وهي:
ما لا سبيلَ للوصولِ إليه، وهو الذي استأثرَ اللهُ بعلمِهِ ...
ما خَصَّ اللهُ بعلمِ تأويلِه نبيَهُ ﷺ دونَ سائرِ أمتِهِ ...
ما كانَ علمُهُ عندَ أهلِ اللسانِ الذي نزلَ به القرآنُ، وذلك علمُ تأويلِ عربيتِهِ وإعرابِهِ، لا يُوصَلُ إلى علمِ ذلكَ إلاَّ مِنْ قِبَلِهِم (٣).
ثمَّ قالَ: «فإذا كانَ ذلكَ كذلكَ، فَأَحَقُّ المفسرينَ بإصابةِ الحقِّ ـ في تأويلِ القرآنِ الذي إلى عِلْمِ تأويلِه للعبادِ السبيلُ ـ أوضحُهم حُجَّةً فيما تأوَّلَ
стр. 185
وفسَّرَ، ممَّا كانَ تأويلُه إلى رسولِ اللهِ ﷺ دونَ سائرِ أمَّتِه من أخبارِ رسولِ اللهِ ﷺ الثابتَةِ عنه: إمَّا منْ جهةِ النقلِ المستفيضِ، فيما وُجِدَ فيه من ذلك عنه النقلُ المستفيضُ، وإمَّا منْ جهةِ نقلِ العدولِ الأثباتِ، فيما لم يكن فيه عنه النقلُ المستفيضُ، أو منْ جهةِ الدلالةِ المنصوبةِ على صحتِهِ؛ وأصَحُّهُم برهاناً ـ فيما ترجمَ وبيَّنَ من ذلك ـ مِمَّا كان مُدرَكاً عِلْمُهُ من جهةِ اللسانِ: إمَّا بالشواهدِ منْ أشعارِهِم السائرةِ، وإمَّا منْ منطقِهم ولغاتِهم المستفيضةِ المعروفةِ، كائناً منْ كانَ ذلكَ المتأوِّلُ والمفسِّرُ، بعدَ أنْ لا يكونَ خارجاً تأويلُه وتفسيرُه ما تأوَّلَ وفَسَّرَ منْ ذلك، عنْ أقوالِ السلفِ من الصحابةِ والأئمةِ، والخلفِ من التابعينَ وعلماءِ الأمةِ» (١).
في هذا النَّصِّ ذَكَرَ ابنُ جريرٍ (ت:٣١٠) ضابطَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ عندَهُ، وهو عدمُ خروجِ المفسِّرِ باللُّغةِ عنْ أقوالِ السَّلفِ من الصَّحابةِ والأئمَّةِ، والخلفِ من التَّابعينَ وعلماءِ الأمَّةِ، ويظهرُ من استقراءِ كتابِهِ أنَّ هؤلاءِ الذينَ ذكرَهم بِهذا الوصفِ هم: الصَّحابةُ والتَّابعونَ وأتباعُهم.
أمَّا اللُّغويُّونَ الذين عاصروا أتباعَ التَّابعينَ فإنه كانَ يَرُدُّ أقوالَهم، وإن كانتْ تحتملُها الآية، ويُعَلِّلُ ذلك بخروجها عنْ أقوالِ أهلِ التَّأويلِ، ويعني بهم هؤلاءِ الطَّبقاتِ الثلاث منْ علماءِ الأمَّةِ (٢)، ومثالُ ذلكَ ما أوردَهُ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [ن: ٢٥]، فقد ذكرَ أقوالَ السلفِ، وهي:
الأول: على قدرةٍ في أنفسِهِم وجِدٍّ، وبه قال ابنُ عباسٍ (ت:٦٨)، ومجاهدٌ بن جبرٍ (ت:١٠٤)، والحسنُ البصريُّ (ت:١١٠)، وقتادةُ (ت:١١٧)، وابن زيدٍ (ت:١٨٢).
стр. 186
الثاني: وغدوا على أمرِهِم قدْ أجمعوا عليه بينَهم، واسْتَسَرُّوه، وأَسَرُّوه في أنفسِهم، وهو قول مجاهد (ت:١٠٤)، وعكرمة (ت:١٠٥).
الثالث: وغدوا على فاقةٍ وحاجةٍ، وهو قولُ الحسنِ (ت:١١٠).
الرابع: على حَنَقٍ، وهو قولُ سفيانَ الثوريِ (ت:١٦١) (١).
ثمَّ قالَ بعدَ هذهِ الأقوالِ: «وكانَ بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ من البصرةِ يتأوَّلُ ذلك: وغدوا على منعٍ (٢). ويوجِّهه إلى أنه من قولهم: حَارَدَت السَّنَةُ: إذا لم يكنْ فيها مطرٌ، وحَارَدَت الناقةُ: إذا لم يكنْ فيها لَبَنٌ، كما قالَ الشَّاعرُ (٣):
فإذا ما حَارَدَتْ أو بَكَأَتْ،
فُتَّ عن حَاجِبِ أخرى طِينُهَا
وهذا قولٌ لا نعلمُ له قائلاً من متقدمي العلمِ قالَه، وإنْ كانَ لهُ وجهٌ، فإذا كانَ ذلكَ كذلكَ، وكانَ غيرُ جائزٍ عندنا أنْ يُتَعَدَّى ما أجمعتْ عليه الحُجَّةُ، فما صَحَّ منْ الأقوالِ في ذلك إلا أحدُ الأقوالِ التي ذكرنَاها عنْ أهلِ العلمِ.
وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ، وكانَ المعروفُ منْ معنى الحرْدِ في كلامِ العربِ: القصدُ، من قولِهم: قدْ حَرَدَ فلانٌ حرْدَ فلانٍ: إذا قَصَدَ قصْدَه، ومنه قول الشاعر (٤):
стр. 187
وَجَاءَ سَيلٌ كانْ منْ أَمْرِ اللهْ ... يَحْرُدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغِلَّهْ
يعني: يقصدُ قصدَها = صحَّ (١) أنَّ الذي هو أولى بتأويلِ الآيةِ قولُ من قالَ: معنى قوله: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [ن: ٢٥] وغدوا على أمرٍ قد قصدوه واعتمدوه واستَسَرُّوهُ بينهم، قادرين عليه في أنفسهم» (٢).
وهذا القولُ الذي انتقدَه، إنما انتقدَه ورَدَّهُ لعدمِ وُرُودِهِ عن السَّلفِ، وجعلَ ما حكاهُ عنهم ـ مع اختلافهم ـ إجماعاً، وبنى عليه أنَّ ما لم يقولوه فإنَّه خارج عن الإجماع ولا يُعْتَدُّ به. هذا مع أنه قال عن القول الذي اعترض عليه: «وإن كان له وجهٌ»، ويظهر أنه يقصد بالوجه: الشاهد الشعري، وصحَّة المعنى في الآية إذا ما حُمِلَتْ عليه، واللهُ أعلمُ.
هذا، وقدْ أخذَ التَّفسيرُ اللُّغويُّ في تفسيرِ الطَّبريِّ (ت:٣١٠) مساحةً واسعةً، حتى إنه لا يكادُ أنْ يَمُرَّ به لفظٌ قرآنيٌّ دونَ أن يتعرَّضَ لبيانِه اللغويِّ، ويمكنُ بذلكَ أنْ يُخْرَجَ منْ تفسيرِه كتابٌ في تفسيرِ ألفاظِ القرآنِ، وهو ما يسمى بعلمِ «غريبِ القرآنِ» (٣).
ومنْ صورِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ التي كانَ ابنُ جريرٍ الطَّبريُّ (ت:٣١٠) يستخدمُهَا في تفسيرِهِ ما يأتي:
стр. 188
أولاً: تفسيرُ الألفاظِ دونَ ذكر الشاهدِ:
كانَ ذلكَ يجيءُ ـ في الغالبِ ـ في تفسيرِه الجمليِ الذي يوردُهُ بعدَ الآيةِ مباشرةً، أو قد يوردُهُ في ترجيحاتِهِ بعد ذِكْرِ أقوالِ المفسرينَ، ومنْ أمثلةِ ذلكَ:
١ - قال: «وقوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] يقولُ: هذهِ السكرةُ التي جاءتكَ ـ أيها الإنسانُ ـ بالحقِّ، هو الشيءُ الذي كنتَ تهربُ منهُ، وعنهُ تَرُوغُ» (١).
والحَيدُ: المَيلُ والعدولُ، يقال: حادَ عن الشَّيء يحيدُ حَيدَةً وحُيوداً (٢). وهو معنى الروغانِ الذي فَسَّرَ به، إذ الروغانُ: مَيلٌ، يقال: رَاغَ الرجلُ والثعلبُ رَوغاً ورَوَغَاناً: مالَ وحادَ عن الشَّيءِ (٣).
٢ - وفي قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] قالَ: «يقول تعالى ذكره: أَلَمْ يَكُ هذا المنكرُ قدرةَ اللهِ على إحيائِه من بعدِ مماتِه، وإيجادِه من بعدِ فنائِه (نُطْفَةً) يعني: ماءً قليلاً في صلبِ الرجلِ (مِنْ مَنِيٍّ)؟» (٤).
والنُّطْفَةُ: الماءُ القليلُ، قالَ الأزهريُ (ت:٣٧٠): «والعربُ تقولُ للمُوَيهَةِ القليلةِ: نُطْفَةٌ، وللماءِ الكثيرِ نُطْفَةٌ» (٥).
وقال رضيُّ الدِّينِ الصَّغَانِيُّ (ت:٦٥٠): «النُّطْفَةُ: الماءُ الصافي، قليلاً كانَ
стр. 189
أو كثيراً، فمن القليلِ: نطفةُ الإنسانِ» (١).
والأمثلة من هذا النوع كثيرة جداً يصعبُ حصرُها. ومن الملاحظ أنَّ الطبريَ (ت:٣١٠) يَعْمَدُ إلى تحليلِ الألفاظِ تحليلاً معجمياً، وذلك بتوجيه الكلمةِ إلى أصلِها، أو مفارقتِها عن شبيهِها، أو غير ذلك من الأساليبِ التي اتخذها أصحابُ معاجمِ اللغةِ في بيانِ دلالةِ الألفاظِ العربيةِ، ومنْ ذلكَ:
١ - قال في تفسيرِ المقاليد من قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٣]: «يقولُ تعالى ذِكْرُهُ: له مفاتيحُ خزائنِ السَّماواتِ والأرضِ، يفتحُ منها على من يشاءُ، ويمسكُها عمَّنْ أحبَّ منْ خلقِهِ. واحدها: مِقْلِيدٌ، وأمَّا الإقْلِيدُ: فواحدُ الأقالِيدِ» (٢).
٢ - وقالَ: «وقولُه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، يقول تعالى ذِكرُه: ما حادَ صاحبُكُم أيها الناسُ عن الحقِّ ولا زالَ عنه، ولكنه على استقامةٍ وسدادٍ.
ويعني بقوله: ﴿وَمَا غَوَى﴾: وما صارَ غَوِيّاً، ولكنه رشيدٌ سديدٌ، يقال: غَوَى يَغْوَى: من الغَيِّ، وهو غاوٍ. وغَوِيَ يَغْوَى من اللَّبن: إذا بَشِمَ» (٣).
٣ - وقال في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]: «يقول تعالى ذِكره: ومن يعرض عن ذكر الله فلم يخفْ سطوته، ولم يخش عقابه، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] يقول: نجعلُ لهُ شيطاناً يُغْوِيهِ فهو له قرينٌ، يقول: فهو للشيطانِ قرينٌ؛ أي: يصيرُ كذلكِ.
وأصلُ العَشْوِ: النَّظَرُ بغيرِ ثَبْتٍ لِعِلَّةٍ في العينِ، يقالُ منه: عَشَا فلانٌ
стр. 190
يَعْشُو عَشْوَا وَعُشُوًّا: إذا ضَعُفَ بصرُهُ وأظلمتْ عينُه كأنَّ عليهِ غشاوةً؛ كما قالَ الشاعرُ (١):
مَتَى تَاتِهِ تَعْشُو إلى ضَوءِ نَارِهِ ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا
يعني: متى تفتقرْ فتأتِهِ يُعِنْكَ.
وأمَّا إذا ذهب البصر ولم يُبصرْ، فإنَّه يقال فيه: عَشِيَ فلانٌ يَعْشَى عَشىً منقوصٌ، ومنه قول الأعشى (٢):
رَأَتْ رَجُلاً غَائِبَ الوافِدَينِ ... مُخْتَلِفَ الخَلْقِ أعْشى ضَرِيراً
يقال منه: رجلٌ أعشى وامرأة عشواء.
وإنما معنى الكلام: ومن لا ينظر في حجج الله بالإعراض منه عنه، إلاَّ نظراً ضعيفاً، كنظر من قد عَشِيَ بصرُه، نقيض له شيطاناً» (٣).
وهذا النَّمط في كتابه كثيرٌ، وهو يُعَدُّ بهذا النَّمطِ الَّذي سلكه في التَّفسيرِ اللُّغويِّ من أصحاب المعاجم الذين دَوَّنوا ألفاظَ اللُّغةِ؛ كعَصْرِيِّه ابن دريد
стр. 191
(ت:٣٢١) الذي ألَّف كتاب «جمهرة اللغة»، أو من جاء بعده كالأزهري (ت:٣٧٠) الذي ألَّف كتاب «تهذيب اللغة».
غير أنَّك لا تجد لهذا العَلَمِ الجَهْبَذِ أثراً في نقلِ اللُّغةِ عندَ أصحابِ المعاجمِ ممنْ جاءَ بعدَهُ (١)، مع أنَّ كتابَه مليءٌ بالتَّحقيقاتِ اللُّغويةِ وببيانِ المفرداتِ وذكر شواهدها من لغة العرب.
ومما يدلُّ على تقدُّمه في علمِ لغةِ العربِ أنَّه لما دخلَ مصرَ طُلِبَ منه أنْ يُمْلِيَ شعرَ الطِّرِمَّاحِ (٢)، فأملاهُ حفظاً، وشرحَ غريبَه (٣)، ولا يقومُ بمثلِ هذا إلاَّ من تمكَّنَ في لغةِ العربِ.
ثانياً: تفسير الألفاظ مع ذكر الشاهد:
تكثرُ الشَّواهدُ الشِّعريةُ في تفسيرِ الطَّبريِّ (ت:٣١٠)، وهو كغيرِه من المفسِّرينَ الذين يتعرَّضونَ لمسائلِ النَّحْوِ، حيثُ يكثرُ عندَه الشَّاهدُ النَّحْوِيُّ، ولا يخلو كتابُه منْ ذِكْرِ شواهدِ اللُّغةِ، غيرَ أنَّ الأوَّلَ أكثرُ. ومن الشَّواهد اللُّغويَّة التي ذكرها ما يأتي:
стр. 192
١ - قالَ في قولِه تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: ٢]: «يقولُ تعالى ذِكرُه: يعلمُ ما يدخلُ في الأرضِ وما يغيبُ فيها من شيءٍ، منْ قولهم: وَلَجْتُ في كذا: إذا دخلتُ فيه، كما قال الشاعر (١):
رَأَيْتُ القَوَافِي يَتَّلِجْنَ مَوَالِجاً ... تَضَايَقُ عَنْهَا أَنْ تَوَلَّجَهَا الإبَرْ
يعني بقوله: «يَتَّلِجْنَ مَوَالِجاً»: يدخلن مداخل» (٢).
٢ - وقال: «وقوله: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ٥٩]، يقول تعالى ذِكرُه: فإنَّ للذينَ أشركُوا باللهِ منْ قريشٍ وغيرِهم ذَنُوباً، وهي الدَّلْوُ العظيمةُ، وهو السَّجْلُ أيضاً، إذا مُلئت أو قاربتْ الملء، وإنما يريدُ بالذَّنوبِ في هذا الموضعِ: الحَظَّ والنَّصيبَ، ومنه قول عَلْقَمَةَ بنِ عَبْدَةَ (٣):
وَفِي كُلِّ قَومٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ، ... فَحُقَّ لِشَأسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ
أي: نصيب، وأصله ما ذكرتُ، ومنه قول الراجز (٤):
لَنَا ذَنُوبٌ وَلَكُمْ ذَنُوبُ
فَإنْ أَبَيتُمْ فَلَنَا القَلِيبُ
стр. 193
ومعنى الكلامِ: فإنَّ للذينَ ظلموا منْ عذابِ اللهِ نصيباً وحظاً نازلاً بهم، مثلَ نصيبِ أصحابِهم الذين مضوا من قبلِهم من الأممِ على منهاجِهم، من العذابِ، فلا يستعجلون» (١).
ويظهرُ عنده الجانبُ اللغويُ في تفسيرِ الألفاظِ في توجيهِ القراءاتِ، وهو في هذا التوجيهِ يُفسرُ اللفظَ ويذكرُ شواهدَه ليرجِّحَ القراءةَ التي يختارُها، إن اختارَ، أو ليبينَ صحةَ القراءتينِ معتمداً على الشواهدِ اللغويةِ، والأمثلة في هذا كثيرة في تفسيره، ومنَ الأمثلةِ التي تتعلق بتوجيه المعنى مع الاختلاف في القراءة ما يأتي:
في قوله تعالى: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥] ذكر القراءتين في لفظ «سُكِّرَتْ» (٢)، ثُمَّ ذكرَ أقوالَ السَّلفِ في تفسيرِ هذا اللَّفظِ، ثمَّ عقَّبَ بقوله: «وأولى هذه الأقوالِ بالصَّوابِ عندي، قولُ من قالَ: معنى ذلك: أُخِذَت أبصارنا وسُحِرَت، فلا تُبْصِرُ الشَّيءَ على ما هو به، وذهب حَدُّ إبصارها، وانطفأ نورُه، كما يقالُ للشَّيءِ الحَارِّ إذا ذهبتْ فورتُهُ وسكنَ حَدُّ حرِّه: قد سَكَرَ يَسْكُرُ. قال المثنى بن جندل الطُّهَوِي (٣):
جَاء الشِّتَاءُ وَاجْثَألَّ القُبَّرُ
وَاسْتَخْفَتِ الأفْعَى وَكَانَتْ تَظْهَرُ
стр. 194
وَجَعَلَتْ عَينُ الحَرُورِ تَسْكُرُ
أي: تسكن وتذهب وتنطفئ. وقال ذو الرُّمَّةِ (١):
قَبْلَ انْصِدَاعِ الفَجْرِ وَالتَّهَجُّرِ ... وَخَوضُهُنَّ اللَّيلَ حِينَ يَسْكُرُ
يعني: حينَ تسكنُ فورتُه.
وذُكِرَ عن قيسٍ أنها تقول: سَكَرَتِ الريحُ تَسْكُرُ سُكُوراً؛ بمعنى: سكنتْ؛ وإذا كانَ ذلك عنها صحيحاً، فإنَّ معنى سُكِرَت وسُكِّرَت بالتخفيف والتشديد متقاربان. غير أنَّ القراءة التي لا أستجيزُ غيرَها في القرآنِ ﴿سُكِّرَتْ﴾ بالتشديدِ، لإجماعِ الحُجَّةِ من القراءِ عليها، وغيرُ جائزٍ خِلافُها فيما جاءتْ به مجتمعةً عليه» (٢).
ظواهر في التَّفسير اللُّغويِّ عند ابن جرير
برزتْ بعضُ الظَّواهرِ التي تميَّزَ بها ابنُ جريرٍ الطبريُّ (ت:٣١٠) في تفسيرِه اللُّغويِّ، وهي:
الأولى: الاستشهادُ بأقوالِ السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:
لقد كان اعتمادُ ابنِ جريرٍ الطبريِّ (ت:٣١٠) على المأثورِ عن السَّلفِ مما يتميَّزُ به عموماً في تفسيرِه، وقد ساقَه ذلكَ إلى الاعتمادِ عليه في التَّفسيرِ اللُّغويِّ في بيانِ القرآنِ، ولقد سبقَ ذِكرُ الضَّابطِ الذي ذكرَه في التَّفسيرِ المُعْتَمِدِ على اللُّغةِ، وهو أن لا يكونَ التَّفسيرُ خارجاً عن ما قالَهُ أهلُ التَّأويلِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ وأتباعهم، وقدْ سارَ على هذا المنهجِ في كتابِه، ولم يخرجْ عن هذا الضابطِ إلاَّ في النَّادرِ القليلِ جدًّا (٣).
стр. 195
ولذا كان يعتمدُ ما جاءَ عنهم كاعتمادِه على الشَّاهدِ العربِيِّ، فهو يسوقُ أقوالَهم في بيانِ المفرداتِ سياقَ من يُبيِّنُ اللُّغةَ بشواهدِها من كلامِ العربِ، فيجعلُ تفسيرَهم حجَّةً في معنى اللَّفظِ، وهذا الأسلوبُ ظاهرٌ من استقراءِ كتابه، وطريقتِه في عرضِ أقوالِهم، وإنْ كانَ قد اعترضَ على بعضِها من حيثُ اللُّغةِ، وهو قليلٌ، فهو لا يخرجُ عن الإطارِ الذي انتهجَه.
كما أنه قد يرجِّحُ أحدَ أقوالِ السَّلفِ، ويختارُ ما يراهُ راجِحاً من بينِ أقوالِ طبقاتِهم، دون اعتبارٍ لتقدُّمِ طبقةٍ عن طبقةٍ (١). ولا يلزمُ من ترجيحِه قولاً إبطالُ ما سواه، وهو قد ينبِّه على ذلك نصًّا في بعضِ المواطنِ.
ومنْ الأمثلةِ التي اعتمدَ فيها على بيانِ السَّلفِ، ما ذكره في تفسيرِه لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠].
قال: «وقوله تعالى: ﴿أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]، يعني: وجدنا، كما قال الشاعر (٢):
فَألْفَيتُهُ غَيرَ مُسْتَعْتِبٍ ... وَلا ذَاكِرِ اللهَ إلاَّ قَلِيلاً
يعني: وجدته.
وكما حدَّثنا بشر بن معاذ (٣)، قال: حدَّثنا يزيد (٤)، قال: حدَّثنا
стр. 196
سعيد (١)، عن قتادة: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]، أي: ما وجدنا عليه آباءنا.
حدَّثني المثنى (٢)، قال: حدَّثنا إسحاق (٣)، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفر (٤)، عن أبيه (٥)، عن الربيع: مثله.
قالَ أبو جعفر: فمعنى الآيةِ: إذا قيلَ لهؤلاءِ الكفارِ: كُلُو مِمَّا أحَلَّ اللهُ لكم، ودعوا خطواتِ الشيطانِ وطريقَه، واعملوا بما أنزلَ اللهُ على نبيه ﷺ في كتابِه، استكبروا عن الإذعانِ للحقِّ، وقالوا: بلْ نَاتَمُّ بآبائنا فنتَّبِعُ ما وجدنَاهم عليه من تحليلِ ما كانوا يُحِلُّونَ، وتحريمِ ما كانوا يحرِّمون» (٦).
ففي هذا المثالِ تَجِدُهُ ذكرَ الشَّاهدَ اللغويَّ منْ كلامِ العربِ، ثُمَّ ثَنَّى بقولِ قتادةَ (ت:١١٧) والربيعِ بنِ أنسٍ (ت:١٣٩)، وجعلَ قولَهما حجةً لغويةً في معنى لفظِ «ألفينا» في الآيةِ.
стр. 197
الثَّانية: قَبُولُ المحتملاتِ اللُّغويةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ:
لقدْ كانَ رحمَهُ اللهُ تعالى يَقِفُ معَ تفسيرِ السلفِ ولا يكادُ يخرجُ عنه، وإذا وردَ عنهم أكثرُ منْ قولٍ في الآيةِ فإنَّه: إمَّا أنْ يُرَجِّحَ بينها إذا كانَ أحدُها أقوى في الاحتمالِ من الآخرِ، وإمَّا أنْ يقبلَها جميعاً ما دامتْ الآيةُ تحتملُها منْ غيرِ تَضَادٍّ.
ومنْ أمثلةِ قبولِه المحتملاتِ اللغويةِ الواردةِ عن السلفِ ما يأتي:
ذَكَرَ في قولِه تعالى: ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] أربعةَ أقوالٍ في تفسيرِ «الإلِّ» عنِ السلفِ:
الأولُ: الإلُّ: اللهُ ، وهو قول مجاهد (ت:١٠٤) (١)، وأبي مِجْلَزٍ (ت:١٠٦) (٢).
الثَّاني: الإلُّ: القَرابَةُ، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨)، والضَّحَّاكِ (ت:١٠٥)، والسُّدِّيِّ (ت:١٢٨).
الثالث: الإلُّ: الحِلْفُ (٣)، وبه قالَ قتادةُ (ت:١١٧).
الرابع: الإلُّ: العهدُ، وبه قالَ مجاهدٌ (ت:١٠٤) (٤)، وعبد الرحمن بن زيد (ت:١٨٢) (٥)، وهو معنى ما روي عن قتادة (ت:١١٧).
ثمَّ قال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنَّ الله تعالى
стр. 198
ذِكْرُه أخبرَ عنْ هؤلاءِ المشركينَ الذينَ أمرَ نبيَّه والمؤمنينَ بقتْلِهم بعدَ انسلاخِ الأشهرِ الحُرُمِ، وحصرِهِم، والقعودِ لهم على كلِّ مَرْصَدٍ: أنَّهم لو ظهروا على المؤمنينَ لمْ يرقُبُوا فيهم «إِلًّا».
و «الإلُّ» اسمٌ يشتملُ على معانٍ ثلاثةٍ، وهي: العهدُ والعقدُ والحِلْفُ، والقرابةُ، وهو أيضاً بمعنى: الله. فإذا كانتِ الكلمةُ تشملُ هذهِ المعانيَ الثَّلاثةَ، ولمْ يكنِ اللهُ خصَّ منْ ذلكَ معنىً دونَ معنى، فالصَّوابُ أنْ يَعُمَّ ذلك كما عَمَّ بها ـ جلَّ ثناؤه ـ معانيَها الثلاثةَ، فيقالُ: لا يرقبونَ في مؤمنٍ اللهَ ولا قرابةً ولا عهداً ولا ميثاقاً ...» (١).
أمَّا المحتمَلُ اللُّغويُّ الذي لم يقلْ به السَّلفُ، ويذكرُه أحدُ اللُّغويِّينَ، فإنه ـ وإن كان له وجه ـ يعترضُ عليه، ولا يقبله مع قولِ السَّلفِ، كما سبق بيانه، ومن ذلك:
في قوله تعالى: ﴿لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] قال: «يقول: لا تَسْمَعُ هذه الوجوهُ، المعنى لأهلِها، فيها: في الجنةِ العاليةِ، لاغيةً. يعني باللاغيةِ: كلمةَ لَغْوٍ، واللَّغوُ: الباطلُ، فقيلَ للكلمةِ التي هي لَغْوٌ: لاغيةٌ، كما قيلَ لصاحبِ الدرعِ: دَارِعٌ، ولصاحبِ الفَرَسِ: فارسٌ، ولقائلِ الشِّعْرِ: شاعرٌ، وكما قال الحطيئةُ (٢):
أغَرَرْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّـ ... ـكَ لابِنٌ بِالصَّيفِ تَامِرْ
يعني: صاحبَ لَبَنٍ وصاحبَ تَمْرٍ» (٣).
ثمَّ قالَ: «وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قالَ أهلُ التأويلِ»، وذكرَ الروايةَ عن ابن عباسٍ (ت:٦٨): «لا تَسمعُ أَذَىً وَلاَ بَاطِلاً»، وعن مجاهد بن جبر
стр. 199
(ت:١٠٤): «شَتْماً»، وعن قتادة (ت:١١٧): «لا تسمعُ فيها بَاطِلاً ولا شَاتِماً» (١).
ثَمَّ ذَكرَ عنِ الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) احتمالاً لُغويًّا لكنه لم يقبل قوله، مع أنَّه ذكر أنَّ لقوله وجهاً، وإنما لم يعتدَّ به لعدم وروده عن السَّلف، فقال: «وزعمَ بعضُ الكوفيين أنَّ معنى ذلكَ: لا تسمعُ فيها حالفةً على الكَذِبِ (٢)، ولذلك قيل: لاغية.
ولهذا الذي قاله مذهبٌ ووجهٌ، لولا أنَّ أهلَ التأويلِ منَ الصحابةِ والتابعين على خلافِهِ، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ خلافهم فيما كانوا عليه مجمعين» (٣).
الثالثةُ: استعمالُ اللُّغةِ في التَّرجيحِ:
أبدعَ الطبري (ت:٣١٠) في استخدام اللُّغةِ حالَ ترجيحِه لقولٍ من أقوالِ المفسِّرينَ، وكانَ في هذا دلالةٌ على تمكُّنِهِ ومعرفتِه بلغةِ العربِ، وهذه القضيَّةُ بحاجةٍ إلى دراسةٍ مستقلَّةٍ تبيِّنُ طريقتَه في اعتمادِه اللغةَ في التفسير.
والأمثلةُ في اعتماده اللُّغةَ في التَّرجيحِ بين أقوالِ المفسِّرينَ كثيرةٌ، وسأذكرُ بعضَها، ومنها:
١ - في قوله تعالى: ﴿لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، ذكرَ أقوالَ السلفِ في معنى «تبدَّل» وهي:
الأول: أنْ تُطلِّقَهنَّ وتتزوجَ غيرهنَّ، وهو قول أبي رَزِين (ت:٨٥) (٤)، ومجاهد (ت:١٠٤)، والضحاك (ت:١٠٥)، على اختلافٍ بينهم في توجيهِ التبديلِ.
стр. 200
الثاني: أنْ تُبَادِلَ بهنَّ غيرهنَّ، فتأخذَ زوجتَه ويأخذَ زوجتَك، وهو قولُ ابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) (١).
ثمَّ رجَّحَ أحدَ القولينِ قائلاً: «وأولى الأقوالِ في ذلكَ بالصَّوابِ، قولُ منْ قالَ: معنى ذلكَ: ولا أنْ تُطَلِّقَ أزواجَك فتستبدِلَ بهنَّ غيرَهُنَّ أزواجاً ... وأمَّا ما قالَه ابنُ زيدٍ في ذلكَ أيضاً، فقولٌ لا معنى له؛ لأنه لو كانَ بمعنى المُبَادَلَةِ، لكانتِ القراءةُ والتَّنْزيلُ: ولا أن تُبَادِلَ بهنَّ من أزواجٍ، أو: ولا أن تُبَدِّلَ بِهنَّ بضمِّ التاء، لكنَّ القراءةَ المجمعَ عليها: ﴿وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ بفتح التاءِ، بمعنى: ولا أن تستبدل بهنَّ ...» (٢).
ففي هذا المثالِ ترى أنَّ ترجيحَه اعتمدَ على اشتقاقِ لفظِ «تَبَدَّلَ»، وأنَّه لو كانَ من المبادلةِ، لكان اللفظُ: تُبَادِلَ، أو: تُبَدِّلَ.
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَاتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ذكرَ قولينِ في معنى حَمْلِ الملائكةِ للتابوتِ:
الأول: أنَّ الملائكةَ كانت تباشِرُ حَمْلَهُ، وأورد الرِّواية في ذلكَ عنِ ابن عباس (ت:٦٨)، وقتادة (ت:١١٧)، وابن زيد (ت:١٨٢).
الثاني: تسوقُ الملائكةُ الدَّوابَّ التي تحملُه، قاله وَهْبُ بنُ مُنَبِّه الصَّنعانيُّ (ت:١١٤) (٣)، وقد رواهُ سفيانُ الثَّوريُّ عن بعضِ أشياخِه (٤).
стр. 201
ثمَّ قالَ معلِّقاً: «وأولى القولينِ في ذلك بالصَّوابِ، قول من قال: حملت التَّابوتَ الملائكةُ، حتى وضعتْهُ لها في دار طالوت قائماً بين أظهر بني إسرائيل، وذلك أنَّ الله تعالى ذِكْرُه قال: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ﴾، ولم يقل: تأتي به الملائكة.
وما جرَّتْهُ البقرُ على عَجَلٍ، وإنْ كانتِ الملائكةُ هي سائقتُها، فهي غيرُ حامِلَتِه؛ لأنَّ الحملَ المعروفَ هو مباشرةُ الحاملِ بنفسِه حملَ ما حملَ، فأمَّا ما حملَه على غيرِه، وإن كانَ جائزاً في اللُّغةِ أنْ يُقال: حملَه؛ بمعنى: معونتِه الحاملَ، وبأنَّ حملَه كانَ عن سببِه، فليسَ سبيلُه سبيلَ ما باشرَ حملَه بنفسه في تعارفِ الناسِ إيَّاه بينهم. وتوجيهُ تأويلِ القرآنِ على الأشهرِ من اللُّغاتِ، أولى من توجيهِه إلى الأنكرِ، ما وُجِدَ إلى ذلك سبيل» (١).
٣ - وفي قوله تعالى: ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، قال: «وقال بعضُهم: إنَّما قيل ذلك، من أجلِ أنَّ العربَ تضعُ العلمَ مكانَ الرُّؤيةِ، والرُّؤيةَ مكانَ العلمِ؛ كما قالَ جَلَّ ذِكْرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]، فزعمَ أنَّ معنى (ألم تر): ألم تعلم؟ وزعم أنَّ معنى قولِهِ: (إلاَّ لِنَعْلَمَ)، بمعنى: إلاَّ لنرى من يتَّبِع الرسول. وزعم أنَّ قول القائل: (رأيتُ، وعلمتُ، وشهدتُ) حروفٌ تتعاقب، فيوضَع بعضها موضع بعض، كما قال جرير بن عطية (٢):
стр. 202
كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ لَقِيطاً وَحَاجِباً ... وَعَمْرَو بَنَ عَمْرٍو إذَا دَعَا يَالَ دَارِمِ
بمعنى: كأنَّك لم تَعْلَمْ لَقِيطاً؛ لأنَّ بين هُلْكِ لَقِيطٍ وحاجبٍ وزمانِ جريرٍ، ما لا يخفى بُعْدُهُ من المدَّةِ، وذلك أنَّ الذين ذَكَرَهُم هلكوا في الجاهليَّة، وجرير كان بعد بُرْهَةٍ مضت من الإسلام.
قال أبو جعفر: وهذا تأويلٌ بعيدٌ، من أجلِ أنَّ «الرُّؤيَةَ» وإن استعمِلت في موضع (العلم)، من أجل أنَّه مستحيلٌ أنْ يرى أحدٌ شيئاً فلا توجبُ رؤيتُهُ إيَّاه علماً بأنَّه قد رآه، إذ كانَ صحيحَ الفطرةِ. فجازَ مِنَ الوجهِ الذي أثبته رؤيةً، أن يُضافَ إليه إثباتُه إيَّاه عِلْماً، وصَحَّ أن يدلَّ بذكرِ الرؤيةِ على معنى العلمِ منْ أجلِ ذلكَ. فليسَ ذلكَ ـ وإنْ كانَ ذلكَ جائزاً في الرُّؤيةِ؛ لما وصفنا ـ بجائزٍ في العلمِ، فيدل بذكرِ الخبرِ عن (العلمِ) على (الرُّؤيةِ)؛ لأنَّ المرءَ قد يعلمُ أشياءَ كثيرةً لم يرَهَا ولا يراها، ويستحيل أن يرى شيئاً إلاَّ عِلمَهُ، كما قدَّمنا البيان عنه. مع أنَّه غيرُ موجودٍ في كلامِ العربِ أن يُقالَ: علمتُ كذا؛ بمعنى: رأيتُه.
وإنَّما يجوزُ توجيهُ معاني ما في كتابِ اللهِ الذي أنزلَه على محمدٍ ﷺ مِنَ الكلامِ، إلى ما كانَ موجوداً مثلُه في كلامِ العربِ، دونَ ما لم يكنْ موجوداً في كلامِها.
فموجودٌ في كلامِها: رأيتُ، بمعنى: علمتُ، وغيرُ موجودٍ في كلامِها: علمتُ، بمعنى: رأيتُ، فيجوزُ توجيهُ ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ﴾ إلى معنى: إلاَّ لنرى» (١).
وموضوعُ اللُّغةِ في تفسيرِ الطَّبريِّ (ت:٣١٠) طويلٌ جداً، وهو محتاجٌ إلى من يُجلِّي كنوزَه، وسأختمُ هذا المبحثَ بذكرِ بعضِ ما يتعلَّقُ بالقواعدِ اللُّغويَّةِ التي اعتمدَها، وهي من دلائلِ تميُّزِه في هذا الشَّأنِ، ومن ذلك:
*
стр. 203
غيرُ مستحيلٍ اجتماعُ المعاني الكثيرةِ للكلمةِ الواحدةِ، باللَّفظِ الواحدِ، في كلامٍ واحدٍ (١).
* غيرُ جائزٌ إبطالُ حرفٍ كان دليلاً على معنًى في الكلامِ (٢).
* إذا كان الكلامُ مفهوماً على اتِّساقِه على كلامٍ واحدٍ، فلا وجهَ لصرفه إلى كلامين (٣).
* كلُّ كلامٍ نُطِقَ به، مفهومٌ به معنى ما أُريدَ، ففيه الكفايةُ عن غيره (٤).
* زيادة ما لا يُفيدُ من الكلامِ معنًى في الكلامِ، غيرُ جائزٍ إضافتُه إلى اللهِ جلَّ ثناؤه (٥).
أو: غيرُ جائزٍ أن يكونَ في كتابِ اللهِ حرفٌ لا معنى له (٦).
* تأويلُ القرآنِ على المفهومِ الظاهرِ من الخطابِ ـ دونَ الخفي الباطنِ منه، حتى تأتي دلالةٌ من الوجه الذي يجبُ التَّسليمُ له، بمعنًى خلافَ دليله الظاهرِ المتعارفَ في أهلِ اللِّسانِ الذين بلسانهم نزلَ القرآنُ ـ أولى (٧).
* غيرُ جائزٍ حذفُ حرفٍ من كلامِ اللهِ ـ في حالِ وقفٍ أو وصلٍ ـ لإثباتِه وجهٌ معروفٌ في كلامها (٨).
* لا يجوزُ أنْ يُحملَ تأويلُ القرآنِ إلاَّ على الأظهرِ الأكثرِ من الكلامِ المستعملِ في ألسنِ العربِ، دونَ الأقلِّ، ما وُجِدَ إلى ذلك سبيل، ولم
стр. 204
تضطرنا حاجةٌ إلى صرفِ ذلك إلى أنه بمعنى واحد، فيحتاج له إلى طلبِ المخرج بالخفي من الكلام والمعاني (١).
أو: كتابُ اللهِ لا توجَّهُ معانيه وما فيه من البيانِ إلى الشَّواذِّ من الكلامِ والمعاني، وله في الفصيحِ من المنطقِ والظاهرِ من المعاني المفهوم، وجهٌ صحيحٌ (٢).
والكتابُ مليءٌ بأمثالِ هذه الدُّرَرِ، ولعلَّ فيما ذكرتُه إشارةً تُغني في بيانِ هذا الموضوعِ، والله الموفِّقُ.
стр. 205
ثانياً الجامع لعلم القرآن
ألَّفَه أبو الحسنِ عليُّ بنُ عيسى الرُّمَّانيُّ، النحويُّ، اللُّغويُّ، المعتزليُّ (ت:٣٨٤). وقد ظهرتْ في هذا الكتابِ الصِّبغةُ النَّحويَّةُ واللُّغويَّةُ والاعتزاليَّةُ بوضوحٍ تامٍّ، كما أنَّ له في كلِّ فنٍّ منها مؤلفاتٍ (١).
وهذا المؤلَّفُ مخطوطٌ، وقدْ ظفرتُ بجزءٍ صغيرٍ من تفسيرِه (٢)، يبدأ بالآية (٩٨) من سورة آل عمران، وينتهي بنهايةِ السورةِ، وهو في أربعٍ وخمسينَ وثلاثِمائةِ صفحةٍ، ولم أظفرْ بسواه، إلاَّ نسخةً تبيَّنَ لي أنها لا يمكن أن تكونَ له (٣).
стр. 206
ولقد تردَّدتُ كثيراً في دراستِه؛ لصِغَرِ حجمِه، غيرَ أنِّي لما نظرتُ فيه وجدتُه يدلُّ على غزارةِ مؤلِّفِه وامتلائه بعلمِ اللغةِ، ووجدته متشبعاً بعقائد المعتزلة، وهو من أقدم مؤلفاتهمِ الموجودة في التفسير، فلما كان ذلك، رأيت أن أدرسه.
وهذا التَّفسيرُ يتميَّزُ بمميِّزاتٍ، منها:
* كثرةُ استخدامِه لأسلوبِ السؤالِ والجوابِ .
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١]، قال: «يقال: ما الفديةُ؟
الجواب: البدلُ منَ الشَّيء في إزالةِ الأذيَّةِ، ومنه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]؛ لأنه بدلٌ منه في إزالةِ الذَّبحِ عنه. ومنه: فداءُ الأسيرِ بغيرِه؛ لأنه بدلٌ منه في إزالةِ القتلِ والأسرِ عنه ...
ويقال: ما معنى ذكر الافتداءِ هنا؟
الجوابُ: البيانُ عن أنَّ ما كُلِّفَهُ في الدنيا يسيرٌ في جنبِ ما يبذله في الآخرةِ من الفداءِ الكثيرِ، لو وُجِدَ إليه السَّبيلُ.
قال قتادةُ: يُجاءُ بالكافرِ يوم القيامةِ، فيقالُ له: أرأيتَ لو كانَ لك ملءُ الأرضِ ذهباً، أكنتَ مفتدياً به؟ فيقول: نعم.
فيقالُ له: لقدْ سُئلتَ أيسرَ من ذلك (١).
стр. 207
وجوابٌ آخرُ: أنه لو افتدى به في دارِ الدُّنيا مع الإقامةِ على الكفرِ، لم يُقبل منه، حكاه الزَّجَّاجُ (١)».
* ذكره المناسباتِ بين بعضِ الآياتِ؛ أي: وجهُ اتِّصالِ الآيةِ بما قبلها.
في قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قال: «ويقال: ما وجهُ اتِّصالِ الآيةِ بما قَبْلَها؟
الجوابُ: أنَّه لما ذكرَ في الآيةِ الأولى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وصلَ ذلك بـ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]؛ لئلاَّ يؤدِّي امتناعُ غناءِ الفديةِ إلى الفتورِ عن الصَّدقةِ، وما يجري مجراها من وجوهِ الطَّاعاتِ» (٢).
* تذييلُه لكلِّ تفسيرِ آيةٍ بما تتضمَّنُه من أحكامٍ، سواءً أكانت حكماً فقهيًّا، أمْ أدباً تشريعيًّا، أم عقديًّا على مذهبِه المعتزليِّ.
في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [آل عمران: ١٠٩]، قال: «وقد تضمَّنتِ الآيةُ البيانَ عن عظيمِ مُلكِ اللهِ الذي لا مُلكَ لأحدٍ في عاجلٍ ولا آجلٍ إلاَّ بتمليكِه، ولا تصريفَ إلاَّ بتمكينِه، وأنَّه إليه ترجع الأمور؛ لئلاَّ يكون العبدُ في الذَّهابِ عنه في تعبٍ وغرورٍ».
* كثرةُ ذكرِه للفروقِ اللُّغويَّةِ بين الألفاظِ ، وقد جمعتُ له في الجزءِ الذي رجعتُ إليه ثمانيةً وثلاثينَ فرقاً بين الألفاظِ المتقاربةِ؛ كالفرق بين المِلءِ
стр. 208
والمَلءِ، والفرق بين الظُّلمِ والجورِ، والفرق بين الصِّدقِ والحقِّ، والفرقِ بينَ العَوَجِ والعِوَجِ، والفرقِ بين الاقتصارِ والحذفِ، وغيرها، ومن ذلك:
في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤]، قال: «ويقال: ما الفرق بينَ السُّرعةِ والعَجَلةِ؟
الجوابُ: أنَّ السُّرعةَ: التَّقدُّمُ فيما ينبغي أنْ يُتقدَّمَ فيه، وهي محمودةٌ، ونقيضُها مذمومٌ، وهو الإبطاءُ.
وأمَّا العَجَلةُ: فالتَّقدُّمُ فيما لا ينبغي أنْ يُتقدَّمَ فيه، وهي مذمومةٌ، ونقيضُها محمودٌ، وهو الأناةُ».
* حرصُه ـ في كثيرٍ من الألفاظِ ـ على بيانِ معنى أصلِ اللَّفظِ في لغةِ العربِ (١)، مع بيانِه معاني اللَّفظِ في اللُّغةِ والاستعمالِ.
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، قال: «ويقالُ: ما بكَّةُ؟
قيل: فيه ثلاثةُ أقوالٍ:
قيلَ: بكَّةُ: المسجدُ، ومكَّةُ: الحرمُ كُلُّه، يدخلُ فيه البيوتُ، عن ابنِ شهابٍ (٢)، وضمرةَ بن ربيعةَ (٣).
стр. 209
وقيل: بكَّةُ: هي مكَّةُ، عن مجاهد (١).
وقيل: بطنُ مكَّةَ، عن أبي عُبيدةَ (٢).
ويقالُ: ما أصلُ بكَّةَ؟
الجوابُ: البكُّ: الزَّحمُ، من قوله: بَكَّهُ يَبُكُّه بَكًّا: إذا زحمَهُ. وتَبَاكَّ الناسُ: إذا ازدحموا. فبكَّةُ مزدحمُ النَّاسِ للطَّوافِ، وهو ما حولَ الكعبةِ من داخلِ المسجدِ الحرامِ (٣).
ومنهُ: البكُّ: دقُّ العُنقِ؛ لأنَّه فَكُّهُ بِشدَّةِ زَحْمِهِ.
وقيلَ: سُمِّيتْ بكَّة؛ لأنها تَبُكُّ أعناقَ الجبابرةِ (٤)، إذا ألحدوا فيها بظلمٍ، لمْ يُمهَلوا».
* يُعتبرُ مرجِعاً لبعضِ آراءِ المعتزلةِ (٥)؛ لأنَّه أحدُهم، فيكونُ نقلُ آرائهم من كتابِه أوثقَ، وهذا يفيدُ من يدرسُ مذهبَهم، ويحتاجُ معرفةَ أقوالِهم منهم (٦).
стр. 210
صور التَّفسير اللُّغويِّ في كتاب الجامع لعلم القرآن:
لقد ذكرتُ فيما مضى بعضَ صورِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ التي ظهرتْ في كتاب الرُّمَّانيِّ (ت:٣٨٤)، وسأذكرُ ما بقي منها، وهي:
* الشَّواهد الشِّعريَّةِ:
لقد تتبَّعتُ الشَّواهدَ الشِّعريَّةَ في هذا الجزءِ، وقد بلغ ما يتعلَّقُ بشواهدِ الألفاظِ منها أربعةً وثلاثينَ شاهداً شِعريًّا (١)، ومن ذلك قوله:
«ويقال: ما معنى سبحانك؟
الجواب: تنْزيهاً هو لك (٢) مما لا يجوز في صفتك، وقال الشاعرُ (٣):
أقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ
وقال الآخرُ (٤):
سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَاناً يَعُودُ لَهُ ... وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ
فهو تعظيمٌ لله جَلَّ وعَزَّ من الشَّرِّ وصفاتِ النَّقصِ».
стр. 211
* الأساليبُ العربيَّةُ:
لقد كتبَ الرُّمَّانيُّ (ت:٣٨٤) في علمِ بلاغةِ القرآنِ كتابَه (النُّكت في إعجاز القرآنِ)، وقد تحدَّثَ فيه عن بعضِ أساليبِ العربِ في الخطابِ، واستشهدَ لما وردَ منها في القرآنِ، أمَّا في تفسيرِه، فقد ظهرَ بعضُها، وكان يأتي على أسلوبِ القاعدةِ العلميَّةِ (١)، ومن الأساليبِ التي ذكرها:
١ - أسلوبُ الحذفِ:
عرَّف الرُّمَّانيُّ الحذفَ فقال: «إسقاطُ كلمةٍ للاجتزاء عنها بدلالةِ غيرها من الحالِ أو فحوى الكلامِ» (٢).
وقال في أسلوب الحذفِ أيضاً: «... والحذفُ: لا بدَّ فيه من خَلَفٍ يُستغنى به عن المحذوفِ» (٣).
وهذا يعني أنَّه يرى وجودَ الحذفِ (٤)، إلاَّ أنَّه لا يرى أنَّ كلَّ ما قيل فيه: إنَّه محذوفٌ، أنَّه يكونُ كذلكَ، ولهذا استفادَ بهذا القيدِ في أسلوبِ الحذف في ردِّ بعضِ ما ادُّعي أنه كذلكَ (٥).
ومما وردَ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ
стр. 212
اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] قوله: «فإن قيلَ: هل يجوزُ أن يكونَ التَّقديرُ: ففي ثواب رحمة اللهِ هم فيها خالدونَ، فحذفَ كما حذفَ ﴿اسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
الجواب: لا، من قِبَلِ أنَّ الرَّحمةَ هنا: هي ثوابُ اللهِ للمطيعينَ، وإذا صحَّ الكلامُ من غيرِ حذفٍ، لمْ يَجُزْ أنْ نُقدِّرَ على الحذفِ؛ لاستغنائه عن المحذوفِ، وتمامِه على صِحَّةِ معناه، وإنما هو غلطٌ ممن قدَّره هذا التقديرَ».
٢ - أسلوبُ التَّغليبِ:
ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢]، قال: «ويقال: كيفَ جازَ عقابُهم على ما لم يفعلوه من قتلِ الأنبياءِ ـ صلواتُ الله عليهم ـ وإنما فعله أسلافُهم دونهم؟
الجوابُ: فيه وجهانِ:
الأولُ: أن يكونَ العقابُ إنما هو على رضاهم بذلك، إلاَّ أنَّه أجرى عليهم صفةَ القتلِ لِعِظَمِ الجُرمِ في رضاهُم به، فكأنهم قد فعلوه، على نحو ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤]، وإنما أمرَ به.
الثاني: أن تكونَ الصِّفةُ تعمُّ الجميعَ، فدخلوا في الجملةِ، وتُجرى عليهم الصِّفةُ على التَّغليبِ، كما تُغلِّبُ المذكَّرَ على المؤنَّثِ، وكذلكَ تُغلِّبُ القاتلَ على الرَّاضي» (١).
أثر المعتقد في التَّفسير اللُّغويِّ عند الرُّمَّانيِّ:
لقد نصَّ من ترجمَ للرُّمَّانيِّ على أنَّه معتزليٌّ، وقد كانَ كذلكَ كما هو ظاهرٌ من كتابِه (الجامعِ لعلمِ القرآنِ)، وفي هذا الجزءِ المخطوطِ ذكرَ مسائلَ من معتقداتِه الاعتزاليَّةِ؛ كالمنْزلةِ بين المنْزلتينِ (٢)، والأمرِ بالمعروفِ والنهي
стр. 213
عن المنكرِ (١)، وأفعالِ العبادِ (٢)، وتأويلِ الشَّفاعةِ الواردةِ في أهلِ الكبائرِ (٣)، وحملِ صفاتِ اللهِ على المجازِ (٤)، وغيرِها من المباحثِ العقديَّةِ الاعتزاليَّةِ.
وسأذكر أمثلةً لأثرِ بعضِ هذه العقائدِ على التَّفسيرِ اللُّغويِّ عنده، واللهُ الموفِّقُ:
* في قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١]، قال: «ويقالُ: ما التَّعجُّبُ؟
الجوابُ: حدوثُ إدراكِ ما لم يكنْ يُقدَّرُ لِخَفاءِ سببِه، وخروجِه عن العادةِ في مثلِه، ولذا لمْ يَجُزْ في صفاتِ القديمِ (٥)، ولكنْ يجوزُ في صفتِه تعجيبُ العبادِ من بعضِ الأمورِ، وصيغتُه التي تدلُّ عليه في لغة العربِ: ما أفعلَهُ، وأفعِلْ به، إلاَّ أنَّه قد يجيءُ كلامٌ مُضمَّنٌ معنى التَّعجُّبِ، وإنْ لم يكنْ في الأصلِ له».
لقد أنكرَ الرُّمَّانيُّ (ت:٣٨٤) صفةَ العُجْبِ للهِ سبحانَه، وهي من الصِّفاتِ الاختياريَّةِ التي أخبرَ اللهُ عن نفسِه أنَّه يتَّصفُ بها، وأخبرَ بها عنه أعلمُ الخلقِ به محمد ﷺ .
لذا فالصَّوابُ أنْ يُثبتَ معنى هذه الصِّفةِ للهِ على الحقيقةِ، ولكن يُعلمُ قطعاً أنَّ اتِّصافَ اللهِ بها غيرُ اتِّصافِ المخلوقينَ، أمَّا أنْ تُحملَ على هذا المجازِ الذي حملَه عليه، فلا يصحُّ، مع إمكانِ الحقيقةِ، واللهُ أعلمُ.
стр. 214
* في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، قال: «ويقالُ: ما معنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هنا؟
الجوابُ: فيه قولانِ:
الأول: بحيثُ لا يملكُ لهم أحدٌ نفعاً ولا ضرًّا إلاَّ ربُّهم، وليسَ ذلكَ على قُربِ المسافةِ؛ لأنَّه من صفةِ الأجْسامِ.
والوجهُ الآخرُ: عند ربِّهم أحياءُ، من حيثُ يعلمُهم كذلكَ دون النَّاسِ، عن أبي عليٍّ (١)».
إذا تأمَّلتَ هذينِ التَّوجيهينِ للعنديَّةِ، تبيَّنَ لكَ حملُها على المجازِ، وليسَ ذلك بصوابٍ، بل تُحملُ العنديَّةُ على الحقيقةِ، والقاعدةُ في صفاتِ اللهِ حملُها على الحقيقةِ، دونَ تمثيلٍ ولا تعطيلٍ ولا تأويلٍ، وليس يلزمُ هذا الإشكالُ الَّذي أورَدَه إلاَّ على من وقعَ في التَّشبيهِ، ففرَّ إلى التَّأويلِ، بل التَّحريفِ، وهذا يتضمَّنُ إنكارَ صفةِ العُلُوِّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ فسَّرَ معنى حياةِ الشُّهداء في هذه الآية، فقال: «أرواحُهم في جوفِ طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديلُ معلَّقةٌ بالعرشِ، تسرحُ من الجنَّةِ حيثُ شاءتْ ...» (٢)، فإذا كانتْ معلَّقةً بالعرشِ الذي استوى عليه الرَّحمنُ، فهي عنده، وهي أقربُ من غيرِها إليه، وإلا لما كانَ لهم مزيَّةٌ بهذه العنديَّةِ، واللهُ أعلمُ.
* في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، قال: «ويقال: ما معنى ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾؟
стр. 215
الجوابُ: إنَّما نُمْلِي لهم على أنَّ عاقبةَ أمرِهم ازديادُ الإثمِ، وهذه لام العاقبةِ، والدَّليلُ عليها: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] (١). قال الشَّاعرُ (٢):
وَأُمَّ سِمَاكٍ لا تَجْزَعِي ... فَلِلْمَوتِ مَا تَلِدُ الوَالِدَه
فَأقْسِمُ لَو قَتَلُوا مَالِكاً ... لَكُنْتُ لَهُم حَيَّةً رَاصِدَه
وقال آخرُ (٣):
أمْوَالُنَا لِذَوِي المِيرَاثِ نَجْمَعُهَا ... وَدُورُنَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ نَبْنِيهَا
وقال آخرُ (٤):
وَلِلْمَنَايَا تُرَبِّي كُلُّ مُرْضِعَةٍ ... وَلِلْخَرَابِ يُجِدُّ النَّاسُ بُنْيَانَا
وقال (٥):
........ ... لِدُوا لِلْمَوتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ
ويقولُ: ما تزيدُك موعظتي إلاَّ شرًّا، وما أراها عليكَ إلاَّ وبالاً.
ويُقالُ: لِمَ لا يجوزُ أن تُحملَ ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ على الأظهرِ من معنى اللامِ، وهو الإرادةُ لازديادِ الآثامِ.