* الأساليبُ العربيَّةُ:
لقد كتبَ الرُّمَّانيُّ (ت:٣٨٤) في علمِ بلاغةِ القرآنِ كتابَه (النُّكت في إعجاز القرآنِ)، وقد تحدَّثَ فيه عن بعضِ أساليبِ العربِ في الخطابِ، واستشهدَ لما وردَ منها في القرآنِ، أمَّا في تفسيرِه، فقد ظهرَ بعضُها، وكان يأتي على أسلوبِ القاعدةِ العلميَّةِ (١)، ومن الأساليبِ التي ذكرها:
١ - أسلوبُ الحذفِ:
عرَّف الرُّمَّانيُّ الحذفَ فقال: «إسقاطُ كلمةٍ للاجتزاء عنها بدلالةِ غيرها من الحالِ أو فحوى الكلامِ» (٢).
وقال في أسلوب الحذفِ أيضاً: «... والحذفُ: لا بدَّ فيه من خَلَفٍ يُستغنى به عن المحذوفِ» (٣).
وهذا يعني أنَّه يرى وجودَ الحذفِ (٤)، إلاَّ أنَّه لا يرى أنَّ كلَّ ما قيل فيه: إنَّه محذوفٌ، أنَّه يكونُ كذلكَ، ولهذا استفادَ بهذا القيدِ في أسلوبِ الحذف في ردِّ بعضِ ما ادُّعي أنه كذلكَ (٥).
ومما وردَ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ
стр. 212
اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] قوله: «فإن قيلَ: هل يجوزُ أن يكونَ التَّقديرُ: ففي ثواب رحمة اللهِ هم فيها خالدونَ، فحذفَ كما حذفَ ﴿اسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
الجواب: لا، من قِبَلِ أنَّ الرَّحمةَ هنا: هي ثوابُ اللهِ للمطيعينَ، وإذا صحَّ الكلامُ من غيرِ حذفٍ، لمْ يَجُزْ أنْ نُقدِّرَ على الحذفِ؛ لاستغنائه عن المحذوفِ، وتمامِه على صِحَّةِ معناه، وإنما هو غلطٌ ممن قدَّره هذا التقديرَ».
٢ - أسلوبُ التَّغليبِ:
ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢]، قال: «ويقال: كيفَ جازَ عقابُهم على ما لم يفعلوه من قتلِ الأنبياءِ ـ صلواتُ الله عليهم ـ وإنما فعله أسلافُهم دونهم؟
الجوابُ: فيه وجهانِ:
الأولُ: أن يكونَ العقابُ إنما هو على رضاهم بذلك، إلاَّ أنَّه أجرى عليهم صفةَ القتلِ لِعِظَمِ الجُرمِ في رضاهُم به، فكأنهم قد فعلوه، على نحو ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤]، وإنما أمرَ به.
الثاني: أن تكونَ الصِّفةُ تعمُّ الجميعَ، فدخلوا في الجملةِ، وتُجرى عليهم الصِّفةُ على التَّغليبِ، كما تُغلِّبُ المذكَّرَ على المؤنَّثِ، وكذلكَ تُغلِّبُ القاتلَ على الرَّاضي» (١).
أثر المعتقد في التَّفسير اللُّغويِّ عند الرُّمَّانيِّ:
لقد نصَّ من ترجمَ للرُّمَّانيِّ على أنَّه معتزليٌّ، وقد كانَ كذلكَ كما هو ظاهرٌ من كتابِه (الجامعِ لعلمِ القرآنِ)، وفي هذا الجزءِ المخطوطِ ذكرَ مسائلَ من معتقداتِه الاعتزاليَّةِ؛ كالمنْزلةِ بين المنْزلتينِ (٢)، والأمرِ بالمعروفِ والنهي
стр. 213
عن المنكرِ (١)، وأفعالِ العبادِ (٢)، وتأويلِ الشَّفاعةِ الواردةِ في أهلِ الكبائرِ (٣)، وحملِ صفاتِ اللهِ على المجازِ (٤)، وغيرِها من المباحثِ العقديَّةِ الاعتزاليَّةِ.
وسأذكر أمثلةً لأثرِ بعضِ هذه العقائدِ على التَّفسيرِ اللُّغويِّ عنده، واللهُ الموفِّقُ:
* في قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١]، قال: «ويقالُ: ما التَّعجُّبُ؟
الجوابُ: حدوثُ إدراكِ ما لم يكنْ يُقدَّرُ لِخَفاءِ سببِه، وخروجِه عن العادةِ في مثلِه، ولذا لمْ يَجُزْ في صفاتِ القديمِ (٥)، ولكنْ يجوزُ في صفتِه تعجيبُ العبادِ من بعضِ الأمورِ، وصيغتُه التي تدلُّ عليه في لغة العربِ: ما أفعلَهُ، وأفعِلْ به، إلاَّ أنَّه قد يجيءُ كلامٌ مُضمَّنٌ معنى التَّعجُّبِ، وإنْ لم يكنْ في الأصلِ له».
لقد أنكرَ الرُّمَّانيُّ (ت:٣٨٤) صفةَ العُجْبِ للهِ سبحانَه، وهي من الصِّفاتِ الاختياريَّةِ التي أخبرَ اللهُ عن نفسِه أنَّه يتَّصفُ بها، وأخبرَ بها عنه أعلمُ الخلقِ به محمد ﷺ .
لذا فالصَّوابُ أنْ يُثبتَ معنى هذه الصِّفةِ للهِ على الحقيقةِ، ولكن يُعلمُ قطعاً أنَّ اتِّصافَ اللهِ بها غيرُ اتِّصافِ المخلوقينَ، أمَّا أنْ تُحملَ على هذا المجازِ الذي حملَه عليه، فلا يصحُّ، مع إمكانِ الحقيقةِ، واللهُ أعلمُ.
стр. 214
* في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، قال: «ويقالُ: ما معنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هنا؟
الجوابُ: فيه قولانِ:
الأول: بحيثُ لا يملكُ لهم أحدٌ نفعاً ولا ضرًّا إلاَّ ربُّهم، وليسَ ذلكَ على قُربِ المسافةِ؛ لأنَّه من صفةِ الأجْسامِ.
والوجهُ الآخرُ: عند ربِّهم أحياءُ، من حيثُ يعلمُهم كذلكَ دون النَّاسِ، عن أبي عليٍّ (١)».
إذا تأمَّلتَ هذينِ التَّوجيهينِ للعنديَّةِ، تبيَّنَ لكَ حملُها على المجازِ، وليسَ ذلك بصوابٍ، بل تُحملُ العنديَّةُ على الحقيقةِ، والقاعدةُ في صفاتِ اللهِ حملُها على الحقيقةِ، دونَ تمثيلٍ ولا تعطيلٍ ولا تأويلٍ، وليس يلزمُ هذا الإشكالُ الَّذي أورَدَه إلاَّ على من وقعَ في التَّشبيهِ، ففرَّ إلى التَّأويلِ، بل التَّحريفِ، وهذا يتضمَّنُ إنكارَ صفةِ العُلُوِّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ فسَّرَ معنى حياةِ الشُّهداء في هذه الآية، فقال: «أرواحُهم في جوفِ طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديلُ معلَّقةٌ بالعرشِ، تسرحُ من الجنَّةِ حيثُ شاءتْ ...» (٢)، فإذا كانتْ معلَّقةً بالعرشِ الذي استوى عليه الرَّحمنُ، فهي عنده، وهي أقربُ من غيرِها إليه، وإلا لما كانَ لهم مزيَّةٌ بهذه العنديَّةِ، واللهُ أعلمُ.
* في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، قال: «ويقال: ما معنى ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾؟
стр. 215
الجوابُ: إنَّما نُمْلِي لهم على أنَّ عاقبةَ أمرِهم ازديادُ الإثمِ، وهذه لام العاقبةِ، والدَّليلُ عليها: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] (١). قال الشَّاعرُ (٢):
وَأُمَّ سِمَاكٍ لا تَجْزَعِي ... فَلِلْمَوتِ مَا تَلِدُ الوَالِدَه
فَأقْسِمُ لَو قَتَلُوا مَالِكاً ... لَكُنْتُ لَهُم حَيَّةً رَاصِدَه
وقال آخرُ (٣):
أمْوَالُنَا لِذَوِي المِيرَاثِ نَجْمَعُهَا ... وَدُورُنَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ نَبْنِيهَا
وقال آخرُ (٤):
وَلِلْمَنَايَا تُرَبِّي كُلُّ مُرْضِعَةٍ ... وَلِلْخَرَابِ يُجِدُّ النَّاسُ بُنْيَانَا
وقال (٥):
........ ... لِدُوا لِلْمَوتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ
ويقولُ: ما تزيدُك موعظتي إلاَّ شرًّا، وما أراها عليكَ إلاَّ وبالاً.
ويُقالُ: لِمَ لا يجوزُ أن تُحملَ ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ على الأظهرِ من معنى اللامِ، وهو الإرادةُ لازديادِ الآثامِ.
стр. 216
الجوابُ: لأنَّه لو أرادَه منهم؛ لكانوا مُطيعينَ له بفعله، ولأنَّ إرادةَ القبيحِ عبثٌ، وقد نفى اللهُ ذلك لقوله : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون:١١٥]، ولأنَّه يُردُّ إلى المحكمِ في قوله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]».
انظرْ، كَمْ حشدَ في هذا المثالِ من الأشعارِ لإثباتِ أنَّ اللاَّمَ في الآية هي لامُ العاقبةِ، وقد نصَّ صراحةً على مخالفةِ الظَّاهرِ من معنى اللاَّم، وسببُ مخالفتِه، فَهْمُه الاعتزاليُّ الخطأُ في الإرادةِ الإلهيَّةِ، فجعلَ كلَّ ما يريدُه اللهُ، محبوباً له، ويُبنى عليه أن يكونَ مريداً لزيادةِ الإثمِ لهمْ، وهذا قبيحٌ عنده، ولذا حَرَفَ معنى اللاَّمِ الدَّالِّ عليها هنا إلى لامِ العاقبةِ (١)، وليسَ ذلكَ بصوابٍ، بل اللهُ يفعلُ ما يريدُ، وفعلُه محمودٌ، وهو كمالٌ لا يلحقُه قبحٌ ولا نقصٌ كما يتوهَّمُه المعتزلةُ أو غيرُهم الَّذينَ لم ينتبهوا للفرقِ بين الإرادةِ الكونيَّةِ والإرادةِ الشَّرعيَّةِ، ولذا يؤوِّلُ كلَّ إرادةِ كونيَّةٍ بسببِ سوءِ فهمِه لها؛ كتفسيرِه لقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، قال: «ويقالُ: ما معنى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ﴾؟
الجوابُ: يريدُ أنْ يُحبِطَ أعمالَهم بما استحقُّوه من إجرامِهم، عن ابن إسحاقَ (٢).
ويجوزُ أن يكونَ بمعنى: يريدُ اللهُ أن يحكمَ بحرمانِ ثوابِهم الَّذي
стр. 217
عرضوا له بتكليفهم»، وذكر جواباً لأبي عليِّ الجُبَّائيِّ، وهو: «سيريدُ في الآخرةِ حرمانهم الثوابَ إحباطِهم إيمانَهم بكفرِهم».
والإرادةُ الكونيَّةُ فيها جانبانِ:
الأول: لا يلزمُ فيها أنْ تكونَ من محبوباتِ الله، ولذا قد يقعُ بها إرادةُ الشَّرِّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: ٣٤].
الثَّاني: أنَّها تقعُ كما أرادَ اللهُ سبحانَه، وهي لا تتخلَّفُ أبداً؛ لارتباطِها بفعلِه ـ سبحانَه ـ وهو الفعَّالُ لما يريدُ، لا يردُّه أحدٌ عما أرادَ وقضى.
والإرادةُ الشَّرعيَّةُ فيها جانبان:
الأول: أنَّها لا تكونُ إلاَّ فيما يُحبُّه اللهُ؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فالتَّخفيفُ على العبادِ في الطَّاعةِ في حالِ المرضِ أو السَّفرِ محبوبٌ للهِ سبحانه.
الثَّاني: أنَّه لا يلزمُ وقوعُها، لتعلُّقِها بفعلِ العبدِ، فقدْ يفعلُ ما يريدُه اللهُ منه شرعاً، وقد لا يفعلُ؛ كإباحةِ الفِطْرِ للمسافرِ والمريضِ، قد يقعُ منهما، وقد يصومانِ، وهو عليهما شاقٌّ، واللهُ يريدُ؛ أي: يُحبُّ التَّخفيفَ عليهما؛ لكنْ لم يقع بصومهما (١).
وبهذا يزولُ الإشكالُ الواردُ على هذه العقولِ، واللهُ الموفِّقُ، والهادي إلى سواءِ السَّبيلِ.
وقبل أن أختِمَ الحديث عن كتاب (الجامع لعلم القرآن)، أُشيرُ إلى كثرةِ
стр. 218
نقلِ الرُّمَّانيِّ (ت:٣٨٤) للتَّفسيرِ الواردِ عن السَّلفِ (١)، وهذا مما يحسبُ له، وإن كان يؤخذُ عليه عدم اعتمادِ عقيدتِهم، وأخذُه بما خالَفها، وأكتفي بهذا القدرِ، واللهُ الموفِّقُ.
стр. 219
ثالثاً المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
ألَّفَ ابنُ عطية (ت:٥٤٢) (١) كتابه المحرر الوجيز جامعاً فيه علوم التَّفسيرِ، معتمداً على مصادر التفسيرِ الأصيلة، فقال: «... ففزعتُ إلى تعليقِ ما يَتَنخَّل (٢) لي في المناظرةِ من علم التَّفسيرِ، وترتيبِ المعاني.
وقصدتُ أن يكونَ جامعاً وجيزاً، لا أذكر فيه من القصص إلاَّ ما لا تنفكُّ الآية إلاَّ به.
وأثبتُّ أقوال العلماء في المعاني منسوبة إليهم، على ما تلقَّى السَّلفُ الصالحُ ـ رضوانُ اللهِ عليهم ـ كتابَ اللهِ تعالى من مقاصدِ العربيةِ، السليمةِ من إلحادِ أهلِ القولِ بالرُّموزِ، وأهلِ القولِ بالباطنِ وغيرهم، فمتى وقع لأحد من العلماءِ الذين حازوا حسن الظنِّ بهم لفظٌ ينحو إلى شيءٍ من أغراضِ الملحدين، نبَّهتُ عليه.
وسردتُ التَّفسيرَ في هذا التَّعليقِ بحسبِ رُتبةِ ألفاظِ الآيةِ: من حُكْمٍ، أو نَحْوٍ، أو لُغَةٍ، أو قراءةٍ.
стр. 220
وقصدتُ تتبُّع الألفاظ حتى لا يقعَ طَفَرٌ (١) كما في كثير من كتب المفسرين» (٢).
وبهذا الكلامِ أبانَ ابنُ عطية (ت:٥٤٢) عن شيءٍ من منهجه، وفيه ما أنا بصددِه، وهو التَّفسيرُ اللُّغويُّ، وقد عَقَدَ فصلاً في تفسيرِ القرآنِ والكلامِ على لغتِه والنَّظرِ في إعرابِه ودقائقِ معانيه (٣).
وبتتبُّع التَّفسيرِ اللُّغويِّ عند ابن عطية (ت:٥٤٢) وغيرِه منَ المفسِّرينَ، لا يظهرُ اختلافٌ بينهم في أصولِ مسائِله: من الاستفادةِ من اللُّغةِ وشواهدِها، غير أنَّ التَّميّزَ قد يقع في كثرةِ الاعتمادِ وقِلَّتِه، وطريقةِ الأخذِ باللَّغةِ والتَّرجيحِ بها، وطريقةِ أداءِ معاني القرآن بما يطابقها من لغة العربِ، وهو ما يسميه ابنُ عطيةَ (ت:٤٥٢) ـ أحياناً ـ بتحريرِ معنى اللَّفظِ في لغةِ العربِ.
وقد سلك ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) الطَّريق نفسه الذي سلكه من كان قبله، من تفسير ألفاظ القرآن بدون ذكر الشَّاهدِ اللُّغويِّ، وبذكرِ الشَّاهدِ اللُّغويِّ، وبذكر المحتملات اللُّغويَّةِ، وتوجيه القراءات مختلفاتِ المعنى، والتَّرجيحِ باللُّغةِ.
وسأذكر لهذه الأنواع أمثلةً، مع ذكر ما تميَّز به ابن عطيَّة (٥٤٢) في تفسيره، واللهُ الموفِّقُ.
أوَّلاً: مفردات ألفاظ القرآن:
يظهرُ في تفسيرِ الألفاظِ عندَ ابن عطية (ت:٥٤٢)، حرصُه على تحريرِ معنى اللَّفظِ في اللُّغةِ، خصوصاً إذا وردَ تفسيرُ السَّلفِ بغيرِ مطابقِ اللَّفظِ، وله في ذلك براعةٌ وإبداعٌ عجيبٌ.
стр. 221
ومن ذلك:
١ - تفسيرُه للفظ «الغيب» في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، قال: «والغيب في اللغةِ: ما غاب عنكَ من أمرٍ، ومن مطمئنِّ الأرضِ الذي يغيبُ فيه داخلُه» (١).
وقد ذكر قبل ذلك أقوالَ المفسرينَ، ثمَّ ختمها بهذا البيانِ، فقال: «وقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾، قالت طائفةٌ: معناه: يصدِّقونَ إذا غابوا وخَلَوا، لا كالمنافقينَ الذينَ يؤمنونَ إذا حضروا، ويكفرونَ إذا غابوا.
وقال آخرونَ: يصدقونَ بما غابَ عنهم مما أخبرتْ به الشرائعُ.
واختلفتْ عباراتُ المفسرينَ في تمثيلِ ذلك، فقالت فرقةٌ: الغيبُ في هذه الآيةِ: اللهُ .
وقال آخرونَ: القضاءُ والقدرُ.
وقالَ آخرونَ: القرآنُ وما فيه من الغيوبِ.
وقال آخرونَ: الحشرُ والصِّراطُ والميزانُ والجنَّةُ والنَّارُ.
وهذه الأقوالُ لا تتعارضُ، بل يقعُ الغيبُ على جميعِها.
والغيب في اللغةِ: ما غاب عنكَ من أمرٍ، ومن مطمئنِّ الأرضِ الذي يغيبُ فيه داخلُه» (٢).
فتراه في هذا المثالِ بيَّنَ المعنى اللُّغويَّ للغيبِ، وبيَّنَ أن تفسيرَ المفسرينَ له بما ذكرَه عنهم إنما هو على سبيلِ المثالِ لنوعٍ من أنواعِ الغيبِ.
٢ - وفي تفسيرِه للفظِ «تفكَّهون» من قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥]، قال: «و ﴿تَفَكَّهُونَ﴾، قال ابن عباسٍ، ومجاهد، وقتادة: معناه: تعجبونَ.
стр. 222
وقال عكرمةُ: تلاومونَ.
وقال الحسنُ: تندمونَ.
وقال ابن زيدٍ: تتفجَّعونَ.
وهذا كله تفسيرٌ لا يخصُّ اللفظةَ، والذي يخصُّ اللَّفظَةَ هو: تطرحونَ الفكاهة عن أنفسكم، وهي المسرَّةُ والجَذَلُ (١). ورجلٌ فَكِهٌ: إذا كانَ منبسطَ النَّفسِ، غيرَ مكترثٍ بشيءٍ.
وتَفَكَّهَ، من أخواتِ تَحَرَّجَ وَتَحَوَّبَ» (٢).
٣ - وفي قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَياتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، قال في تفسيرِ لفظِ ﴿فَوْرِهِمْ﴾: «والفورُ: النهوضُ المسرعُ إلى الشيءِ، مأخوذٌ من فَورِ القِدْرِ والماءِ ونحوِه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]، فالمعنى: ويأتوكم في نهضتِهم هذه.
قال ابن عباس: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾: معناه: من سفرهم هذا.
وقال الحسن، والسُّدِّيُّ: معناه: من وجههم هذا، وقاله قتادة.
стр. 223
وقال مجاهد، وعكرمة، وأبو صالح مولى أمِّ هانئ (١): من غضبِهِم هذا.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله تعالى: وهذا تفسيرٌ لا يخصُّ اللَّفظةَ، وقد يكونُ الفورُ لغضبٍ ولطمعٍ ولرغبةٍ في أجرٍ، ومنه الفورُ في الحجِّ والوضوءِ» (٢).
فبيَّن هنا أصل لفظِ الفورِ في اللُّغة، ثم بين أنَّ تفسيره بالغضبِ ليس مطابقاً، وإنما هو تفسيرٌ بالسببِ.
وقد يذكر الشَّاهدَ الشِّعريَّ للَّفظِ الَّذي يفسِّره، ومن ذلك:
١ - في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: ٥٧]، قال: «و ﴿تَثْقَفَنَّهُمْ﴾، معناه: تأسرهم، وتحصلهم في ثقافك، أو تلقاهم في حالِ ضعفٍ تقدِرُ عليهم فيها وتغلبهم، وهذا من لازم اللفظِ؛ لقوله: ﴿فِي الْحَرْبِ﴾.
وقيلَ: ثقف: أخذ بسرعةٍ، ومن ذلك قولهم: رجلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ (٣).
وقال بعضُ الناسِ: معناه: تُصادِفنَّهم، إلى نحو هذا من الأقوالِ التي لا ترتبطُ في المعنى، وذلك أن المصادَفَ قد يُغْلَبُ، فيمكنُ التَّشريدُ به، وقد لا يُغلب.
стр. 224
والثقافُ في اللُّغةِ: ما تُشدُّ به القناةُ ونحوُها، ومنه قول الشاعرِ (١):
إنَّ قَنَاتِي لَنَبْعٌ مَا يُؤَيِّسُهَا ... عَضُّ الثِّقَافِ ولاَ دُهْنٌ ولاَ نَارُ
وقال آخر (٢):
تَدْعُو قُعَيناً وَقَدْ عَضَّ الحَدِيدُ بِهَا ... عَضَّ الثِّقَافِ عَلَى صُمِّ الأنَابِيبِ» (٣)
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]، قال: «واستهوته: استفعلته، بمعنى: استدعت هواه وأمالته.
قال أبو عبيدة: ويحتمل هُوِيُّه وهو جِدُّه وركوب رأسه في النزوع إليهم (٤).
والهُوِيُّ، من هَوَى يَهْوِي، يُستعملُ في السقوطِ من عُلوٍ إلى أسفلَ، ومنه بيت الشاعر (٥):
стр. 225
هَوَى ابْنِي مِنْ ذَرَى شَرَفٍ ... فَزَلَّتْ رِجْلُهُ وَيَدُهُ
وهذا المعنى لا مدخل له في هذه الآيةِ، إلاَّ أن تُتَأوَّلُ اللَّفظةُ بمعنى: ألقته الشياطينُ في هُوَّةٍ، وقد ذهب إليه أبو عليٍّ (١)، وقال: هو بمعنى أهوى، كما أنَّ استزلَّ، بمعنى أزلَّ (٢).
قال القاضي أبو محمد ﵀: والتحرير أن العربَ تقولُ: هَوِيَ، وأهواه غيره، واستهواه، بمعنى: طلب منه أن يهويَ هو، أو طلبَ منه أن يُهوِي شيئاً.
ويُستعمل الهُوِيُ أيضاً في ركوبِ الرأسِ في النُّزوعِ إلى الشيءِ، ومنه قوله ﵎: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، ومن قول شاعرِ الجنِّ (٣):
تَهْوِي إلَى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدَى ... مَا مُؤْمِنُ الجِنِّ كَأنْجَاسِهَا
وهذا هو المعنى الذي يليقُ بالآيةِ» (٤).
٣ - وفي قوله: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٦]، قال: «والشَّوى: جِلدُ
стр. 226
الإنسانِ، وقيل: جِلدُ الرأسِ والهَامَةِ، قاله الحسنُ، ومنه قول الأعشى (١):
قَالَتْ قُتَيلَةُ مَا لَهُ قّدْ ... جُلِّلَتْ شَيباً شَوَاتُهُ؟
ورواه أبو عمرو بن العلاء: سَرَاتُهُ، فلا شاهدَ في البيت على هذه الرواية (٢).
قال أبو عبيدة: سمعتُ أعرابياً يقول: اقشعرَّت شواتي (٣).
والشوى أيضاً: قوائم الحيوان، ومنه: عَبْلُ الشَّوى (٤).
والشَّوى أيضاً: كلُّ عضوٍ ليس بمقتلٍ، ومنه: رمى، فأشوى، إذا لم يُصِبْ المقتلَ.
وقال ابن جبير: الشَّوى: العصبُ والعَقِبُ.
فنار لظى تُذهِبُ هذا من ابن آدمَ وتنْزعه» (٥).
стр. 227
والأمثلةُ التي فيها الاستشهادُ بأشعارِ العربِ كثيرةٌ (١)، والمقصود هنا الاستشهادُ لبعضها.
وبمناسبةِ ما ذكره من روايةِ أبي عمرو بن العلاءِ لبيتِ الأعشى، فإنه مما يحسنُ دَرْسُه في بيانِ استشهاداتِ المفسِّرينَ بأشعارِ العربِ: رصدُ آرائهم في بعضِ الشَّواهِدِ الشِّعريَّةِ، وأثرها في تفسيرِ ألفاظِ القرآن الكريم، ومن ذلك:
١ - ما ذكر في تفسيرِ السَّلوى من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧].
قال ابن عطية (٥٤٢): «والسَّلوى طيرٌ، بإجماعٍ من المفسِّرينَ» (٢)، ثمَّ قال: «وقد غلطَ الهذليُّ، فقال (٣):
وَقَاسَمَهَا بِاللهِ عَهْداً لأنْتُم ... ألَذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَا نَشُورُهَا
ظنَّ السَّلوى العسلَ» (٤).
стр. 228
وقدْ دلَّ الشَّاعرُ بقولِه: «نَشُورُهَا» على أنَّ المرادَ به العسلُ؛ لأنه هو الذي يُشَارُ، فكلمة «شَارَ» مختصَّةٌ بِجَنْيِ العسلِ.
وهذا من تغليطِ العربِ، وهو مذهبٌ لبعضِ اللُّغويِّين، وفي هذا المذهبِ نظرٌ ودراسةٌ ليسَ هذا محلُّها، وإنما المراد هنا ذكرُ ما ذهب إليه ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) (١).
٢ - وما ذكره في قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، قال: «الخطابُ للنبيِّ ﷺ ، والمرادُ أمته.
وامترى في الشَّيءِ إذا شكَّ فيه، ومنه المراء؛ لأنَّ هذا يشكُّ في قولِ هذا. وأنشدَ الطَّبريُّ (٢) شاهداً على أنَّ الممترينَ شاكُّونَ قولَ الأعشى (٣):
تَدُرُّ عَلَى أسْؤُقِ المُمْتَرِيـ ... ـنَ رَكْضاً إذا مَا السَّرَابُ ارْجَحَنْ
ووهِم في ذلك؛ لأنَّ أبا عبيدةَ وغيره قالوا: الممترين في البيت: هم الذينَ يَمْرُونَ الخيلَ بأرجلِهم هَمْزاً لتجري (٤)؛ كأنهم يحتلبون الجريَ منها، فليس في البيت معنًى من الشَّكِّ كما قال الطبريُّ» (٥).
стр. 229
وهذا من المشكلات التي تحتاجُ إلى دراسةٍ في الشَّاهدِ الشِّعريِّ الذي يستشهدُ به المفسِّرونَ، ويكونُ ما استشهدوا به في غير محلِّه، كما في هذا المثالِ عند ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) (١).
ثانياً: المحتملاتُ اللُّغويَّة:
يُكثِرُ ابن عطيَّةَ (٥٤٢) من إيرادِ الاحتمالاتِ التَّفسيريَّةِ في الآيةِ، ومن تلكَ الاحتمالاتِ ما يكونُ بسببِ اللُّغةِ، وهو في أغلبِها ينقلُ ما فسَّرَه المفسِّرونَ أو أهلُ اللُّغةِ (٢)، ومن ذلكَ:
١ - قال في قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَاتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨]: «واضطربَ المتأوِّلون في معنى قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾، وعبَّر ابن زيد عنه بطريق الجنَّةِ، ونحو هذا من العبارات التي تُفسِّرُ بالمعنى، ولا تختصُّ بنفسِ اللفظِ.
وبعضهم نحا في تفسيرِ اللفظةِ إلى ما يختصُّها، والذي يتحصَّلُ من ذلك معانٍ؛ منها: أن يُريدَ باليمينِ القوَّة والشِّدَّةُ، فكأنهم قالوا: إنكم كنتم تُغوُوننا بقوَّةٍ منكم، وتحملوننا على طريقِ الضلالةِ بمتابعةٍ منكم في شِدَّةٍ، فعبَّر عن هذه المعاني باليمينِ؛ كقولِ العربِ: بيدينِ ما أوردَ، وكما قالوا: اليد ـ في غير هذا الموضع ـ عن القوة (٣).
стр. 230
وقد ذهب بعض الناس ببيت الشَّمَّاخِ (١) هذا المذهب، وهو قوله (٢):
إذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّهَا عَرَابَةُ بِاليَمِينِ
فقالوا: معناه: بقوة وعزيمة، وإلاَّ، فكلُّ أحدٍ يتلقَّاها بيمينه، لو كانت الجارحة، وأيضاً: لما استعار الرايةَ للمجدِ، فكذا لم يُرِدْ باليمينِ الجارحة.
ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يُريدوا: إنكم كنتم تأتوننا من الجِهةِ التي يُحسِّنها تمويهُكم وإغواؤكم، ويظهر فيها أنها جهةُ الرشد والصواب، فتصير عندنا كاليمين الذي يتيمَّنُ بالسانح الذي يجيئنا من قِبَلِها، فكأنهم شبَّهوا أقوال هؤلاء المُغوِينَ بالسَّوانحِ التي هي عندهم محمودة؛ كأن التمويه في هذه الغويات قد أُظهِرَ فيها ما يُوشِكُ أن يُحمدَ به ...» (٣).
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]، قال: «قوله تعالى: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾، قال أبو سعيد الخدري، وقتادة، ومجاهد: معناه: بيَّنها لهم؛ أي: جعلهم يعرفون منازلهم منها. وفي نحو هذا المعنى قولُ النبي ﷺ : «لأحدكم بمنْزله في الجنة أعرف منه بمنْزله في الدنيا» (٤).
стр. 231
وقالت فرقةٌ: معناه: سمَّاها لهم، ووَسَمَهَا، كلُّ منْزلٍ باسمِ صاحبِهِ، فهذا نَحْوٌ منَ التَّعريفِ.
وقالت فرقةٌ: معناه: شرَّفها لهم، ورفعَها وعلاَّها، وهذا من الأعرافِ التي هي الجبالُ وما أشبهَها، ومنه: أعرافُ الخيلِ.
وقال مؤرجٌ وغيرُه: معناه: طيَّبَها، مأخوذ من العَرْفِ، ومنه: طعامٌ مُعَرَّفٌ؛ أي: مطيَّبٌ، وعرَّفتُ القِدْرَ؛ أي طيَّبتُها بالملحِ والتوابلِ» (١).
ثالثاً: الترجيح باللغة:
يكثرُ في ترجيحاتِ ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) أنْ لا يذكُرَ فيها مستندَ الترجيحِ، بل يضعِّفُ بعضَ الأقوالِ أو يقوِّيها دونَ أن يذكرَ سببَ ذلكَ، ومن ذلك ترجيحُه لبعضِ الأقوالِ بسببِ اللُّغة، ومما صرَّحَ فيه بالاعتمادِ على اللُّغةِ في الترجيحِ:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، قال: «والجوارحُ: الكواسبُ، على ما تقدَّم.
وحكى ابن المنذرِ (٢) عن قومٍ أنهم قالوا: الجوارِحُ، مأخوذٌ من الجِراحِ؛ أي: الحيوانُ الذي له نابٌ، أو ظُفُرٌ، أو مِخلبٌ به صيدُه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله تعالى: وهذا قولٌ ضعيفٌ، وأهلُ اللُّغةِ على خلافِه» (٣).
стр. 232
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣] قال: «وقرأ جمهورُ النَّاسِ: «صُوَرَكُمْ» بضمِّ الصَّادِ.
وقرأ أبو رزين «صِوركم» بكسرِ الصَّادِ (١).
وهذا تعديدُ النِّعمةِ في حُسْنِ الخِلقَةِ؛ لأنَّ أعضاءَ ابن آدمَ متصرِّفةٌ في جميعِ ما تتصرَّفُ به أعضاءُ الحيوانِ وبزيادات كثيرةٍ فُضِّلَ بها، ثمَّ هو مُفضَّلٌ بحُسنِ الوجهِ، وجمالِ الجوارحِ.
وحُجَّةُ هذا، قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
وقالَ بعضُ العلماءِ: النِّعمةُ المُعدَّدةُ هنا إنما هي صورةُ الإنسانِ من حيثُ هو إنسانٌ مُدرِكٌ عاقلٌ، فهذا هو الذي حَسُنَ له حتَّى لَحِقَ ذلك كمالاتٌ كثيرةٌ.
قال القاضي أبو محمد ﵀: والقول الأول أجرى على لغة العربِ؛ لأنها لا تعرفُ الصُّورةَ إلاَّ الشَّكلَ» (٢).
ويظهرُ اعتمادُ ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) على اللُّغةِ في بيانِ التَّفسيرِ في مواطنَ كثيرةٍ؛ كتوجيهِ القراءاتِ، أو بيانِ ضعفِ قولٍ، أو ترجيحِ معنًى على غيرِه، أو بيان خروجِ القولِ إلى رموزٍ وباطنٍ ليسَ من معهودِ ألفاظِ القرآن، أو تفسيرِه بمصطلحاتٍ حادثةٍ، أو غيرِ هذه من التطبيقاتِ التي اعتمدَ فيها على اللُّغةِ كثيراً.
стр. 233
ومن الأمثلةِ التي تبيِّنُ ذلك:
١ - في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] بيَّن القراءاتِ، ووجَّه معانيها، فقال: «واختلف القراءُ في ذلكَ، فقرأ نافع (١) وعاصم (٢) وحمزة (٣) والكسائيُّ وابن عامرٍ (٤) ﴿خُلُقُ﴾ بضمِّ اللامِ (٥). فالإشارةُ بـ (هذا) إلى دينهم وعبادتهم وتصرُّفِهم في المصانِعِ؛ أي: هذا الذي نحن عليه خُلُقُ الناسِ وعادتُهم، وما بعدَ ذلكَ بعثٌ ولا تعذيبٌ كما تزعم أنت.
وقرأ ابن كثير (٦) وأبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو قِلابة «خُلْق» بضمِّ الخاءِ وسكونِ اللامِ، ورواها الأصمعيُّ (٧).
стр. 234
عن نافعٍ (١). وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو: «خَلْقُ الأوَّلِينَ» بفتحِ الخاء وسكونِ اللام، وهي قراءةُ ابن مسعودٍ، وعلقمةَ (٢)، والحسنِ (٣)، وهذا يحتمل وجهينِ:
أحدهما: ما هذا الذي تزعمه إلاَّ اختلاقُ الأولين من الكَذَبَةِ قبلك، فأنت على منهاجهم.
والثاني أن يريدوا: ما هذه البِنيةُ التي نحنُ عليها، إلاَّ البِنيةُ التي عليها الأوَّلونَ: حياةٌ وموتٌ، وما ثَمَّ بعثٌ ولا تعذيبٌ.
وكلُّ معنى مِمَّا ذكرتُه تحتملُه قراءةُ «خُلْق». وروى علقمةُ عن ابن مسعودٍ: (إلاَّ اختلاقُ الأوَّلينَ) (٤)» (٥).
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]، استخدمَ اشتقاقَ اللَّفظِ لبيانِ ضعفِ قولٍ في التَّفسيرِ، فقال: «وقالت فِرقةٌ: التنُّور: هو الفجرُ، والمعنى: إذا طلعَ الفجرُ، فاركب السفينةَ.
стр. 235
وهذا قولٌ رُويَ عن عليِّ بنِ أبي طالب ﵁، إلاَّ أنَّ التَّصريفَ يضعفُه، وكان يلزمُ أن يكونَ من التنوير» (١).
٣ - وفي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، قال: «وقال السُّدِّيُّ، وقتادةُ، وجمهورُ المفسِّرينَ: الظُّلماتُ: اللَّيلُ، والنُّورُ: النَّهارُ (٢).
وقالت فرقةٌ: الظُّلماتُ: الكفرُ، والنُّورُ: الإيمانُ (٣).
قال القاضي أبو محمدٍ ﵀: وهذا غيرُ جيِّدٍ؛ لأنه إخراجُ لفظٍ بيِّنٍ في اللُّغةِ، عن ظاهرِه الحقيقي إلى باطنٍ، لغيرِ ضرورةٍ.
وهذا هو طريقُ اللُّغزِ الَّذي بَرِئَ القرآنُ منه» (٤).
فجعلَ هذا القولَ غيرَ مُعتدٍّ به، لخروجه عن معنى لغةِ العربِ في دلالة اللَّفظِ، ونحوِه نحوَ الرَّمزِ.
٤ - وأشارَ في قول الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [النساء: ٨١] إلى أنَّ القرآن لا يُحملُ على المصطلحاتِ الحادثةِ، فقال: «والوكيلُ القائمُ بالأمورِ، المصلحُ لما يُخافُ من فسادِها. وليس ما غلبَ عليه الاستعمالُ في الوكيل في عصرنا بأصلٍ في كلامِ العربِ، وهي لفظةٌ رفيعةٌ وضعها الاستعمالُ العامِّيُّ كالعريفِ والنَّقيبِ وغيرِه» (٥).
стр. 236
٥ - ولذا اعترضَ على تعريفِ التوبةِ عندَ أبي المعالِي الجوينِي (ت:٤٧٨) (١): «وقال أبو المعالي في (الإرشادِ): التوبةُ في اصطلاحِ المتكلمينَ هي النَّدمُ (٢)، بعد أن قال: إنها في اللُّغةِ: الرجوعُ (٣)، ثُمَّ ركَّبَ على هذا أن قالَ: إنَّ الكافرَ إذا آمنَ ليسَ إيمانُه توبةً، وإنما توبتُه نَدَمُهُ بَعْدُ (٤).
قال القاضي أبو محمدٍ ﵀: والذي أقول: إنَّ التوبةَ عقدٌ في تركِ متوبٍ منه، يتقدَّمُها عِلْمٌ بفسادِ المتوبِ منه، وصلاحِ ما يرجعُ إليه، ويقترنُ بها ندمٌ على فارطِ المتوبِ منه لا ينفكُّ منه، وهو من شروطها.
فأقول: إنَّ إيمانَ الكافرِ هو التوبةُ من كفره؛ لأنه هو نفسُهُ رجوعُه.
وتابَ في كلامِ العربِ، معناه: رجعَ إلى الطَّاعةِ والأمثلِ من الأمورِ.
وتصرُّفُ اللَّفظةِ في القرآنِ بـ (إلى)، يقتضي أنها الرجوعُ لا الندم. وإنما الندمُ لاحِقٌ لازِمٌ للتَّوبةِ كما قلنا.
وحقيقةُ التَّوبةِ تركُ مثلِ ما تِيبَ منه عن عزْمَةٍ مُعتَقَدَةٍ على ما فسَّرناه، والله المستعانُ» (٥).
стр. 237
هذا، وتتبُّع أمثلةِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في مثلِ كتابِه تطولُ، وأظنُّ في ما نقلتُه الكفايةَ لبيانِ هذه المسألةِ، واللهُ الموفِّقُ.
أثر الاعتقاد على تفسيره:
لقد كانَ ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) أشعريَّ المعتقدِ، ويظهر ذلك من تتبُّع مسائل الاعتقادِ التي طرحها في تفسيرِه، حيث سارَ فيها على هذا المعتقدِ، كما تجد في تفسيرِه نقولاً عن بعضِ كُتبِ الأشاعرةِ؛ ككتاب الإرشادِ إلى قواعد الأدلة في أصول الاعتقاد، لأبي المعالي الجويني (ت:٤٧٨) (١).
ومن المسائل الاعتقاديَّةِ التي ذكرَها:
١ - التوحيد؛ كدليلِ العقلِ على الصانعِ (٢)، ودليل التمانع (٣)، وأنَّ أولَ واجبٍ على المكلفِ النَّظرُ (٤).
٢ - تقديم العقلِ على النَّقل (٥).
٣ - التَّحسينُ والتَّقبيحُ (٦).
стр. 238
٤ - مسائلُ الإيمانِ، كالمرادِ به (١)، وخَلْقِهِ (٢)، وزيادتِه (٣). ويدخلُ في ذلكَ المسائلُ المتعلِّقةُ بالكفرِ، ومن أغربِ المسائلِ التي تبنَّاها في ذلكَ أنه استبعدَ وجودَ كفرِ العنادِ والجحودِ (٤)، وفي هذا مخالفةٌ لظاهِرِ الآياتِ الدَّالةِ على ذلكَ؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].
٥ - مسألة الكسبِ الأشعري (٥)، وهي ترجعُ إلى مفهومِ القدرِ وعلاقته بأفعالِ العبادِ، ومن ذلكَ ما أوردَه في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ...﴾ [الأنفال: ١٧]، قال: «هذه مخاطبةٌ للمؤمنينَ، أعلمَ اللهُ بها أنَّ القتلة من المؤمنينَ ليسوا هم مستبدِّينَ بالقتلِ؛ (لأنَّ القتلَ) (٦) بالإقدارِ عليه.
والخلقُ والاختراعُ في جميعِ حالات القاتلِ إنما هيَ للهِ تعالى، ليسَ للقاتلِ فيها شيءٌ، وإنما يُشاركُه بتكسُّبِه وقصدِهِ، وهذه الألفاظُ تَرُدُّ على من يقولُ بأنَّ أفعال العبادِ خلقٌ لهم» (٧).
وموضوعُ الكسبِ الأشعريِّ طويلٌ، وفيه فلسفةٌ ليسَ هذا محلُّ عرضها،
стр. 239
وإنما نهايةُ هذه النَّظريةِ إلى الجبرِ؛ لأنَّ الفاعلَ عندهم على الحقيقةِ هو اللهُ، وهذا غيرُ صوابٍ، وإنما الصواب في ذلك: أنَّ الله خالقُ أفعالِ العبادِ، والعبادُ هم الفاعلونَ حقيقةً بما خلقَ اللهُ فيهم من المشيئةِ والاختيارِ والقدرةِ التي بها يفعلونَ (١)، واللهُ أعلمُ.
٦ - التَّأويلُ، وقد نصَّ على قاعدةٍ في التأويلِ، فقال: «التَّأويل لا يضطر إليه إلا في ألفاظ النَّبيِّ ﵇، وفي كتاب الله، وأمَّا في عبارة مفسِّر فلا» (٢).
ولم يذكرْ ضابطاً فيما يُأوَّلُ وما لا يُأوَّلُ من النُّصوصِ، وإنما يرجعُ الأمرُ عنده إلى عقلِه الذي يحكمُ بالتَّأويلِ هنا ولا يحكمُ به هناك، وإلاَّ فلمَ أنكر على من قال بالتَّأويلِ في أمورِ المعادِ ما دام أنَّه فتحَ البابَ للتَّأويلِ وصحَّحَهُ، ولم يقولُ: «... أنَّ القولَ في الميزانِ هو من عقائدِ الشَّرعِ الذي لم يُعرفْ إلاَّ سمعاً، وإن فتحنا فيه باب المجازِ (٣) غمرتنا أقوالُ الملحدة
стр. 240
والزَّنادقةِ في أنَّ الميزانَ والسِّراطَ والجنَّة والنَّار والحشر ونحو ذلك إنما هي ألفاظٌ يرادُ بها غيرُ الظَّاهرِ.
قال القاضي أبو محمد ﵀: فينبغي أن يُجرى في هذه الألفاظِ إلى حملها على حقائقها ...» (١).
وهذا الذي حَذِرَ منه قد وقعَ، وقد اعتمدَ بعضُ الفلاسفةِ الذينَ عاشوا في ظلِّ الإسلامِ على مبدَئِه في التَّأويلِ (٢)، وليسَ له أن يقولَ: هذه الأمورُ
стр. 241
إنما تُعلمُ من جهةِ السَّمعِ فقط؛ لأنَّ من يؤوِّلُ نصوص المعادِ يمكنُ أن يقولَ: للعقلِ فيها مدخلٌ. وبهذا تضطربُ الأمورُ ولا يسلمُ في الشَّريعةِ بابٌ؛ لأنَّه يمكنُ أن يُحملَ على المجازِ العقليِّ، وهذا الموضوعُ يطولُ ذكره، وفيه خروجٌ عن المقصودِ، واللهُ الموفِّقُ.
ومما وقعَ عندَهُ في بابِ التأويلِ، تأويلُ الصفاتِ الإلهيَّةِ، ومنها: صفةُ الغضبِ (١)، والاستهزاءِ (٢)، والاستحياءِ (٣)، والاستواءِ (٤)، والكلامِ (٥)، والوجهِ (٦)، والعلمِ (٧)، والعجبِ (٨)، والمحبةِ (٩)، والعلوِّ (١٠)، وغيرها مما يطول ذكره.
وكما هو الحالُ في الجدلِ العقديِّ الدائرِ بين المعتزلةِ والأشعريَّةِ، فإنَّكَ تجد أنَّ ابنَ عطيَّةَ (ت:٥٤٢) يورد آراءَ المعتزلةِ ويفنِّدها، وهي كثيرةٌ في كتابِه؛
стр. 242
كمسألة الرزق؛ أي: كون الحرامِ رزقاً (١)، ومسألةِ أفعالِ العبادِ وما يتعلق بها من نفي إضلالِ اللهِ للعبدِ، وتزيينِ الشهواتِ له، وغيرِها من المسائلِ المتعلقةِ بهذا (٢)، ومسألةِ التحسينِ والتقبيحِ العقليينِ (٣).
وهناك غيرُها من المسائلِ، ولو كان البحث فيها لسردتُها كاملةً.
هذا، ولم يسلمِ ابنُ عطيَّةَ (ت:٥٤٢) من إيرادِ أقوالٍ للمعتزلةِ دونَ أن يردَّها، بلْ تراهُ يحكيها على أنها أحدُ الاحتمالاتِ في الآيةِ، دونَ أن يُنبِّهَ على خطئها (٤)، ويبدو أنَّ هذا الصَّنيعَ جعلَ ابنَ عرفةَ التُّونسيَّ (ت:٨٠٣) ـ وهو أشعريٌّ ـ يُوجِّه له نقداً شديداً، قال ابن حجر (ت:٨٥٢): «ومن هؤلاءِ منْ يدسُّ البِدعَ والتفاسيرَ الباطلة في كلامه، فيَرُوجُ على أكثرِ أهلِ السُّنَّةِ؛ كصاحبِ الكشَّافِ، ويقربُ من هؤلاءِ تفسيرُ ابن عطيَّةَ، بلْ كانَ الإمامُ ابنُ العرفةِ المالكي (٥) يُبالغُ في الحطِّ عليه، ويقول: إنه أقبحُ من صاحبِ الكشَّافِ؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يعلمُ اعتزالَ ذلكَ فيتجنَّبُهُ، بخلافِ هذا، فإنه يُوهِمُ الناسَ أنه من أهلِ السُّنَّةِ» (٦).
والمقصودُ هنا بيانُ أثرِ المعتقدِ على تفسيرِه اللُّغويِّ، ذلك أنَّه يختارُ من
стр. 243
معاني اللغةِ وتوسُّعها ما يناسِبُ معتقده، وسأكتفي بذكرِ بعضِ الأمثلةِ، لئلاَّ يطولَ المقامُ، واللهُ الموفِّقُ:
١ - في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]، قال ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢): «لننظر، معناه: لنبيَّنَ في الوجودِ ما علمناه أزلاً، لكنْ جَرَى القولُ على طريقِ الإيجازِ والفصاحةِ» (١).
ففسَّرَ النَّظرَ هنا بما ترى، وفيه خروجٌ عن معنى النَّظرِ المعروفِ في لغةِ العربِ، وإنما قال ذلكَ لأنَّ العلمَ عنده علمٌ واحدٌ أزليٌّ، ولم يفرِّق بين العلمِ بالشَّيء قبلَ وقوعِه، والعلم به بعد الوقوعِ، وكأنه يلزم من قوله أنه علمه أزلاً وانتهى. وهو بهذا لم يثبتِ الرُّؤيةَ المدلولَ عليها بالنَّظرِ، ولم يُثبتِ علمَ اللهِ بهم بعد أن جعلهم خلائفَ، فتأمَّل كيفَ جرَّه نفيُ وقوع العلمِ بالمعلومِ بعد وقوعه إلى هذا الذي قال.
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، قال: «والإنزال، إما بمعنى الإثبات، وإما أن تتصف به التِّلاوة والعبارة» (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، قال: «أنزلناه، إما أن يكونَ بمعنى أثبتناهُ، كما تقول: أنزل السُّلطان (٣) فلاناً بمكان كذا: إذا أثبته، وإما أن يتعلق النُّزولُ بالمَلكَ» (٤).
وتفسيرُ الإنزال بالإثباتِ ليس معروفاً في لغة العربِ، وإنما المعروفُ: نزل بالمكانِ إذا حلَّ فيه؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ
стр. 244
الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩]، وغيرها من الآياتِ، وهذا المعنى لا يُحملُ عليه معنى نزولِ القرآنِ، كما أنَّ الحلولَ في المكانِ لا يخلو من معنى الهبوطِ من علو إلى سفلٍ، قال ابن فارس (ت:٣٩٥): «النون والزاء واللام كلمةٌ صحيحةٌ تدلُّ على هبوطِ شيءٍ ووقوعِه ...» (١).
وقال الزَّبيديُّ في تاج العروس: «(النُّزولُ) بالضمِّ (الحلولُ)، وهو في الأصلِ انحطاطٌ من علوٍّ» (٢).
وإنما قَادَهُ إلى ذلكَ إنكارُه تَكَلُّمَ اللهِ بوحيه إلى جبريلَ، وسماعَ جبريلَ ذلك من اللهِ (٣)، وإنكارَه علوَّ اللهِ على خلقِه (٤)، وما يتبعُه من صفةِ استوائه
стр. 245
على عرشِه استواءً يليقُ بجلالهِ وعظمتِه (١)، ولو كانَ يُثبتُ هذه الأوصافَ الإلهيَّةَ كما أخبرَ اللهُ بها من دونِ أن يؤوِّلها، لما قالَ في معنى نزولِ القرآنِ هذا القولَ الذي هو بعيدٌ عن ظاهرِ معنى النُّزولِ.
ولما أرادَ أن يحملَ النُّزولَ على ظاهرِه جعلَهُ من صفةِ التِّلاوةِ أو العبارةِ (٢) أو
стр. 246
الملكِ (١)؛ لأنَّ هذه عنده يمكنُ أن تنْزلَ. واللهُ الموفِّقُ.
٣ - وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، قال: «وقوله : ﴿ثُمَّ قَالَ﴾ ترتيبٌ للأخبارِ لمحمدٍ ﷺ ، والمعنى: خلقَه من ترابٍ، ثمَّ كان من أمره في الأزلِ أن قالَ له: كنْ وقتَ كذا ...» (٢).
وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]: «وقوله: ﴿كُنْ﴾ أمرٌ للشَّيءِ المخترَعِ عند تعلُّقِ القدرةِ به، لا قبلَ ذلكَ ولا بعدَه (٣).
стр. 247
وإنما يؤمرُ تأكيداً وإشارةً بها، وهي أوامرُ دونَ حروفٍ وأصواتٍ، بلِ الكلامُ القائمُ بالذاتِ» (١).
وهذا الكلامُ مبنيُّ على أنَّ اللهَ لهُ كلامٌ نفسيٌ قائمٌ بذاتِه، وهو لا يتكلَّمُ بمشيئتِه وإرادتِه، وهذا مخالفٌ لتنْزيهِ اللهِ الفعَّالِ لما يريدُ، فهو متَّصفٌ بصفةِ الكلامِ أزلاً، وهو أيضاً يتكلمُ متى شاء، كما أنَّه متى شاء سخِطَ، ومتى شاءَ رضِيَ إلى غيرِ ذلك من الأفعالِ الاختياريَّةِ التي يفعلها الفعَّالُ لما يريدُ متى ما أرادَ لا رادَّ لمشيئتِه، ولا حاجبَ له عن فعلِه.
ولما كانت هذه عقيدتُه في كلامِ اللهِ، ألغى دلالةَ عطفِ التراخي في «ثُمَّ»، ودلالةَ التعقيبِ في «الفاء»؛ لأنهما تدلانِ على تكلُّمه سبحانه عند حدوثِ هذه الأشياءِ، وهذا يخالفُ معتقدَه؛ لذا لم يمنعه هذا من مخالفةِ المعروفِ من اللغةِ من أجلِ رأيه الذي يعتقدُه.
٤ - وفِي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]، قال: «وَدُودٌ، معناه: أنَّ أفعالَه ولطفَه بعبادِه لما كانت في غايةِ الإحسانِ إليهم، كانتْ كَفِعْلِ منْ يتودَّدُ ويَوَدُّ المصنوعَ له» (٢).
وما ذكرَه ليسَ معنًى لاسمِ اللهِ الوَدُودِ، بلْ هو من لازمِ معنى هذا
стр. 248
الاسمِ الحسنِ، وليسَ تفسيرُه هذا من التفسيرِ باللازِمِ الذي يُحتملُ في التفسيرِ؛ لأنَّه لا يصلحُ التفسيرُ باللازمِ إلاَّ مع إثباتِ الأصلِ، وتفسيرُهُ هذا مبنيٌّ على إنكارِ معنى ما يتضمَّنُه هذا الاسمُ الحسنُ من الصِّفةِ التي تدلُّ على المحبةِ (١)، ولذا عدل إلى لازمِ الصِّفةِ، لا إلى تفسيرِ معناها في أصلِ اللغةِ.
стр. 249
والودودُ اسمٌ حسنٌ يتضمَّنُ صفةَ المودَّةِ، وهي بمعنى المحبَّةِ في أصل الوضعِ اللُّغويِّ لمعنى هذا اللفظِ، قال ابن فارسٍ (ت:٣٩٥): «الواو والدال: كلمةٌ تدلُّ على محبَّةٍ» (١).
وقال الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «الودودُ: هذا يجوزُ أن يكونَ فعولاً بمعنى فاعلٍ. ويجوزُ أن يكونَ فعولاً بمعنى مفعولٍ، واللهُ قد وصف نفسه في مواضعَ بأنه يُحِبُّ، ولا يُحِبُّ إلا وهو أيضاً محبوبٌ مودودٌ عند أوليائه، فهو بمعنى مودودٍ» (٢).
مشكلةُ الاعتقادِ ثمَّ الاستدلالُ لهذا المعتقد، وأثرهُ عند ابن عطيَّةَ:
ولقدْ كانت قضيَّةُ تأصيلِ المعتقدِ أوَّلاً، ثُمَّ الاستدلالُ له من السِّماتِ البارزةِ لأهلِ البدعِ، ولذا تراهم يدفعونَ ظاهرَ النصوصِ، ويُسلِّطونَ عليها التأويلَ بكلِّ ما يستطيعونَ ليسلمَ لهم ما اعتقدوه، وهذا منهجٌ واضحُ الخطأ، بل العقيدةُ تؤخذُ من نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ بلا تحريفٍ ولا تأويلٍ.
ومن أوضحِ الأمثلةِ التي وقعَ فيها ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) ـ مع ما تقدَّمَ من الأمثلةِ ـ رأيُهُ في كفرِ العنادِ والجحودِ، ومن ذلك ما ذكرَ في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، قال: «وظاهر قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ حصولُ الكفرِ عناداً، وهي مسألةٌ قولينِ (٣)، هل يجوزُ أن يقعَ أم لا؟
стр. 250
فجوَّزت ذلك فرقةٌ، وقالتْ: يجوزُ أن يكونَ الرجلُ عارفاً، إلاَّ أنَّه يجحدُ عناداً ويموتُ على معرفتِهِ وجحودِه، فهو بذلك في حكمِ الكافرِ المخلَّدِ، قالوا: وهذا حُكمُ إبليسَ، وحكمُ حييِّ بنِ أخطبٍ وأخيه، حسبَما رُوِيَ عنهما.
قال القاضي أبو محمد ﵀: وإن عُورِضَ هذا المثالُ، فُرِضَ إنسانٌ ويجوزُ (١) فيه ذلك.
وقالت فرقةٌ: لا يصِحُّ لوجهينِ:
أحدهما: أنَّ هذا لا يجوزُ وقوعُه من عاقلٍ.
والوجهُ الآخر: أنَّ المعرفةَ تقتضي أنْ يَحِلَّ في القلبِ، وذلكَ إيمانٌ، وحكمُ الكافرِ لا يلحقُه، إلاَّ بأن يَحِلَّ في القلبِ كفرٌ، ولا يصحُّ اجتماعُ الضِّدينِ في محلٍّ.
قالوا: ويشبهُ في هذا العارفُ الجاحدُ أن يُسلبَ عندَ الموافاةِ تلك المعرفة، ويحل بدلَها الكفرُ.
قال القاضي أبو محمد ﵀: والذي يظهرُ عندي في هذه الآيةِ وكلِّ ما جرى مجراها: أنَّ الكفرةَ كانوا إذا نظروا في آياتِ موسى أعطتهم عقولُهم أنَّها ليست تحت قدرةِ البشرِ، حصلَ لهم اليقينُ أنها من عند اللهِ تعالى، فيغلبُهم أثناء ذلك الحسدُ، ويتمسَّكونَ بالظنونِ في أنه سِحرٌ وغير ذلك مما يختلجُ في الظَّنِّ بحسبِ كلِّ آيةٍ، ويلجون في ذلك، حتى يُستلبَ ذلك اليقين أو يدوم كذلك مضطرباً. وحُكمه حكمُ المستلَبِ في وجوه عذابهم» (٢).