الملكِ (١)؛ لأنَّ هذه عنده يمكنُ أن تنْزلَ. واللهُ الموفِّقُ.
٣ - وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، قال: «وقوله : ﴿ثُمَّ قَالَ﴾ ترتيبٌ للأخبارِ لمحمدٍ ﷺ ، والمعنى: خلقَه من ترابٍ، ثمَّ كان من أمره في الأزلِ أن قالَ له: كنْ وقتَ كذا ...» (٢).
وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]: «وقوله: ﴿كُنْ﴾ أمرٌ للشَّيءِ المخترَعِ عند تعلُّقِ القدرةِ به، لا قبلَ ذلكَ ولا بعدَه (٣).
стр. 247
وإنما يؤمرُ تأكيداً وإشارةً بها، وهي أوامرُ دونَ حروفٍ وأصواتٍ، بلِ الكلامُ القائمُ بالذاتِ» (١).
وهذا الكلامُ مبنيُّ على أنَّ اللهَ لهُ كلامٌ نفسيٌ قائمٌ بذاتِه، وهو لا يتكلَّمُ بمشيئتِه وإرادتِه، وهذا مخالفٌ لتنْزيهِ اللهِ الفعَّالِ لما يريدُ، فهو متَّصفٌ بصفةِ الكلامِ أزلاً، وهو أيضاً يتكلمُ متى شاء، كما أنَّه متى شاء سخِطَ، ومتى شاءَ رضِيَ إلى غيرِ ذلك من الأفعالِ الاختياريَّةِ التي يفعلها الفعَّالُ لما يريدُ متى ما أرادَ لا رادَّ لمشيئتِه، ولا حاجبَ له عن فعلِه.
ولما كانت هذه عقيدتُه في كلامِ اللهِ، ألغى دلالةَ عطفِ التراخي في «ثُمَّ»، ودلالةَ التعقيبِ في «الفاء»؛ لأنهما تدلانِ على تكلُّمه سبحانه عند حدوثِ هذه الأشياءِ، وهذا يخالفُ معتقدَه؛ لذا لم يمنعه هذا من مخالفةِ المعروفِ من اللغةِ من أجلِ رأيه الذي يعتقدُه.
٤ - وفِي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]، قال: «وَدُودٌ، معناه: أنَّ أفعالَه ولطفَه بعبادِه لما كانت في غايةِ الإحسانِ إليهم، كانتْ كَفِعْلِ منْ يتودَّدُ ويَوَدُّ المصنوعَ له» (٢).
وما ذكرَه ليسَ معنًى لاسمِ اللهِ الوَدُودِ، بلْ هو من لازمِ معنى هذا
стр. 248
الاسمِ الحسنِ، وليسَ تفسيرُه هذا من التفسيرِ باللازِمِ الذي يُحتملُ في التفسيرِ؛ لأنَّه لا يصلحُ التفسيرُ باللازمِ إلاَّ مع إثباتِ الأصلِ، وتفسيرُهُ هذا مبنيٌّ على إنكارِ معنى ما يتضمَّنُه هذا الاسمُ الحسنُ من الصِّفةِ التي تدلُّ على المحبةِ (١)، ولذا عدل إلى لازمِ الصِّفةِ، لا إلى تفسيرِ معناها في أصلِ اللغةِ.
стр. 249
والودودُ اسمٌ حسنٌ يتضمَّنُ صفةَ المودَّةِ، وهي بمعنى المحبَّةِ في أصل الوضعِ اللُّغويِّ لمعنى هذا اللفظِ، قال ابن فارسٍ (ت:٣٩٥): «الواو والدال: كلمةٌ تدلُّ على محبَّةٍ» (١).
وقال الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «الودودُ: هذا يجوزُ أن يكونَ فعولاً بمعنى فاعلٍ. ويجوزُ أن يكونَ فعولاً بمعنى مفعولٍ، واللهُ قد وصف نفسه في مواضعَ بأنه يُحِبُّ، ولا يُحِبُّ إلا وهو أيضاً محبوبٌ مودودٌ عند أوليائه، فهو بمعنى مودودٍ» (٢).
مشكلةُ الاعتقادِ ثمَّ الاستدلالُ لهذا المعتقد، وأثرهُ عند ابن عطيَّةَ:
ولقدْ كانت قضيَّةُ تأصيلِ المعتقدِ أوَّلاً، ثُمَّ الاستدلالُ له من السِّماتِ البارزةِ لأهلِ البدعِ، ولذا تراهم يدفعونَ ظاهرَ النصوصِ، ويُسلِّطونَ عليها التأويلَ بكلِّ ما يستطيعونَ ليسلمَ لهم ما اعتقدوه، وهذا منهجٌ واضحُ الخطأ، بل العقيدةُ تؤخذُ من نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ بلا تحريفٍ ولا تأويلٍ.
ومن أوضحِ الأمثلةِ التي وقعَ فيها ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) ـ مع ما تقدَّمَ من الأمثلةِ ـ رأيُهُ في كفرِ العنادِ والجحودِ، ومن ذلك ما ذكرَ في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، قال: «وظاهر قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ حصولُ الكفرِ عناداً، وهي مسألةٌ قولينِ (٣)، هل يجوزُ أن يقعَ أم لا؟
стр. 250
فجوَّزت ذلك فرقةٌ، وقالتْ: يجوزُ أن يكونَ الرجلُ عارفاً، إلاَّ أنَّه يجحدُ عناداً ويموتُ على معرفتِهِ وجحودِه، فهو بذلك في حكمِ الكافرِ المخلَّدِ، قالوا: وهذا حُكمُ إبليسَ، وحكمُ حييِّ بنِ أخطبٍ وأخيه، حسبَما رُوِيَ عنهما.
قال القاضي أبو محمد ﵀: وإن عُورِضَ هذا المثالُ، فُرِضَ إنسانٌ ويجوزُ (١) فيه ذلك.
وقالت فرقةٌ: لا يصِحُّ لوجهينِ:
أحدهما: أنَّ هذا لا يجوزُ وقوعُه من عاقلٍ.
والوجهُ الآخر: أنَّ المعرفةَ تقتضي أنْ يَحِلَّ في القلبِ، وذلكَ إيمانٌ، وحكمُ الكافرِ لا يلحقُه، إلاَّ بأن يَحِلَّ في القلبِ كفرٌ، ولا يصحُّ اجتماعُ الضِّدينِ في محلٍّ.
قالوا: ويشبهُ في هذا العارفُ الجاحدُ أن يُسلبَ عندَ الموافاةِ تلك المعرفة، ويحل بدلَها الكفرُ.
قال القاضي أبو محمد ﵀: والذي يظهرُ عندي في هذه الآيةِ وكلِّ ما جرى مجراها: أنَّ الكفرةَ كانوا إذا نظروا في آياتِ موسى أعطتهم عقولُهم أنَّها ليست تحت قدرةِ البشرِ، حصلَ لهم اليقينُ أنها من عند اللهِ تعالى، فيغلبُهم أثناء ذلك الحسدُ، ويتمسَّكونَ بالظنونِ في أنه سِحرٌ وغير ذلك مما يختلجُ في الظَّنِّ بحسبِ كلِّ آيةٍ، ويلجون في ذلك، حتى يُستلبَ ذلك اليقين أو يدوم كذلك مضطرباً. وحُكمه حكمُ المستلَبِ في وجوه عذابهم» (٢).
стр. 251
وقال في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]: «و ﴿يَجْحَدُونَ﴾، حقيقته في كلام العربِ: الإنكارُ بعد المعرفةِ، وهو ضدُّ الإقرار ...» (١). ثمَّ قال: «وكفر العناد جائزُ الوقوعِ بمقتضى النَّظرِ، وظواهرُ القرآنِ تعطيه؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وغيرها ...» (٢)، ثُمَّ قالَ: «وأنا أستبعدُ العنادَ مع المعرفةِ التامَّةِ» (٣).
وكيف يستبعد هذا مع قولِ الله: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾، وإلاَّ فما معنى اليقين، أليسَ هذا هو تمامُ العلمِ والمعرفةِ بالشيءِ؟!
وهذا الموضوع مرتبطٌ بأصلٍ من أصولِ العقائد عنده، وهو مفهومُ الإيمانِ، أنه التَّصديقُ، ولذا لا يرى فيه الزيادة ولا النقصانَ، مخالفاً بذلك صريحَ النصوصِ التي تدلُّ على ذلك، ومن ذلك قوله: «وقوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [آل عمران: ١٧٣]؛ أي: ثبوتاً واستعداداً، فزيادةُ الإيمانِ في هذا هي في الأعمالِ.
وقد أطلقَ العلماءُ عبارةَ: إنَّ الإيمانَ يزيدُ وينقصُ، والعقيدةُ في هذا أنَّ نفسَ الإيمانِ الذي هو تصديقٌ واحدٌ بشيءٍ ما، إنما هو معنى فردٌ، لا تدخلهُ زيادةٌ إذا حصلَ، ولا يبقى منه شيءٌ إذا زالَ ...» (٤).
وهذا المفهوم الخاطئ في المرادِ بالإيمانِ الشَّرعيِّ (٥)، هو الذي جعله يستبعدُ وقوع كفر العنادِ مع المعرفةِ التَّامَّةِ؛ لأنَّ مجرَّدَ استيقانِه بالنُّبوَّةِ تصديقٌ،
стр. 252
والتَّصديقُ إيمانٌ، ومن عقيدته أنه لا يمكنُ اجتماعُ الضِّدينِ في القلبِ (١)، فلا بدَّ أن يكون: إمَّا هذا، وإمَّا هذا.
وهذه العقيدةُ المقرَّرةُ من غيرِ القرآنِ، السَّابقةُ لتفسيرِه له، جعلته يدخلُ إلى تفسيرِ القرآنِ بمعتقداتٍ سابقةٍ، فما وجد من ظواهرِ النُّصوصِ يخالفُها، سلَّطَ عليها التَّأويلَ والمجازَ؛ ليسلمَ له ما أصَّله قبلُ من العقائدِ، والله المستعانُ والموفقُ.
стр. 253
المصدر الثاني
كتب معاني القرآن
وفيه:
أولاً: المراد بمعاني القرآن.
ثانياً: لماذا كتب اللغويون في معاني القرآن؟
أولاً: معاني القرآن، للفراء.
ثانياً: معاني القرآن، للأخفش.
ثالثاً: معاني القرآن، للزجاج.
стр. 254
المصدر الثاني
كتب معاني القرآن
تُعتبرُ كتبُ (معاني القرآنِ) منْ أوائلِ كتبِ اللغويينَ التي كانَ فيها مشاركةٌ مباشرةٌ في علمِ التَّفسيرِ. وقد نُسِبَ إلى أَبَانَ بنِ تَغْلِب (ت:١٤١) كتاب (معاني القرآن) (١)، فإن صحَّت هذه النِّسْبَةُ، وجعلتَ سنةَ الوفاةِ دليلاً على التَّقَدُّمِ في التأليفِ، فإنَّه يعدُّ أوَّلَ كتابٍ في معاني القرآنِ، وقد سبقَ ذِكْرُ من ألَّفَ في هذا العلمِ منَ اللغويينَ (٢).
وظهر من استقراء تراجم اللغويين وفهارس كتبهم التي سبق ذِكرها ما يأتي:
١ - أنَّ الدرسَ النَّحوي سابقٌ للدَّرسِ اللُّغويِّ، وقد تبينَ ذلكَ بأنَّ تعلُّمَ النَّحوِ وتعليمَه والكتابةَ فيه كانتْ في أوَّلِ عهدِ التَّابعينَ؛ لأنَّ الباحثينَ يكادونَ يجمعونَ على أنَّ أبا الأسودَ الدؤليَ (ت:٩٦) كتبَ فيه، وعلَّمَه بعضَ تلاميذِه.
أمَّا البحثُ اللُّغويُّ، فلمْ يظهرْ إلاَّ في عهدِ أتباعِ التَّابعينَ، وكانَ في طليعةِ منْ ذُكِر له كتابٌ في علمِ اللُّغةِ أبانُ بنُ تغلبَ (ت:١٤١)، وأبو عمرو بنُ العلاءِ (ت:١٤٥)، والخليلُ بن أحمدَ (ت:١٧٥)، وغيرهم.
٢ - أنَّ السَّبقَ في التَّأليفِ اللُّغويِّ العامِّ، وكذا المتعلِّق بالقرآنِ، كان لأهلِ البصرةِ، كما كان لهم السَّبقُ في علم النَّحوِ.
стр. 255
٣ - أنَّ كتبَ المعاني، وغيرَها منَ البحثِ اللُّغويِّ، ظهرتْ في عصرِ أتباعِ التَّابعينَ.
ويَرِدُ هاهنا سؤالانِ قبلَ استعراضِ بعض كتبِ المعاني:
الأول: المراد بمعاني القرآن؟
الثاني: لماذا كتب اللُّغويُّون في معاني القرآن؟
стр. 256
أوَّلاً المراد بمعاني القرآن
المعاني في اللُّغةِ:
قالَ الرَّاغبُ (ت: بعد٤٠٠): «المعنى: إظهارُ ما تضمَّنَهُ اللَّفظ ... والمعنى يُقَارنُ التَّفسيرَ، وإنْ كان بينهما فرقٌ» (١).
وقال الزَّبيديُّ في شرح القاموس: «وعنَى بالقول كذا، يعني: أراد وقصد. قال الزَّمخشريُّ: ومنه المعنى» (٢).
وقال الكَفَوِيُّ (ت:١٠٩٤) (٣) في كتابه الكُلِّيَّاتِ: «والمعنى: ما يُفْهَمُ من اللَّفظ» (٤).
وينتج عن هذه النُّقولِ أن المعنى: مَقصُودُ المتكلِّم من كَلاَمِهِ، وما يُفْهَمُ عَنهُ منهُ.
стр. 257
المعاني في الاصطلاح:
إذا تَأَمَّلْتَ كُتُبَ مَعَاني القُرْآنِ؛ كَمَعَانِي القرآنِ للفرَّاءِ (ت:٢٠٧)، والأَخْفَشِ (ت:٢١٥)، والزَّجَّاجِ (ت:٣١١)، فَإِنَّكَ سَتَجِدُ مَبَاحِثَ فِي العربيَّة تَخْرُجُ عَنْ مَفْهُومِ (المعاني) اللُّغويِّ؛ كَكَثِيرٍ مِنَ الْمَبَاحِثِ النَّحويَّة التي تَكَادُ تَطغى على بعض الكتب، والمباحثِ الصَّرفيَّةِ، والاشْتِقَاقِيَّةِ، وغيرها.
وإذا فرزتَ هذه الكتبَ، فإنك ستجدُ بعضَهَا قدْ نُصَّ في عنوانها على الإعرابِ؛ ففي مقدمةِ كتابِ الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) بروايةِ (١) تلميذِه محمدِ بنِ الجَهْمِ السِّمَّريِّ (ت:٢٧٧) (٢)، قال: «حدثنا الفراءُ، قال: تفسيرُ مُشْكِلِ إعرابِ القرآنِ ومعانيه» (٣). وقد يكونُ اشتهارُ الكتابِ باسمِ معاني القرآن من بابِ الاختصارِ في العنوانِ، حتى اشتهرَ بهذا الاسمِ، دون العنوانِ الذي ذكرَه مؤلفُهُ الفرَّاء (ت:٢٠٧). والله أعلم.
أمَّا كتابُ الأخفشِ (ت:٢١٥)، فإنَّ مقدمتَه غيرُ موجودةٍ، كما أشارَ إلى ذلك منْ حقَّقَهُ (٤)، ولذا فإنَّه من المحتملِ أنْ يكونَ عنوانُه الذي عَنْوَنَهُ المؤلفُ: (معاني القرآن).
وأمَّا كتابُ الزَّجَّاجِ (ت:٣١١)، فجاء في مقدمته: «قال أبو إسحاقَ
стр. 258
إبراهيمُ بنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ: هذا كتابٌ مختصرٌ في إعرابِ القرآنِ ومعانيه» (١).
فإذا اعتمدتَ ما جاءَ في مقدمةِ الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) والزَّجَّاجِ (ت:٣١١) لكتابيهما، وجدتَ أنَّ علمَ (إعرابِ القرآنِ) مقصودٌ بالتَّأليفِ، وهو ضميمٌ لعلم (معاني القرآنِ) عندهم، وأنَّ إطلاقَ مصطلحِ (معاني القرآن) عليها دونَ ذكرِ الإعرابِ، إنما هو اختصارٌ في العنوانِ، ويدلُّ على ذلكَ أنَّ محمدَ بنَ الجهمِ (ت:٢٧٧) الذي روى العبارةَ السَّابقةَ عن الفرَّاء (ت:٢٠٧)، يقول قبلها: «هذا كتابٌ فيه معاني القرآن، أملاهُ علينا أبو زكريا يحيى بن زياد الفرَّاء» (٢).
ولعلَّ هذا يشيرُ إلى أنَّ أغلب منْ كتبَ في علم (معاني القرآن) كانَ يضُمُّ إليه علم (إعرابِ القرآنِ) إنْ لم يفردْهُ بمؤلفٍ؛ كما فعلَ النَّحَّاسُ (٣)، حيث جعلَ كتاباً لمعاني القرآنِ، قال فيه: «قصدتُ في هذا الكتابِ تفسيرَ المعاني، والغريبِ، وأحكام القرآنِ، والنَّاسخِ والمنسوخِ عن المتقدِّمينَ مِنَ الأئمَّةِ، وأذكرُ من قَوْلِ الجِّلَّةِ (٤) من العلماءِ باللُّغةِ، وأهلِ النَّظَرِ ما حضرني، وأبينُ تصريفَ الكلمةِ واشتقاقَها ـ إنْ عَلِمْتُ ذلك ـ وآتي مِنَ القراءاتِ بما يَحتاجُ إلى تفسيرِ معناه، وما احتاجَ إليه المعنى من الإعرابِ، وبما احتجَّ به العلماءُ في مسائلَ سألَ عنها المجادلونَ، وأُبَيِّن ما فيه حذفٌ، أو اختصارٌ، أو إطالةٌ لإفهامِه، وما كان فيه تقديمٌ أو تأخيرٌ، وأشرحُ ذلك حتى يتبينَه
стр. 259
المتعلمُ، وينتفعَ به، كما ينتفعُ به العالِمُ ...» (١).
وجعلَ كتاباً آخر لإعرابِ القرآنِ، قال في مقدمتِه: «هذا كتابٌ أذكرُ فيه ـ إن شاء الله ـ: إعرابَ القرآنِ، والقراءاتِ التي تحتاجُ أن يَبينَ إعرابُها والعِلَلُ فيها، ولا أُخْلِيهِ من اختلافِ النَّحويينَ، وما يُحْتَاجُ إليه منَ المعاني، وما أجازَه بعضُهم ومنعَه بعضُهم، وزياداتٍ في المعاني وشرحٍ لها، ومنَ الجموعِ واللُّغاتِ، وسوقِ كُلِّ لغةٍ إلى أصحابِها ...» (٢).
ففصلَ النَّحاسُ (ت:٣٣٨) بين العلمين، وجعلَ كلَّ واحدٍ منهما في مؤلَّفٍ مستقلٍّ، وقد يكونُ أوَّلَ من فصلَهما، واللهُ أعلمُ.
ولاستجلاءِ هذا المصطلحِ يلزمُ الرجوعُ إلى كتبِ (معاني القرآنِ) كي تُعِينَ في المرادِ بِهِ، ومنها:
١ - تجد في كتابِ معاني القرآنِ للأخفشِ (ت:٢١٥) قوله: «ومن معاني القرآنِ قولُ اللهِ : ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، فليسَ المعنى: انكحوا ما قدْ سلفَ، وهذا لا يجوزُ في الكلامِ، والمعنى ـ واللهُ أعلمُ ـ: لا تنكحوا ما نكحَ آباؤكم من النساءِ، فإنكم تعذبونَ به، إلا ما قدْ سلفَ، فقدْ وضعَه اللهُ عنكم.
وكذلكَ قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾، ثمَّ قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، والمعنى ـ والله أعلم ـ: إنَّكم تؤْخَذُون بذلكَ إلاَّ ما قد سلفَ، فقد وضعَه اللهُ عنكم ...
وقوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] يعني: غيرَها في النُّضجِ؛ لأنَّ الله يُجَدِّدُهَا فيكونُ أشدَّ للعذابِ عليهم، وهي تلكَ الجلودُ بعينِها التي عَصَتِ اللهَ ، ولكنْ أذهبَ عنها النُّضجَ؛ كما يقولُ الرجلُ للرَّجلِ:
стр. 260
أنتَ اليومَ غيرُ أمسِ، وهو ذلكَ بعينِه، لا أنَّه نقصَ منهُ شيءٌ أو زادَ فيه ...» (١).
٢ - وقال الزَّجَّاج (ت:٣١١): «وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] القراءةُ: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، والمعنى: فَلَهُ عشرُ حسناتٍ أمثالِها ... فأمَّا معنى الآيةِ؛ فإنَّه منْ غامضِ المعاني عندَ أهلِ اللغةِ؛ لأنَّ المجازاةَ على الحسنةِ منَ اللهِ جلَّ ثناؤه بدخولِ الجنةِ شيءٌ لا يُبلغُ وصفُ مقدارِه، فإذا قال: ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، أو قالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] معَ قولِه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] فمعنى هذا كلِّه: أنَّ جزاءَ الله جَلَّ ثناؤه على الحسناتِ على التَّضْعِيفِ للمثلِ الواحدِ الذي هو النهايةُ في التقديرِ في النفوسِ، ويضاعفُ اللهُ ذلكَ بما بين عشرةِ أضعافٍ إلى سبعمائةِ ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ» (٢).
٣ - وقال النَّحَّاسُ (ت:٣٣٨) ـ في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]ـ: «فأُنزلوا منْزلةَ منِ اتَّجَر؛ لأنَّ الرِّبحَ والخُسرانَ إنما يكونانِ في التجارةِ، والمعنى: فما ربحوا في تجارتِهم، ومثلُه قولُ العربِ: خَسِرَ بيعُهُ؛ لأنَّه قدْ عُرِفَ المعنى» (٣).
وإذا تأمَّلتَ هذهِ الأقوالَ، وجدتَ أنَّ منحَاهَا لغويٌّ، مما يُشْعِرُ أنَّ معاني القرآنِ بحثٌ لغويٌّ في بيانِ المرادِ في القرآنِ، ويتأكَّدُ هذا بما يأتي:
* أنَّ أصحابَ كتبِ معاني القرآنِ يذكرونَ أقوالَ المفسِّرينَ من السَّلفِ مصدِّرين ذلك بقولهم: «قال أهل التَّفسير»، «قال المفسِّرون»، «وجاء في
стр. 261
التَّفسير» ـ وهذه العبارات كثيرة جداً في كتابي الفرَّاء (ت:٢٠٧) والزَّجَّاج (ت:٣١١) ـ مما يُشعرُ بأنَّ ما يؤخذُ عنْ هؤلاءِ المفسِّرين شيءٌ لا يمكنُ أخذُه عنْ طريقِ اللُّغةِ، وأنَّ ما كانَ طريقُه اللُّغةَ، فإنَّه معاني القرآنِ، ومِنَ النُّصوصِ الدَّالةِ على ذلكَ ما يأتي:
١ - قال الفرَّاء (ت:٢٠٧): «وقوله: ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] يقولُ: ما دمت له متقاضياً.
والتفسيرُ في ذلك: أنَّ أهلَ الكتابِ كانوا إذا بايعهم أهل الإسلامِ أدَّى بعضُهم الأمانةَ، وقالَ بعضُهم: ليس علينا في الأميينَ ـ وهم العرب ـ حرمةٌ كحرمةِ أهلِ ديننا ...» (١).
٢ - في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]، قال الزَّجَّاج (ت:٣١١): ««حتى» موصولة بالقتلِ والأسرِ، والمعنى: فقاتلوهم وأسِرُوهم حتى تضعَ الحربُ أوزارَها.
والتَّفسيرُ: حتى يؤمنوا ويسلموا، فلا يجبُ أنْ تُحَاربوهم، فما دام الكفرُ، فالجهادُ والحربُ قائمةٌ أبداً» (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، قال الزَّجَّاج (ت:٣١١): «ومعنى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾؛ أي: استمعَ ولم يَشْغَلْ قلبَه بغيرِ ما يسمعُ، والعربُ تقولُ: ألْقِ إليَّ سمعَك؛ أي: استمعْ منِّي. ومعنى ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾؛ أي: وقلبُه فيما يسمع.
وجاء في التَّفسيرِ أنه يعني به أهلَ الكتابِ الذي كانتْ عندَهم صفةُ النَّبي ﷺ (٣)، فالمعنى على هذا التَّفسيرِ: أو ألقى السَّمعَ وهو شهيدٌ أنَّ صفةَ
стр. 262
النَّبي ﷺ في كتابه» (١).
إذا تأملت هذه النُّصوصَ وجدتَ أنَّ الفرَّاء (ت:٢٠٧) والزَّجَّاج (ت:٣١١) قد فَرَّقا بين (المعنى) و (التَّفسير) في المثالين. وأنَّ المعنى يُدرك باللُّغةِ، أمَّا التَّفسيرُ فلا يُدْرَكُ إلاَّ بالرِّوايةِ.
وزاد الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) في المثالِ الثالثِ بيانَ أثرِ التَّفسيرِ على المعنى. والتَّفسير هاهنا قول قتادة (ت:١١٧)، وهذا يُؤَيِّدُ ما قُلْتُهُ في أوَّلِ الكلام.
* أنَّ التَّخصُّصَ العلميَّ لهؤلاء اللُّغويِّين قد طغى على بحوثهم، ولو قُمتَ بفرزِ موضوعاتِ كتب معاني القرآنِ، فإنك ستجدُ أنَّ أغلبَها يقومُ على البحثِ النَّحويِّ والبحثِ اللُّغويِّ، وأنها لا تخلو منْ ذكرِ أسبابِ النُّزولِ، وقَصَصِ الآي، وأقوالِ المفسِّرينَ، على تفاوتٍ بينها في ذلك.
أمَّا الإعرابُ، فهو أكثرُ وأشهرُ في كتابِ الأخفشِ (ت:٢١٥)، ثُمَّ الفرَّاءِ (ت:٢٠٧)، ثُمَّ الزَّجَّاجِ (ت:٣١١). أمَّا النَّحاسُ (ت:٣٣٨)، فقدْ أفردَهُ في كتابٍ مُسْتَقِلٍّ عن المعاني.
وأمَّا المعنى، فهو أكثرُ عندَ النَّحاسِ (ت:٣٣٨)؛ لأنه خصَّه بكتابٍ مستقلٍ، ولم يُدخلْ فيه الإعرابَ، ثمَّ عند الزَّجَّاجِ (ت:٣١١)، ثُمَّ عند الفرَّاءِ (ت:٢٠٧)، ثُمَّ عند الأخفشِ (ت:٢١٥)، وهو قليلٌ جداً في كتابه.
وأمَّا التَّفسير [أي: أقوال السلف في مصطلح أصحاب معاني القرآن]، فأكثرُهم ذكراً له النَّحاسُ (ت:٣٣٨)، بل يكاد أنْ يكونَ ذكرُه لأقوالِ السَّلفِ أكثرَ منْ ذكرِه لأقوالِ أهلِ اللُّغةِ والمعاني، وذلك لأنَّه نصَّ في منهجهِ في مقدمةِ كتابِه على اعتمادِ النَّقلِ عنهم في ما وردَ لهم في التَّفسيرِ.
стр. 263
ثُمَّ يتلوه في ذلك الزَّجَّاجُ (ت:٣١١)، ثُمَّ الفرَّاء (ت:٢٠٧)، ثُمَّ الأخفشُ (ت:٢١٥)، وهو أقلُّهم ذكراً لأقوالِ المفسِّرين، وروايتُه عنهم لا تكاد تُذكرُ لِقِلَّتِهَا.
وإذا نظرتَ إلى نسبةِ التَّفسيرِ في كتبِ معاني القرآنِ للفرَّاءِ (ت:٢٠٧) والأخفش (ت:٢١٥) والزَّجَّاج (ت:٣١١)، فإنَّك ستجدُها أقلَّ بكثيرٍ من البحثِ اللُّغويِّ والنَّحويِّ، مِمَّا يُشْعِرُ بغلبةِ هذا الاتجاهِ عليهم في تأليفِهم كتب معاني القرآن.
أمَّا النَّحَّاسُ (ت:٣٣٨)، فإنه يختلف عنهم في هذا، إذ تجد الروايةَ عنده عن السَّلفِ أكثرَ من الرِّوايةِ عن اللُّغويِّين.
وبعدَ هذا، فإنَّ معانيَ القرآنِ مصطلحٌ يرادُ به: البيانُ اللُّغويُّ لألفاظِ وأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ (١).
ويبينُ ذلكَ باستقراءِ كتبِ معاني القرآنِ التي يظهرُ فيها بوضوحٍ أنَّ المعانيَ عندهم: المنحى اللُّغويُّ للتَّفسيرِ، وذلك ببيانِ غريبِ الألفاظِ، أو تقديرِ المحذوفِ والمضمرِ، أو تخريجِ مشكلِ الخطابِ القرآني على الأسلوبِ العربيِّ، أو تحليلِ تركيبِ الجملةِ لبيانِ المعنى، وغير ذلك من المباحث اللُّغويَّة الواردة في هذه الكتب.
ومنَ الأمثلةِ الواردةِ في بيانِ غريبِ الألفاظِ ما يأتي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، قال الفرَّاء (ت:٢٠٧): «والأمنيَّةُ في المعنى: التِّلاوةُ؛ كقولِ اللهِ : ﴿إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]؛ أي: تلاوته.
والأمانيُ أيضاً: أنْ يفتعلَ الرجلُ الأحاديثَ المفتعلةَ، قالَ بعضُ العربِ
стр. 264
لابن دأب (١) ـ وهو يحدث الناس ـ: أهذا شيءٌ رويتَه أمْ شيءٌ تمنَّيتَه؟
يريد: افتعلتَه.
وكانتْ أحاديثَ يسمعونها منْ كبرائِهم ليستْ منْ كتابِ اللهِ، هذا أبينُ الوجهينِ» (٢).
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤]، قال الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «معناه: إنَّا إذاً لفي ضلالٍ وجنونٍ، يقالُ: ناقةٌ مسعورةٌ، إذا كانَ بها جنونٌ، ويجوزُ أنْ يكونَ على معنى: إن اتَّبعناهُ فنحنُ في ضلالٍ وعذابٍ» (٣).
ومن أمثلةِ تخريجِ مُشكلِ الخطابِ القرآني على الأسلوبِ العربي ما ذكرَهُ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) عند قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، قال: «وأضافَ المَثَلَ إلى الذينَ كفروا، ثم شبههم بالراعي ولم يقل: كالغنم، والمعنى ـ والله أعلم ـ مَثَلُ الذينَ كفروا كمثلِ البهائم التي لا تفقَهُ ما يقولُ الرَّاعي منَ الصوتِ، فلو قال لها: ارْعِي أو اشْرَبي، لم تدرِ ما يقولُ لها، فكذلكَ مَثَلُ الذينَ كفروا فيما يأتيهم منَ القرآنِ وإنذارِ الرسول ﷺ فأضيفَ التشبيهُ إلى الراعي، والمعنى ـ واللهُ أعلم ـ في المَرْعِي، وهو ظاهرٌ في كلامِ العربِ أنْ يقولوا: فلان يخافُكَ كخوف الأسدِ، والمعنى: كخوفه الأسد؛ لأنَّ الأسدَ هو المعروفُ بأنه المُخَوِّفُ ...
وفيها معنىً آخرٌ: تضيفُ الْمَثَلَ إلى الذينَ كفروا، وإضافتُه في المعنى
стр. 265
إلى الوعظِ؛ كقولك: مثلُ وعظِ الذينَ كفروا وواعِظِهمْ مَثَلُ النَّاعقِ؛ كما تقولُ: إذا لقيتَ فلاناً فسلِّمْ عليه تسليمَ الأميرِ. وإنما المرادُ به: كما تسلِّمُ على الأميرِ ... وكُلٌّ صَوابٌ» (١).
ولو تتبَّعتُ الأمثلةَ اللُّغويَّة التي في كتبِ معاني القرآنِ لطالَ بي المقامُ، ولخرجتُ عنِ المقصودِ.
стр. 266
ثانياً لِمَاذَا كَتَبَ اللُّغَوِيُّونَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ ؟
لمَّا كانَ القرآنُ كتَاباً مقدَّساً؛ لكونِه كلامَ اللهِ، فإنَّهُ قدْ صارَ له أكبرُ الأثرِ على دارسي العلومِ الإسلاميَّةِ منْ شَرعيِّينَ، ولغويِّينَ، ونحاةٍ، وأدباءَ، وبلغاءَ، وغيرهم.
ولقدْ كانَ الاتصالُ بالقرآنِ شرفاً يتقربُ بهِ العلماءُ، ويحرصونَ عليه، حتى قالَ سفيانُ الثَّوري (ت:١٦١): «يا ليتني اقتصرت على القرآن» (١). ولا غَرْوَ أنْ يحرصَ علماءُ اللُّغةِ على ذلكَ. غيرَ أنَّ هذا سببٌ عامٌّ عندَ العلماءِ، لا يكادُ يَنْفَكُّ عنه أحدٌ منهم.
وإذا بحثتَ عن كتابةِ اللغويِّينَ في معاني القرآنِ، فإنكَ ستجدُ أسباباً عامَّةً وأسباباً خاصَّةً، منها:
السببُ الأولُ: التَّخصُّصُ العلميُّ:
لقدْ كان للتخصُّصِ العلميِّ في علومِ العربيَّةِ أثرٌ كبيرٌ في إيجادِ كتبِ معاني القرآنِ، وبالنَّظرِ إلى الطَّرحِ اللُّغويِّ في كتبهم تَشْعُرُ أنَّهم يريدونَ ملءَ فراغٍ في بحوثٍ لا تجدها عند مفسِّريِّ السَّلفِ (٢)، فخاضوا غمارَ البحثِ القرآنيِّ من منظورٍ لغويٍّ.
стр. 267
ويدلُّ على ذلكَ أمرانِ يظهرانِ باستقراءِ كتبِ معاني القرآنِ:
الأول: جِدَّةُ كثيرٍ من المباحثِ اللُّغويِّةِ التي طرقَهَا اللُّغويُّون، وطريقةُ عرضِها على ما ذكرَه السَّلفُ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، مما يجعلُكَ تشعرُ أنَّ اللُّغويِّينَ يَرَوْنَ نقصاً في هذا البابِ، فاجتهدوا في إتمامِه لمكانِ تخصصهم.
الثاني: أن اللُّغويِّينَ لم يعتبِروا ما جاء عن السَّلفِ من تفسيرٍ لغويٍّ، حتى جعلوا أقوالَهم مقابلَ أقوالِ السَّلفِ، ويدلُّ على ذلك: أن الرِّواياتِ المنقولةَ عن السَّلفِ التي تتعلقُ بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ في كتبِ معاني القرآنِ قليلة، سوى ابن قتيبة (ت:٢٧٦) في غريب القرآنِ، النَّحَّاس (ت:٣٣٨) في معاني القرآنِ؛ لأنهما قصدا نقل أقوال السَّلف.
وطريقة عرض اللُّغويِّين للموجود من الرِّوايات يدلُّ على أن المفسِّرينَ إنما يؤخذ عنهم ما لا علاقة له باللُّغة، ذلك أنك إذا تأمَّلتَ التَّفسيرَ الذي يحكيه اللُّغويُّونَ عن السَّلفِ ويصدرونه بعبارة: «قال المفسرون»، وعبارة «وجاء في التفسير» وأشباههما، وجدتها ـ في الغالب ـ مما لا يؤخذ عن اللُّغةِ، ومثالُ ذلكَ ما ذكرَه الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] حيث قال: «في التَّأويل: في اللَّوحِ المحفوظِ، ومعناه: أنتم خيرُ أمَّةٍ؛ كقولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٦] و ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٢٦]، فإضمارُ (كان) في مثلِ هذا وإظهارُها سواء» (١).
فتراهُ جعلَ المعنى والتَّأويلَ ـ أي: التَّفسيرَ ـ متغايرينِ، لِما ذَكَرْتُ لكَ منْ أنَّ المعنى: ما كانَ مأخذُه من طريقِ اللُّغةِ، والتَّفسيرَ: ما لا يتأتَّى ـ في الغالبِ ـ منْ طريقِ اللُّغةِ، ويَنْسِبُونَهُ للمُفسِّرينَ.
ونتجَ عنْ ذلكَ أنْ أعرضَ اللُّغويُّون ـ في بعضِ المواطنِ ـ عن تفسيرِ
стр. 268
السَّلفِ اللُّغويِّ، كمَا وقعَ للفرَّاءِ (ت:٢٠٧) في قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] حيثُ قالَ: «الاستواءُ في كلامِ العربِ على جهتينِ: إحداهُمَا أن يَسْتَوِي الرَّجُلُ وينتهِي شبابُه.
أو يَسْتَوِيَ عنِ اعْوِجَاجٍ، فهذان وجهانِ.
ووجهُ ثالثٌ أنْ تقولَ: كانَ مُقْبِلاً عَلَى فلانٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَيَّ يُشَاتِمُنِي، و (إليَّ) سواءٌ، على معنى: أقبل إليَّ وعليَّ، فهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]؛ والله أعلم. وقال ابن عباس: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] صَعِدَ، وهذا كقولك للرجلِ: كانَ قائماً فاستوى قاعداً، وكانَ قاعداً فاستوى قائماً، وكُلٌّ في كلامِ العربِ جائزٌ» (١).
في هذا النصِّ ترى الفَرَّاءَ (ت:٢٠٧) قدْ ذكرَ معانيَ (استوى) في لغةِ العرب، ثُمَّ ذكرَ قولَ ابنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨)، وجوَّزَهُ عربيًّا، ومع ذلكَ اختارَ قولاً آخرَ غيرَ قولِه.
ويشعرُ هذا النَّصُّ وغيرُه باعتدادِ بعضِ اللُّغويِّينَ بعلمِهم، وعدمِ حرصِهم على ما يُؤثَرُ عن مفسِّري الصَّحابةِ والتَّابعين، حتى إنهم يردُّون قولاً وارداً عنهم ولا يَعْتَدُّونَ به، ومنْ ذلكَ ما وردَ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسْ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الرعد: ٢١] حيث وردَ عنْ بعضِ السَّلفِ أنَّ معنى ييأس: يعلم (٢)، وقال الكسائي (ت:١٨٣) معلقاً على هذا التفسيرِ: «لا أعرفُ هذه اللغةَ، ولا سمعتُ مَنْ يقولُ: يَئِسْتُ: عَلِمْتُ، ولكنَّه عندي مِنَ اليأسِ بعينه، والمعنى: إنَّ الكفارَ لمَّا سألوا تسييرَ الجبال بالقرآنِ، وتقطيعَ الأرضِ، وتكليمَ
стр. 269
الموتى، اشْرَأَبَّ لذلك المؤمنون وطَمِعُوا في أنْ يُعْطَى الكفارُ ذلك فيؤمنوا، فقال اللهُ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسْ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الرعد: ٢١] أي: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمانِ هؤلاء لعلمِهم أنَّ الله لو أرادَ أن يهديَهم لهداهُم، كما تقولُ: يَئِسْتُ من فلانٍ أنْ يُفْلِحَ، والمعنى: لِعِلْمِي به» (١).
وقد تبعَه في ذلكَ تلميذُه الفرَّاءُ (ت:٢٠٧)، فقال: «قال المفسِّرون: ييأس: يعلمْ. وهو في المعنى على تفسيرهِم؛ لأنَّ الله قدْ أوقعَ إلى المؤمنين أنَّه لو يشاءُ الله لهدى النَّاسَ جميعاً، فقالَ: أفلم ييأسوا علماً، يقولُ: يُؤَيِّسُهُم العلمُ، فكان فيهم العلمُ مُضْمَراً، كما تقول في الكلامِ: قدْ يَئِسْتُ منك ألا تفلحَ علماً؛ كأنك قلتَ: عَلِمْتُهُ عِلْماً.
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٢) قال: ييأس في معنى يعلم لغة للنخع (٣).
قال الفرَّاءُ: ولم نجدْها في العربيةِ إلاَّ على ما فَسَّرْتُ ...» (٤).
وهذا منهجٌ غيرُ صحيحٍ، إذ الواردُ عنِ السَّلفِ في تفسيرِ لغةِ القرآنِ حُجَّةٌ يجبُ قبولُه. وعدمُ العلمِ بالشَّيءِ لا يلزم منه إنكارُه، كيف وقد روى الفرَّاء (ت:٢٠٧) هذا عن ابن عبَّاس (ت:٦٨)، ولو كان اعتبرَ عربيَّتَه لما قال: «ولم نجدها في العربيَّةِ إلاَّ على ما فسَّرتُ».
وقد اعترضَ عليه أبو حيَّان الأندلسيُّ (ت:٧٤٥)، فقال: «وأنكرَ الفرَّاءُ أن
стр. 270
يكونَ يئسَ بمعنى علمَ، وزعمَ أنَّه لم يسمعْ أحداً من العربِ يقولُ: يئستُ، بمعنى: علمتُ. انتهى.
وقد حفظَ ذلكَ غيرُه، وهذا القاسمُ بنُ مَعْنٍ (١)، مِنْ ثقاتِ الكوفيِّين وأجلائهم، نقل أنها لغةُ هوازنَ (٢)، وابنُ الكلبيِّ نقلَ أنَّها لغةٌ لِحَيٍّ منَ النَّخَعِ، ومنْ حَفِظَ حُجَّةٌ على مَنْ لم يحفظْ» (٣).
السببُ الثاني: المنافسة العلميَّة بين البصريِّين والكوفيِّين:
إذا سَبَرْتَ المؤلفاتِ في (معاني القرآن) فإنكَ ستجدُها منْ نتاجِ علماءِ البصرةِ والكوفةِ، وكانت هاتان المدينتان موطنَ البحثِ النحويِّ.
ومعلومٌ ما كان بينهما من خلاف وتنافسٍ عِلميٍّ في هذا المجالِ الَّذي لا يبعدُ أنْ يكونَ قدِ انتقلَ إلى البحثِ اللُّغويِّ، وقد كانَ السَّبقُ في الكتابةِ في هذين العلمينِ للبصريِّينَ، ففي علمِ النَّحْوِ، سبقوا بكتابِ سِيبَوَيهِ (ت:١٨٠)، وفي علمِ اللُّغةِ، بكتابِ (النَّوادِرِ) لأبي عمرِو بنِ العلاءِ (ت:١٤٥).
وإذا تأملت كتبَ (معاني القرآن) التي أدخلت فيه إعراب القرآن؛ ككتاب الفرَّاء (ت:٢٠٧) والأخفشِ (ت:٢١٥) والزَّجَّاجِ (ت:٣١١)، فإنك تكادُ تجزمُ بأنَّ البحثَ النَّحويَّ هو الأصلُ في هذه الكتبِ، وأنَّ البحثَ اللُّغويَّ تابعٌ له،
стр. 271
ويدلُّ على ذلك: أنَّ البحوثَ والمناقشاتِ النَّحويَّة كثيرةٌ جداً، وهي تَطْغَى على البحوثِ اللُّغويَّةِ. ويُسْتَنْبَطُ منْ هذا أنَّ هؤلاءِ العلماء كأَنهم أرادوا بالتَّأليفِ في (معاني القرآن) إبرازَ مذهبِهم النَّحويِّ الذي ينتمونَ إليه، وهذا واضحٌ جداً في كتبِهم.
وبعد هذا، فإنِّي سأستعرضُ من المطبوعِ من كتبِ (معاني القرآن) ثلاثةً، وهي: كتابُ الفرَّاءِ (ت:٢٠٧)، وكتابُ الأخفشِ (ت:٢١٥)، وكتابُ الزَّجَّاج (ت:٣١١).
стр. 272
أولاً معاني القرآن، للفراء
أملى أبو زكريا يحيى بنُ زيادٍ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) كتابه من حفظِه، وكانت مُدَّةُ إملائه سنتين تقريباً، وقد ابتدأ به في شهرِ رمضانَ منْ سنةِ ثنتين ومائتين، وانتهى منه سنةَ أربعٍ ومئتين.
وقد صدَّر إملاءه بقوله: «تفسيرُ مشكلِ إعراب القرآن ومعانيه» (١). وحشدَ فيه علوماً هي: الإعرابُ والمعاني وعللُ القراءاتِ والصَّرْفُ وغيرُها منْ مباحثِ العربيَّةِ.
ولا يخفى على المطَّلِعِ على هذا الكتابِ ما للتَّخصُّصِ العلميِّ لدى الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) منْ أثرٍ عليه، حتى إنه ليكادُ أنْ يكونَ قدِ اتَّجَهَ إلى تفسيرِ النَّصِّ القرآنيِّ وجهةً عربيَّةً لإبرازِ مذهبهِ الكوفِيِّ في علومِ العربيَّةِ.
ويمكن الاستشهاد على ذلك بما يأتي:
* أنَّ جُلَّ مباحثِ الكتابِ تتعلقُ بعلمِ النَّحوِ، وقدْ أبرزَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) المذهبَ الكوفيَّ في كتابِه هذا، وحَرَصَ على ذكرِ مصطلحاتِ النَّحوِ الكوفيِّ، وإبرازِ مسائله، والاستطرادِ فيها.
ومنْ ذلكَ: استطرادُهُ في ذكرِ أحكامِ الاسمِ المُعَرَّفِ بأل بَعْدَ اسمِ
стр. 273
الإشارةِ (هذا) (١)، وحكم (بئس ونِعْمَ) (٢)، وحكم (أَمْ) الاستفهاميَّة (٣)، وغيرها كثيرٌ (٤).
* لما كان هذا المنحى العربيُّ مؤثراً على الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) في كتابِه، فإنك تجدُه كثيراً ما يفترضُ على النَّصِّ القرآنيِّ ليبيِّن صحَّةَ هذا الأسلوبِ الذي افترضَه، وقَصْدُهُ بهذا ـ والله أعلم ـ الاستطرادَ في المباحثِ العربيَّةِ التي كانتْ نَصْبَ عينيه وهو يملي كتابَه، ومنْ ذلكَ:
١ - قال: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٤] يقول: هذه الأصنامُ قدْ ضَلَّ بها قومٌ كثيرٌ. ولو قيلَ: وقدْ أضلتْ كثيراً، أو: أضْلَلْنَ، كان صواباً» (٥).
٢ - وقالَ: «قولُه: ﴿اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] (٦)، ولم يقلْ: اختصما؛ لأنها جَمْعَانِ ليسا برجلينِ، ولو قيل: اختصما، كان صواباً.
ومثله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، يذهب إلى الجمع، ولو قيل: اقتتلتا لجاز، يذهب إلى الطائفتين» (٧).
أثرُ الاهتمامِ بعلومِ العربيَّةِ في تفسيراتِه:
لقد كانَ لاهتمامِ الفراءِ بالعربيَّةِ، والغفلةِ عن غيرِها من المصادرِ، أثرٌ في ذكرِ بعضِ الأوجهِ التي خُولِفَ فيها، كما كانَ له أثرٌ في عدمِ اعتمادِ قولِ المفسِّرينَ منَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ.
стр. 274
ومنْ أمثلةِ ما خُولِفَ فيه:
* اعتمادُه أسلوب الحذف في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، قال: «وقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ولمْ يقلْ: البردَ، وهي تَقِي الحَرَّ والبَرْدَ، فتركَهُ لأنَّ معناهُ معلومٌ ـ والله أعلم ـ كقولِ الشاعرِ (١):
وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ وَجْهاً ... أُرِيدُ الخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي
يريدُ: أيَّ الخيرِ والشرِّ يليني؛ لأنه إذا أرادَ الخيرَ فهو يتقي الشرَّ» (٢).
لقدِ اعتمدَ الفراءُ (ت:٢٠٧) في هذا المثالِ على قاعدةِ حَذْفِ ما هو معلومٌ للسامعِ، والأصلُ أنَّ الكلامَ يكونُ تامًّا، ولا يُدَّعى الحذفُ فيه إلاَّ إذا دَلَّ الدليلُ عليه.
وفي هذا المثال يمكنُ حملُ الكلامِ على تمامِه دونَ ادِّعاءِ الحذف، قال الإمامُ أحمدُ بنُ تيميةَ (ت:٧٢٨): «وأما تمثيلهم بقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: وتقيكم البردَ، فعنه جوابان الأول: ....
والثاني: أن قوله: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ على بابِه، وليس في الآيةِ ذكرُ البردِ، وإنما يقول: إنَّ المعطوفَ محذوفٌ، هو الفراءُ وأمثالُه ممنْ أنكرَ عليهم الأئمةُ، حيث يفسرونَ القرآنَ بمجردِ ظنِّهم وفهمهمِ لنوعٍ منْ علمِ العربيةِ عندهم، وكثيراً لا يكونُ ما فسروهُ مطابقاً.
وليسَ في الكلامِ ما يدلُّ على ذِكْرِ البرد، ولكنَّ الله ذكرَ في هذه السورةِ إنعامَه على عبادِه، وتُسمَّى سورةُ النِّعَمِ، فذكرَ في أولِها أصولَ النِّعَمِ التي لا بدَّ منها ولا تقومُ الحياةُ إلا بها، وذكرَ في أثنائِها تمامَ النِّعَمِ.
стр. 275
وكانَ ما يَقِي البردَ منْ أصولِ النِّعَمِ ذُكِرَ في أوَّلِ السُّورةِ في قوله: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ [النحل: ٥]، فالدفءُ ما يُدْفِئُ ويدفعُ البردَ ...» (١).
والمقصود: أنه مع كونِ أسلوبِ الحذفِ أسلوباً عربيًّا شائع الاستعمالِ عندهم، إلا أنَّه لا يلزمُ أنْ يكونَ مراداً هنا، ما دامَ الكلامُ مفهوماً بدونِ ادِّعاء الحذف وتقديرِه.
ثُمَّ إنَّ في تقديرِ المحذوفِ تَقَوُّلاً على اللهِ في أنَّه مرادٌ للهِ في خطابِه، والكَفُّ عن القولِ به أسلمُ، لأنه وقوفٌ عند الظاهرِ منْ كلامِ اللهِ .
* وقال في تثنيةِ «جنَّتان» من قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن؛ ٤٦]: وقولُه ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ذَكَرَ المفسِّرونَ أنَّهما بستانانِ منْ بساتينِ الجنَّةِ (٢).
وقدْ يكونُ في العربيَّةِ: جنَّة، تُثَنِّيها العربُ في أشعارِها، أنشدني بعضُهم (٣):
في العربيَّةِ، وفي هذا تركٌ للظَّاهِرِ من تثنيةِ الجنَّتينِ دونَ دليلٍ يَدُلُّ عليه سوى جوازِ العربيَّةِ في هذا المثالِ، وقدِ اعترضَ عليه ابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦) وشَنَّعَ، فقال: «وهذا منْ أعجبِ ما حُمِلَ عليه كتابُ اللهِ، ونحنُ نعوذُ باللهِ منْ أنْ نتعسَّفَ هذا التَّعسُّفَ، ونجيزَ على اللهِ ـ جلَّ ثناؤه ـ الزِّيادةَ والنَّقصَ في الكلامِ لرأسِ آيةٍ.
وإنَّما يجوزُ في رؤوسِ الآي أنْ يَزِيدَ هاءً للسَّكتِ؛ كقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَه﴾ [القارعة: ١٠]، وألِفاً؛ كقولِه: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠]، أو يحذفَ همزةً منَ الحرفِ؛ كقوله: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]، أو ياءً؛ كقولِه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٥] لتستويَ رؤوسُ الآيِ، على مذاهبِ العربِ في الكلامِ إذا تَمَّ فآذَنَتْ بانقطاعِه وابتداءِ غيرِه؛ لأنَّ هذا لا يُزِيلَ معنىً عن جهتِهِ، ولا يزيدُ ولا ينقصُ.
فأمَّا أنْ يكونَ اللهُ وَعَدَ جنَّتينِ، فيجعلُهما جنَّةً واحدةً من أجلِ رؤوسِ الآيِ، فمعاذَ الله!
وكيفَ يكونُ هذا؟! وهو ـ تباركَ اسمُهُ ـ يَصِفُها بصفاتِ الاثنينِ، فقال: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨]، ثم قال: ﴿فِيهِمَا﴾ [الرحمن: ٥٠]، ﴿فِيهِمَا﴾ [الرحمن: ٥٢].
ولوْ أنَّ قائلاً قالَ في خزنةِ النَّارِ: إنهم عشرونَ، وإنما جعلهمْ تسعةَ عشرَ لرأسِ الآيةِ ـ كما قال الشاعرُ (١):
نَحْنُ بَنُو أُمِّ البَنِينُ الأَرْبَعَه ... .......
وإنما همْ خمسةٌ، فجعلهم للقافية أربعةً (٢) ـ ما كان في هذا القول إلا
стр. 278
كالفراء» (١).
ومن أمثلةِ ما كان له أثرٌ في عدمِ اعتمادِ قولِ السَّلفِ:
* وقال: «وقولُه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] ضمَّ الصَّادَ العامَّةُ. وكان أصحابُ عبدِ اللهِ يكسرونَ الصَّاد (٢). وهما لغتانِ، فأمَّا الضَّمُّ فكثيرٌ، وأمَّا
стр. 279
الكسرُ ففي هُذَيلٍ وسُلَيمٍ (١). وأنشدني الكسائيُ عنْ بعضِ بني سليم (٢):
وَفَرْعٍ يَصِيرُ الجِيدَ وَحْفٍ كَأَنَّهُ ... على اللِّيتِ قِنْوانُ الكُرُومِ الدَّوَالِحِ
ويفسَّر معناه: قطِّعهن (٣)، ويقالُ: وجِّهْهُنَّ.
ولم نجدْ قطِّعهنَّ معروفةً من هذينِ الوجهينِ، ولكني أرى ـ والله أعلم ـ أنها إنْ كانتْ منْ ذلكَ أنها من صَريْتَ تَصْرِي، قُدِّمت ياؤها، كما قالوا: عِثْتُ وَعَثَيْتُ، وقال الشاعر (٤):
стр. 280
صَرَتْ نَظْرَةً، لَوْ صَادَفَتْ جَوْزَ دَارِعٍ ... غَدَا وَالْعوَاصِي مِنْ دَمِ الْجَوْفِ تَنْعَرُ
والعربُ تقولُ: باتَ يَصْرِي في حوضِه، إذا استقى ثمَّ قَطَعَ واستقى، فلعلَّه من ذلك ..» (١).
في هذا المثالِ يرى الفراءُ (ت:٢٠٧) أنَّ معنى «صرْهُنَّ» (بالضَّمِّ أو الكسر) ليسَ القطعَ إلا على القلبِ.
والأصلُ بقاءُ اللَّفظِ على ترتيبِ حروفِه وعدمُ ادعاءِ القلبِ فيه، إلا إذا لم يُفْهَمْ إلا على وجهِ القلبِ، وقدْ فَسَّرَ السَّلفُ هذا اللَّفظ بوجهيه المقروءينِ على أنه بمعنى التَّقطيعَ، دونَ أن يَدَّعُوا فيه قَلْباً، وهذا يدلُّ على صحتِه في اللُّغةِ، وعلى أنَّ ما لم يعرفه الفراءُ (ت:٢٠٧) قدْ عرفَهُ غيرُه، وبهذا جاء تفسيرُ اللُّغويِّين البصريِّين (٢) كما ذكر عنهم ذلك الطَّبريُّ (ت:٣١٠) ذلك، حيث قال: «وهذا القولُ الذي ذكرناه عن البصريين (٣) ـ منْ أنَّ معنى الضَّمِّ في الصَّادِ من قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ والكسرَ سواءٌ بمعنى واحدٍ، وأنهما لغتان معناهما في هذا الموضع: فقطِّعْهُنَّ، وأنَّ معنى إليك: تقديمُها قبلَ فصُرْهُنَّ منْ أجلِ أنها صلةُ قولِه: ﴿فَخُذْ﴾ ـ أولى بالصَّوابِ منْ قولِ الذين حكينا قولَهم منْ نحويِّي الكوفةِ (٤) الذين أنكروا أن يكونَ للتَّقطيعِ في ذلكَ وجهٌ مفهومٌ إلا على معنى
стр. 281
القلبِ الذي ذكرتُ، لإجماعِ أهلِ التَّأويلِ على أنَّ معنى قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ غير خارجٍ منْ أحدِ معنيين: إمَّا قطعهنَّ، وإمَّا ضمهنَّ إليك، بالكسرِ قُرِئَ ذلك أو بالضَّمِّ.
ففي إجماعِ جميعِهِم على ذلك ـ على غيرِ مراعاةٍ منهم كَسْرَ الصَّادِ وضمَّهَا ـ أوضحُ الدليلِ على صِحَّةِ قولِ القائلينَ منْ نحويِّي البصرةِ في ذلكَ ما حكينا عنهم من القولِ، وخطإِ قولِ نحويي الكوفيين، لأنهم لو كانوا إنما تأولوا قولَه: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ بمعنى: فقطِّعهن، على أنَّ أصلَ الكلامِ فأصرهن، ثم قُلِبَتْ، فقيل: فصِرهن بكسرِ الصَّادِ، لتحوَّلَ ياءُ فاصِرهن مكانَ رائِه، وانتقالُ رائِه مكان يائِه، لكانَ لا شكَّ ـ مع معرفتهم بلغتهم، وعلمهم بمنطقهم ـ وقدْ فصلوا بينَ معنى ذلك إذا قُرِئَ بكسرِ صادِهِ، وبيْنَهُ إذا قُرئَ بضَمِّها، إذ كانَ غيرُ جائزٍ لمنْ قَلَبَ فأصرهنَّ إلى فصرهنَّ أنْ يقرأهُ: (فصُرهن) فضم الصادِ، وهم ـ معَ اختلافِ قراءتهم ذلك ـ قدْ تأولوه تأوُّلاً واحداً على أحدِ الوجهين اللَّذَيْنِ ذكرنا، ففي ذلك أوضحُ الدَّليلِ على خطَأ قولِ منْ قالَ: إنَّ ذلكَ إذا قُرئَ بكسرِ الصادِ بتأويلِ التَّقْطِيعِ مقلوبٌ منْ صَرَى يَصْرِي إلى صَارَ يَصِيرُ، وجهلِ منْ زعمَ أنَّ قولَ القائلِ: صَارَ يَصُور، وصَارَ يَصِيرُ غيرُ معروفٍ في كلامِ العربِ بمعنى: قَطَعَ» (١).
ثُمَّ ذكرَ أقوالَ السلفِ، ثُمَّ قالَ: «ففيما ذكرْنَا مِنْ أقوالِ مَنْ روينا قولَه في تأويلِ قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أنه بمعنى: فقطعهن إليك، دلالةٌ واضحةٌ على صحةِ ما قلنا في ذلكَ، وفسادِ قولِ مَنْ خَالَفَنَا فيه» (٢).
والمقصودُ أنَّ اعتمادَ الفراءِ (ت:٢٠٧) على العربيَّةِ وتقديمِها ـ أحياناً ـ على ما جاءَ في التَّفسيرِ أوقَعه في هذه الأخطاءِ التي احتسبَها عليه العلماءُ الذين جاؤوا بعدَه، وسأذكر ثَمَّتَ صوراً منَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في كتابِه (معاني القرآن).
стр. 282
صُوَر التَّفْسِير اللُّغويِ في كِتابِ مَعَاني القُرْآنِ:
لقد طغتِ البحوثُ ذات الصِّبغةِ العربيَّةِ على كتابِ الفراءِ (ت:٢٠٧)، وكان البحث النَّحويُّ أكثرَ بحوثِه في علمِ العربيَّةِ، وقد فاقَ جانبَ المعاني والتَّفسيرِ، وسأذكُرُ هاهنا ما حضَرني من صورِ التفسيرِ اللغويِّ في كتابِ معاني القرآنِ، ومنها:
١ - بيان دلالة الألفاظ:
حرصَ الفراءُ (ت:٢٠٧) على بيانِ معاني ألفاظِ القرآنِ، وكانَ الاستشهادُ لها قليلاً، بخلافِ المسائلِ النحويةِ التي قَلَّ أنْ لا يستشهدَ لها. ومن أمثلةِ الألفاظِ التي لم يستشهدْ لها ما يأتي:
* قالَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧): وقولُه: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] يريدُ: نَحوَهُ وتِلْقَاءه، ومثلُه في الكلامِ: وَلِّ وجهَكَ شطرَهُ، وتلقاءه، وتجاهَهُ» (١).
* وفي قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، قال: «الزَّلقُ: التُّرابُ الذي لا نباتَ فيه، محترقٌ رميمٌ» (٢).
* وقال: «قولُ اللهِ : ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢]، الأمشاجُ: الأخلاطُ: ماءُ الرَّجلِ وماءُ المرأةِ، والدَّمُ، والعلقةُ، ويقالُ للشيءِ منْ هذا إذا خُلِطَ: مَشِيجٌ؛ كقولِك: خَلِيطٌ، ومَمْشُوجٌ؛ كقولك: مَخْلُوطٌ» (٣).
ومنْ أمثلةِ الألفاظِ التي استشهدَ لها بالشعرِ أو النَّثرِ ما يأتي:
* قالَ الفراءُ (ت:٢٠٧): وقولُه: ﴿لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] يقولُ: لا رَادَّ لحكمِه إذا حكمَ شيئاً، والمُعَقِّبُ: الذي يَكِرُّ على الشيءِ، وقولُ لبيدٍ (٤):
стр. 283
حَتَى تَهَجَّرَ فِي الرَّوَاحِ وَهَاجَهُ ... طَلَبُ المُعَقِّبِ حَقَّهُ الْمَظْلُومُ
مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ الْمُعَقِّبَ صاحبُ الدَّينِ، يرجعُ على صاحبِه فيأخذُهُ منه، أو مَنْ أُخِذَ منه شَيءٌ فهو راجعٌ ليأخذَه» (١).
* وقالَ: «وقولُه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، فيه وجهانِ: أحدُهما: معناه: فما الذي أصبرَهم على النارِ؟
والوجهُ الآخرُ: فما أجرأهم على النارِ! قال الكسائيُ: سألني قاضي اليمنِ، وهو بمكةَ، فقالَ: اختصمَ إليَّ رجلانِ من العرب، فحلفَ أحدُهما على حقِّ صاحبِه، فقالَ له: ما أصبرك على اللهِ! وفي هذه أنْ يُرادَ بها: ما أصبرك على عذابِ اللهِ، ثُمَّ تُلْقِي العذابَ، فيكونُ كلاماً؛ كما تقولُ: ما أشبهَ سخاءك بحاتم» (٢).
هذا، وقدْ كانَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) مَرْجِعاً في بيانِ معاني مفرداتِ اللُّغةِ، وقد اعتمدَ عليه الأزهريُّ (ت:٣٧٥) في كتابِه الكبيرِ (تهذيبِ اللُّغةِ)، وأسندَ إليه كثيراً من بيانِ معاني الألفاظِ، وستأتي الإشارةُ إلى ذلك (٣).
٢ - بيان لغات العرب وقولها:
حرصَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) على بيانِ لغاتِ العربِ، كما حَرِصَ على بيانِ طريقةِ نُطقِها لبعضِ الكلماتِ، وما بينها من تغايُرِ الحركاتِ، ومن ذلكَ قولُه:
стр. 284
«وقولُه: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٢] مهموزٌ، ولو تركتَ همزَ مثلِه في غيرِ القرآنِ، قلتَ: يَكْلُوكُم بواوٍ ساكنةٍ، أو يَكْلاَكُم بألفٍ ساكنةِ، مثلَ يخشاكم، ومن جعلَها واواً ساكنةً قال: كَلاَن بالألفِ، تتركُ منها النَّبْرَةَ (١).
ومَنْ قالَ: يَكْلاكُم، قالَ: كَلَيتُ؛ مثلَ: قَضَيتُ، وهي لغةُ قريشٍ، وكُلٌ حسنٌ، إلا أنهم يقولون في الوجهين: مَكْلُوَّةٌ بغيرِ همزٍ، ومَكْلُوٌّ بغيرِ همزٍ أكثر مما يقولون: مَكْلِيةٌ.
ولو قيلَ: مَكْلِيٌّ في قول الذين يقولون: كَلَيتُ كان صواباً» (٢).
وهذا الأسلوبُ في بيانِ لغاتِ العربِ كثيرٌ عند الفرَّاء (ت:٢٠٧)، والمقصودُ بالحديثِ هنا، ما كان له أثرٌ في التَّفسيرِ لا في التَّعبيرِ.
وتجده في هذا الموضوعِ: إمَّا أن يجعلَ التمثيلَ الذي يذكرُه من قولِ العربِ دونَ تخصيصٍ لقبيلةٍ بعينها، وإمَّا أنْ ينصَّ على قبيلةٍ بعينِها، ومنْ ذلكَ:
* قال الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]: «العرب تقول ـ للذي يمنعه من الوصول إلى إتمامه حَجِّهِ أو عمرتِه خوفٌ أو مرضٌ، وكلِّ ما لم يكنْ مقهوراً؛ كالحبس والسِّجن، يقالُ للمريضِ ـ: قدْ أُحْصِرَ، وفي الحَبْسِ والقَهْرِ: قدْ حُصِرَ. فهذا فرقُ بينهما.
ولو نَوَيتَ في قهرِ السُّلطانِ أنها عِلَّةٌ مانعةٌ، ولم تذهبْ إلى فِعْلِ الفَاعِلِ، جازَ لكَ أنْ تقولَ: قدْ أُحْصِرَ الرجلُ.
ولو قلتَ في المرضِ وشبهِهِ: إن المرضَ قدْ حَصَرَهُ أو الخوفَ، جازَ أنْ تقولَ: حُصِرتُمْ» (٣).
стр. 285
* وقال: «وقولُه: ﴿يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]: ممنوعاً مِنَ الخيرِ، والعربُ تقولُ: ما ثَبَرَكَ عنْ ذَا؛ أيْ: ما منعَكَ منه وصرفَكَ عنه» (١).
* وقالَ: «وأمَّا قولُه: ﴿وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: ٦١] فإنَّ الفُومَ ـ فيما ذكر ـ لغةٌ قديمةٌ، وهيَ الحِنْطَةُ والخُبْزُ جميعاً قد ذكرا.
قالَ بعضُهم: سمعْنَا العربَ منْ أهلِ هذه اللُّغةِ يقولونَ: فَوِّمُوا لنا، بالتَّشديدِ لا غيرَ، يريدونَ: اخْتَبِزُوا، وهيَ في قراءةِ عبدِ اللهِ: «وثُومِهَا» بالثاءِ (٢)، فكأنَّه أشبهُ المعنيينِ بالصَّوابِ، لأنَّه معَ ما يشاكلُه من العدسِ والبصلِ وشبهِهِ.
والعربُ تُبْدِلُ الفاءَ بالثاءِ، فيقولونَ: جَدَثٌ وجَدَفٌ، ووقعوا في عَاثُورِ وعَافُورِ شَرٍّ، والأثَاثِي والأثَافِي، وسمعتُ كثيراً من بني أسدٍ يُسَمِّيَ المَغَافِيرَ: المَغَاثِيرَ» (٣).
* وقالَ: «وقولُه: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]: ذُكِرَ أنَّ الحَصَبَ في لغةِ أهلِ اليمنِ: الحَطَبُ ... وأمَّا الحَصَبُ فهو في معنى لغةِ نجدٍ: ما رميتَ به في النَّارِ؛ كقولِك: حَصَبْتُ الرجلَ؛ أي: رَمَيْتُهُ» (٤).
وفي هذه الأمثلةِ يظهرُ نَصُّ الفراءِ (ت:٢٠٧) على أن هذا ما تقوله العربِ، أو أنَّه من لغةِ قبيلةٍ معينةٍ.