← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13873

التفسير اللغوي للقرآن الكريم

مساعد الطيار

Полный текст (714 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

القلبِ الذي ذكرتُ، لإجماعِ أهلِ التَّأويلِ على أنَّ معنى قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ غير خارجٍ منْ أحدِ معنيين: إمَّا قطعهنَّ، وإمَّا ضمهنَّ إليك، بالكسرِ قُرِئَ ذلك أو بالضَّمِّ. ففي إجماعِ جميعِهِم على ذلك ـ على غيرِ مراعاةٍ منهم كَسْرَ الصَّادِ وضمَّهَا ـ أوضحُ الدليلِ على صِحَّةِ قولِ القائلينَ منْ نحويِّي البصرةِ في ذلكَ ما حكينا عنهم من القولِ، وخطإِ قولِ نحويي الكوفيين، لأنهم لو كانوا إنما تأولوا قولَه: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ بمعنى: فقطِّعهن، على أنَّ أصلَ الكلامِ فأصرهن، ثم قُلِبَتْ، فقيل: فصِرهن بكسرِ الصَّادِ، لتحوَّلَ ياءُ فاصِرهن مكانَ رائِه، وانتقالُ رائِه مكان يائِه، لكانَ لا شكَّ ـ مع معرفتهم بلغتهم، وعلمهم بمنطقهم ـ وقدْ فصلوا بينَ معنى ذلك إذا قُرِئَ بكسرِ صادِهِ، وبيْنَهُ إذا قُرئَ بضَمِّها، إذ كانَ غيرُ جائزٍ لمنْ قَلَبَ فأصرهنَّ إلى فصرهنَّ أنْ يقرأهُ: (فصُرهن) فضم الصادِ، وهم ـ معَ اختلافِ قراءتهم ذلك ـ قدْ تأولوه تأوُّلاً واحداً على أحدِ الوجهين اللَّذَيْنِ ذكرنا، ففي ذلك أوضحُ الدَّليلِ على خطَأ قولِ منْ قالَ: إنَّ ذلكَ إذا قُرئَ بكسرِ الصادِ بتأويلِ التَّقْطِيعِ مقلوبٌ منْ صَرَى يَصْرِي إلى صَارَ يَصِيرُ، وجهلِ منْ زعمَ أنَّ قولَ القائلِ: صَارَ يَصُور، وصَارَ يَصِيرُ غيرُ معروفٍ في كلامِ العربِ بمعنى: قَطَعَ» (١). ثُمَّ ذكرَ أقوالَ السلفِ، ثُمَّ قالَ: «ففيما ذكرْنَا مِنْ أقوالِ مَنْ روينا قولَه في تأويلِ قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أنه بمعنى: فقطعهن إليك، دلالةٌ واضحةٌ على صحةِ ما قلنا في ذلكَ، وفسادِ قولِ مَنْ خَالَفَنَا فيه» (٢). والمقصودُ أنَّ اعتمادَ الفراءِ (ت:٢٠٧) على العربيَّةِ وتقديمِها ـ أحياناً ـ على ما جاءَ في التَّفسيرِ أوقَعه في هذه الأخطاءِ التي احتسبَها عليه العلماءُ الذين جاؤوا بعدَه، وسأذكر ثَمَّتَ صوراً منَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في كتابِه (معاني القرآن).

стр. 282

صُوَر التَّفْسِير اللُّغويِ في كِتابِ مَعَاني القُرْآنِ: لقد طغتِ البحوثُ ذات الصِّبغةِ العربيَّةِ على كتابِ الفراءِ (ت:٢٠٧)، وكان البحث النَّحويُّ أكثرَ بحوثِه في علمِ العربيَّةِ، وقد فاقَ جانبَ المعاني والتَّفسيرِ، وسأذكُرُ هاهنا ما حضَرني من صورِ التفسيرِ اللغويِّ في كتابِ معاني القرآنِ، ومنها: ١ - بيان دلالة الألفاظ: حرصَ الفراءُ (ت:٢٠٧) على بيانِ معاني ألفاظِ القرآنِ، وكانَ الاستشهادُ لها قليلاً، بخلافِ المسائلِ النحويةِ التي قَلَّ أنْ لا يستشهدَ لها. ومن أمثلةِ الألفاظِ التي لم يستشهدْ لها ما يأتي: * قالَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧): وقولُه: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] يريدُ: نَحوَهُ وتِلْقَاءه، ومثلُه في الكلامِ: وَلِّ وجهَكَ شطرَهُ، وتلقاءه، وتجاهَهُ» (١). * وفي قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، قال: «الزَّلقُ: التُّرابُ الذي لا نباتَ فيه، محترقٌ رميمٌ» (٢). * وقال: «قولُ اللهِ : ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢]، الأمشاجُ: الأخلاطُ: ماءُ الرَّجلِ وماءُ المرأةِ، والدَّمُ، والعلقةُ، ويقالُ للشيءِ منْ هذا إذا خُلِطَ: مَشِيجٌ؛ كقولِك: خَلِيطٌ، ومَمْشُوجٌ؛ كقولك: مَخْلُوطٌ» (٣). ومنْ أمثلةِ الألفاظِ التي استشهدَ لها بالشعرِ أو النَّثرِ ما يأتي: * قالَ الفراءُ (ت:٢٠٧): وقولُه: ﴿لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] يقولُ: لا رَادَّ لحكمِه إذا حكمَ شيئاً، والمُعَقِّبُ: الذي يَكِرُّ على الشيءِ، وقولُ لبيدٍ (٤):

стр. 283

حَتَى تَهَجَّرَ فِي الرَّوَاحِ وَهَاجَهُ ... طَلَبُ المُعَقِّبِ حَقَّهُ الْمَظْلُومُ مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ الْمُعَقِّبَ صاحبُ الدَّينِ، يرجعُ على صاحبِه فيأخذُهُ منه، أو مَنْ أُخِذَ منه شَيءٌ فهو راجعٌ ليأخذَه» (١). * وقالَ: «وقولُه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، فيه وجهانِ: أحدُهما: معناه: فما الذي أصبرَهم على النارِ؟ والوجهُ الآخرُ: فما أجرأهم على النارِ! قال الكسائيُ: سألني قاضي اليمنِ، وهو بمكةَ، فقالَ: اختصمَ إليَّ رجلانِ من العرب، فحلفَ أحدُهما على حقِّ صاحبِه، فقالَ له: ما أصبرك على اللهِ! وفي هذه أنْ يُرادَ بها: ما أصبرك على عذابِ اللهِ، ثُمَّ تُلْقِي العذابَ، فيكونُ كلاماً؛ كما تقولُ: ما أشبهَ سخاءك بحاتم» (٢). هذا، وقدْ كانَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) مَرْجِعاً في بيانِ معاني مفرداتِ اللُّغةِ، وقد اعتمدَ عليه الأزهريُّ (ت:٣٧٥) في كتابِه الكبيرِ (تهذيبِ اللُّغةِ)، وأسندَ إليه كثيراً من بيانِ معاني الألفاظِ، وستأتي الإشارةُ إلى ذلك (٣). ٢ - بيان لغات العرب وقولها: حرصَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) على بيانِ لغاتِ العربِ، كما حَرِصَ على بيانِ طريقةِ نُطقِها لبعضِ الكلماتِ، وما بينها من تغايُرِ الحركاتِ، ومن ذلكَ قولُه:

стр. 284

«وقولُه: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٢] مهموزٌ، ولو تركتَ همزَ مثلِه في غيرِ القرآنِ، قلتَ: يَكْلُوكُم بواوٍ ساكنةٍ، أو يَكْلاَكُم بألفٍ ساكنةِ، مثلَ يخشاكم، ومن جعلَها واواً ساكنةً قال: كَلاَن بالألفِ، تتركُ منها النَّبْرَةَ (١). ومَنْ قالَ: يَكْلاكُم، قالَ: كَلَيتُ؛ مثلَ: قَضَيتُ، وهي لغةُ قريشٍ، وكُلٌ حسنٌ، إلا أنهم يقولون في الوجهين: مَكْلُوَّةٌ بغيرِ همزٍ، ومَكْلُوٌّ بغيرِ همزٍ أكثر مما يقولون: مَكْلِيةٌ. ولو قيلَ: مَكْلِيٌّ في قول الذين يقولون: كَلَيتُ كان صواباً» (٢). وهذا الأسلوبُ في بيانِ لغاتِ العربِ كثيرٌ عند الفرَّاء (ت:٢٠٧)، والمقصودُ بالحديثِ هنا، ما كان له أثرٌ في التَّفسيرِ لا في التَّعبيرِ. وتجده في هذا الموضوعِ: إمَّا أن يجعلَ التمثيلَ الذي يذكرُه من قولِ العربِ دونَ تخصيصٍ لقبيلةٍ بعينها، وإمَّا أنْ ينصَّ على قبيلةٍ بعينِها، ومنْ ذلكَ: * قال الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]: «العرب تقول ـ للذي يمنعه من الوصول إلى إتمامه حَجِّهِ أو عمرتِه خوفٌ أو مرضٌ، وكلِّ ما لم يكنْ مقهوراً؛ كالحبس والسِّجن، يقالُ للمريضِ ـ: قدْ أُحْصِرَ، وفي الحَبْسِ والقَهْرِ: قدْ حُصِرَ. فهذا فرقُ بينهما. ولو نَوَيتَ في قهرِ السُّلطانِ أنها عِلَّةٌ مانعةٌ، ولم تذهبْ إلى فِعْلِ الفَاعِلِ، جازَ لكَ أنْ تقولَ: قدْ أُحْصِرَ الرجلُ. ولو قلتَ في المرضِ وشبهِهِ: إن المرضَ قدْ حَصَرَهُ أو الخوفَ، جازَ أنْ تقولَ: حُصِرتُمْ» (٣).

стр. 285

* وقال: «وقولُه: ﴿يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]: ممنوعاً مِنَ الخيرِ، والعربُ تقولُ: ما ثَبَرَكَ عنْ ذَا؛ أيْ: ما منعَكَ منه وصرفَكَ عنه» (١). * وقالَ: «وأمَّا قولُه: ﴿وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: ٦١] فإنَّ الفُومَ ـ فيما ذكر ـ لغةٌ قديمةٌ، وهيَ الحِنْطَةُ والخُبْزُ جميعاً قد ذكرا. قالَ بعضُهم: سمعْنَا العربَ منْ أهلِ هذه اللُّغةِ يقولونَ: فَوِّمُوا لنا، بالتَّشديدِ لا غيرَ، يريدونَ: اخْتَبِزُوا، وهيَ في قراءةِ عبدِ اللهِ: «وثُومِهَا» بالثاءِ (٢)، فكأنَّه أشبهُ المعنيينِ بالصَّوابِ، لأنَّه معَ ما يشاكلُه من العدسِ والبصلِ وشبهِهِ. والعربُ تُبْدِلُ الفاءَ بالثاءِ، فيقولونَ: جَدَثٌ وجَدَفٌ، ووقعوا في عَاثُورِ وعَافُورِ شَرٍّ، والأثَاثِي والأثَافِي، وسمعتُ كثيراً من بني أسدٍ يُسَمِّيَ المَغَافِيرَ: المَغَاثِيرَ» (٣). * وقالَ: «وقولُه: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]: ذُكِرَ أنَّ الحَصَبَ في لغةِ أهلِ اليمنِ: الحَطَبُ ... وأمَّا الحَصَبُ فهو في معنى لغةِ نجدٍ: ما رميتَ به في النَّارِ؛ كقولِك: حَصَبْتُ الرجلَ؛ أي: رَمَيْتُهُ» (٤). وفي هذه الأمثلةِ يظهرُ نَصُّ الفراءِ (ت:٢٠٧) على أن هذا ما تقوله العربِ، أو أنَّه من لغةِ قبيلةٍ معينةٍ.

стр. 286

٣ - ذِكْرُ الْمُحْتَمَلاَتِ اللُّغَوِيَّةِ للنَّصِّ القرآنيِ: لَمَّا كانتِ المباحثُ العربيةُ هي الوجهةُ التي سَلَكَهَا الفراءُ (ت:٢٠٧) في كتابِه (معاني القرآن)، فإنَّ اهتمامه بالمحتملاتِ اللغويةِ للنَّصِّ القرآني كانَ أحدَ هذه المباحثِ التي رَكَّزَ عليها في البيانِ. ويظهرُ في مثلِ هذه المحتملاتِ ـ إذا كانتْ مشكلةً في التعبيرِ ـ حِرْصَهُ على إيرادِ الشواهدِ والأساليبِ الكلاميةِ التي تُبَيِّنُ النَّصَّ القرآنيَ، ومنْ ذلكَ: * ما ذكره في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، قال: «أضافَ المثلَ إلى الذينَ كفروا، ثمَّ شبَّهَهم بالرَّاعي، ولم يقلْ: كالغنمِ، والمعنى ـ واللهُ أعلمْ ـ: مثلُ الذي كفروا كمثلِ البهائمِ التي لا تَفْقَهُ ما يقولُ الراعي أكثرَ من الصوتِ، فلو قالَ لها: ارعِيْ أو اشربي، لم تدْرِ ما يقولُ لها، فكذلكَ مثلُ الذينَ كفروا فيما يأتيهم منْ القرآنِ وإنذارِ الرسولِ. فأضيفَ التَّشبيهُ إلى الرَّاعي، والمعنى ـ والله أعلمُ ـ في المرعيِّ، وهو ظاهرٌ في كلامِ العربِ أنْ يقولوا: فلانٌ يخافُكَ كخوفِ الأسدِ، والمعنى: كخوفِه الأسدَ؛ لأنَّ الأسدَ هو المعروفُ بأنَّه المخوفُ، وقال الشاعرُ (١): لَقَدْ خِفْتُ حَتَى مَا تَزِيدُ مَخَافَتِي ... عَلَى وَعْلٍ في ذِي المَطَارَةِ عَاقِلُ والمعنى: حتى ما تزيدُ مخافَةَ وَعْلٍ على مخافتي، وقالَ الآخرُ (٢): كَانَتْ فَرِيضَةَ مَا تَقُولُ كَمَا ... كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ والمعنى كما كان الرَّجم فريضة الزِّنَى، فيتهاون الشَّاعر بوضع الكلمة

стр. 287

على صحتها لاتضاح المعنى عند العرب. وأنشدني بعضهم (١): إنَّ سِرَاجاً لَكَرِيمٌ مَفْخَرُهُ ... تَحْلَى بِهِ الْعَيْنُ إذَا مَا تَجْهَرُهُ والعينُ لا تَحْلَى به، إنما يَحْلَى هو بها. وفيها معنىً آخرُ: تضيفُ الْمَثَلَ إلى الذين كفروا، وإضافتُه في المعنى إلى الوعظِ؛ كقولِك: مَثَلُ وَعْظِ الذينَ كفروا وواعظِهِم كمثلِ النَّاعِقِ؛ كما تقولُ: إذا لقيتَ فلاناً فَسَلِّمْ عليه تسليمَ الأميرِ، وإنما تريدُ به: كما تُسِلِّمُ على الأميرِ. وقالَ الشاعرُ (٢): فَلَسْتُ مُسَلِّماً مَا دُمْتُ حَيًّا ... عَلَى زَيْدٍ بِتَسْلِيمِ الأَمِيرِ وكُلٌّ صوابٌ» (٣). * وفي قولِه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، قال: «والأُمْنِيَّةُ في المعنى: التلاوةُ؛ كقولِ اللهِ : ﴿إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]؛ أي: في تلاوتِه. والأمَانيُّ ـ أيضاً ـ: أن يفتعِلَ الرَّجلُ الأحاديثَ المفتعلَةَ، قال بعضُ العربِ لابن دَابٍ ـ وهو يُحَدِّثُ الناسَ ـ: أهذا شيءٌ رَوَيْتَهُ أمْ شيء تَمَنَّيْتَهُ؟ يريدُ: افتعلتَهُ، وكانتْ أحاديثَ يسمعونها من كبرائهمْ ليستْ منْ كتابِ اللهِ، وهذا أبينُ الوجهينِ» (٤).

стр. 288

* وقالَ: «قولُه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] معناه: أنهار، وهو في مذهبِه كقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]. وزعمَ الكسائيُّ أنَّه سمعَ العربَ يقولونَ: أتينا فلاناً، فكنَّا في لَحْمَةٍ ونَبِيذَةٍ، فَوَحَّدَ، ومعناه الكثيرُ. ويقالُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] في ضياءٍ وسَعَةٍ، وسمعتُ بعضَ العربِ ينشدُ (١): إنْ تَكُ لَيْلِياً فإنِّي نَهِرُ ... مَتَى أَرَى الصُّبْحَ فَلاَ أَنْتَظِرُ ومعنى نَهِرُ: صاحبُ نهارٍ» (٢). وفي هذه الأمثلةِ السابقةِ يظهرُ إيرادُ الفراءِ (ت:٢٠٧) للمحتملاتِ اللغويةِ الواردةِ على النَّصِّ القرآنيِّ، كما يظهرُ حرصُهُ على إيرادِ الشَّواهدِ على هذه المحتملاتِ. وفي بعض المواطن يحكي مثلَ هذه المحتملات دون أن يبين رأيَهُ

стр. 289

فيها، ومنْ ذلكَ ما وردَ عنه في قولِه تعالى: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣]، قال: «والثَّاقبُ: المضيءُ، والعربُ تقولُ: اثْقُبْ نارَكَ: للمُوقِدِ. ويقال: إنَّ الثَّاقبَ: هو النَّجْمُ الذي يقال: له زُحَلْ. والثَّاقبُ الذي قدِ ارتفعَ عن النُّجومِ. والعربُ تقولُ للطائرِ إذا لحقَ ببطنِ السماءِ ارتفاعاً: قَدْ ثَقَبَ. كلُّ ذلكَ جاءَ في التفسيرِ» (١). ٤ - تَوْجِيهُ القِرَاءَاتِ: اتخذتِ القراءاتُ: شاذُّها ومتواترُها مكاناً كبيراً في كتاب (معاني القرآن)، وهو في ذلك يذكرُ توجيهها في لغةِ العربِ، ويبينُ ما بينها من الفروقِ، إنْ وُجِدَ، سواءً أكانَ اختلافاً في معنًى أم في غيرِه مما لا أثرَ له في المعنى؛ كالاختلافِ في الحركاتِ (٢)، أو اللَّهجاتِ، أو التَّصريفِ، ومن أمثلةِ ذلكَ قولُه: «وقولُه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] كانَ عاصمُ بنُ أبي النَّجُودِ يقرأُ: «أسوة» برفع الألفِ في كلِّ القرآنِ. وكان يحيى بنُ وثَّابٍ (٣) يرفعُ بعضاً ويكسر بعضاً، وهما لغتان، الضَّمُّ في قيسٍ. والحسنُ وأهلُ الحجازِ يقرؤون: «إسوة» بالكسرِ في كلِّ القرآنِ لا يختلفون ...» (٤). ومنْ أمثلةِ ما يختلفُ بهِ المعنى باختلافِ القراءةِ ما يأتي: قال: «وقولُه: ﴿لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ [الواقعة: ١٩]: عنِ الخمرِ. ﴿وَلاَ يُنْزِفُونَ﴾؛

стр. 290

أي: لا تذهبُ عقولُهم، يقالُ للرجلِ إذا سَكِرَ: قد نُزِفَ عقلُهُ، وإذا ذهبَ دمُهُ وغُشِيَ عليه أو ماتَ، قيل: منْزوف. ومن قرأ: «يُنْزِفُونَ» يقول: لا تفنى خمرُهم، والعرب تقول للقوم إذا فَنِيَ زادُهم: قد أَنْزَفُوا، وأَقْتَرُوا، وأَنْفَضُوا، وأَرْقَلُوا، وأَمْلَقُوا» (١). * وقالَ: «وقولُه : ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] قرأها الأعمشُ (٢) وعاصمٌ «فَعَدَلَكَ» مخففةً، وقرأها أهل الحجاز «فعدَّلك» مشدَّدة. فمنْ قرأها بالتَّخفيفِ، فوجهُهُ ـ والله أعلم ـ: فصَرَفَكَ إلى أيِّ صورةٍ شاءَ، إمَّا: حَسَنٍ، أو قبيحٍ، أو طويلٍ، أو قصيرٍ ... ومنْ قرأ: «فعدَّلَكَ» مشدَّدةً، فإنه أرادَ ـ واللهُ أعلمُ ـ جعلكَ مُعْتَدِلاً مُعَدَّلَ الخَلْقِ، وهو أعجبُ الوجهينِ إليَّ، وأجودُها في العربيةِ؛ لأنك تقولُ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]، فتجعلُ (في) للتَّركيبِ، أقوى في العربيَّةِ مِنْ أنْ يكونَ (في) للعَدْلِ؛ لأنَّك تقولُ: عَدَلْتُكَ إلى كذا وكذا، وصَرَفْتُكَ إلى كذا وكذا، أجودُ منْ أنْ تقولَ: عَدَلْتُكَ فيه، وصَرَفْتُكَ فيه» (٣). ٥ - الأُسْلُوبُ العَرَبِيُّ فِي الخِطَابِ القُرْآنِيِّ: بيَّنَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) كثيراً منَ الأساليبِ العربيَّةِ النَّحويَّةِ، واستشهدَ لها

стр. 291

بأمثلةٍ تُوضِّحُها، وقدْ كانَ للمعاني نصيبٌ في هذا البيانِ، فقدْ أولاهُ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) عنايَتَه، ووضَّح منه جملةً كثيرةً، وإن كان البيانُ النحويُّ لأساليب العرب أكثر، ومن الأساليب التي بينها في الخطاب القرآنيِّ، ما يأتي: * الخِطَابُ بِالْمُسْتَقْبَلِ لأَمْرٍ قَدْ مَضَى: قالَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧): «وقولُه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١] يقول القائل: إنما (تقتلونَ) للمستقبلِ، فكيفَ قالَ: (من قبل)؟، ونحنُ لا نجيزُ في الكلامِ: أنَا أضربُك أمسِ، وذلكَ جائزٌ إذا أردتَ بـ (تفعلون) الماضيَ، ألا تَرى أنَّكَ تُعَنِّفُ الرجلَ بما سلفَ من فعلِه، فتقولُ: ويحكَ لِمَ تكذبْ؟ لم تُبَغِّضْ نفسَكَ إلى النَاسِ؟! ومثلُه قولُ اللهِ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ولَمْ يَقُلْ: ما تلتِ الشياطينُ. وذلكَ عربيٌّ كثيرٌ في الكلامِ، أنشدني بعضُ العربِ (١): إذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ وَلَمْ تَجدِي مِنْ أَنْ تُقِرِّي بِهَا بُدَّا فالجزاءُ للمستقبل، والولادة كلها قد مضت (٢)، وذلكَ أَنَّ المعنى معروفٌ. ومثلُه في الكلامِ: إذا نظرتَ في سِيرِ عمر (٣) ﵀ لم يسئْ، والمعنى؛ لم تجدْهُ أساءَ، فلمَّا كانَ أمرُ عمرَ لا يُشَكُّ في مُضِيِّه، لم يقعْ في الوهمِ أنه مستقبلٌ، فلذلكَ صلحَتْ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ مع قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾، وليس الذين خوطبوا بالقتلِ همُ القَتَلَةُ، إنَّما قَتَلَ الأنبياءَ أسلافُهُم الذين مضوا، فتولَّوهم على ذلك ورضوا به فَنُسِبَ القتلُ إليهم» (٤).

стр. 292

بيَّن الفراءُ (ت:٢٠٧) في هذا النَّصِّ أنَّه جازَ الحديثُ عَنِ الماضي بفعلٍ دالٍ على الاستقبالِ؛ لأنَّ في الكلامِ دليلاً على إرادةِ المُضِي. قال الزجاجُ (ت:٣١١): «وإنما جازَ أنْ يُذكَرَ هاهنا لفظُ الاستقبالِ والمعنى المُضِي؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾» (١). كما بين الفرَّاء (ت:٢٠٧) أنَّه جازَ خطابُ الحاضرينَ بما فعلَه الأسلافُ منهم لرضاهم بهذا العملِ، حتى صاروا كأنهم فعلُوه بأنفسِهِم، إذ الراضي كالفاعلِ، وما ذكره مِنْ نَسْبِ القتلِ إلى حاضري التَّنْزيلِ أسلوبٌ عربيٌّ عريقٌ. وقد شرحَ الطبريُّ (ت:٣١٠) ذلكَ الأسلوب، فقالَ: «وإنما جازَ أنْ يُقالَ: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩]، والخطابُ بهِ لِمَنْ لَمْ يدركْ فرعونَ ولا الْمُنَجَّينَ منه؛ لأنَّ المخاطَبينَ بذلكَ كانوا أبناءَ من نجَّاهم مِن فرعونَ وقومِه، فأضافَ ما كانَ منْ نِعَمِهِ على آبائهم إليهم، وكذلكَ ما كانَ منْ كُفْرَانِ آبائهم على وجهِ الإضافةِ؛ كما يقولُ القائلُ لآخر: فعلنا بكم كذا، وقتلناكم، وسبيناكم، والمُخْبِرُ: إمَّا أنْ يكونَ يعني قومَه وعشيرتَه بذلكَ، أو أهلَ بلدِهِ ووطنِهِ، كانَ المَقُولُ له ذلكَ أدرك ما فُعِلَ بهم من ذلك أوْ لَمْ يدركْه؛ كما قالَ الأخْطَلُ (٢) يهاجي جريرَ بنَ عَطِيَّة: وَلَقَدْ سَمَا لَكُمُ الهُذَيلُ فَنَالَكُمْ ... بِإرَابَ، حَيْثُ يُقَسِّمُ الأنْفَالاَ في فَيلَقٍ، يَدْعُو الأَرَاقِمَ، لَمْ تَكُنْ ... فُرْسَانُهُ عُزْلاً وَلاَ أَكْفَالاَ ولم يلحقْ جريرٌ هذيلاً ولا أدركَه ولا أدركَ إرابَ ولا شهده. ولكنه لما

стр. 293

كان يوماً من أيامِ قومِ الأخطلِ على قومِ جريرٍ (١)، أضافَ الخطابَ إليه وإلى قومِه. فكذلكَ خطابُ اللهِ مَنْ خاطبَهُ بقولِه: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩]، لما كانَ فعلُه ما فعلَ منْ ذلكَ بقوم مَنْ خاطبَه بالآيةِ وآبائهم، أضافَ فعلَه ذلكَ الذي فعلَه بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومِهم» (٢). * الجَزَاءُ عَنِ الفِعْلِ بِمِثْلِ لَفْظِهِ، وَالْمَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ (٣): قالَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧): وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ [البقرة: ١٩٢]، فلم يبدءوكم ﴿فَلاَ عُدْوَانَ﴾ على الذين انتهوا، إنما العدوانُ على مَنْ ظَلَمَ: على من بدأكم ولَمْ يَنْتَهِ. فإنْ قالَ قَائِلٌ: أرأيتَ قولَهُ: ﴿فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ أعدوانٌ هو، وقدْ أباحَهُ اللهُ لهم؟! قلنا: ليسَ بعدوانٍ في المعنى، إنما هو لفظٌ على مِثلِ ما سبقَ قبلَهُ، ألا

стр. 294

تَرَى أنه قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فالعدوانُ مِنَ المشركينَ في اللَّفظِ ظُلْمٌ في المعنى، والعدوانُ الذي أباحَهُ اللهُ وأمرَ بهِ المسلمينَ إنما هو قصاصٌ. فلا يكونُ القصاصُ ظلماً، وإنْ كانَ لفظُه واحداً. ومثلُه قولُ اللهِ ﵎: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وليستْ منَ اللهِ مثلُ معناها منَ المسيءِ؛ لأنها جزاءٌ» (١). وهذا يعني أنَّ ما يصدر من المسلمين إنما هو مقابلٌ وجزاءٌ لما صدر من الكفار، وإنما سمِّيَ باسمه على سبيل المجازاة، فاتَّفق اللفظ واختلف المعنى المراد به في كل موضع، وهذا ما يُسمَّى في علم البلاغة «باب المشاكلة». قال الطبري (ت:٣١٠): «فإن قال قائل: وهل يجوز الاعتداء على الظالم فيقال: ﴿فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؟ قيل: إن المعنى في ذلك غيرَ الوجهِ الذي إليه ذهبت. وإنما ذلك على وجه المجازاةِ، لِمَا كان من المشركين من الاعتداءِ. يقولُ: افعلوا بهم مثلَ الذي فعلوا بكم، كما قال: إن تعاطيتَ مني ظلماً تعاطيتُه منك. والثاني ليس بظلمٍ؛ كما قالَ عمرُو بنُ شأسٍ الأسديِّ (٢). جَزَينَا ذَوِي العُدْوَانِ بِالامْسِ قَرْضَهُمُ ... قِصَاصاً، سَوَاءً حَذْوَك النَّعْلَ بِالنَّعْلِ (٣)

стр. 295

* الاسْمَانِ المُصْطَحِبَانِ: يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ، فَيُسَمَّيَانِ جَمِيعاً بِهِ (١): قالَ الفراءُ (ت:٢٠٧): «وقولُه: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣٨] يريدُ: ما بينَ مشرقِ الشتاءِ، ومشرقِ الصيفِ. ويقالُ: إنه أرادَ المشرقَ والمغربَ، فقال: ﴿الْمَشْرِقَيْنِ﴾ وهو أشبهُ الوجهينِ بالصوابِ؛ لأن العربَ قدْ تجمعُ الاسمينِ على تسميةِ أشْهَرِها، فيقال: قدْ جاءكَ الزَّهْدَمَان (٢)، وإنما أحدُهما زَهْدَمٌ. قالَ الشاعرُ (٣): أَخَذْنَا بِآفَاقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُم ... لَنَا قَمَرَاهَا وَالنُّجُومُ الطَّوالِعُ يريدُ: الشمسَ والقمرَ. وقال الآخر (٤): قَسَمُوا البِلاَدَ فَمَا بِهَا لِمَقِيلِهِم ... تَضْغِيثُ مُفْتَصِلٍ يُبَاعُ فَصِيلُهُ فِقُرَى العِرَاقِ مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَاحِدٍ ... فَالبَصْرَتَانِ فَوَاسِطٌ تَكْمِيلُهُ يريدُ: البصرةَ والكوفةَ. قال: وأنشدني رجلٌ من طَيِّء (٥):

стр. 296

فَبَصْرَةُ الأزْدِ مِنَّا، والعِرَاقُ لَنَا ... وَالمَوْصِلاَنِ وَمِنَّا مِصْرُ وَالْحَرَمُ يريدُ: الجزيرةَ، والموصل» (١). وفي هذا المثال صوَّب الفراءُ (ت:٢٠٧) أنَّ المشرقينِ: المشرقُ والمغربُ، وغلَّبَ اسمَ المشرقِ عليها كما هو سبيلُ العربِ في تغليبِ الشيئينِ المتصاحبينِ. وهناك أساليبُ أخرى تعرَّضَ لها الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) غيرَ هذه؛ كالحذفِ (٢)، والإضمارِ (٣)، والتَّكنيةِ عن الشَّيءِ الذي عُرف اسمه وإن لم يَجُرِ له ذِكْرٌ (٤)، والتَّقديمِ والتَّأخيرِ (٥)، وغيْرِها، والمقصودُ هنا التَّمثيلُ لبعضِ هذه الأساليبِ، وقدْ يَمُرُّ غيرُها في ثنايا البحثِ، واللهُ الموفِّقُ. أثرُ المعتقدِ في التفسير اللُّغويِّ عند الفرَّاءِ: إنَّ كتبَ التراجمِ قدْ تذكرُ بعض التُّهَمِ التي يُرمَى بها عالمٌ دون التَّثَبُّتِ من تلك الروايةِ؛ لأنَّ الغالب على التصنيفِ في هذه التراجمِ جمعُ ما وردَ من أخبارِ العالِم، دونَ التَّحقُّقِ من صحَّتِهِ، وإنْ كانَ لا يخلو فيها النقدُ، وهو قليلٌ، لكنَّه ليسَ الأصلَ. وقد يرد في ما رُوِيَ عن العالِمِ المتَّهمِ ما يردُّ هذا الزعمَ؛ كالتُّهمة التي

стр. 297

نُسِبت إلى عكرمة (ت:١٠٥)، حتى شنأهُ بها الناس، فلم يشهد جنازته كبير أحدٍ (١)، فقد قيل إنه يرى رأيَ الخوارج (٢). وإذا عرضت هذه التُّهمةَ على ما رواه البخاري (ت:٢٥٦) عن محمد بن عبد الرحمن الأسدي (٣)، قال: «قُطعَ على أهلِ المدينة بعثٌ، فاكْتُتِبَتُ فيه، فلقيتُ عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، فأخبرتُهُ، فنهاني عن ذلك أشدَّ النهي، ثمَّ قال: أخبرني ابنُ عباسٍ أنَّ ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يُكثِرون سوادَ المشركينَ على رسولِ الله ﷺ ، يأتي السَّهمُ فيُرمَى به، فيصيبُ أحدهم، فيقتله، أو يُضرَبَ فيُقتَل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]» (٤). قال ابن حجر (ت:٨٥٢): «وفي هذه القصَّةِ دلالةٌ على براءةِ عكرمةَ مما نُسِبَ إليه من رأي الخوارجِ؛ لأنه بالغَ في النَّهي عن قتالِ المسلمينَ، وتكثيرِ سوادِ من يقاتلُهم. وغرضُ عكرمةَ: أنَّ الله ذمَّ من كثَّرَ سوادَ المشركين مع أنهم كانوا لا يريدونَ بقلوبِهم موافقَتَهم، قال: فكذلك أنت لا تكثرْ سوادَ هذا الجيشِ، وإن كنت لا تريد موافقتَهم؛ لأنهم لا يقاتلونَ في سبيلِ الله» (٥). والفرَّاءُ (ت:٢٠٧) قد نُسِبَ إلى الاعتزالِ (٦)، فذكرَه المَرْزُبَانيُّ المعتزليُّ

стр. 298

(ت:٣٨٤) (١) في كتابِه، وقال: «كان يميلُ إلى الاعتزالِ» (٢). وقال ياقوتُ الحمويُّ (ت:٦٢٦) (٣): «وكان الفرَّاءُ فقيهاً، عالماً بالخلافِ وبأيامِ العربِ وأخبارِها وأشعارِها، عارفاً بالطِّبِّ والنجومِ، متكلِّماً يميل إلى الاعتزالِ» (٤). ويظهرُ أنَّ هذه التُّهمةَ لم تنشأ من فراغٍ؛ لأنَّه جالسَ الخليفةَ العبَّاسيَّ المأمونَ (ت:٢١٨) وألَّفَ له (٥)، وكان المعتزلةُ ندماءَ الخليفةِ، وكانتْ صوْلتُهم وقوَّةُ شوكتِهم في عصرِه، فهل تأثَّرَ بهم؟ قال الجاحظ (ت:٢٥٥) (٦): «دخلت بغداد حين قَدِمَها المأمونُ سنة أربعٍ ومائتين، وكان بها الفرَّاء، فاشتهى أن يتعلم الكلام، ولم يكن له طبع فيه» (٧).

стр. 299

وعندَ تمحيصِ هذا الاتهامِ، تجدُ أنه قال عن نفسِه: «كنت أنا وبشرٌ المريسيُّ (١) في بيت واحدٍ عشرين سنةً، ما تعلَّمَ مني شيئاً، ولا تعلَّمتُ منه شيئاً» (٢). وهذا يعني أنَّه لم يستفِدْ منه في علمِ الكلامِ، ولكنَّ مخالطَةَ القومِ قد يكونُ لها أثرٌ من حيثُ لا يشعرُ المرءُ، فقدْ يقعُ في كلامِه من آرائهِم ما لم يحتسب له، ولا أدركَهُ، ويفسِّرُ هذا ما أوردَه الشَّريفُ المرتضى المعتزليُّ (ت:٤٣٦) (٣)، وهو يوجِّه قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] على ما يوافقُ مذهبَ المعتزلةِ، قال: «... أن نجعلَ حرفَ الشرطِ الذي هو «إن» متعلقاً بما يليه، وبما هو متعلقٌ به في الظاهرِ، من غيرِ تقديرِ محذوفٍ، ويكون التقديرُ: ولا تقولن إنكَ تفعلُ إلاَّ ما يريد اللهُ. وهذا الجواب ذكره الفرَّاء (٤)، وما رأيته إلاَّ له، ومن العجبِ تغلغُلُهُ إلى

стр. 300

مثلِ هذا، مع أنه لم يكنْ متظاهراً بالقولِ بالعدلِ ...» (١). وهذا الكلامُ من الفرَّاءِ (ت:٢٠٧)، لو حُمِلَ على ما قاله الشَّريفُ المرتضى (ت:٤٣٦)، لما كانَ دليلاً على اعتزالِه، وإنما فيه دليلٌ على تأثُّرِه بالاعتزالِ، وممَّا يمكنُ أن يُستدلَّ به من كتابه (معاني القرآن) على براءتِه من الاعتزالِ ما يأتي: ١ - أنَّه قدْ نصَّ في كتابِه على الردِّ على أهلِ القَدَرِ، فقال: «وقوله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]: إلاَّ ليوحدوني، وهذه خاصة، يقول: وما خلقت أهل السعادة من الفريقين إلاَّ ليوحدوني. وقال بعضهم: خلقهم ليفعلوا، ففعل بعضهم وترك بعضٌ. وليسَ فيه لأهلِ القَدَرِ حجةٌ» (٢). أي: وليس في القولِ الثاني حجةٌ لأهلِ القدرِ، لأنَّه قال: ففعل بعضهم وترك بعضٌ، فنسب الفعل إليهم. ٢ - ومن ذلك تفسيرِه لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فقد ذكرَ فيها أثراً عن أبي بكر الصِّديق، أنّ الزيادةَ: النَّظرُ إلى وجه الرَّبِّ ﵎ (٣). ولم يعترضْ عليه، والمعتزلةُ ينكرونَ الرُّؤيةَ، ولا يحتجُّونَ بمثلِ هذه الآثارِ. ٣ - وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]، قال: «...

стр. 301

ويقال: ما كانوا يستطيعونَ السَّمعَ وما كانوا يبصرون؛ أي: أضلَّهم اللهُ عن ذلكَ في اللَّوحِ المحفوظِ» (١). وقد حكى نسبةَ الإضلالِ إلى اللهِ سبحانَهُ، والمعتزلةُ يخالفونَ في ذلكَ، ولو كان الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) منهم لما ذكرَ هذا القولَ، أو لَرَدَّ عليه، ويشبهُ هذا ما وردَ عنه في: * قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، قال: «وقوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، يقال: بلا إله إلاَّ الله، فهذه في الدنيا، وإذا سئلَ عنها في القبرِ بعدَ موته، قالها إذا كان من أهل السعادةِ، وإذا كانَ من أهل الشَّقاوةِ لم يقلْها، فذلك قوله : ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ عنها؛ أي: عن قولِ لا إله إلا الله، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: لا تُنكرُ له قدرةٌ، ولا يُسألُ عمَّا يفعلُ» (٢). * وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]، قال: «يقولُ: ومن يُشْقِهِ اللهُ فما له من مُسْعِدٍ» (٣). ٤ - وفي قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩]، ذكرَ أثرينِ في تفسيرِها (٤)، أحدهما عن ابن عباس (ت:٦٨)، والآخر عن سعيد بن جبير (٩٤)، وهذان الأثران يدلاَّن على وقوعِ البكاءِ حقيقةً (٥)، وأهلُ الاعتزال لا يقولون بهذا القولِ، بل يحملُون مثلَ هذه الآيةِ على المجازِ (٦). وهذه النُّصوصُ وغيرها تدلُّ على أنَّ الفراءَ (ت:٢١٠) لم يكنْ معتزليَّاً، وإن كانَ وقع منه شيءٌ، فبسببِ قُربِه منهم، ومخالطته لهم، والله أعلمُ.

стр. 302

ثانياً مَعَانِي القُرْآنِ لِلاخْفَشِ أبو الحسنِ سعيدُ بنُ مَسْعَدَةَ (ت:٢١٥)، نحويُّ بصريٌّ، أخذَ النَّحْوَ عن علماءِ البصرةِ، وقرأه على سيبويه (ت:١٨٢)، وقد ألَّفَ الأخفشُ (ت:٢١٥) كتاب (معاني القرآن)، كما ألَّفَ في ذلك معاصرُوه، من البصرةِ: محمدُ بنُ المستنيرِ (ت: ٢٠٦) المعروفُ بـ (قطرب)، ومِنَ الكُوفةِ: أبو الحسنِ عليُ بنُ حمزةَ الكسائي (ت:١٨٣)، أبو زكريا يحيى بنُ زيادٍ الفراء (ت:٢٠٧)، وغيرهم. وقدْ وردتْ روايةٌ في ترجمةِ أبي الحسنِ الأخفشِ (ت:٢١٥) تفيدُ أنَّهُ ألَّفَ كتابَه قبلَ الكسائيِّ (ت:١٨٣) والفرَّاء (ت:٢٠٧)، قال الأخفش (ت:٢١٥): «... فلمَّا اتَّصَلَتِ الأيامُ بالاجتماعِ، سألني [يعني: الكسائي] أنْ أؤلِّفَ كتاباً في معاني القرآنِ، فألَّفْتُ كتابي في المعاني، فجعلَه إماماً، وعَمِلَ عليه كتاباً في المعاني، وعَمِلَ الفرَّاءُ كتابَه في المعاني عليهما» (١). ويُشْعِرُ هذا النَّصُّ أنَّ الأخفشَ (ت:٢١٥) قدِ اطَّلَعَ على كتابيْ الكسائيِّ (ت:١٨٣) والفراءِ (ت:٢٠٧)، فظهرتْ له هذه الموازَنَةُ التي ذكرَها. وكتابُ الأخفشِ (ت:٢١٥) كتابُ نَحْوٍ، ويبدو أنَّهُ أرادَ إظهارَ مذهبِه النَّحويِّ أكثرَ من إرادتِه بيانَ معاني القرآنِ، ولا يخفى على من يطَّلعُ على

стр. 303

كتابِه أدنى اطِّلاعٍ أنَّه كتابُ نَحْوٍ وصَرْفٍ (١)، ولذا تجدُه نَصَّ على بعضِ الأبوابِ النَّحويَّةِ عندَ حديثِه عن بعضِ الآياتِ؛ كبابِ الفاءِ (٢)، وبابِ الإضافةِ (٣)، وبابِ الواوِ (٤)، وبابِ اسمِ الفاعلِ (٥)، وبابِ إضافةِ أسماءِ الزمانِ إلى الفعلِ (٦)، وغيرِها. أمَّا المعاني، فلمْ تكنْ في كتابِه كثيرةً، بلْ كانتْ قليلةً جداً بالنَّسبةِ للكتابِ، وقدْ يُصَدِّقُ هذا ما وردَ عنْ تلميذِه أبي حاتم السِّجسْتَانيِّ (ت:٢٥٥) وغيرِهِ مِنْ أنَّ الأخفشَ (ت:٢١٥) كانَ عَالِمَ نَحْوٍ ولم يكنْ عَالِمَ لُغَةٍ (٧). وقد وردتْ روايةٌ تدلُّ على أنه ألَّفَ في غريبِ القرآنِ، قالَ تلميذُه أبو حاتمٍ السِّجستانيِّ (ت:٢٢٥): «كانَ الأخفشُ قد أخذَ كتابَ أبي عبيدةَ في القرآنِ (٨)، فأسقطَ منه شيئاً، وزادَ شيئاً، وأبدلَ منه شيئاً. قال أبو حاتمٍ: فقلتُ له: أيُّ شيءٍ هذا الذي تصنعُ؟! من أعرفُ بالغريبِ، أنت أو أبو عبيدة؟ فقال: أبو عبيدة.

стр. 304

فقلت له: هذا الذي تصنعُ ليس بشيءٍ. فقال: الكتابُ لمنْ أصلحَهُ، وليسَ لمنْ أفسدَهُ. قال أبو حاتم: فلمْ يُلتَفَت إلى كتابِهِ، وصارَ مُطَّرَحاً» (١). وقد وردتْ نسبتُه له في الكتبِ التي اعتمدها الثَّعلبيُّ (ت:٤٢٧) (٢) في مقدمةِ تفسيرِه، باسمِ «غريبِ القرآنِ» (٣)، وهذا يدلُّ على أمرينِ: الأول: أنَّ الأخفشَ (ت:٢١٥) له كتابٌ آخرُ غير كتاب «معاني القرآنِ»، وهو في «غريب القرآنِ». والثاني: أنه اعتمدَ في كتابه «غريب القرآنِ» على كتاب «مجازِ القرآنِ» لأبي عبيدةَ (ت:٢١٠). وبموازنة كتاب «معاني القرآنِ» بكتابِ «مجازِ القرآنِ»، تلحظُ البونَ الشَّاسعَ بين منهجيهما: فكتابُ معاني القرآنِ نحوٌ وتصريفٌ، وكتابُ مجاز القرآنِ تفسيرُ ألفاظٍ وذكرُ شواهدٍ لها، وليس بينهما أدنى اتفاقٍ، وهذا يدلُّ على أنَّ الكتابَ الذي استفادَ فيه الأخفشُ غيرُ كتابه المعاني. هذا، وقدِ اجتهدتُ أنْ أُخرِجَ صورَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ الموجودةَ في كتاب «معاني القرآنِ»، فظهرَ لي منها مادةٌ قليلةٌ جداً، وسأذكُرها ثَمَّ. أولاً: دَلاَلَةُ الألْفَاظِ: سبقتِ الإشارةُ إلى أنَّ الأخفشَ (ت:٢١٥) لم يكنْ عِلمُه باللُّغةِ كعلمِهِ

стр. 305

بالنَّحوِ، وقدْ حصرتُ الألفاظَ التي بيَّنَ دلالاتِها، فبلغتْ سبعينَ لفظاً تقريباً (١)، ومن أمثلتِها: ١ - قال: «وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] فيقول: عرِّفنا، وأهلُ الحجازِ يقولونَ: هَدَيتُهُ الطريقَ؛ أي: عَرَّفْتُهُ، وكذَلِكَ: هَدَيتُهُ البيتَ؛ في لُغتِهم. وغَيرهم يُلحِقُ فيه: إلى» (٢). ٢ - وقال: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ لأنه من آدَهُ يَؤُودُهُ أَوْداً، وتفسيرُه: لا يُثْقِلُهُ» (٣). ٣ - وقال: «قال: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠]، يقولُ: الطريقَ هدَاه؛ أي: هداهُ الطريقَ» (٤). ويلاحظ هاهنا أنه لم يتعدَّ المدلولَ اللُّغويَّ إلى المدلولِ السِّياقيِّ، فلم يُبَيِّنِ الطَّريقَ المرادَ بالآيةِ. أمَّا استشهادُه لتفسيرِ الألفاظِ فإنه كان قليلاً جداً، ومن ذلك: ١ - قال: «﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، فنصبَ ﴿سُبْحَانَكَ﴾؛ لأنه أرادَ: نُسَبِّحُكَ، جعلَه بدلاً منَ اللفظِ بالفعلِ؛ كأنَّه قالَ: نُسَبِّحُكَ بِسُبْحَانَكَ، ولكنَّ سبحانَ مصدرٌ لا ينصرفُ. وسبحانَ في التَّفسيرِ: براءةٌ وتنْزيهٌ، قالَ الشَّاعرُ (٥):

стр. 306

أَقُولُ لَمَّا جَاءنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مَنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ يقولُ: براءةً منه» (١). ٢ - وقال: «وليسَ قولُه: ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] لحاجةٍ بالله، ولكنَّ هذا كقولِ العربِ: لكَ عندي قرضُ صدقٍ، وقرضُ سوءٍ؛ لأمر تأتي فيه مسرَّتُه أو مساءته، قال الشاعر (٢): لاَ تَخْلِطَنَّ خَبِيثَاتٍ بِطَيِّبَةٍ ... واخْلَعْ ثِيَابَكَ مِنْهَا وَانْجُ عُرْيَاناً كُلُّ امْرِئٍ سَوْفَ يُجْزَى قَرَضَهُ حَسَناً ... أَوْ سَيِّئاً أَوْ مَدِيناً مِثْلَ مَا دَانَا فالقرضُ: ما سلفَ من صالحٍ أو منْ سيئ» (٣). ثانياً: تَوْجِيهُ القِرَاءَاتِ: القراءاتُ في (معاني القرآن) للأخفشِ (ت:٢١٥) كثيرةٌ جداً، غيرَ أنَّ غالِبَهَا يتعلَّقُ بالخلافِ النَّحْوِيِّ، ثُمَّ التَّصريفِ (٤)، وكان ما يتعلقُ منها بالمعاني قليلاً، وسأذكرُ من توجيهه لهذه القراءاتِ أمثلةً: ١ - قال: «وقالَ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وقالَ بعضُهم: «يُغَلَّ» (٥)، وكلٌ صواب ـ والله أعلم ـ لأنَّ المعنى: أن يَخُونَ، أو يُخَانَ» (٦). ٢ - وقال: «... ثُمَّ استأنف، فقال: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢]؛

стр. 307

أي: كالقصور، وقالَ بعضُهم: «كَالْقَصَرِ» (١)؛ أي: كأعناقِ الإبلِ» (٢). ثالثاً: الأُسْلُوبُ العَرَبِيُّ فِي الخِطَابِ القُرْآنِيِّ: لقدْ كانتِ الأساليبُ العربيَّةُ في الخطابِ القرآنيِّ في كتابِ (معاني القرآن) قليلةً، كغيرها ممَّا يتعلقُ بمعاني القرآنِ، وسأذكرُ بعضَ الأمثلةِ التي أوردَها في كتابِه، وهي: ١ - التَّقْدِيمُ وَالتَّاخِيرُ: الأصلُ في تفسير الكلامِ أنْ يُفسَّر على ترتيبهِ في النَّظْمِ، غيرَ أنَّ هذا الأصلَ قدْ يُتجاوزُ، فيقدَّمُ ما حقُّهُ التأخيرُ في ترتيبِ النَّظْمِ، ثُمَّ إِنَّهُ قدْ يكونُ لهذا التَّقديمِ والتَّأخيرِ أثرٌ في اختلافِ المعنى، ومنَ الأمثلةِ التي ذكرَها في موضوعِ التَّقديمِ والتَّأخيرِ ولها أثرٌ في المعنى: ما وردَ في قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٣، ٤٤]، حيث قال: «... والمعنى ـ والله أعلم ـ: وما أرسلنا منْ قبلِكَ إلاَّ رجالاً يُوحَى (٣) إليهم بالبيناتِ والزُّبرِ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» (٤).

стр. 308

فجعل ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ يتعلقُ بقوله: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾. ولو كان الكلام على ترتيبه في النظم، لكان قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ متعلقاً بـ ﴿لاَ تَعْلَمُونَ﴾، ويكون المعنى: إنْ كنتمْ لا تعلمونَ بالبيناتِ والزبرِ التي نزلتْ على رسولي فاسألوا أهلَ الذكرِ يخبروكم عنْ صِحَّتِهَا، وواضح هاهنا أنَّ بينَ المعنيينِ فرقاً، والله أعلم. ٢ - أُسْلُوبُ الحَذْفِ وَالاخْتِصَارِ: ومنْ ذلكَ أن تَحْذِفَ المضافَ وتقيمَ المضافَ إليه مقامَه، وتجعلَ الفعلَ له (١). وقدْ ذكرَ الأخفشُ (ت:٢١٥) من ذلك قولَه تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩]، قال: «يعني: أهلَها؛ كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. ولم يَجِئْ بلفظِ القُرَى، ولكنْ أجرى اللَّفظَ على القومِ، وأجرى اللَّفظ في القريةِ عليها إلى قوله: ﴿الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]. وقال: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾، ولم يقل: أهلكناهم، حملَه على القومِ؛ كما قال: وجاءت تميم، وجعلَ الفعلَ لبني تميمٍ، ولم يجعلْهُ لتميمٍ، ولو فعلَ ذلك لقالَ: جاءَ تميمٌ، وهذا لا يحسنُ في نحوِ هذا؛ لأنَّه قدْ أرادَ غيرَ تميمٍ في نحوِ هذا الموضعِ، فجعلَه اسماً، ولم يحتملْ إذا اعْتَلَّ أنْ يحذفَ ما قبلَه كلَّه، يعني: التاءَ من (جاءتْ) مع (بني) وتركَ الفعلَ على ما كان؛ ليدلَّ على أنَّه قدْ حذف شيئاً قبلَ تميمٍ» (٢). وهذا يعني أنَّ العذابَ نزلَ على القومِ لا على مجردِ المساكنِ، وأسلوبَ إيقاع الفعلِ على المضافِ إليه، وإرادةُ المضافِ، معروفٌ في لغةِ العربِ.

стр. 309

أثرُ المعتقدِ على التَّفسير اللُّغويِّ عند الأخفشِ: لقد كان الأخفشُ (ت:٢١٥) ينسب إلى القولِ بالقَدَرِ، وهو مذهب المعتزلة، قال تلميذه المازنيُ (ت:٢٤٨) (١): «وكان الأخفشُ أعلمَ الناسِ بالكلامِ، وأحذقَهم بالجدلِ، وكانَ غلامَ أبي شِمْرٍ (٢) وعلى مذهبِهِ» (٣). وهذا المعتقدُ الذي نُسِبَ إليه كانَ ظاهراً في كتابِه في عدَّةِ مواضعَ (٤)، وقد كانَ له أثرٌ على التَّفسيرِ اللُّغويِّ عندَه. ومن الأمثلةِ التي ظهرَ فيها أثرُ الاعتزالِ عليه في دلالةِ اللفظِ: ١ - في قوله تعالى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، قال: «يعني ـ والله أعلم ـ بالنظرِ إلى اللهِ: إلى ما يأتيهم منْ نِعَمِهِ ورزقِهِ، وقد تقولُ: واللهِ ما أنظرُ إلا إلى اللهِ وإليك؛ أي: أنتظرُ ما عندَ اللهِ، وما عندك» (٥). إن الأخفش (ت:٢١٥) حَرَّفَ في معنى (نظر إلى) التي لا تكون إلا بالعينِ إلى معنى الانتظارِ، وسببُ ذلكَ اعتقادُه بأنَّ الباريَ لا يُرَى، وقدْ صَرَّحَ بهذا في موضعٍ آخرَ، فقال: «وقولُه: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]،

стр. 310

يقول: تَنْظُرُ في رزقِها وما يأتيها من اللهِ؛ كما يقولُ الرجلُ: ما أنظرُ إلا إليك. ولو كان نَظَرَ البصرِ كما يقول بعضُ النَّاسِ، كانَ في الآية التي بعدها بيانُ ذلكَ، ألا ترى أنَّه قالَ: ﴿وَوَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ *تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤، ٢٥]، ولم يقلْ: ووجوهٌ لا تنظرُ ولا تَرَى. وقولُه: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] يدلّ الظَّنُّ هاهنا على أنَّ النظرَ ثَمَّ: الثقةُ بالله وحُسْنُ اليقينِ، ولا يدلُّ على ما قالوا. وكيفَ يكونُ ذلكَ، واللهُ يقولُ: ﴿لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]» (١). والمقصود هاهنا أن مذهبَه الاعتزاليَّ قدْ أثَّرَ في تفسيره لمعنى النَّظَرِ إلى الباري سبحانه، وجاءَ بما يخالفُ اللُّغةَ. وقد ردَّ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) ما فسَّرَ به الأخفشُ (ت:٢١٥)، فقال: «ومنْ قالَ: إنَّ معنى قولِه: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]؛ بمعنى: مُنْتَظِرَة، فقد أخطأَ؛ لأنَّ العربَ لا تقولُ: نَظَرْتُ إلى الشيءِ؛ بمعنى: انْتَظَرْتُهُ، إنما تقولُ: نَظَرْتُ فلاناً؛ أي: انْتَظَرْتُهُ، ومنه قولُ الحطيئةِ (٢): وَقَدْ نَظَرْتُكُمْ أَبْنَاءَ صَادِرَةٍ ... لِلْوِرْدِ طَالَ بِهَا حَوْزِي وَتَنْسَاسِي فإذا قلتَ: نَظَرْتُ إِليه، لَمْ يكنْ إلاَّ بالعينِ. وإذا قلتَ: نَظَرْتُ في الأمرِ، احتملَ أنْ يكونَ تَفَكُّراً وتَدَبُّراً بالقلبِ» (٣). ٢ - وقال الأخفش (ت:٢١٥): «... وكذلكَ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٣]، كما تقولُ: إنَّ لفلانٍ عندي يداً؛ أي: نِعْمَةً. وقال: ﴿أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]؛ أي: أولي النِّعَمِ، وقدْ تكونُ اليدُ في وجوهٍ، تقول: بين يدي الدارِ؛ يعني: قُدَّامَهَا، وليستْ للدارِ يدانِ» (٤).

стр. 311

إنَّ الأخفشَ (ت:٢١٥) صرفَ مدلولَ اليَدِ في هذه الآيةِ إلى أحدِ المحتملاتِ اللغويةِ التي تناسبُ معتقدَهُ في نفي الصفةِ عنِ اللهِ، ولمْ يراعِ السِّياقَ في تفسيرِهِ هذا؛ لأنَّ السِّياقَ على تفسيرِهِ: بلْ نعمتاه مبسوطتانِ، والنِّعْمَةُ لا تُوصَفُ بالغَلِّ كي يقال: إنها مبسوطةٌ، وإنما دعاه إلى ذلك اعتزاليَّتُه في فَهْمِ الصِّفاتِ، فتركَ دلالةَ ظاهر معنى اللَّفظ، ودلالة السِّياقِ التي تدلُّ على المحتملِ المرادِ بهذه اللَّفظةِ في هذا النَّصِّ، وهذا ديدنُ أهلِ البدعِ في مثلِ هذه الألفاظِ المجرَّدَةِ التي يكون لها أكثر من مدلول، فيتركون ما يدلُّ عليه السياق، ويذهبون باللفظ إلى ما يناسب معتقدهم، وقد أشارَ إلى ذلك سعيدُ بنُ عثمانَ الدَّارميُّ (ت:٢٨٢) (١) في كلامٍ نَفِيسٍ؛ فقالَ: «... فإذا ادَّعَيتَ أنَّ اليدَ قدْ عُرِفَتْ في كلامِ العربِ أنها نعمة، وقوة. قلنا لكَ: أجلْ، ولسنا بتفسيرِها منك بأجهلْ، غيرَ أنَّ تفسيرَ ذلك يستبينُ في سياقِ كلامِ المتكلمِ حتى لا يُحتَاجُ له من مثلك (٢) إلى تفسيرٍ. إذا قالَ الرجلُ: لفلانٍ عندي يدٌ أكافئه عليها، عَلِمَ كلُّ عالمٍ بالكلامِ أنَّ يدَ فلانٍ ليست بائنةً منه موضوعةً عندَ المتكلمِ، وإنما يرادُ بها النعمةُ التي يَشْكُرُ عليها. وكذلك إذا قالَ: فلانٌ لي يدٌ، أو عَضُدٌ، أو ناصرٌ، علمنا أنَّ فلاناً لا يمكنُه أنْ يكونَ نَفْسَ يَدِهِ: عضوِهِ، ولا عَضُدِهِ، فإنما عنى به النُّصْرَةَ والمعونَة والتَّقْوِيَةَ. فإذا قالَ: ضربني فلانٌ بيدِهِ، وأعطاني الشيءَ بيدِهِ، وكتبَ لي بيدِهِ. استحالَ أنْ يُقالَ: ضربني بنعمته، وعَلِمَ كُلُّ عالِمٍ بالكلامِ أنها اليَدُ التي بها يضربُ، وبها يكتبُ وبها يعطي، لا النعمة ...» (٣).

стр. 312

ثالثاً مَعَانِي القُرْآنِ وَإعْرَابُهُ للزَّجَّاجِ بدأ أبو إسحاقَ الزَّجَّاجُ (ت:٣١١)، إملاء كتابه في صفر، سنة خمسٍ وثمانينَ ومائتين، وأتمَّه في شهرِ ربيعٍ الأولِ، سنة إحدى وثلاثمائة (١). ولقدْ كانَ الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) نحويًّا لغويًّا بصريَّ المذهبِ، فكتبَ كتابه في معاني القرآنِ وإعرابِه، وقال في أوَّلِه: «هذا كتابٌ مختصرٌ في إعرابِ القرآنِ ومعانيهِ» (٢). وقالَ في موطنٍ من كتابِه: «وهذا البابُ فيه صعوبةٌ، إلاَّ أنَّ كتابَنا هذا يتضمَّنُ شرحَ الإعرابِ والمعاني، فلا بدَّ من استقصائِها على حسبِ ما يُعلمُ» (٣). وهذا يعني أنَّه سيتعرَّضُ لعلمَي المعاني والإعرابِ كسابقَيه، وقدْ كانتْ أصولُه في الإعرابِ على مذهبِ البصريِّينَ، حتى إنَّه شدَّدَ في نقدِه الكوفيِّينَ، فقال ـ عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]ـ: «و ﴿ذَلِكَ﴾: الكافُ فيه للمخاطبةِ، واللام في ﴿ذَلِكَ﴾ كُسِرَتْ لالتقاءِ الساكنينِ، ولم يذكرِ الكوفيونَ كَسْرَ هذه اللامِ في شيءٍ منْ كتبِهم ولا عرفوه، وهذه منَ الأشياءِ التي ينبغي أنْ يتكلَّمُوا فيها، إذ كان ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى كُلِّ

стр. 313

متراخٍ عنك، إلاَّ أنَّ تركَهُم الكلامَ أَعْوَدُ عليهم منْ تَكَلُّمِهِم، إذْ كانَ أوَّلَ ما نطقوا به في «فَعِلَ» قد نقضَ سائرَ العربيةِ، وقد بيَّنا ذلكَ قديماً» (١). وكانَ علمُ الإعرابِ في كتابِه كثيراً، كما كان عند الفراء (ت:٢٠٧) والأخفش (ت:٢١٥)، غير أنَّه أكثرَ من التفسيرِ وبيانِ المعاني، فكان بذلك متقدِّماً عليهما. وهناك نصٌّ يشيرُ إلى أنَّ الإعرابَ هو المقصودُ الأوَّلُ الذي أرادهُ بكتابِه هذا، فقد قالَ: «وإنَّما نذكرُ مع الإعراب المعنى والتفسيرَ؛ لأنَّ كتابَ اللهِ ينبغي أنْ يتبيَّنَ، ألا ترى أنَّ الله يقولُ: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢، محمد: ٢٤]، فحُضِضْنا على التَّدبرِ والنَّظَرِ» (٢)، فجعل التَّفسيرَ والمعنى مع الإعرابِ على سبيلِ التَّبعيَّةِ في البحثِ، لا الأصل. ويمكنُ لمطَّلعٍ على الكتابِ أنْ يرى اهتمامه الفائقَ بالإعرابِ منْ خلالِ سورةِ الفاتحةِ وأوائلِ سورةِ البقرةِ. ولا يختلفُ الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) في ذكرِهِ لمسائلِ اللُّغةِ عنِ الذينَ سبقوه من اللُّغويَّينَ، وسأذكرُ بعضَ الصُّورِ اللُّغويَّةِ التي ذكرَهَا: أوَّلاً: بَيَانُ دَلاَلَةِ الأَلْفَاظِ: كانَ الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) يحرصُ على بيانِ دلالةِ الألفاظ وتحريرِ معناها في لغةِ العربِ وبيانِ أصلِ اشتقاقِها، كما كان يستشهدُ لبعضِها من لغةِ العربِ ومن أمثلةِ الألفاظِ التي بيَّنَهَا بدونِ استشهادٍ: ١ - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]: «قالَ أبو عبيدةَ: معناه: «لأهلكَكُم» (٣). وحقيقتُه: ولو شاءَ اللهُ لَكَلَّفَكُمْ ما يَشْتَدُّ

стр. 314

عليكم فَتَعْنَتُونَ. وأصلُ العنتِ في اللغةِ مِنْ قولِهم: عَنِتَ البَعِيرُ: إذا حَدَثَ في رجلِه كَسْرٌ بعد جَبْرٍ لا يمكنه معه تصريفُها، ويقالُ: أَكَمَةٌ عَنُوتٌ: إذا كانَ لا يمكنُ أن يُجَازيَهَا (١) إلاَّ بمشقةٍ عنيفةٍ» (٢). ٢ - وفي قوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢]، قال: «النقيبُ في اللغةِ كالأميرِ والكفيلِ، ونحنُ نبينُ حقيقتَه واشتقاقَه إنْ شاءَ اللهُ. يقالُ: نَقَبَ الرَّجلُ على القوم يَنْقُبُ: إذا صارَ نَقِيباً عليهم، وما كانَ نقِيباً، ولقد نَقُبَ، وصناعته: النَّقَابَةُ، وكذلكَ: عَرَفَ عليهم: إذا صارَ عَرِيفاً، ولقد عَرُفَ. ويقالُ لأَوَّلِ ما يبدو من الجَرَبِ (٣): النُّقْبَةُ، ويُجمعُ: النُّقُبُ، قال الشاعر (٤): مُتَبَذِّلاً تَبْدُو مَحَاسِنُهُ ... يَضَعُ الهِناءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ والنُّقْبَةُ، وجمعُها نُقُبٌ: سراويلُ تلبسُها المرأةُ بلا رجلين. ويقالُ: فلانَةٌ حسنَةُ النُّقْبَةِ والنِّقَابِ. ويقال: في فلانٍ مَنَاقِبُ جميلةٌ، وهو حسنُ النَّقِيبَةِ؛ أي: حسنُ الخَلِيقَةِ. ويقالُ: كَلْبٌ نَقِيبٌ: وهو أنْ تُنْقَبَ حَنْجَرَةُ الكلبِ لئلاَّ يطرقهم ضيفٌ بسماعِ نُبَاحِ الكلابِ.

стр. 315

وهذا البابُ كلُّه يجمعُه التَّأثيرُ الذي له عُمْقٌ ودُخُولٌ، فمنْ ذلكَ: نَقَبْتُ الحائطَ؛ أي: بَلَغْتُ في الثَّقْبِ آخرَهُ، ومنْ ذلك: النُّقْبَةُ منَ الجربِ؛ لأنَّه دَاءٌ شديدُ الدُّخُولِ، والدليلُ على ذلكَ: أنَّ البعيرَ يُطْلَى بالهِنَاءِ، فيوجدُ طعمُ القَطِرَانِ في لحمِه. والنُّقْبَةُ: هذه السراويلُ التي لا رجلينَ لها، قد بُولِغ في فتحِها ونقبِها. ونِقَابُ المرأةِ: وهو ما ظهرَ من تَلَثُّمِها من العينين والمَحَاجِرِ. والنَّقْبُ: الطريقُ في الجبلِ. وإنَّما قيل: نَقِيبٌ؛ لأنَّه يعلمُ دخيلةَ القومِ ويعرفُ مَنَاقِبَهُمْ، وهو الطريقُ إلى معرفةِ أمورِهِم» (١). ٣ - وفي قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤]: «أي: في الجحيمِ، ومعنى ﴿فَكُبْكِبُوا﴾: طُرِحَ بعضُهم على بعضٍ. وقال أهلُ اللُّغةِ: معناه: هُوِّرُوا (٢). وحقيقةُ ذلكَ في اللُّغةِ تكريرُ الانكبابِ؛ كأنَّه إذا أُلقِيَ، يَنْكَبُّ مَرَّةً بعد مَرَّةٍ حتى يستقرَّ فيها» (٣). أمَّا جانب الاستشهاد، فقدْ بلغتِ الشواهدُ الشعريةُ مع عَدِّ المكرر منها في الاستشهادِ في كتابِ (معاني القرآن وإعرابه) قرابةَ سِتَّةٍ وتسعينَ وخمسمائةِ شاهدٍ شعريٍّ، وكثيرٌ من هذه الشَّواهدِ في مسائلِ النَّحْوِ والصَّرْفِ، وفيها ما هو في بيانِ دلالةِ الألفاظِ، إلاَّ أنَّه الأقلُّ، كما هي العادةُ في الكتبِ التي تجمعُ بين الإعرابِ والمعاني، ومنْ أمثلةِ هذه الشَّواهدِ الشِّعريةِ: ١ - في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]، قال: «ومعنى ﴿يُوفِضُونَ﴾: يُسْرِعُونَ، قال الشاعر (٤):

стр. 316

لأنْعِتَنْ نَعَامَةً مِيفَاضا ... خَرْجَاءَ تَعْدُو تَطْلُبُ الأضَاضا المِيفَاضُ: السَّرِيعَةُ. وخَرْجَاءُ: ذَاتُ لونينِ: سوادٍ وبياضٍ. ومعنى الأَضَاضِ: الموضعُ الذي يُلجَأُ إليه، يقال: أضَّتْنِي إليك الحاجةُ أَضَاضاً» (١). ٢ - في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، قالَ: «والمحرابُ: أشرفُ المجالسِ، والمُقَدَّمُ فيها. وقدْ قيلَ أنَّ مساجدَهم كانت تُسمَّى المحاريبَ. والمحرابُ في اللغةِ: الموضعُ العالي الشريفُ، قال الشاعر (٢): رَبَّةُ مِحْرَابٍ إذَا جِئْتُهَا ... لَمْ أَلْقَهَا أوْ أَرْتَقِي سُلَّمَا ومنه قولُه تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]» (٣). ٣ - وفي تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، قال: «ومعنى ﴿يَخْصِفَانِ﴾: يجعلانِ ورقةً على ورقةٍ، ومنه قيلَ للخَصَّافِ الذي يرقعُ النَّعْلَ: هو يَخْصِفُ، قال الشاعر (٤):

стр. 317

... ... أوْ يَخْصِفُ النَّعْلَ لَهْفِي أيَّةً صَنَعَا ويجوزُ: يَخْصِفَانِ ويَخِصِّفَانِ، والأصلُ الكسرُ في الخاءِ، وفتحُها وتشديدُ الصادِ، ويكون المعنى: يختصفان» (١). ثانياً: المُحْتَمَلاَتُ اللُّغَوِيَّةُ: إذا احتملَ اللَّفظُ أكثرَ منْ دلالةٍ بسببِ الاشتراكِ أو غيرِه، فإنَّه يبيِّنُ ذلك، ومن ذلك: ١ - تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣]، قال: «أي: مِمَّن له سَحْرٌ، والسَّحْرُ: الرِئةُ؛ أي: إنما أنت بشرٌ مثلنا. وجائزٌ أن يكون من المسحَّرين: من المُفَعَّلِينَ، من السِّحْرِ؛ أي: مِمَّنْ قد سُحِرَ مرَّةً بعد مرَّةٍ» (٢). ٢ - في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، قال: «فمن قرأ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ بالفتح، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون المعنى: لعلكمْ إنْ تولَّيتم عن ما جاءكم به النبي ﷺ ، أنْ تعودوا إلى أمرِ الجاهليةِ، فَتفْسِدُوا، ويَقْتُلُ بعضكمْ بعضاً. ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾؛ أي: تَئدُوا البناتِ؛ أي: تدفنونهنَّ أحياء. ويجوزُ أنْ يكونَ: فِعلُكمْ إذا تولَّيتمْ الأمرَ أنْ تُفسِدوا في الأرضِ وتقطعوا أرحامَكم، ويقتُلُ قريشٌ بني هاشمٍ، وبنو هاشمٍ قريشاً، وكذلك إن توليتم» (٣). ٣ - وفي قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، قال: «قال أهل اللغة وأكثرُ أهلِ التفسيرِ: النجمُ: كلُّ ما نبتَ على وجهِ الأرضِ ممَّا ليسَ لهُ ساقٌ. والشجرُ: كلُّ ما كانَ لهُ ساقٌ.

стр. 318

ومعنى سجودِهما: دورانُ الظِّلِّ معهما؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨]. وقدْ قيلَ: إنَّ النجمَ أيضاً يرادُ به النجومُ، وهذا جائزٌ أنْ يكونَ؛ لأنَّ الله قدْ أعلمَنَا أنَّ النجمَ يسجدُ، فقالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾ [الحج: ١٨]. ويجوزُ أنْ يكونَ النَّجمُ ههنا، يعني به ما نبت على وجهِ الأرضِ، وما طلعَ من نجومِ السماءِ، يقالُ لكلِّ ما طلعَ: قدْ نَجَمَ» (١). ثَالِثاً: تَوْجِيهُ القِرَاءاتِ: إذا اختلفَ مدلولُ اللفظِ بسببِ اختلافِ القراءةِ، فإنَّه يبينُ هذا الاختلافَ، ومن ذلكَ تفسيرُه لقولِه تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧]، قال: «ويُقرأ: «خَلْقَ»، فمن قرأ «خُلُقَ»: بضمِّ الخاءِ، فمعناه: عادةُ الأوَّلينَ. ومن قرأ «خَلْقُ» بفتحِ الخاءِ، فمعناه: اختلاقُهم وكَذِبُهم (٢). وفي ﴿خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ وجهٌ آخرُ؛ أي: خُلِقْنَا كما خُلِقَ منْ كانَ قَبْلَنَا، نَحْيَا كما حَيَوا، ونموت كما ماتوا ولا نُبْعَثُ؛ لأنهم أنكروا البعثَ» (٣). ٢ - وقال: «وقولُه : ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١٢] و «أفَتُمَارُونَهُ»، وقُرِئت بالوجهين جميعاً (٤).

стр. 319

فمن قرأ: «أَفَتَمْرُونَهُ»، فالمعنى: أفتجحدونه. ومن قرأ: «أَفَتُمَارُونَهُ»، فمعناه: أتجادلونه في أنه رأى الله بقلبه، وأنه رأى الكبرى من آيات ربه» (١). ٣ - وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]، قال: «﴿وَمَا هُوَ عَلَى الغَيبِ بِظَنِينٍ﴾، ويُقرأ: «بِضَنِينٍ» (٢). فمن قرأ: «بظنِينٍ»، فمعناه: ما هو على الغيبِ بمتَّهمٍ، وهو الثقةُ فيما أدَّاهُ عن اللهِ ، يقالُ: ظَنَنْتُ زيداً في معنى: اتَّهمتُ زيداً. ومن قرأ: «بِضَنِينٍ»، فمعناه: ما هو على الغيبِ ببخيلٍ؛ أي: هو ﷺ يؤدِّي عن الله، ويعلِّمُ كتاب الله» (٣). رَابِعاً: بَيَانُ الأُسْلُوبِ العَرَبي: مما كانت كتب معاني القرآن تحرص عليه وتورده: الأسلوبُ العربيُّ الذي نزل به القرآن، وقد بين الزَّجَّاج (ت:٣١١) كغيره ممن كتب في هذا العلم بعضاً من الأساليب التي نزل بها القرآن موافقاً لأساليب العرب، ومن ذلك: ١ - في قوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، قال: «وقال: ﴿خَاضِعِينَ﴾، وذَكَّرَ الأعناقَ؛ لأنَّ خضوعَ الأعناقِ هو خضوعُ أصحابِ الأعناقِ، لَمَّا لم يكنِ الخضوعُ إلاَّ لخضوعِ الأعناقِ (٤) جازَ أن يُعبِّرَ (٥) عن

стр. 320

المضافِ إليه، كما قالَ الشاعرُ (١): رَأتْ مَرَّ السِّنِين أَخَذْنَ مِنِّي ... كَمَا أَخَذَ السَّرَارُ مِنَ الهِلالِ لمَّا كانتِ السِّنُونُ لا تكونُ إلاَّ بِمَرٍّ، أخبرَ عن السِّنِينِ، وإنْ كانَ أضافَ إليها المُرُورَ ...» (٢). ٢ - وفي قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] قال: «المعنى: كان ما بينه وبينَ رسولِ اللهِ مقدارَ قوسينِ مِنَ القَسِيِّ العربيَّةِ أو أقربَ. وهذا الموضعُ يحتاجُ إلى شرحٍ؛ لأنَّ القائلَ قد يقولُ: ليسَ تخلو «أو» منْ أنْ تكونَ للشَّكِّ أوْ لغيرِ الشَّكِّ، فإنْ كانتْ للشَّكِّ، فمُحَالٌ أنْ يكونَ موضعَ شكٍّ. وإنْ كانَ معناها: بلْ أدنى، بلْ أقرب، فما كانتِ الحاجةُ إلى أنْ يقولَ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩]، كانَ ينبغي أنْ يكونَ: كانَ أدنى منْ قابِ قوسينِ؟ والجوابُ في هذا ـ واللهُ أعلمُ ـ: أنَّ العبادَ خُوطبوا على لغتِهم ومقدارِ فهمِهم، وقيلَ لهم في هذا ما يقالُ للذي يَحْرِزُ، فالمعنى: فكانَ على ما تُقدِّرونَه أنتم، قَدْرَ قوسينِ أو أقلَّ منْ ذلكَ، كما تقولُ في الذي تُقَدِّرُهُ: هذا قَدْرُ رمحينِ أو أنقصُ من رمحينِ أو أرجَحُ، وقد مَرَّ مثل هذا (٣) في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]» (٤).
следующие страницы →