لأنْعِتَنْ نَعَامَةً مِيفَاضا ... خَرْجَاءَ تَعْدُو تَطْلُبُ الأضَاضا
المِيفَاضُ: السَّرِيعَةُ.
وخَرْجَاءُ: ذَاتُ لونينِ: سوادٍ وبياضٍ.
ومعنى الأَضَاضِ: الموضعُ الذي يُلجَأُ إليه، يقال: أضَّتْنِي إليك الحاجةُ أَضَاضاً» (١).
٢ - في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، قالَ: «والمحرابُ: أشرفُ المجالسِ، والمُقَدَّمُ فيها. وقدْ قيلَ أنَّ مساجدَهم كانت تُسمَّى المحاريبَ.
والمحرابُ في اللغةِ: الموضعُ العالي الشريفُ، قال الشاعر (٢):
رَبَّةُ مِحْرَابٍ إذَا جِئْتُهَا ... لَمْ أَلْقَهَا أوْ أَرْتَقِي سُلَّمَا
ومنه قولُه تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]» (٣).
٣ - وفي تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، قال: «ومعنى ﴿يَخْصِفَانِ﴾: يجعلانِ ورقةً على ورقةٍ، ومنه قيلَ للخَصَّافِ الذي يرقعُ النَّعْلَ: هو يَخْصِفُ، قال الشاعر (٤):
стр. 317
... ... أوْ يَخْصِفُ النَّعْلَ لَهْفِي أيَّةً صَنَعَا
ويجوزُ: يَخْصِفَانِ ويَخِصِّفَانِ، والأصلُ الكسرُ في الخاءِ، وفتحُها وتشديدُ الصادِ، ويكون المعنى: يختصفان» (١).
ثانياً: المُحْتَمَلاَتُ اللُّغَوِيَّةُ:
إذا احتملَ اللَّفظُ أكثرَ منْ دلالةٍ بسببِ الاشتراكِ أو غيرِه، فإنَّه يبيِّنُ ذلك، ومن ذلك:
١ - تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣]، قال: «أي: مِمَّن له سَحْرٌ، والسَّحْرُ: الرِئةُ؛ أي: إنما أنت بشرٌ مثلنا. وجائزٌ أن يكون من المسحَّرين: من المُفَعَّلِينَ، من السِّحْرِ؛ أي: مِمَّنْ قد سُحِرَ مرَّةً بعد مرَّةٍ» (٢).
٢ - في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، قال: «فمن قرأ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ بالفتح، ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون المعنى: لعلكمْ إنْ تولَّيتم عن ما جاءكم به النبي ﷺ ، أنْ تعودوا إلى أمرِ الجاهليةِ، فَتفْسِدُوا، ويَقْتُلُ بعضكمْ بعضاً. ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾؛ أي: تَئدُوا البناتِ؛ أي: تدفنونهنَّ أحياء.
ويجوزُ أنْ يكونَ: فِعلُكمْ إذا تولَّيتمْ الأمرَ أنْ تُفسِدوا في الأرضِ وتقطعوا أرحامَكم، ويقتُلُ قريشٌ بني هاشمٍ، وبنو هاشمٍ قريشاً، وكذلك إن توليتم» (٣).
٣ - وفي قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، قال: «قال أهل اللغة وأكثرُ أهلِ التفسيرِ: النجمُ: كلُّ ما نبتَ على وجهِ الأرضِ ممَّا ليسَ لهُ ساقٌ. والشجرُ: كلُّ ما كانَ لهُ ساقٌ.
стр. 318
ومعنى سجودِهما: دورانُ الظِّلِّ معهما؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨].
وقدْ قيلَ: إنَّ النجمَ أيضاً يرادُ به النجومُ، وهذا جائزٌ أنْ يكونَ؛ لأنَّ الله قدْ أعلمَنَا أنَّ النجمَ يسجدُ، فقالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾ [الحج: ١٨].
ويجوزُ أنْ يكونَ النَّجمُ ههنا، يعني به ما نبت على وجهِ الأرضِ، وما طلعَ من نجومِ السماءِ، يقالُ لكلِّ ما طلعَ: قدْ نَجَمَ» (١).
ثَالِثاً: تَوْجِيهُ القِرَاءاتِ:
إذا اختلفَ مدلولُ اللفظِ بسببِ اختلافِ القراءةِ، فإنَّه يبينُ هذا الاختلافَ، ومن ذلكَ تفسيرُه لقولِه تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧]، قال: «ويُقرأ: «خَلْقَ»، فمن قرأ «خُلُقَ»: بضمِّ الخاءِ، فمعناه: عادةُ الأوَّلينَ. ومن قرأ «خَلْقُ» بفتحِ الخاءِ، فمعناه: اختلاقُهم وكَذِبُهم (٢).
وفي ﴿خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ وجهٌ آخرُ؛ أي: خُلِقْنَا كما خُلِقَ منْ كانَ قَبْلَنَا، نَحْيَا كما حَيَوا، ونموت كما ماتوا ولا نُبْعَثُ؛ لأنهم أنكروا البعثَ» (٣).
٢ - وقال: «وقولُه : ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١٢] و «أفَتُمَارُونَهُ»، وقُرِئت بالوجهين جميعاً (٤).
стр. 319
فمن قرأ: «أَفَتَمْرُونَهُ»، فالمعنى: أفتجحدونه.
ومن قرأ: «أَفَتُمَارُونَهُ»، فمعناه: أتجادلونه في أنه رأى الله بقلبه، وأنه رأى الكبرى من آيات ربه» (١).
٣ - وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]، قال: «﴿وَمَا هُوَ عَلَى الغَيبِ بِظَنِينٍ﴾، ويُقرأ: «بِضَنِينٍ» (٢).
فمن قرأ: «بظنِينٍ»، فمعناه: ما هو على الغيبِ بمتَّهمٍ، وهو الثقةُ فيما أدَّاهُ عن اللهِ ، يقالُ: ظَنَنْتُ زيداً في معنى: اتَّهمتُ زيداً.
ومن قرأ: «بِضَنِينٍ»، فمعناه: ما هو على الغيبِ ببخيلٍ؛ أي: هو ﷺ يؤدِّي عن الله، ويعلِّمُ كتاب الله» (٣).
رَابِعاً: بَيَانُ الأُسْلُوبِ العَرَبي:
مما كانت كتب معاني القرآن تحرص عليه وتورده: الأسلوبُ العربيُّ الذي نزل به القرآن، وقد بين الزَّجَّاج (ت:٣١١) كغيره ممن كتب في هذا العلم بعضاً من الأساليب التي نزل بها القرآن موافقاً لأساليب العرب، ومن ذلك:
١ - في قوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، قال: «وقال: ﴿خَاضِعِينَ﴾، وذَكَّرَ الأعناقَ؛ لأنَّ خضوعَ الأعناقِ هو خضوعُ أصحابِ الأعناقِ، لَمَّا لم يكنِ الخضوعُ إلاَّ لخضوعِ الأعناقِ (٤) جازَ أن يُعبِّرَ (٥) عن
стр. 320
المضافِ إليه، كما قالَ الشاعرُ (١):
رَأتْ مَرَّ السِّنِين أَخَذْنَ مِنِّي ... كَمَا أَخَذَ السَّرَارُ مِنَ الهِلالِ
لمَّا كانتِ السِّنُونُ لا تكونُ إلاَّ بِمَرٍّ، أخبرَ عن السِّنِينِ، وإنْ كانَ أضافَ إليها المُرُورَ ...» (٢).
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] قال: «المعنى: كان ما بينه وبينَ رسولِ اللهِ مقدارَ قوسينِ مِنَ القَسِيِّ العربيَّةِ أو أقربَ.
وهذا الموضعُ يحتاجُ إلى شرحٍ؛ لأنَّ القائلَ قد يقولُ: ليسَ تخلو «أو» منْ أنْ تكونَ للشَّكِّ أوْ لغيرِ الشَّكِّ، فإنْ كانتْ للشَّكِّ، فمُحَالٌ أنْ يكونَ موضعَ شكٍّ. وإنْ كانَ معناها: بلْ أدنى، بلْ أقرب، فما كانتِ الحاجةُ إلى أنْ يقولَ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩]، كانَ ينبغي أنْ يكونَ: كانَ أدنى منْ قابِ قوسينِ؟
والجوابُ في هذا ـ واللهُ أعلمُ ـ: أنَّ العبادَ خُوطبوا على لغتِهم ومقدارِ فهمِهم، وقيلَ لهم في هذا ما يقالُ للذي يَحْرِزُ، فالمعنى: فكانَ على ما تُقدِّرونَه أنتم، قَدْرَ قوسينِ أو أقلَّ منْ ذلكَ، كما تقولُ في الذي تُقَدِّرُهُ: هذا قَدْرُ رمحينِ أو أنقصُ من رمحينِ أو أرجَحُ، وقد مَرَّ مثل هذا (٣) في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]» (٤).
стр. 321
أثر المعتقد على التفسير اللُّغوي عند الزَّجَّاج:
لقد وصِفَ الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) بأنَّه من أهلِ الفضلِ والدينِ، وأنَّه كانَ حسنَ الاعتقادِ، جميلَ المذهبِ (١). ولما حضرتْهُ الوفاةُ، كانَ آخرَ ما سُمِعَ منه: «اللَّهُمَّ احشرني على مذهبِ أحمد بنِ حنبلٍ» (٢)، وقد كانَ روى عن ابنِ أحمدَ؛ أعني: عبدَ اللهِ، شيئاً من كُتبِ والدِه، منها كتاب التَّفسير، للإمامِ أحمدَ (٣)، ومن كانَ على هذا الوصفِ فإنَّ في هذا دلالةً على حُسنِ اعتقادِه، واللهُ أعلمُ.
غيرَ أنَّكَ سَتَجِدُ له في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩]، قولَه: «أي: لو شاء لأنزل آيةً تضطرُّ الخلقَ إلى الإيمانِ به، لكنَّه يهدي من يشاءُ، ويدعو إلى صراطٍ مستقيمٍ» (٤).
قال ابن عطية (ت:٥٤٢): «معناه: «لخلقَ الهدايةَ في قلوبِ جميعِكم، ولم يَضِلَّ أحدٌ. وقال الزجاجُ: معناه: لو شاء لعرضَ عليكم آيةً تضطركم إلى الإيمانِ والاهتداء.
قال القاضي أبو محمد ﵀: وهذا قولُ سوءٍ لأهلِ البدع الذين يرونَ الله لا يخلقُ أفعالَ العبادِ، لم يحصِّلْه الزَّجَّاج، ووقع فيه رحمة اللهِ من غيرِ قصدٍ» (٥).
وقال أبو حيان الأندلسيُّ (ت:٧٤٥) ـ معلقاً على هذا ـ: «ولم يعرف ابنُ
стр. 322
عطيةَ أنَّ الزَّجَّاجَ معتزليٌّ، فلذلك تأوَّل أنه لم يحصِّلْه، وأنه وقعَ فيه من غيرِ قصدٍ» (١).
فهلْ صحيحٌ أنَّ الزَّجَّاجَ (ت:٣١١) كانَ معتزليًّا؟
لا يظهرُ أنَّ الزَّجَّاجَ (ت:٣١١) كانَ معتزليًّا أبداً، ولا أدري من أينَ أخذَ أبو حيَّانٍ (ت:٧٤٥) عليه هذا المعتقدَ.
ولقد تتبَّعتُ بعض المسائلِ التي للمعتزلةِ فيها قولٌ واضحٌ؛ كمسألةِ الرُّؤيةِ والكلامِ الإلهيِّ والنَّظرِ إلى وجه الباري ـ لا حرَمَنا الله منها ـ والاستواءِ، فألفيتُه يقولُ بقولِ أهلِ السُّنَّةِ صراحةً، مما يدلُّ على أنَّ وقوعَه في هذا التَّفسيرِ الذي انتقدَه عليه ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) كان من غيرِ قصدٍ، وإليكَ هذه المواطنُ:
* قال: «وقالوا في معنى ﴿اسْتَوَى﴾: استولى ـ والله أعلم ـ، والذي يدل عليه استوى في اللغة على ما فعله من معنى الاستواء» (٢).
* وقال: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]: كَلَّمَ اللهُ موسى تكليماً، خَصَّهُ اللهُ أنَّه لم يكنْ بينه وبين اللهِ ـ جلَّ ثناؤه ـ وفيما (٣) سَمِعَ أَحَدٌ، ولا مَلكٌ أسمعَهُ اللهُ كلامَه، فلما سَمِعَ الكلامَ، ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾؛ أي: قد خاطبتني من حيثُ لا أراك، والمعنى: أرني نفسك.
وقوله: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ﴾: مجزوم، جواب الأمرِ.
﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾: ولن نفي لما يُستقبل.
﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾؛ أي: ظهرَ وبانَ» (٤).
стр. 323
* وقال: «قوله: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]: نُضِّرتْ بنعيمِ الجنَّةِ، والنَّظرِ إلى ربِّها، قال الله : ﴿تَعْرِفُ فِي وَجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]» (١).
* وقال: «وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]؛ الحسنى: الجنَّةُ، و «زيادة» في التَّفسيرِ: النَّظرُ إلى وجه اللهِ ـ جلَّ وعزَّ ـ.
ويجوزُ أن تكونَ تضعيفَ الحسناتِ؛ لأنه قال جلَّ وعزَّ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
والقول في النَّظرِ إلى وجهِ اللهِ كثيرٌ في التَّفسيرِ، وهو مرويٌّ بالأسانيدِ الصِّحاحِ، لا يُشكُّ في ذلكَ» (٢).
فهذه النُّقولُ تُظهِرُ بُعْدَه عن المعتزلةِ في أخصِّ المسائلِ التي اشتهروا بالقول بها، ولو تتبَّعتَ المسائلَ الأخرى التي للمعتزلةِ فيها رأيٌ، لوجدته يخالفُهم فيها (٣).
كما أنَّ له كتاباً في تفسيرِ أسماءِ الله الحسنى (٤)، ولا تجدُ فيه ما يوافقُ مذهب المعتزلةِ، فهو بريءٌ مما وصفه به أبو حيان (ت:٧٤٥) عفا اللهُ عنه.
ومما وردَ له في تفسيرِ صفاتِ اللهِ، تفسيرُ لقوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢]، على قراءة ضَمِّ التاء من «عجبتُ» (٥)، قال: «ومن قرأ ﴿عَجِبْتُ﴾، فهو إخبارٌ عن اللهِ.
стр. 324
وقدْ أنكرَ قومٌ هذه القراءةَ، وقالوا: الله لا يعجبُ.
وإنكارُهم هذا غلطٌ؛ لأنَّ القراءةَ والرِّوايةَ كثيرةٌ، والعجبُ من اللهِ خلافُه من الآدميِّينَ؛ كما قال: ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، و ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، والمكرُ من اللهِ والخداعُ خلافُه من الآدميِّينَ.
وأصلُ العُجبِ في اللُّغةِ: أنَّ الإنسانَ إذا رأى ما ينكرُه، ويقلُّ مثلُه، قال: عَجِبْتُ من كذا وكذا، وكذا إذا فعلَ الآدميونَ ما ينكرُه اللهُ، جازَ أن يقولَ فيه: عَجِبْتُ، واللهُ قد علِمَ الشَّيء قبلَ كونِه، ولكن الإنكار إنما يقع والعجب الذي يلزم به الحجةُ عند وقوع الشيء» (١).
وكذا ما وردَ عنه في تفسيرِ صفةِ العلمِ في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، قال: «وهو قدْ علِمَ ـ قبلَ خلقِهم ـ المجاهدينَ منهم والصابرينَ، ولكَّنه أرادَ العلمَ الذي يقعُ به الجزاءُ؛ لأنه يجازيهم على أعمالهم، فتأويلُه: حتى يعلمَ المجاهدينَ عِلْمَ شهادةٍ، وقد عَلِمَ الغيبَ، ولكنَّ الجزاءَ بالثوابِ والعقابِ يقعُ على علمِ الشهادةِ» (٢).
ومن قرأ في كتابِه وجده معظِّماً للسُّنَّةِ ولسلفِ الأمَّةِ، بخلافِ المعتزلةِ الذينَ لا يعرفونَ لهما حقَّهما، ووقوعُه في أفرادٍ من المسائلِ ـ لو كان ـ لا يُخرِجُه عن أهل السُّنَّةِ والجماعةِ، واللهُ الموفقُ.
стр. 325
المصدر الثالث
كتب غريب القرآن
وفيه:
أولاً: مجاز القرآن، لأبي عبيدة.
ثانياً: تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة.
ثالثاً: غريب القرآن، لابن عُزيز السجستاني.
стр. 326
المصدر الثالث
كتب غريب القرآن
الغريبُ لغةً:
قال في كتابِ العينِ: «الغريبُ: الغامضُ من الكلامِ» (١).
وفي مدلولِ مادةِ (غَرَبَ) معنى البُعْدِ، فالغامضُ مِنَ الكلامِ يكونُ بعيداً عن الفَهْمِ والإدراكِ.
الغريبُ اصطلاحاً:
ولا يقتصرُ غريبُ القرآنِ على هذا المعنى اللُّغويِّ، بلْ هو أوسعُ منْ ذلكَ في اصطلاح كتبِ غريبِ القرآنِ، إذ يرادُ به: تفسيرُ ألفاظِ القرآنِ تفسيراً لغويًّا، وقد يكونُ هذا التَّفسيرُ مدعوماً بالشَّواهدِ العربيَّةِ، وقد يكونُ مجرَّداً من الشَّواهدِ، وهو الأكثرُ.
وألفاظُ القرآنِ على قسمينِ:
قسمٍ يعرفُه العامَّةُ والخاصَّةُ؛ كالسماءِ، والأرضِ، والماءِ، وغيرِها من المعاني المتدَاولةِ بين عامَّةِ الناسِ.
وقسمٍ يُحتاجُ في بيانِهِ إلى أهلِ العِلْمِ؛ كالدُّلُوكِ، والسَّرْمَدِ، والأغْلاَلِ والضريعِ، وغيرِها.
وقدْ تتجاوزُ بعضُ كتبِ غريبِ القرآنِ إلى غيرِ الألفاظِ، فتبيِّنُها؛
стр. 327
كالمبهماتِ من الأعلامِ في الآي، وأسبابِ النُّزولِ، وغيرِها؛ ومن ذلكَ ما وردَ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]، قال ابن قتيبة (ت:٢٧٦): «يعني: عائشة» (١).
مسألة: ما العلاقةُ بينَ كتبِ غريبِ القرآنِ وكتبِ معاني القرآنِ؟
يظهرُ مما سبقَ في عرضِ مصطلحِ (معاني القرآنِ) وكتبِه أن (غريبَ القرآنِ) جُزْءٌ من عِلْمِ (معاني القرآنِ) لا ينفكُّ عنه؛ لأنه لا يمكنُ بيانُ المعنى دونَ معرفةِ مدلولِ الألفاظِ، وبهذا تكونُ كتبُ (غريب القرآنِ) ـ وإن استقلَّتْ بالتأليفِ ـ جزءاً من علمِ (معاني القرآنِ) وهي تُعنَى بمدلولِ الألفاظِ خاصةً.
وكتب (غريب القرآن) قدْ تجرَّدتْ لتفسيرِ الألفاظِ القرآنيَّةِ تفسيراً لغوياً، إلاَّ قليلاً منها قد تبين بعضَ ما يتعلقُ بالآيةِ من المعاني.
أوَّلُ كُتُبِ غَرِيبِ القُرْآنِ:
لَمْ يَظهرْ كتابٌ مجردٌ لـ (غريبِ القرآنِ) في عهدِ الصَّحابِة والتَّابعينَ، وإنما ظهرَ في عهدِ أتباعِ التَّابعينَ. وقدْ نَسَبَ بعضُ الباحثينَ الذين ذكروا كتبَ (غريب القرآن) كتابةً في غريبِ القرآنِ لابنِ عباسٍ (ت:٦٨) (٢)، وهذه الكتاباتُ ليستْ من صُنْعِهِ، بلْ هي من صُنْعِ من جاءَ بعدَه، وهذه الكتاباتُ كما يأتي:
١ - غريبُ القرآنِ، لابنِ عباسٍ (ت:٦٨) بتنقيحِ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ (ت:١١٤) (٣)، وهو عِدَّةُ ورقاتٍ (من ١٠٢أـ ١٠٨) من مجموع برقم (٢٨١٥/ ٨) بمكتبةِ عاطفْ أَفَنْدِي بتركيا، وقد كُتِبَتْ في القرنِ الثَّامنِ (٤).
ولذا فإنَّ هذه المسائلَ، وإنْ استُفِيدَ منها في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، لا يَصِحُّ نسبتُها إلى ابنِ عباسٍ (ت:٦٨)، وفي الصَّحيحِ الواردِ عنه غُنْيَةٌ عنْ هذه الأسئلةِ.
والعجيبُ أنَّ هذه الرِّوايةَ قد احتضنتها بعضُ كتبِ الأدبِ والحديثِ، ولم يكنْ لها ذِكرٌ في كتبِ التَّفسيرِ المتقدِّمَةِ ولا في كتبِ اللُّغةِ، مع أنها ألصقُ بهذين العِلْمَينِ منْ غيرِهما.
ولا يبعدُ أنْ يكونَ لهذه الأسئلةِ أصلٌ، إلاَّ أنها لم تكن بهذه الكثرةِ التي أوردَها الرُّواةُ، وهذه المسائلُ تحتاجُ إلى نقدِ المتونِ بعد نقدِ الأسانيدِ، للنَّظرِ في هذِ الأشعارِ التي زُعِمَ أنَّ حبرَ الأمةِ قد استشهدَ بها، ولا يبعدُ أنْ يكونَ منها ما هو من شعراء كانوا بعده، أو ما هو مختلفٌ في نسبتِه.
٣ - رواية عليِّ بن أبي طلحةَ (ت:١٤٣)، وقد عَنْوَنَ لها محمودُ السَّيدُ الدُّغَيم بـ (غريب القرآن)، ولم أرَ منْ سمَّى هذه الروايةَ بهذا الاسمِ قبلَهُ، ويظهرُ أنَّ هذا منْ تَصَرُّفِهِ، اعتماداً على ما أوردَهُ عن السيوطي (ت:٩١١) (١) في حديثِهِ عن علم (غريبِ القرآنِ)، حيثُ قال: «أَوْلَى ما يُرجَعُ إليه في ذلك ما ثَبَتَ عن ابنِ عباسٍ وأصحابِه الآخذينَ عنه ... وها أنا أسوقُ ما ورد في ذلكَ عن ابنِ عباسٍ من طريقِ ابنِ أبي طلحةَ خاصةً ...» (٢).
стр. 330
وروايةُ عليِّ بنِ أبي طلحةَ (ت:١٤٣) ليستْ خاصَّةً بتفسيرِ الغريبِ، بل هي في التَّفسيرِ عموماً.
كما نقل محمودُ السيِّد الدغيم عن فؤاد سزكين ما قاله في هذه الرِّواية، قال: «والمؤكَّد أنَّ التفسيرَ الذي رواهُ عليُّ بنُ أبي طلحةَ الهاشميُّ (ت:١٢٠هـ/٧٣٧م) (١) منسوباً إلى ابن عباسٍ، هو من تأليفِ ابن عباسٍ نفسِه، وذلك لأنَّ عليَّ بنَ أبي طلحةَ قد جُرِحَ لروايتِه هذا التَّفسيرَ دونَ أنْ يكونَ أخذَهُ سماعاً عن ابن عباس (٢) ...» (٣).
وهذا الاستدلالُ من فؤاد سزكين غريبٌ جداً، ولا يَعْتَمِدُ على حُجَّة تُسلَّمُ له.
وقد كان ابتداءُ التَّأليفِ في علمِ غريبِ القرآنِ في النِّصفِ الثَّاني من القرن الثَّاني؛ أي: في عهدِ أتباعِ التَّابعينَ.
وممن ذُكِرَ له تدوينٌ فيه: زيد بن علي (ت:١٢٠) (٤)، وأبان بن تغلب (ت:١٤١)، وفي النَّفسِ شيءٌ من هذين الكتابين (٥).
стр. 331
وقد حرصت على تتبُّعِ أقوالِهما في كتب التَّفسيرِ، فظفرتُ بنقلٍ قليلٍ عنهما، وما وجدته منقولاً عن زيد بن عليٍّ (ت:١٢٠) يخالفُ ما وردَ في غريب القرآن المطبوعِ المنسوبِ إليه (١).
стр. 332
هذا، ويُعَدُّ كتابُ (مجازِ القرآنِ) لأبي عبيدةَ معمرِ بنِ المثنَّى البصريِّ (ت:٢١٠) أوَّلَ كتابٍ مطبوعٍ من كتبِ غريبِ القرآنِ؛ بلْ لا يبعدُ أنْ يكونَ أوَّلَ كتابٍ للُّغويِّين يتعلَّقُ بتفسيرِ القرآنِ، نظراً للحملةِ الاستنكاريَّةِ التي قامتْ عليه، مما يدل على أنه بِدْعٌ في التأليفِ في هذا المجال (١). واللهُ أعلمُ.
وسأبسطُ القولَ في ثلاثةٍ من كتبِ غريبِ القرآنِ، وهي مجاز القرآن، لأبي عبيدة (ت:٢١٠)، وغريب القرآن، لابن قتيبة (ت:٢٧٦)، وغريب القرآن، لابن عُزَيزٍ السِّجستانيِّ.
стр. 333
أولاً مَجَازُ القُرْآنِ لأبِي عُبَيْدَةَ
ذُكِرَ لأبي عبيدة (ت:٢١٠) أسماءُ كتبٍ، وهي: غريبُ القرآنِ، ومعاني القرآنِ، وإعرابُ القرآن، ومجازُ القرآن. ويظهرُ أنَّ هذه العناوينَ اسمٌ لكتابٍ واحدٍ، وعُبِّرَ عنه بما فيه من هذه الموادِّ العلميَّةِ، وأشهرُ هذه التَّسمياتِ: (مجازُ القرآنِ). وليسَ في مقدِّمتِه نَصٌّ من أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) على تسميتِه، ولكنَّه أشهرُ هذه التَّسمياتِ لكثرة استعماله لفظةَ «مجازٍ» في كتابه.
وإذا تأمَّلتَ كتابَ (مجازِ القرآنِ)، وجدتَه كتاباً في تفسيرِ ألفاظِ القرآنِ؛ أي: غريب القرآن. وقدْ وردَ عن مَرْوَانَ بنِ عبدِ الملكِ (١) تلميذ أبي حاتمٍ السجستاني (ت:٢٥٥)، قال: «سألتُ أبا حاتمٍ عنْ غريبِ القرآنِ لأبي عبيدةَ، والذي يقالُ له: المجاز ...» (٢).
وهذه الأسماءُ يظهرُ أنها منْ غيرِ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) فوصفَ كُلُّ واحدٍ منهم الكتابَ بما فيه من المعلوماتِ، إذ فيه غريبٌ كثيرٌ، وشيءٌ منَ علم المعاني وعلم النَّحْوِ.
ومما يُستأنسُ به في هذا: أنَّ النُّقُولَ عنه فيما يتَّصِلُ بغريبِ القرآنِ وشواهدِهِ موجودةٌ في كتابِه (مجازِ القرآنِ)، ويندرُ أنْ يُوجَدَ نقلٌ يتعلَّقُ بغريبِ القرآن دونَ أنْ يكونَ فيه.
стр. 334
مفهومُ المجازِ عند أبي عبيدة:
والمجازُ عندَ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠): ما يجوزُ في لغةِ العربِ من التَّعبيرِ عن الألفاظِ والأساليبِ، وليسَ المجازَ الاصطلاحيَّ عندَ البلاغيِّينَ (١)، وهذا ظاهرٌ منْ كتابِهِ.
مراده من تأليفِ المجازِ:
لقدْ كانتْ وِجْهَةُ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) في كتابِهِ (مجازِ القرآنِ) واضحةً، حيثُ أرادَ تفسيرَ القرآنِ تفسيراً عربيًّا، لذا اعتمدَ الشواهدَ الشِّعريةَ في بيانِ معاني القرآنِ في كثيرٍ من المواطنِ. وقدْ يكونُ سببُ هذا الاتجاه عندَهُ ما يُحكَى من وجودِ المُعَرَّبِ (٢)، فأراد أن يُبينَ أنَّ القرآنَ عربيٌّ، وليسَ فيه مدخلٌ لِلُغَةٍ غيرِها.
ومما يُستأنسُ به في هذا ما عُرِفَ عنه من تشدُّده في نفيِ وجودِ ألفاظٍ بغيرِ لغةِ العربِ في القرآنِ، حيث قالَ: «أُنْزِلَ القرآنُ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، فمنْ زعمَ أنَّ فيه غيرَ العربيةِ فقدْ أعظمَ القولَ، ومن زعمَ أنَّ «طه» بالنبطيةِ، فقدْ أَكْبَرَ، وإنْ لم يعلمْ ما هو، فهو افتتاحُ كلامٍ، وهو اسمٌ للسُّورةِ وشعارٌ لها.
وقدْ يُوَافِقُ اللَّفظُ اللَّفظَ ويقاربُهُ، ومعناهما واحدٌ، وأحدُهما بالعربيَّةِ والآخرُ بالفارسيَّةِ أو غيرِها؛ فمنْ ذلكَ الإستبرقُ بالعربيَّةِ، وهو الغليظُ من الديباجِ، والفِرِنْدُ، وهو بالفارسيَّةِ: إسْتَبْرَهْ، وكَوْز، وهو بالعربيَّةِ: جَوْزٌ، وأشباهُ هذا كثيرٌ.
ومنْ زعمَ أنَّ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] بالفارسيَّةِ، فقدْ أعظمَ من قال: إنه «سنك» و «كل»، إنما السِّجِّيلُ: الشديدُ ... ففي القرآنِ ما في الكلامِ
стр. 335
العربي منَ الغريبِ والمعاني، ومنْ مجازِ ما اختُصِرَ، ومجازِ ما حُذِفَ، ومجازِ ما كُفَّ عنْ خَبَرِهِ، ومجازِ ما جاءَ لفظُهُ لفظ الواحدِ ووقَعَ على الجميعِ ...» (١).
وهناكَ وجهٌ آخرُ يُفْهَمُ من قولِه: «قالوا: إنما أنزلَ القرآنُ بلسانٍ عربيٍ مبينٍ، وتصْدَاقُ ذلكَ في آيةٍ منَ القرآنِ، وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، فلمْ يَحْتَجِ السَّلفُ ولا الذينَ أدركوا وحيَهُ إلى النَّبي ﷺ أنْ يسألوا عنْ معانيه؛ لأنَّهمْ كانوا عَرَبَ الألسنِ، فاستغنوا بعلمِهِم به عن المسألةِ عنْ معانيه، وعمَّا فيه مما في كلامِ العربِ مثلُه منَ الوجوهِ والتَّلخيصِ.
وفي القرآنِ مِثْلُ ما في الكلامِ العربي منْ وجوهِ الإعرابِ، ومن الغريبِ والمعاني، ومنَ المحتملِ: منْ مجازِ ما اخْتُصِرَ وفيه مضمرٌ ...» (٢).
وكأنه يريدُ أنْ يقولَ: إنَّ مَنْ في زمانِه بحاجةٍ إلى بيانِ عربيَّتِهِ، بخلافِ منْ سَلَفهم مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ الذينَ كانوا عرباً يعلمونَ معانيه.
وإذا صَحَّ هذانِ الاستنتاجانِ، فإنهما يكونان سبباً واضحاً لتأليفِ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) مجازَ القرآنِ (٣)، وأنَّه نَحَى بهِ النَّحْوَ العربيَّ.
стр. 336
أمَّا كَونُه قَصَدَ بيانَ عربيَّةِ القرآنِ، فإنه ظاهرٌ عندَ أدنى تَأَمُّلٍ في كتابِه، وسأذكرُ بعضَ صور التَّفسيرِ اللُّغويِّ الواردةِ في كتابِ مجازِ القرآنِ:
أولاً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَشَوَاهِدُهَا:
يظهرُ من موازنة كتاب (مجازِ القرآن) بغيره من كتب المعاني والغريبِ أنه أكثرُها استدلالاً بالشِّعرِ في معاني القرآنِ، وهذا ظاهرٌ لمن ينظرُ إلى ترقيمِ محقِّقِ كتاب المجازِ، حيثُ بلغتْ بتعدادِه اثنين وخمسينَ وتسعِمائةِ شاهدٍ (١).
ومن أمثلةِ تفسيرِه بالشَّاهد الشِّعريِّ:
стр. 337
١ - قال: «﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]؛ أي: المخلوقين، قال لبيد بن ربيعة (١):
مَا إِنْ رَأَيْتُ وَلاَ سَمِعْـ ... ـتُ بِمِثْلِهِمْ فِي العَالَمِينَ
وواحدهم: عَالَم ...» (٢).
٢ - وقال: ﴿الصِّرَاطَ﴾ [الفاتحة: ٦]: الطريق، المنهاجُ الواضحُ، قال (٣):
........ ... فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّرَاطِ القَاصِدِ
وقال جَرِير (٤):
أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ ... إذَا اعْوَجَّ المَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ
والمواردُ: الطُرُقُ: ما وردتَ عليه من ماءٍ، وكذلك القرى.
وقال (٥):
стр. 338
وَطِئْنَا أَرْضَهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى ... تَرَكْنَاهُمْ أَذَلَّ مِنَ الصِّرَاطِ» (١)
٣ - وقال: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: كلُّ منْ أصابَ شيئاً فهو مُفلحٌ، ومصدره: الفلاحُ، وهو البقاء، وكلُّ خيرٍ. قال لبيد بن ربيعة (٢):
نَحُلُّ بِلاداً كُلُّها حُلَّ قَبْلَنَا ... وَنَرْجُو الفَلاَحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ
الفَلاَحُ؛ أي: البقاء. وقال عَبيدُ بن الأبرص (٣):
أَفْلِحْ بِمَا شِئْتَ، فَقَدْ يُدْرَكُ بِالضَّـ ... ـعْفِ، وَقْدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ
والفَلاَحُ في موضعٍ آخرَ: السَّحُورُ أيضاً.
وفي الأذان: حيَّ على الفلاَحِ، وحيَّ على الفَلَحِ جميعاً.
والفلاَّحُ: الأكَّارُ، وإنما اشتُقَّ من: يَفْلَحُ الأرضَ؛ أي: يَشُقُّها ويُثِيرُها.
ومن ذلك قولهم: إنَّ الحَدِيدَ بِالْحَدِيدِ يُفْلَحُ (٤)؛ أي: يُفلَقُ.
والفلاَّح: هو المُكَاري، في قول ابن أحمر (٥) أيضاً (٦):
لَهَا رِطْلٌ تَكِيلُ الزَّيتَ فِيهِ ... وَفَلاَّحٌ يَسُوقُ لَهَا حِمَاراً
стр. 339
فلاَّح: مُكَارٍ. وقال لبيد (١):
اعْقِلي إنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلي ... وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ ذَا عَقَلْ
أي: ظَفِرَ، وأصاب خيراً» (٢).
وأمَّا تفسيره للألفاظ بدون ذكر الشَّواهد فهو كثير، وعلى ذلك أغلبُ مادَّةِ الكتاب، ومن ذلك: ﴿يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (٣): مجازه: يبنون، ويَعْرِشُ ويَعْرُشُ لغتانِ، وعريشُ مكَّةَ: خيامُها.
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾: مجازه: قَطَعْنَا.
﴿يَعْكُفُونَ﴾: أي: يقيمونَ، ويَعْكِفُونَ: لغتان» (٤).
ثانياً: الأسَالِيبُ العَرَبِيَّةُ في الخِطَابِ:
يلحظ القارئُ لكتابِ المجازِ كثرةَ بيانِ الأساليبِ العربيَّةِ التي نزلَ بها القرآنُ (٥)، ويجدُ في هذا كثرةَ قولِه: تقولُ العربُ، والعربُ تفعلُ ذلكَ، والعربُ تجعلُ، والعربُ تصنعُ ... إلخ.
وهذه الأساليبُ منها ما له أثرٌ في تَغَيُّرِ المعنى، ومنها ما أثرُهُ في جمالِ الكلامِ وبلاغتِه ومقتضى حالِه، وسأذكرُ من الأمثلةِ ما لهُ أثرٌ في التفسيرِ:
١ - قال: «﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، فخرجَ هذا مخرجَ
стр. 340
فِعْلِ الآدميين، وفي آيةٍ أخرى: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، وفي آيةٍ أخرى ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] فخرجَ على تقديرِ فِعْلِ الآدميين، والعرب قدْ تفعلُ ذلك، وقال (١):
شَرِبْتُ إذَا مَا الدِّيكُ يَدْعُو صَبَاحَهُ ... إذَا مَا بَنُو نَعْشٍ دَنَوا فَتَصَوَّبُوا
وزعم يونس (٢) عن أبي عمرو (٣): أنَّ ﴿خَاضِعِينَ﴾ ليست من صفةِ الأعناقِ، وإنما هي من صفةِ الكنايةِ عن القومِ التي في آخر الأعناقِ، فكأنَّه في التمثيلِ: فظلَّتْ أعناقُ القومِ، في موضع «هم».
والعربُ قدْ تتركُ الخبرَ عن الأولِ، وتجعلُ الخبرَ للآخرِ منهما، وقال (٤):
طُولُ اللَّيَالي أَسْرَعَتْ فِي نَقْضِي ... طَوَينَ طُولِي وَطَوَينَ عَرْضِي
فتركَ طولَ اللَّيالي، وحَوَّلَ الخبرَ على اللَّيالي، فقال: أسرعتْ، ثُمَّ قال: طوينَ. وقال جرير (٥):
стр. 341
رَأتْ مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنِّي ... كَمَا أَخَذَ السَّرَارُ مِنَ الهِلاَلِ
رجعَ إلى «السنين» وترك «مرَّ».
وقال الفرزدقُ (١):
تَرَى أَرْبَاقَهُمْ مُتَقَلِّدِيهَا ... إذَا صَدَئُ الحَدِيد على الكماةِ
فلم يجعل الخبرَ للأرباقِ، ولكن جعله للذين في آخرها من كنايتهم، ولو كان للأرباقِ لقال: متقلدات، ولكن مجازه: تراهم متقلدين أرباقَهم» (٢).
ذكرَ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) في هذه الآية احتمالين في معنى ﴿خَاضِعِينَ﴾:
الأول: أن تكونَ من صفةِ الأعناقِ، وهي بذاتها تكونُ خاضعةً، وإنما جاء التَّعبيرُ عنها بالجمعِ الذي يُعبَّرُ به عن الآدميين (٣)؛ أي: جمع المذكر السالم؛ لأنه مما يظهر فيهم.
الثاني: أن تكون من صفةِ الضَّميرِ «هم»، في ﴿أَعْنَاقِهِمْ﴾، العائدِ على النَّاسِ، وعلى هذا القولِ ـ وهو قول أبي عمرو ـ لا يكون في اللفظِ خروجٌ عن أصلِه؛ لأنَّ الآدميين يُخبر عنهم بالواو والنون، أو الياء والنون، بخلافه المواتُ الذي لا يُخبرُ عنه بذلك، وإنْ أُخبرَ عنه به، فهو خروجٌ عن أصل الخطاب لمعنى يريده القائلُ.
стр. 342
٢ - وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١] مجازُه مجازُ المكفوفِ عن خبرِه، ثُمَّ استُؤنِفَ، فقال: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]، فمجازُه: لو سُيِّرتْ به الجبالُ لسارتْ، أو قُطِّعتْ به الأرضُ لتقطَّعتْ، ولو كُلِّمَ به الموتى لنُشِرتْ.
والعربُ تفعلُ مثلَ هذا، لعلمِ المستمعِ به، استغناءً عنه، واستخفافاً في كلامهم، قال (١):
خَلا أَنَّ حَيّاً مِنْ قُرَيْشٍ تَفَضَّلُوا ... عَلَى النَّاسِ أَوْ أَنَّ الأَكَارِم نَهْشَلا
وهو آخرُ قَصِيدةٍ، ونصبه وكفَّ عن خبره واختصره، وقال (٢):
الطَّعْنُ شَغْشَةٌ، والضَّرْبُ هَيْقَعَةٌ ... ضَرْبَ المُعَوِّلِ تَحْتَ الدِّيمَةِ العَضَدا
وَلِلْقِسِيِّ أَزَامِيلٌ وَغَمْغَمَةٌ: ... حِسَّ الجَنُوبِ، تَسُوقُ المَاءَ والبَرَدا
حَتَّى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّرُدَا
وهو آخر قصيدةٍ، وكُفَّ عن خبره» (٣).
стр. 343
وعلى هذا القول يكون جواب «لو» محذوفاً، وهذا أسلوبٌ عربيٌّ شائعٌ، وقد ذكرَ له شواهدَ من الشِّعرِ، وإنما يختلف التَّفسيرُ هنا في أمرين:
الأوَّلُ: في زَعْمِ أنَّ الجوابِ متقدِّمٌ عليها، وهو قولُه: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَانِ﴾ [الرعد: ٣٠] (١). وعلى هذا لا يكونُ في الآية حذفٌ.
الثاني: أنَّ الجوابَ محذوفٌ، واختُلِفَ في تقديرِه، ويُبنَى على هذا الاختلافِ اختلافُ التَّفسيرِ، ومن هذه التَّقديراتِ:
* ولو أنَّ قرآناً سُيِّرتْ به الجبالُ، أو قُطِّعَتْ به الأرضُ، أو كُلِّمَ به الموتى = لكانَ هذا القرآنُ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ اللُّغةِ (٢).
* ولو أنَّ قرآناً سُيِّرَتْ به الجبالُ، أو قُطِّعَتْ به الأرضُ، أو كُلِّمَ به الموتى = لما آمنوا (٣).
* ومنها ما قدَّره أبو عبيدةَ (ت:٢١٠). وظاهرٌ اختلافُ المعنى والتَّفسيرِ بسببِ الحذفِ هنا، واللهُ أعلم.
وظاهرةُ أساليبِ الخطابِ العربيِّ التي نزل بها القرآنُ مما يحتاجُ إلى دراسةٍ مستقلَّةٍ، وفيها معلوماتٌ كثيرةٌ، والله الموفِّقُ.
ثالثاً: تَوجِيهُ القِرَاءَاتِ:
وهو أحدُ الميادينِ التي وَلَجَهَا اللُّغويُّونَ لبيانِ ما في القراءاتِ واختلافِها منْ وجوهِ العربيَّةِ، وقد كانَ نصيبُ التَّوجيهِ فيما يخصُّ تَغيُّرَ المعنى في كتابِ المجازِ قليلاً قياساً على كثرتِها في غيره، ومنْ أمثلةِ ذلك:
١ - قال أبو عبيدة (ت:٢١٠): «﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] القافُ مكسورةٌ؛ لأنها منْ: وَقَرَتْ تَقِرُ، تقديرُه: وَزَنَتْ تَزِنُ، ومعناه: من الوَقَارِ.
ومنْ قرأها: ﴿فَاكِهُونَ﴾ جعلَهُ: كثيرَ الفواكِه، صاحبَ فاكهةٍ، قال الحطيئة (١):
وَدَعَوتَنِي وَزعَمْتَ أَنَّـ ... ـكَ لاَبِنٌ بِالصَّيْفِ تَامِرُ
أي: ذا لبن وتمرٍ؛ أي: عنده لبنٌ كثيرٌ وتمرٌ كثيرٌ، وكذلك: عاسِلٌ ولاحمٌ وشاحمٌ» (٢).
تعرُّض أبي عبيدة للنَّقد بسبب منهجه اللُّغويِّ:
لقد كان المنهجُ اللُّغويُّ الذي سَلَكَهُ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) عُرْضَةً للنَّقدِ، كما أوقعَه في شيءٍ من المخالفاتِ في التَّفسيرِ؛ لأنَّ للتَّفسيرِ مصادرَ غير اللُّغةِ يجب على المفسِّرِ الرُّجوعُ إليها، ولا يعني هذا أنَّ كتابَه يخلو من التَّأثُرِ بالمصادرِ الأخرى (٣)، لكنَّ المرادَ أنَّ اعتمادَه على المنقولِ مِنَ التَّفسيرِ؛ كالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ، وآثارِ السَّلفِ، وأسبابِ النُزُولِ، وقصصِ الآيِ = كان قليلاً جِدًّا.
ومن أمثلةِ اعتمادِهِ على السُّنَّةِ النَّبويَّةِ، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، قال: «مجازُه: إنَّ ملائكَة اللَّيلِ تشهدُه، إذا صُلِّيَتْ الغَدَاةُ أعقبتْهَا ملائكةُ النَّهارِ» (٤).
وهذا مأخوذٌ من قولِ الرَّسول ﷺ ، قال: «.... وتجتمعُ ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهارِ في صلاةِ الصُّبحِ.
стр. 346
يقولُ أبو هريرةَ: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]» (١).
ويظهرُ في كتابِ مجازِ القرآن أنَّ أبا عبيدة (ت:٢١٠) كانَ يعتمِدُ على المخزونِ اللُّغويِّ الذي كانَ يحفظُهُ، سواءً أكانَ تفسيرَ ألفاظٍ، أم كانَ شواهدَ شعريَّةً.
ويبدو أنَّ ثقافتَهُ اللُّغويَّةَ الثَّرِيَّةَ أحدثتْ عنده اعتداداً بعلمِهِ، وجعلتْه يُقِلُّ من النَّقْلِ عن غيرِه، حتى إنَّكَ لا ترى أثراً للنَّقلِ عن المتقدِّمين من علماءِ السَّلفِ واللُّغويِّينَ: أمَّا نقله عن السَّلفِ، فقليلٌ جداً، ولا يكادُ يُذكرُ، وأمَّا اللُّغويُّونَ، فهو يُعَدُّ في الطبقةِ الثَّانيةِ من طبقاتِ القرنِ الثاني، إذ سبقَهُ طبقةُ شيوخِهِ، أمثالُ: أبي عمرو بنِ العلاءِ (ت:١٥٤)، والخَليلِ بنِ أحمدَ (ت:١٧٥)، ويونسَ النَّحويِّ (ت:١٨٢)، ونقله عنهم أكثر من نقله عن السَّلفِ، لكنه قليلٌ أيضاً.
ومما يدلُّ على هذا ما وردَ عن تلميذِه أبي عمر الجَرْمِيِّ (ت:٢٢٥) (٢)، قال: «أتيتُ أبا عبيدةَ بشيءٍ منه [يعني: مجاز القرآن]، فقلت له: عمَّنْ أخذتَ هذا يا أبا عبيدة؟ فإنَّ هذا خلاف تفسيرِ الفقهاءِ (٣).
فقال لي: هذا تفسيرُ الأعرابِ البوَّالينَ على أعقابهم، فإنْ شِئتَ فخذْهُ، وإنْ شئتَ فَذَرْهُ» (٤).
стр. 347
فالجرميُّ (ت:٢٢٥) ينتقدُ أبا عبيدة (ت:٢١٠) بأنَّه قد خالفَ المفسِّرينَ في كتابِه هذا، ويردُّ عليه بهذا الرَّدِّ الذي يدلُّ على الاعتدادِ بالنَّفسِ، وكأنَّه لا يَعني له هذا الانتقادُ شيئاً.
وهذا المنهجُ اللُّغويُّ الذي سلكَه أبو عبيدة (ت:٢١٠)، أوقعَهُ في بعضِ التَّفسيراتِ التي لا تَصِحُّ، كما أوقعه في ردِّ بعضِ الواردِ عن السَّلفِ، وكأنه لا يحتجُّ بتفسيرِهم في نقلِ اللُّغةِ (١)، ولقد كانَ بسببِ هذه التَّفسيراتِ عُرْضةً للنَّقدِ.
* ومنَ الأمثلةِ التي انتُقِدَت عليه من جهةِ اللُّغةِ:
١ - قوله: ﴿وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] بعض يكونُ شيئاً منَ الشيء، ويكونُ كلَّ الشيءِ، قالَ لبيدُ بن ربيعة (٢):
تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إَذَا لَمْ أَرْضَهَا
أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا
فلا يكونُ الحِمامُ ينْزلُ ببعضِ النفوسِ، فيُذهِبُ البعضَ، ولكنه يأتي على الجميعِ» (٣).
وهذا الذي قاله في معنى «بعض» قد انتُقِد عليه (٤)، قال أبو جعفر النحاس (ت:٣٣٨): «وهذا القولُ غلطٌ عند أهل النَّظرِ منْ أهلِ اللُّغةِ؛ لأنَّ
стр. 348
البعضَ والجزءَ لا يكونانِ بمعنى الكُلِّ (١).
قال أبو العباس (٢): معنى «أو يرتبط بعضَ النفوسِ»: أو يرتبطْ نفسي، كما يقولُ: بعضُنا يعرفه؛ أي: أنا أعرفُهُ، ومعنى الآيةِ على البعضِ؛ لأنَّ عيسى ﷺ إنما أحلَّ لهم أشياء مما حرَّمها عليهم موسى: من أكل الشحومِ وغيرها، ولم يُحِلَّ لهم القتلَ، ولا السَّرقةَ، ولا الفاحشةَ» (٣).
وهذا المذهبُ قد حُكِيَ عن غيرِه، وقد أُنْكِرَ أيضاً، كما قال الأزهريُّ (ت:٣٧٠): «وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: أجمع أهلُ النَّحوِ على أنَّ البعضَ شيءٌ من أشياءَ، أو شيءٌ من شيءٍ إلاَّ هشاماً (٤)، فإنه زعمَ أنَّ قول لبيد:
........ ... أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا
فادَّعى وأخطأ: أنَّ البعضَ هاهنا جمعٌ (٥). ولمْ يكنْ هذا منْ عمله، وإنما أراد لبيد ببعض النفوس: نفسه» (٦).
стр. 349
٢ - وقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤]، معناه: وقلنا للملائكةِ، و «إذ» منْ حروفِ الزوائدِ (١)، وقال الأسودُ بن يَعْفُر (٢):
فَإذَا وَذَلِكَ لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ ... وَالدَّهْرُ يُعْقِبُ صَالِحاً بِفَسَادِ
ومعناه: وذلك لا مَهَاهَ لذكرِهِ، ولا طَعْمَ ولا فَضْلَ، وقال عبد مناف بن رِبع الهذلي (٣)، وهو آخرُ قصيدة (٤):
حَتَّى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الجَمَّالةُ الشُّرُدَا
معناه: حتى أسلكوهم» (٥).
وهذا المذهبُ الذي ذهبَ إليه في الزِّيادةِ في هذا الموضعِ وغيرِه، قد انتقده عليه بعضُ العلماءِ، وخطَّؤه بهذا، ومِمَّن ردَّ عليه هذا الموضعَ الطبريُّ (ت:٣١٠)، قال: «زعمَ بعض المنسوبين إلى العلمِ بلغاتِ العربِ منْ أهلِ
стр. 350
البصرةِ أنَّ تأويل قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾: وقال ربُّكَ، وأنَّ «إذ» من أحرفِ الزَّوائدِ، وأنَّ معناها الحذفُ.
واعتلَّ لقولِه الذي وصفنا عنه في ذلك ببيت الأسود بن يَعْفُرَ:
فَإِذَا وَذَلِكَ لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ ... وَالدَّهْرُ يُعْقِبُ صَالِحاً بِفَسَادِ
ثُمَّ قال: ومعناها: وذلك لا مهاه لذكره، وبيت عبد مناف بن رِبْع الهذلي:
حَتَّى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّرُدا
وقال: معناه: حتى أسلكوهم.
قال أبو جعفر: والأمر في ذلك بخلاف ما قال: وذلك أنَّ «إذ» حرفٌ يأتي بمعنى الجزاءِ، ويدلُّ على مجهولٍ من الوقتِ. وغير جائز إبطالُ حرفٍ كانَ دليلاً على معنى في الكلامِ. إذْ سواءٌ قِيلُ قائلٍ: هو بمعنى التَّطَوُّلِ، وهو في الكلام دليلٌ على معنىً مفهوم، وقِيلُ آخرُ، في جميعِ الكلامِ الذي نطقَ به دليلاً على ما أريدَ به: هو بمعنى التَّطَوُّلِ ...» (١).
* ومما ردَّه من قول السَّلف، تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]، قال: «أفْعَلَتْ من العتادِ، ومعناه: أعدَّتْ له [كذا] متكأً؛ أي: نُمْرُقاً تَتَّكِئُ عليه.
وزعم قومٌ أنه الأُتْرُجُّ، وهذا من أبطلِ باطلٍ في الأرضِ، ولكنْ عسى أنْ يكونَ مع المتكَإِ أُتْرُجٌ يأكلونه» (٢).
стр. 351
وقد ورد تفسير المتكَإِ بالأُتْرُجِّ عن ابن عباس (ت:٦٨) من طريق مجاهد (ت:١٠٤) (١) وعطية العوفيِّ (ت:١١١) (٢)، وعن الضَّحَّاك (ت:١٠٥) من طريق أبي روق (٣)، وعن سلمة بن تمام (٤).
وفسَّره بعضُ السَّلفِ بأعمَّ من الأُتْرُجِّ، فقالوا: طعاماً، ورد ذلك عن ابن عبَّاس (ت:٦٨)، وسعيد بن جبير (ت:٩٤)، ومجاهد (ت:١٠٤)، وعكرمة (ت:١٠٥)، والحسن البصريِّ (ت:١١٠)، وعطية العوفي (ت:١١١)، وقتادة (ت:١١٧)، وابن إسحاق (ت:١٥٠) (٥)، وابن زيد (ت:١٨٢) (٦).
وفسَّره آخرونَ، فقالوا: كلُّ شيءٍ يُقْطَعُ بالسِّكينِ، ورد ذلك عن الضَّحَّاك (ت:١٠٥) (٧)، وعكرمة (ت:١٠٥) (٨).
وورد عن مجاهدٍ (ت:١٠٤) ما يفيد أنَّ سببَ الاختلاف في التَّفسيرِ
стр. 352
اختلافُ القراءةِ وتوجيهها في اللُّغةِ، فقال: «من قرأ: ﴿مُتَّكَأً﴾، فهو الطعام. ومن قرأها: «مُتْكاً»، فخفَّفها (١)، فهو الأتْرُجُّ» (٢).
وعلى هذا يمكنُ حملُ تفسيرِ منْ فسَّرَ المُتَّكأَ بالأترجِّ أنه أرادَ تفسيرَ هذه القراءةِ، ومن فسَّرَهُ بالطعامِ، أرادَ القراءةَ المتواترةَ.
ويكون في القراءةِ المتواترةِ وجهانِ من التَّفسيرِ:
الأول: أنَّ المُتَّكَأَ: ما يُتَّكَأُ عليه من الوسائدِ وغيرها. وهذا هو القول الذي نصرَه أبو عبيدة (ت:٢١٠)، والطبريُ (ت:٣١٠) (٣)، وهو قول أهل اللغة (٤).
الثاني: أنَّ المُتَّكَأَ: الطعام، وهو قول جمهور السَّلف.
والقول الثاني محكيٌ في اللُّغةِ، قال ابن قتيبة (ت:٢٧٦): «﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]؛ أي) طعاماً، يقال: اتَّكَانَا عندَ فلانٍ؛ أي: طَعِمْنَا.
وقال جميل (٥):
فَظَلِلْنَا بِنِعْمَةٍ وَاتَّكَانَا ... وَشَرِبْنَا الحَلاَلَ مِنْ قِلَلِهْ
стр. 353
والأصل: أنَّ من دَعَوْتَهُ لِيَطْعَمَ، أَعْدَدْتَ له التكأة للمُقَامِ والطُّمأنينة، فيسمَّى الطعامُ متكأً على الاستعارةِ» (١).
وبهذا يَبِينُ تقصيرُ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) وتسرُّعه في ردِّ هذا المعنى، وقد أنكر عليه ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام (ت:٢٢٤)، فيما حكاه عنه الطبري (ت:٣١٠)، قال: «وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبي عبيدة، ثمَّ قال: والفقهاء أعلم بالتَّأويلِ منه. ثمَّ قال: ولعله بعضُ ما ذهبَ من كلامِ العربِ، فإنَّ الكسائيَّ كان يقولُ: قد ذهبَ من كلامِ العربِ شيءٌ كثيرٌ انقرضَ أهلُهُ» (٢).
وقد ذكرَ جمعٌ من أهلِ اللُّغةِ أنَّ لفظَ المُتْكِ يعني الأتْرُجَّ، كما ذكرَ بعضُ اللُّغوييِّنَ القراءةَ الشَّاذَّةَ «مُتْكاً» في البيانِ عن ورودِ هذا المعنى في لغةِ العربِ.
قال الزَّبيديُّ (ت:١٢٠٥): «(و) المُتْكُ بالضَّمِّ ... (الأُتْرُجُّ)، حكاه الأخفشُ (٣)، ونقله الجوهريُّ (٤)، وقال الفرَّاء (٥): الواحدة مُتْكَةٌ مثل: بُسْر
стр. 354
وبُسْرَة (ويُكسر) قال الشاعر (١):
نَشْرَبُ الإثْمَ بِالكُؤوسِ جِهَاراً ... وَنَرَى المُتْكَ بَيْننا مُسْتَعَاراً
وقيل: سُمِّيَتْ الأترجَّةُ مُتْكَةً؛ لأنها تُقْطَعُ.
(و) قال الجوهريُّ (٢): قال الفرَّاء (٣): حدَّثني شيخٌ من ثقات أهل البصرةِ أنه (الزُّمَاوَرْدُ) (٤).
وبكلٍّ منهما فُسِّرَ قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] بضمِّ فسكونٍ، وهي قراءةُ ابنِ عباسٍ ـ رضي الله تعالى عنهما ـ وابنِ جبيرٍ، ومجاهدٍ، وابنِ يعمرَ (٥)، والجحدريِّ (٦)، والكلبيِّ (٧)، ونصرِ بنِ عاصمٍ، كذا في العباب.
وفي كتابِ الشَّواذِّ لابن جني (٨): هي قراءةُ ابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، والجحدريِّ، وقتادةَ، والضَّحَّاكِ، والكلبيِّ، وأبانِ بنِ تغلبَ، ورُويتْ عن الأعمش (٩).
стр. 355
قلتُ: ورواه عنِ الضَّحَّاكِ أبو روقٍ، وفسَّره بزماورد (١)، ورواه الأعمشُ عنْ أبي رجاءَ العطارديِّ (٢)، وقال: هو الأترج» (٣).
وبهذا يظهرُ أنَّ هذا المعنى الذي فُسِّرَ به صحيحٌ من حيثُ اللُّغةِ، ولا يَصِحُّ ردُّه، ويكفي في ذلكَ حكايةُ السَّلفِ له (٤)، والله أعلم.
أثر المعتقد على دلالة الألفاظ عند أبي عبيدة:
لقد كان أبو عبيدة (ت:٢١٠) متهماً في معتقده، فنُسِبَ إلى الخوارجِ (٥)، ونُسِبَ إلى المعتزلة (٦)، فهل ظهر منه في كتابه مجاز القرآن ما يعضد هذا الاتهام؟
أمَّا الخوارجُ، فلمْ يكنْ لهم في عهدِه تراثٌ يمكنُ أنْ تُعرفَ به قضايا العقيدةِ عندهم، وهي لم تظهرْ إلاَّ متأخِّرةً، وقد قرأتُ أخبارَهم في كتابِ الكامِلِ في الأدبِ، للمبرد (ت:٢٨٥)، وأغلبُ ما فيه أخبارُ قتالِهم للمسلمينَ وشجاعتهمْ في ذلكَ، ومن أكبرِ المسائلِ التي ذكرتها كتبُ الفرقِ عنهم مسألةُ الإيمانِ، وما نشأ عنه من حكمِ مرتكبِ الكبيرةِ، وتكفيرهم له، وأنه مخلَّدٌ في النارِ، وغيرها من الأحكام.