← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13873

التفسير اللغوي للقرآن الكريم

مساعد الطيار

Полный текст (714 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقد ورد تفسير المتكَإِ بالأُتْرُجِّ عن ابن عباس (ت:٦٨) من طريق مجاهد (ت:١٠٤) (١) وعطية العوفيِّ (ت:١١١) (٢)، وعن الضَّحَّاك (ت:١٠٥) من طريق أبي روق (٣)، وعن سلمة بن تمام (٤). وفسَّره بعضُ السَّلفِ بأعمَّ من الأُتْرُجِّ، فقالوا: طعاماً، ورد ذلك عن ابن عبَّاس (ت:٦٨)، وسعيد بن جبير (ت:٩٤)، ومجاهد (ت:١٠٤)، وعكرمة (ت:١٠٥)، والحسن البصريِّ (ت:١١٠)، وعطية العوفي (ت:١١١)، وقتادة (ت:١١٧)، وابن إسحاق (ت:١٥٠) (٥)، وابن زيد (ت:١٨٢) (٦). وفسَّره آخرونَ، فقالوا: كلُّ شيءٍ يُقْطَعُ بالسِّكينِ، ورد ذلك عن الضَّحَّاك (ت:١٠٥) (٧)، وعكرمة (ت:١٠٥) (٨). وورد عن مجاهدٍ (ت:١٠٤) ما يفيد أنَّ سببَ الاختلاف في التَّفسيرِ

стр. 352

اختلافُ القراءةِ وتوجيهها في اللُّغةِ، فقال: «من قرأ: ﴿مُتَّكَأً﴾، فهو الطعام. ومن قرأها: «مُتْكاً»، فخفَّفها (١)، فهو الأتْرُجُّ» (٢). وعلى هذا يمكنُ حملُ تفسيرِ منْ فسَّرَ المُتَّكأَ بالأترجِّ أنه أرادَ تفسيرَ هذه القراءةِ، ومن فسَّرَهُ بالطعامِ، أرادَ القراءةَ المتواترةَ. ويكون في القراءةِ المتواترةِ وجهانِ من التَّفسيرِ: الأول: أنَّ المُتَّكَأَ: ما يُتَّكَأُ عليه من الوسائدِ وغيرها. وهذا هو القول الذي نصرَه أبو عبيدة (ت:٢١٠)، والطبريُ (ت:٣١٠) (٣)، وهو قول أهل اللغة (٤). الثاني: أنَّ المُتَّكَأَ: الطعام، وهو قول جمهور السَّلف. والقول الثاني محكيٌ في اللُّغةِ، قال ابن قتيبة (ت:٢٧٦): «﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]؛ أي) طعاماً، يقال: اتَّكَانَا عندَ فلانٍ؛ أي: طَعِمْنَا. وقال جميل (٥): فَظَلِلْنَا بِنِعْمَةٍ وَاتَّكَانَا ... وَشَرِبْنَا الحَلاَلَ مِنْ قِلَلِهْ

стр. 353

والأصل: أنَّ من دَعَوْتَهُ لِيَطْعَمَ، أَعْدَدْتَ له التكأة للمُقَامِ والطُّمأنينة، فيسمَّى الطعامُ متكأً على الاستعارةِ» (١). وبهذا يَبِينُ تقصيرُ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) وتسرُّعه في ردِّ هذا المعنى، وقد أنكر عليه ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام (ت:٢٢٤)، فيما حكاه عنه الطبري (ت:٣١٠)، قال: «وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبي عبيدة، ثمَّ قال: والفقهاء أعلم بالتَّأويلِ منه. ثمَّ قال: ولعله بعضُ ما ذهبَ من كلامِ العربِ، فإنَّ الكسائيَّ كان يقولُ: قد ذهبَ من كلامِ العربِ شيءٌ كثيرٌ انقرضَ أهلُهُ» (٢). وقد ذكرَ جمعٌ من أهلِ اللُّغةِ أنَّ لفظَ المُتْكِ يعني الأتْرُجَّ، كما ذكرَ بعضُ اللُّغوييِّنَ القراءةَ الشَّاذَّةَ «مُتْكاً» في البيانِ عن ورودِ هذا المعنى في لغةِ العربِ. قال الزَّبيديُّ (ت:١٢٠٥): «(و) المُتْكُ بالضَّمِّ ... (الأُتْرُجُّ)، حكاه الأخفشُ (٣)، ونقله الجوهريُّ (٤)، وقال الفرَّاء (٥): الواحدة مُتْكَةٌ مثل: بُسْر

стр. 354

وبُسْرَة (ويُكسر) قال الشاعر (١): نَشْرَبُ الإثْمَ بِالكُؤوسِ جِهَاراً ... وَنَرَى المُتْكَ بَيْننا مُسْتَعَاراً وقيل: سُمِّيَتْ الأترجَّةُ مُتْكَةً؛ لأنها تُقْطَعُ. (و) قال الجوهريُّ (٢): قال الفرَّاء (٣): حدَّثني شيخٌ من ثقات أهل البصرةِ أنه (الزُّمَاوَرْدُ) (٤). وبكلٍّ منهما فُسِّرَ قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] بضمِّ فسكونٍ، وهي قراءةُ ابنِ عباسٍ ـ رضي الله تعالى عنهما ـ وابنِ جبيرٍ، ومجاهدٍ، وابنِ يعمرَ (٥)، والجحدريِّ (٦)، والكلبيِّ (٧)، ونصرِ بنِ عاصمٍ، كذا في العباب. وفي كتابِ الشَّواذِّ لابن جني (٨): هي قراءةُ ابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، والجحدريِّ، وقتادةَ، والضَّحَّاكِ، والكلبيِّ، وأبانِ بنِ تغلبَ، ورُويتْ عن الأعمش (٩).

стр. 355

قلتُ: ورواه عنِ الضَّحَّاكِ أبو روقٍ، وفسَّره بزماورد (١)، ورواه الأعمشُ عنْ أبي رجاءَ العطارديِّ (٢)، وقال: هو الأترج» (٣). وبهذا يظهرُ أنَّ هذا المعنى الذي فُسِّرَ به صحيحٌ من حيثُ اللُّغةِ، ولا يَصِحُّ ردُّه، ويكفي في ذلكَ حكايةُ السَّلفِ له (٤)، والله أعلم. أثر المعتقد على دلالة الألفاظ عند أبي عبيدة: لقد كان أبو عبيدة (ت:٢١٠) متهماً في معتقده، فنُسِبَ إلى الخوارجِ (٥)، ونُسِبَ إلى المعتزلة (٦)، فهل ظهر منه في كتابه مجاز القرآن ما يعضد هذا الاتهام؟ أمَّا الخوارجُ، فلمْ يكنْ لهم في عهدِه تراثٌ يمكنُ أنْ تُعرفَ به قضايا العقيدةِ عندهم، وهي لم تظهرْ إلاَّ متأخِّرةً، وقد قرأتُ أخبارَهم في كتابِ الكامِلِ في الأدبِ، للمبرد (ت:٢٨٥)، وأغلبُ ما فيه أخبارُ قتالِهم للمسلمينَ وشجاعتهمْ في ذلكَ، ومن أكبرِ المسائلِ التي ذكرتها كتبُ الفرقِ عنهم مسألةُ الإيمانِ، وما نشأ عنه من حكمِ مرتكبِ الكبيرةِ، وتكفيرهم له، وأنه مخلَّدٌ في النارِ، وغيرها من الأحكام.

стр. 356

وقد تفحَّصتُ كتاب أبي عبيدةَ (ت:٢١٠)، فلمْ أجدْ فيه شيئاً من هذه العقائدِ، فهل كانَ يتَّقي المجاهرةَ بذلكَ، كما وردت الرِّوايةُ عن تلميذه التَّوَّزيِّ (١)، قال: «دخلتُ على أبي عبيدة، وهو جالسٌ في مجلسِ مسجدِهِ وحده، ينكتُ في الأرضِ، فرفع رأسه إليَّ، وقال: من القائلُ (٢): أقُولُ لَهَا ـ وقَدْ جَشَأتْ وَجَشَاتْ ... مِنَ الأطْمَاعِ ـ: وَيْحَكِ لَنْ تُرَاعِي فَإِنَّكِ لَو سَأَلْتِ بَقَاءَ يَوْمٍ، ... عَلَى الأجَلِ الَّذي لَكِ لَنْ تُطَاعِي فقلتُ: قُطْريُّ بنُ الفُجَاءة الخارجيُّ (٣). قال: فضَّ اللهُ فاكَ، هلاَّ قُلتَ: لأميرِ المؤمنينَ أبي نعامةَ. قال لي: اجلسْ، واكتُمْ عليَّ ما سَمِعتَ مِنِّي. قال: فما ذكرتُه حتَّى ماتَ» (٤). واللهُ أعلمُ. فإن صحَّتْ هذه الروايةُ، فإنها تدلُّ على إبطانه لمعتقدِ الخوارجِ، ولذا لم يظهرْ في كتابِه ما يدلُّ على اعتقادِه مذهبَهم، واللهُ أعلم. أمَّا تُهْمةُ الاعتزالِ، فيقول عنها الخُشَنِيُّ (٥): «كان أبو عبيدةَ مُسَّ ببعضِ

стр. 357

الاعتزالِ، إلاَّ أنه قد بَرِئَ منْ ذلك بما ظهرَ في روايته وكتبه» (١). وقال مروانُ بنُ عبدِ الملكِ: «قلت لأبي حاتم: يقال: إنَّ أبا عبيدةَ كانَ يقول بالقدرِ، فقال: لا، وأنكرَ ذلك. قال: كان يثبتُ القَدَرَ» (٢). وهذا المنهج الذي نصَّ عليه الخُشَنِي منهجٌ صحيحٌ قويمٌ، فهل ظهر في كتبه ما يدلُّ على ما نُسِبَ إليه؟ لقد اجتهدتُ في تتبعِ الكتابِ لإظهارِ ما يتعلقُ بهذه المسألةِ فظهر لي من الأمثلة ما يأتي: ١ - في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]، قال: «مجازه: ظَهَرَ على العرشِ، وعلا عليه، ويقالُ: استويتُ على ظَهْرِ الفرسِ، وعلى ظَهْرِ البيتِ» (٣). وهذا القولُ في الآية هو قولُ أهلِ السُّنةِ، أمَّا المعتزلةُ فيرون أنَّ معنى: استوى: استولى، ولهم أقوالٌ أخرى فيها تحريفٌ لمعنى الاستواءِ (٤). ٢ - في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، قال: «مجازه أنه خلقَهُ ولمْ يكنْ منَ البَدْءِ شيئاً، ثمَّ يُحييه بعدَ موتِه ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، فجازَ مجازُهُ: وذلك هَيِّنٌ عليه؛ لأنَّ «أفْعَل» يوضعُ موضعَ الفاعلِ، قال (٥):

стр. 358

لَعَمْرُكَ مَا أدْرِي، وَإنِّي لأَوْجِلُ ... عَلَى أَيِّنَا تَعْدُو المَنِيَّةُ أَوَّلُ أي: إني لواجلٌ؛ أي: لَوَجِلٌ، وقال (١): ........ ... فَتِلْكَ سَبيلٌ لَسْتَ فِيهَا بِأَوْحَدِ أي: بواحدٍ، وفي الأذانِ: اللهُ أكبرُ؛ أي: كبيرٌ. وقال الشاعرُ (٢): أصْبَحْتُ أَمْنَحُكِ الصُّدُودَ، وَإِنَّنِي ... - قَسَماً - إِلَيْكِ مَعَ الصُّدُودِ لأَمْيَلُ وقال الفرزدقُ (٣): إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتاً دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ أي: عزيزة طويلة. فإن احتجَّ محتجٌّ، فقال: إنَّ الله لا يوصفُ بهذا، وإنما يوصف به الخلقُ، فزعمَ أنه: وهو أهونُ على الخلقِ. وإنَّ الحجَّة عليه (٤): قوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾

стр. 359

[الأحزاب: ١٩]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ أي: لا يُثقلُهُ» (١). وهذا المعنى الذي ذكرَه هو أحد قولي السَّلفِ في معنى الآية (٢)، والقول الآخر: أنها على بابها، والمعنى: الإعادة بعد البدءِ أهونُ عليه (٣)، كما هو في نظرِكم أنَّ الإعادة أهونُ من البدءِ، وهذا من بابِ قياسِ الأَولى. ٣ - في قول الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]، قال: «واحدتُها صورةٌ، خرجتْ مخرجَ سورةِ المدينةِ، والجميعُ: سورٌ، ومجازُهُ مجازُ المختصرِ المضمرِ فيه؛ أي: نُفِخَ فيها أرواحُها» (٤). خالف أبو عبيدة (ت:٢١٠) في هذا التَّفسيرِ الوارد عن النبي ﷺ في معنى الصُّورِ، ويحتملُ أنه كان يجهلُ هذا المعنى الشرعيَّ؛ لأنَّه لم يورده، فينكره، والله أعلم، وأيّاً ما كان الأمر، فإنَّ هذا التَّفسيرَ غيرُ مقبولٍ البتَّةَ، لكن المرادَ هنا أنه لا يمكنُ الجزمُ بأنَّ أبا عبيدةَ ينكرُ الصُّورَ الواردَ في الحديثِ، كما هو شأنُ بعضِ المعتزلةِ في الغيبيَّاتِ، ولكن الذي وقعَ أنَّهم وغيرهم ممن ينكره قد اعتمد على قول أبي عبيدة، وسيأتي الحديث عن ذلك لاحقاً (٥).

стр. 360

٤ - وفي قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩]، قال: «يخادعون في معنى يخدعون، ومعناها يُظهِرون غيرَ ما في أنفسهم، ولا يكادُ يجيءُ «يُفَاعِلُ» إلاَّ من اثنينِ، إلاَّ في حروفٍ هذا أحدها. قوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٠]، معناه: قتلهم الله» (١). يُشعِرُ اختيارُه هنا بعدمِ وقوعِ المخادعةِ من اللهِ تعالى، حيث صرف معنى المفاعلةِ في هذه الآيةِ إلى أنها تقعُ من الواحدِ، وهذه الصِّيغة ـ وإن كانت ترد لهذا المعنى ـ يصحُ حملها في هذه الآية على المفاعلةِ من الاثنين الذي هو أصلُ معنى هذه الصِّيغةِ، بدليلِ وصفِ الله بها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، لكنَّ مخادعةَ اللهِ لا تكونُ منه ابتداءً، بلْ هو يخادِعُ من يخادِعُهُ، لذا لمْ تردْ هذه الصفةُ مفردةً إثباتاً، بلْ وردتْ مقابلَ مخادعةِ المنافقينَ، والمخادعةُ منه بخلافِ المخادعة من البشرِ، على القاعدةِ المعروفةِ في الأوصافِ المنسوبةِ إلى اللهِ. وهذه الأمثلة التي وقع فيها خطأٌ من أبي عبيدة (ت:٢١٠) لا تكفي في الحكم عليه بانتهاجه مذهبَ المعتزلةِ، خاصةً إذا تأملتَ تفسيره الصريح للاستواءِ بالعلوِ، وهذا يخالفُ مذهبَ المعتزلةِ. ولذا فإنَّ الحالَ في الحكمِ على مثله لا يصلحُ أنْ يكونَ مطلقاً، بلْ يُنبَّه على الأخطاءِ التي وقعَ فيها، ولستَ مُلزماً بِنَسْبِهِ إلى طائفةٍ منْ طوائفِ البدعِ، بل تبقى في الحكم على الأصلِ، وهو السَّلامة من البدعِ، والله أعلم.

стр. 361

ثانياً تَفْسِيرُ غَريبِ القُرآنِ، لابن قُتَيْبَةَ ألَّفَ ابن قتيبة (ت:٢٧٦) كتابه (غريب القرآن) مُتَمِّماً به كتابه «تأويل مشكل القرآن) حيث قال في نهايةِ مقدمتِه ـ بعد أنْ ذَكَرَ شُبَهَ الطَّاعنينَ في القرآنِ ـ: «وقدْ ذكرتُ الحُجَّةُ عليهم في جميعِ ما ذكروا، وغيرِه مما تركوا، وهو يُشْبِهُ ما أنكروا، ليكونَ الكتابُ جامعاً لِلفَنِّ الذي قصدتُ له. وأفردتُ للغريبِ كتاباً؛ كي لا يطولَ هذا الكتابُ، وليكونَ مقصوراً على معناه، خفيفاً على من قرأه إن شاء الله» (١). وقد ذكرَ غرضَه من تأليفِ كتابِ (غريبِ القرآنِ)، فقال: «وغرضُنا الذي امتثلنَاه في كتابنا هذا: أن نختصرَ ونكملَ، وأن نوضِّح ونُجْمِلَ، وأنْ لا نستشهدَ على اللَّفظِ المبتذَلِ، ولا نُكثرَ الدلالةَ على الحرفِ المستعمَلِ، وأنْ لا نحشوَ كتابَنا بالنَّحوِ وبالحديث والأسانيدِ». ثُمَّ قَالَ: «وكتابُنا هذا مستنبطٌ منْ كتبِ المفسِّرينَ، وكتبِ أصحابِ اللّغةِ العالمينَ، ولم نخرجْ فيه عن مذاهِبهم، لا تكلَّفنا في شيءٍ منه بآرائنا غيرَ معانيهم، بعد اختيارِنا في الحرف أَوْلَى الأقاويلِ في اللُّغةِ، أشبهُها بقصةِ الآيةِ (٢) ...» (٣).

стр. 362

ويتبيَّنُ منْ هذا ما يأتي: ١ - أنَّ ابنَ قتيبةَ (ت:٢٧٦) خَصَّ معاني القرآنِ بكتابِه (تأويل مشكلِ القرآنِ)، وخصَّ الغريبَ بكتابِه (تفسيرِ غريبِ القرآنِ)، وإنْ كانَ يُعرِّجُ في كتابِه في الغريبِ على شيءٍ من معاني القرآنِ وإعرابِه، لكنَّه قليلٌ جداً. ٢ - أنه اعتمدَ في كتابِه على من سبقَه من مفسِّري السَّلفِ وأهلِ اللُّغةِ، وهو في كثيرٍ من نقلِهِ لا يبينُ عمَّنْ نقلَ، ومما ظهرَ من أسماءِ هؤلاءِ عنده تجدُ أن ابنَ عباسٍ (ت:٦٨) (١)، وقتادةَ (ت:١١٧) (٢) أكثرُ المفسِّرينَ وروداً، ثمَّ مجاهداً (ت:١٠٤) (٣)، ثمَّ الحسنَ البصريَّ (ت:١١٠) (٤). أمَّا أهل اللغة، فقد اعتمدَ على أبي عبيدة (ت:٢١٠)، آخذاً من كتابِه (مجازِ القرآن) (٥)، وعلى الفراءِ (ت:٢٠٧)، آخذاً من كتابِه (معاني القرآن) (٦). وقد أكثرَ الأخذَ عنهما دونَ أنْ يَنُصَّ على ذكرِهما. ولم يكنْ في نقلِه مجرداً عن النقدِ، بل أبانَ في مقدمةِ كتابِه رأيَهُ فيما ينقلُ، فقال: «... بعد اختيارِنا في الحرفِ أولى الأقاويلِ في اللغةِ، أشبهها

стр. 363

بقصةِ الآية» (١). وهذا يَنِمُّ عن رأيٍ في الاختيارِ، وأنَّ ما اختارَه فقد ارتضاه قولاً له. وإذا كانَ في معنى اللَّفظِ أكثرُ من قولٍ فإنَّ منهجَه: * أنْ يذكرَ أحدَ الأقوالِ، دونَ ذكرِ غيرِها، وهذا هو الغالبُ على كتابِه. * أن يذكُر الاحتمالاتِ بلا ترجيحٍ (٢)، وهو قليلٌ، ومن ذلكَ: ١ - قال: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: خرجوا. ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]؛ أي: قدَّروا ليلاً غيرَ ما أعطوك نهاراً. قال الشاعرُ (٣): أتَونِي فَلَمْ أَرْضَ مَا بَيَّتُوا ... وَكَانُوا أَتَونِي بِشَيْءٍ نُكُرْ والعربُ تقولُ: هذا أمرٌ قُدِّرَ بليلٍ، وفُرِغَ منه بليلٍ، ومنه قولُ الحارثِ بن حِلِّزَةَ (٤): أجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عِشَاءً، فَلَمَّا ... أَصْبَحُوا، أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوضَاءُ

стр. 364

وقال بعضهم: بيَّتَ طائفةٌ؛ أي: بَدَّلَ، وأنشد (١): وَبَيَّتَ قَوْلِي عَبْدُ المَلِيـ ... ـكِ، قَاتَلَكَ اللهُ عَبْداً كَفُوراً (٢) * أن يُرجِّح بين المحتملاتِ اللُّغويَّةِ الواردةِ في تفسيرِ النَّصِّ، وهذا قليلٌ كذلك (٣)، ومنه ما وردَ في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، قال: «﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: غروبها، ويقالُ: زوالها، والأولُ أحبُّ إليَّ؛ لأنَّ العربَ تقولُ: دَلَكَ النَّجمُ: إذا غابَ. قال ذو الرُّمَّةِ (٤): مَصَابِيحُ، لَيْسَتْ باللَّواتِي تَقُودُهَا ... نُجُومٌ، وَلاَ بِالآفِلاتِ الدَّوَالِكِ وتقولُ في الشَّمسِ: دَلَكَتْ بَرَاحِ (٥)؛ يُريدونَ: غربتْ. والنَّاظِرُ قد وضعَ كفَّه على حاجِبِهِ ينظُرُ إليها، قال الشاعرُ (٦): وَالشَّمْسُ قَدْ كَادَتْ تَكُونَ دَنَفاً أدْفَعُهَا بالرَّاحِ كيْ تَزَحْلَفَا

стр. 365

فشبَّهَها بالمريضِ في الدَّنَفِ؛ لأنها قد همَّتْ بالغروبِ، كما قارب الدَّنِفُ الموتَ، وإنما ينظرُ إليها من تحت الكفِّ؛ ليعلمَ كم بقيَ لها إلى أن تغيبَ، ويتوقَّى الشُعَاعَ بِكفِّهِ» (١). * وكان في بعضِ الأحيانِ ينصُّ على النَّقدِ؛ كنقدِه التَّفاسيرَ التي ذكرَها في مقدمةِ كتابِه (٢)، وقد نصَّ على نقدِهِ الفرَّاءَ (ت:٢٠٧) وأبا عبيدةَ (ت:٢١٠) (٣)؛ لأنَّه ينقلُ عنهما، ومما وردَ عنه: في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢]، قال: «﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾، يذهبُ بعضُ المفسِّرينَ إلى أنها (سَنْكِ وَكِلْ) بالفارسيَّةِ، ويعتبرُه بقوله : ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣]؛ يعني: الآجُرَّ، كذا قال ابن عباسٍ (٤). وقال أبو عبيدةَ: السِّجيلُ: الشَّديدُ، وأنشدَ لابن مُقبلٍ (٥): ....... ... ضَرْباً تَوَاصى به الأبْطَالُ سِجِّيناً وقال: يريد ضرباً شديداً (٦). ولستُ أدري ما سجِّيل من سجِّين، وذلك باللام، وهذا بالنون، وإنما سجِّينٌ في بيتِ ابن مقبلٍ (فِعِّيلٌ) من سَجَنْتُ؛ أي: حَبَسْتُ؛ كأنَّه قال: ضربٌ يُثَبِّتُ صاحِبه بمكانِه؛ أي: يحبسه مقتولاً، أو مقارباً للقتلِ.

стр. 366

وفِعِّيلٌ، لما دامَ منه العملُ؛ كقولِك: رجلٌ فِسِّيقٌ، وسِكِّيرٌ، وسِكِّيتٌ: إذا دام منه الفسقُ، والسُّكرُ، والسُّكوتُ. وكذلك (سِجِّين)، وهو ضربٌ يدومُ منه الإثباتُ والحَبْسُ. وبعضُ الرُّواةِ يرويه: (سِخِّين) مِنَ السُّخونَةِ (١)؛ أي؛ ضرباً سُخْناً» (٢). ومع هذا النَّقدِ، فإنَّه قد يقعُ في قولٍ ضعيفٍ لا تحتمِلُه الآيةُ (٣)، وممَّا يُنقَدُ عليه في هذا، ما وردَ في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا﴾ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٨٩، ٩٠]، قال: «﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾؛ أي: يتَّصِلُونَ بقومٍ، ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾؛ أي: عهد. ويتَّصِلونَ: ينتسِبونَ، وقال الأعشى ـ وذكرَ امرأةً سُبِيتْ ـ (٤): إذَا اتَّصَلَتْ قَالَتْ: أبَكْرَ بْنَ وَائِلٍ، ... وَبَكْرٌ سَبَتْهَا، والأُنُوفُ رُوَاغِمُ أي: انتسبتْ ...» (٥).

стр. 367

وهذا القولُ فيه نظرٌ، قال النَّحَّاسُ (ت:٣٣٨): «وهذا غلطٌ عظيمٌ؛ لأنه يذهبُ إلى أنَّ الله تعالى حَظَرَ أنْ يُقَاتِلَ أحدٌ بينه وبينَ المسلمينَ نسبٌ، والمشركونَ قد كان بينهم وبين السابقينَ الأوَّلينَ أنسابٌ ...» (١). هذا، ولا يخلو كتابُ ابن قتيبةَ مما طرحَه اللُّغويُّونَ في غريب القرآنِ من مباحثِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ، ومن ذلك مبحثُ توجيه القراءاتِ القرآنيَّةِ، ومن الأمثلةِ في ذلكَ: ما ورد عنه في قوله تعالى: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧]، قال: «يَضِجُّونَ يقالُ: صَدَدْتُ أصُدُّ صَدّاً: إذا ضَجَجْتُ. والتَّصْدِيَةُ منه، وهو: التَّصْفِيقُ، والياء فيه مبدلةٌ من دالٍ؛ كأنَّ الأصلَ فيه: صَدَّدْتُ بثلاثِ دالاتٍ، فقُلِبَتْ الأخرى ياءً، فقالوا: صَدَّيْتُ؛ كما قالوا: قَصَّيْتُ أظافري، والأصلُ: قَصَّصْتُ. ومن قرأ: ﴿يَصُدُّونَ﴾ أراد: يعدلون ويعرضون» (٢). كما يمكنُ ملاحظةُ تميُّزِه ببعضِ الأمورِ، وهي: * استفادتُه من تفسيرِ السَّلفِ في بيانِ غريبِ القرآنِ، والإكثارُ منه، ولا أعرفُ أحداً من اللُّغويِّين سبقه إلى فعلِ ذلك، غير أنَّه في كثيرٍ من المواضعِ لا ينصُّ على المنقولِ عنهم، مما يضطرُ من أرادَ معرفةَ ذلك أن يتابعَ ويوازنَ نقولَه بأقوالِ السَّلفِ. وهذا جعلَ في كتابِه مادَّةً من غيرِ مصدرِ اللُّغةِ؛ كالنُّزولِ، وقصص

стр. 368

الآي، وغيرِها مما مصدرُه النَّقلُ (١)، ومن ذلك: تفسيرُه لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، قال: «كانتْ قريشٌ لا تخرجُ من الحرمِ، وتقولُ: لسنا كسائرِ الناسِ، نحنُ أهلُ اللهِ وقُطَّانُ حَرَمِه، فلا نخرجُ منه. وكان النَّاس يقفونَ خارجَ الحرمِ ويفيضونَ منه، فأمرهم اللهُ أن يقفوا حيثُ يقفُ الناسُ، ويفيضونَ من حيثُ أفاضَ الناسُ» (٢). * بيان الأصلِ اللغويِّ للَّفظِ: يظهرُ في كثيرٍ من الألفاظِ حرصُ ابنِ قتيبةَ (ت:٢٧٦) على بيانِ أصلِ اللَّفظِ في لغةِ العربِ، ولذا تراه يفسِّرُ معنى اللَّفظِ في سياقِه، ثُمَّ يُبَيِّنُ أصلَه الَّذي اشتُقَّ منه، وقد كانتْ هذه الظاهرةُ اللُّغويَّةُ واضحةً عنده، تراها في كتابِه (تأويلِ مشكلِ القرآنِ) (٣)، كما تراها في غريبِ القرآنِ (٤)، ومن ذلكَ تفسيرُه لقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧]، وقوله: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: ١٩]، قال: «﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يُدفعونَ. وأصلُ الوَزْعِ: الكفُّ والمنعُ، يقالُ: وزعتُ الرجلَ إذا كففتُه، ووازعُ الجيشِ: هو الذي يكفُّهم عن التَّفرُّقِ، ويردُّ مَنْ شذَّ منهم.

стр. 369

وقوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [النمل: ١٩]؛ أي: ألهمني، وأصلُ الإيزاع: الإغراءُ بالشيء، يقال: أوزعتُه بكذا؛ أي: أغريتُه، وهو موزوعٌ بكذا: مولعٌ بكذا، ومنه قولُ أبي ذُؤيبٍ (١) في الكلاب (٢): ...... ... أولَى سَوَابِقَهَا قَرِيباً تُوزَعُ أي: تُغْرَى بالصَّيدِ» (٣). * كثرةُ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ: كَثُرَتِ الشَّواهدُ الشِّعريَّةُ لمعاني الألفاظِ القرآنيَّةِ في كتابِ تفسيرِ غريبِ القرآنِ عند ابنِ قتيبة (ت:٢٧٦)، وقد استفادَ في إيرادِ الشَّواهدِ (٤) من مجازِ القرآنِ لأبي عبيدةَ (ت:٢١٠) الذي هو من أهمِّ مصادرِه. وقد بلغتْ أكثرَ من مائةِ شاهدٍ (٥). ومن الأمثلة ما يأتي: ١ - قال: «﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦]؛ أي: قاتلٌ نفسَك ومُهلكٌ نفسكَ، قال ذو الرُّمَّةِ (٦):

стр. 370

ألا أيُّها البَاخِعُ الوجْدُ نَفْسَهُ ... لِشَيءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقَادِرُ» (١) ٢ - وقال: «﴿الصَمَدُ﴾: السيدُ الذي انتهى في سُؤدَده؛ لأنَّ الناسَ يَصْمُدُونَه في حوائجهم، قال الشاعر (٢): .......... ... خُذْهَا حُذَيْفُ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ وقال عكرمةُ ومجاهدٌ: هو الذي لا جوفَ له (٣). وهو ـ على هذا التَّفسير ـ كأن الدال فيه مبدلةٌ من تاء. والمصمتُ من هذا» (٤). * كثرةُ الاعتمادِ على الشواهدِ النَّثريةِ عن العربِ (٥)، وكثيراً ما تكونُ عبارتُه: تقولُ العربُ (٦). ومن الأمثلة: قال: «﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ﴾ [ص: ١٢]: ذو البناءِ المُحْكَمِ، والعربُ تقولُ:

стр. 371

همْ في عِزٍّ ثابتِ الأوتادِ، وملكٍ ثابتِ الأوتادِ. يريدونَ أنه دائمٌ شديدٌ ...» (١). أثر المعتقد على التَّفسير اللُّغويِّ عند ابن قتيبة: لا يخفى على من يقرأ تراثَ ابنِ قتيبة (ت:٢٧٦) إتباعُه للسُّنَّةِ، والتزامُه بما ورد عن السَّلفِ في المعتقدِ، فقد كتبَ في ذلك كتابَه (اختلاف اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة)، وكتاب (تأويل مشكل القرآن)، وكتاب (تأويل مشكل الحديث). ولقد كان يواجه موجةَ التَّأويل الفاسدِ التي كانت تقومُ بها زمرةٌ من المعتزلةِ والملاحدةِ فردَّ عليهم، وبين الصَّواب من المعتقد في ذلك، سواءٌ أكانَ ذلك في الأسماءِ والصِّفاتِ (٢)، أم كان في الغيبيَّاتِ؛ كالكرسيِّ والعرشِ، أم كانَ في عصمةِ الأنبياءِ، وغيرها من مسائلِ الاعتقادِ (٣).

стр. 372

وسأذكر بعضَ الأمثلة المتعلقة بدلالة الألفاظ. ١ - تفسيرُ الصُّورِ، قال: «﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [النمل: ٨٧]، قال أبو عبيدة (١): هو جمع صورة، يقال: صُورَة وصُوَر وصُوْر. قال: ومثله: سُورَةُ البناءِ وسُورُه. وأنشدَ (٢): ....... ... سُرْتُ إلَيهِ في أعَالِي السُّورِ وقال غيره: الصُّورُ: القرنُ بلغةِ قومٍ من أهل اليمنِ (٣)، وأنشدَ (٤):

стр. 373

نَحْنُ نَطَحْنَاهُمْ غَدَاةَ الجَمْعَينِ بالضَّابِحَاتِ في غُبارِ النَّقْعَينِ نَطْحاً شَديداً لاَ كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ وهذا أعجبُ إليَّ من القولِ الأولِ؛ لقولِ رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله: كيف أنعم؟! وصاحب القرن قد التقمه، وحنى جبهته، ينتظرُ متى يُؤمرُ، فينفُخ» (١). في هذا المثالِ حملَ معنى الصُّورِ على الواردِ في الأحاديثِ، وترك المعنى اللُّغويَّ الذي رواه عن أبي عبيدة (ت:٢١٠). ٢ - وقال: «ومن صفاتِه المؤمنُ. وأصلُ الإيمانِ: التصديقُ، قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، أي: وما أنت بمصدِّق ولو كنا صادقين. ويقال في الكلام: ما أومِنُ بشيءٍ مما تقولُ؛ أي: ما أصدِّقُ بذلكَ. فإيمان العبدِ باللهِ: تصديقه قولاً وعملاً وعقداً، وقد سمَّى اللهُ الصلاةَ في كتابهِ إيماناً، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: صلاتَكم إلى بيتِ المقدسِ. فالعبدُ مؤمنٌ؛ أي: مصدقٌ محقِّقٌ. واللهُ مؤمنٌ؛ أي: مصدِّقٌ ما وعده ومحقِّقُهُ، أو قابلٌ إيمانَه. وقدْ يكونُ المؤمنُ من الأمانِ؛ أي: لا يأمنُ إلاَّ من أمَّنه اللهُ. وقد

стр. 374

ذكرتُ الإيمانَ ووجوهه في كتابِ تأويل مشكل القرآن (١). وهذه الصفةُ من صفاتِ اللهِ جلَّ وعزَّ لا تتصرَّفُ تصرُّفَ غيرها، لا يقال: أمِنَ اللهُ؛ كما يقالُ: تقدَّسَ اللهُ، ولا يقالُ: يؤمنُ الله، كما يقالُ: يتقدَّسُ اللهُ. وكذلك يقال: تعالى اللهُ، وهو تفاعُلٌ من العلو. وتباركَ اللهُ، هو تفاعلٌ من البركةِ، واللهُ متعالٍ، ولا يقالُ: متباركٌ، لمْ نسمعْهُ. وإنما ننتهي في صفاتِهِ إلى حيثُ انتهى، فإنْ كانَ قد جاءَ من هذا شيءٌ عن الرسولِ صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ، أو عن الأئمَّةِ (٢): جازَ أنْ يُطلقَ كما أُطلِقَ غيره» (٣). في هذا المثالِ بينَ المعنى اللغويَّ للإيمان، وبيَّنَ المعنى الشرعيَ له، وذكر دليلاً على ذلك، ولم يعتمد على المعنى اللغوي فقط في إثبات المرادِ بالإيمانِ، كما هو حال المرجئةِ الذين يجعلونه مجردَ التصديقِ، ولا يدخلون الأعمالَ في مسمى الإيمانِ.

стр. 375

ثالثاً غريب القرآن، لأبي بكر محمد بن عُزَيز السجستاني لقي كتابُ ابنِ عُزَيزٍ (على زِنَةِ: زُبَير) (١) شهرةً واسعةً، وحَظِيَ بقبولِه الحسنِ عندَ العلماءِ (٢). وكان ابن عُزَيز (ت:٣٣٠) قد قرأ جزءاً من كتابِه على شيخِه أبي بكرٍ محمدِ بنِ القاسمِ بنِ بشارٍ الأنباري (ت:٣٢٨) (٣). ولقدْ كانَ من قبلَه ممن كتبَ في (غريبِ القرآنِ) يتَتَبَّعُ ألفاظَ كُلِّ سورةٍ منَ القرآنِ على ترتيبِ المصحفِ. أمَّا ابنُ عُزَيزٍ (ت:٣٣٠)، فيتمثَّلُ منهجُه فيما يأتي: ١ - أنه رتَبه على حروفِ المعجمِ ألفبائياً، ويعتبرُ أوَّلَ من فعلَ ذلك من كتبِ غريبِ القرآنِ؛ لأنَّ غالبَ من سبقهُ يُرتِّبُه على سورِ القرآنِ، ويذكرُ تحت كلِّ سورةٍ الألفاظَ التي سيفسِّرها حسب ترتيبها في السُّورةِ (٤). ٢ - أنه جعلَ كُلَّ حرفٍ على ثلاثةِ أقسامٍ، فبدأ بالمفتوحِ، ثُمَّ المضمومِ، ثُمَّ المكسورِ.

стр. 376

٣ - أنه أدخلَ حروفَ الزوائدِ في موادِ الكلماتِ، دونَ إرجاعِها إلى أصلِ اشتقاقِها، فكلمةُ: «أدبار» تجدها في باب: الهمزةِ المفتوحةِ، ولو كان يسيرُ على الأصلِ الاشتقاقي لكانت تحتَ مادةِ: «دَبَرَ» من حرفِ الدالِ. كما تجدُ كلمةَ: «يذرؤكم» في باب: الياء المفتوحة، ولو كانتْ على الأصلِ الاشتقاقيِّ، لكانتْ تحتَ مادةِ: «ذَرَأَ» من حرفِ الذَّالِ. وهذا المنهجُ لم يُسْبَقْ إليه، كما لم يُلْحَقْ به، واللهُ أعلم. ولمَّا كانَ ابنُ عُزَيْزٍ (ت:٣٣٠) قدْ سُبِقَ في التَّأليف في (غريب القرآن)، فإنه قد استفادَ من سابقيه، خاصةً أبو عبيدةَ معمر بن المثنى (ت:٢١٠) في كتابِه (مجازِ القرآنِ)، حيث كانَ معتمدَه الأولَ في غريبِ القرآنِ، وهذا ظاهرٌ بالموازنةِ بين أقوالِ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) وأقوال ابن عُزَيز (ت:٣٣٠)، وهو لا يصرِّحُ بذكرِه في كُلِّ موضعٍ، ومع ذلك تجد أن أبا عبيدةَ (ت:٢١٠) أكثرُ الأعلامِ الذين صرحَ بذكرِهم في كتابِه هذا، حيثُ ذكرَه ثلاثَ عشرةَ مرةً (١). ثمَّ يتلوه الفراءُ (ت:٢٠٧) وكان اعتمادُه على كتابِه (معاني القرآن)، وقدْ وردَ ذكرُه تسعَ مراتٍ (٢)، ثم ابنُ عباسٍ (ت:٦٨) حيثُ وردَ ذكرُه خمسَ مراتٍ (٣). ويلاحظ أنه في نقله أقوالَ هؤلاءِ وغيرِهم لا يعترضُ عليهم ولا يُرجِّحُ بين أقوالِهم عند الاختلافِ، بل يكتفي بحكايةِ الخلافِ عنهم، وليس في كتابِ ابنِ عُزَيزٍ (ت:٣٣٠) ما يمكنُ إضافتُه إلى الظواهرِ اللغويَّةِ في التَّفسيرِ التي وُجِدَتْ عندَ سابقيه منْ كتبِ (غريب القرآن) سوى اهتمامِه بالوجوه والنَّظائر في بعض الألفاظ القرآنيَّةِ (٤)، ومن ذلك:

стр. 377

١ - قال ابن عُزيز (ت:٣٣٠): أمَّة على ثمانيةِ أوجهٍ: أُمَّة؛ جماعة؛ كقوله جَلَّ ثناؤه: ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]. وأُمَّة: أتباعُ الأنبياءِ ﵈؛ كما تقولُ: نحنُ منْ أُمَّة محمدٍ ﷺ . وأُمَّة: رجلٌ جامعٌ للخيرِ يُقتدَى به؛ كقولِه جل ثناؤه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠]. وأُمَّة: دِينٌ ومِلَّةٌ؛ كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]، أي: على مِلَّةٍ. وأُمَّة: حينٌ وزمانٌ؛ كقولِه : ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ١١]، وقوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٥٤]؛ أي: بعدَ حينٍ. ومن قرأ: «بعد أمْه» (١) و «أمَهٍ» (٢)؛ أي: بعد نسيانٍ ....» (٣). ٢ - وقال: ﴿جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]: أقوياء، عظام الأجسام، والجبَّارُ القهارُ. والجبَّارُ: المتسلطُ. والجبَّارُ: المتكبِّرُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]. والجبَّارُ: القتَّالُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠]؛ أي: قتَّالين» (٤).

стр. 378

ومنَ الظَّواهرِ اللُّغويَّةِ الأخرى ما يأتي: أولاً: توجيهُ القراءاتِ: كان لتوجيه القراءات التي لها أثر في المعنى، نصيبٌ لا بأس به (١)، ومن ذلك: * قال في قوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠]: «ضُمَّهُنَّ إليك، ويقال: أَمِلْهُنَّ إليك. و «صِرهن» ـ بكسر الصاد ـ (٢): قَطِّعهُنَّ، والمعنى: فخذْ أربعةً منَ الطيرِ إليكَ، فَصِرْهُنَّ؛ أي: قَطِّعْهُنَّ» (٣). * وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، قالَ: «غُلْفٌ: جمع أغلفْ، وهو كُلُّ شيءٍ جعلتَه في غلافٍ؛ أي: قلوبُنا محجوبةٌ عمَّا تقولُ: كأنَّها في غُلْفٍ. ومن قرأ غُلُف بضمِّ اللامِ (٤)، أرادَ: جمعَ غلافٍ، وتسكينُ اللامِ فيه جائزٌ أيضاً، مثلَ كُتُبٍ وكُتْبٍ؛ أي: قلوبُنا أوعيةٌ للعلمِ، فكيفَ تجيئنا بما ليس عندنا؟» (٥). * وفي قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] قال: «يسرعونَ، يقال: جاءَ الرَّجلُ يَزِفُّ زَفِيفَ النعامةِ، وهو أوَّلُ عَدْوِهَا وآخرُ مَشْيِهَا.

стр. 379

وتُقرأ: «يُزِفُّونَ»؛ أي: يصيرونَ إلى الزَّفِيفِ ... ويقرأ أيضاً: «يَزِفُونَ» بالتخفيف (١) من وَزَفَ يَزِفُ، بمعنى: أسرعَ. ولم يعرفْها الفرَّاءُ ولا الكسائيُّ (٢)، قال الزَّجَّاجُ (٣): وعرفَها غيرُهما» (٤). ثانياً: الاستشهادُ بالشِّعرِ: كانَ حظُّ الاستشهاد بالشِّعرِ عند ابنِ عُزَيزٍ (ت:٣٣٠) في بيانِ الألفاظِ القرآنيَّةِ قليلاً (٥)، ولم يكنْ في ذلك مثلُ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) الذي تميزَ بكثرةِ شواهدِه الشِّعريَّةِ، مع أنه اعتمدَ على كتابه (مجاز القرآنِ) واستفادَ منه بعضَ الشَّواهدِ، كما لم يبلغْ نصفَ شواهدِ ابنِ قتيبةَ (ت:٢٧٦). أمَّا استشهاد ابن عزيز (ت:٣٣٠) بمنثورِ كلامِ العربِ من جاهليينَ وإسلاميِّينَ، وكذا استشهادُه بأقوالِ الرَّسولِ ﷺ ، فكان قليلاً، كما هي العادةُ عند علماءِ اللُّغةِ والنَّحوِ في الاستشهادِ بالمنثورِ من كلامِ العربِ ومن الحديثِ النَّبويِّ. ومن الأمثلةِ في استخدامِ الشَّواهدِ الشِّعْريَّةِ: * في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] قال: «أعلمتكم، فاستوينا في العلمِ، قال الحارث بن حِلِّزَة (٦):

стр. 380

آذَنَتْنَا بِبَينِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ آذنتنا: أعلمتنا» (١). * وفي قوله تعالى: ﴿ارْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢]، قال: «... ويقال: نرتعْ (٢): نأكلْ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣): وَيُحَيِّيني إذَا لاَقَيْتُهُ ... وَإِذَا يَخْلُو لَهُ لَحْمِي رَتَعْ أي: أكل ...» (٤). ومن أمثلةِ الاستشهاد بالمنثورِ: * قال ابن عُزَيزٍ (ت:٣٣٠): ﴿ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤]: متدفِّقاً، ويقال: ثجَّاجاً: سَيَّالاً، ومنه قول النبي ﷺ : أحب العمل إلى الله تعالى العَجُّ والثَجُّ (٥). فالعَجُّ: التلبية، والثَجُّ: إسالة الدماء عند الذبح والنحر» (٦).

стр. 381

* وقال: «... والأمانيُّ: الأكاذيب، أيضاً، ومنه قول عثمان (١): ما تمنَّيتُ منذ أسلمتُ: أي: ما كذبت. وقولُ بعضِ العربِ لابن دَابِ (٢) ـ وهو يُحَدِّث ـ أهذا شيء رويتَهُ، أم شيء تمنَّيتَهُ؛ أي: افتعلته ...» (٣). * وقال في قوله تعالى: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢] (٤): «أي: نَنْعَمُ ونَلْهُو، ومنه: القيدُ والرَّتْعَةُ (٥)، تضربُ مثلاً في الخِصْبِ والجَدْبِ» (٦). وبعد هذا الحديث عن هذه الكتبِ الثلاثةِ أذكرُ ملحوظاتٍ تتعلَّقُ بعلمِ غريبِ القرآنِ، وهي: * أنَّ ترتيبَ هذه الكُتبِ سارَ على أسلوبينِ: الأولُ: أنْ يسلُكَ المؤلِّفُ ترتيبَ ألفاظِ القرآنِ حسبَ ورودِها في السُّورِ، فيذكرُ ألفاظَ الآياتِ مرتَّبةً، وهذا كما سبقَ في كتابِ مجازِ القرآنِ، وتفسيرِ غريب القرآنِ. الثاني: أن يرتِّبها على الحروفِ، وعلى هذا سارَ ابن عُزيزٍ (ت:٣٣٠)، غير أنَّه سلكَ بها طريقاً لم يُتَّبعْ عليه كما سبق بيانُه. ثمَّ كتبَ من بعدَه مرتِّباً على الحروفِ الألفبائِيَّةِ حسبَ أصلِ الكلمةِ، كما هو معروفٌ في معاجمِ اللُّغةِ، ومن أمثلِ من كتبَ على هذه الطَّريقةِ

стр. 382

الراغبُ الأصفهانيُّ (ت: بعد:٤٠٠)، وكتابُه من أوسعِ كتبِ غريبِ القرآنِ وأحسنِها (١). وهذه الطَّريقةُ أتاحتْ للرَّاغب (ت: بعد:٤٠٠) ـ لتوسِعه في عرضِ المفرداتِ ومواطِنها في القرآنِ ـ ذكرَ معاني اللَّفظِ في مواردِه من القرآنِ، مع بيانِ أصلِ معناه في كثيرٍ من الألفاظِ (٢). وهي أنفعُ من حيثُ جمع المتناظرِ من مادَّةِ اللَّفظِ، وهي أقربُ إلى فكرةِ الوجوهِ والنَّظائرِ التي كتبَ فيها مفسِّرُو السَّلفِ، فتجد ـ مثلاً ـ في مادَّةِ صلبَ: تفسيرَ الصُّلبِ والأصلابِ، والصَّلبِ (٣)، وموادُّ هذه الألفاظِ في سورٍ شتَّى، فمن يكتبُ على ترتيب الآياتِ في السُّورِ يُفرِّقُ تفسيرَها حسبَ مواضِعها في السُّورِ. ومن يكتبُ حسب أصل الكلمة وترتيبها على حروف المعجمِ يجعلها تحت مادَّةٍ واحدةٍ، وهذه أكثرُ فائدةً في تقريبِ الألفاظِ إلى بعضِها وجمعِ النَّظيرِ إلى نظيرِه، إذ قد لا يخطرُ ببالكَ أنَّ لفظَ «وسق» و «اتَّسق» من أصل واحدٍ، وهو الجمعُ (٤)، أو قد تبحثُ عن مادَّةِ «سطر»، فتجدُ فيها من الألفاظِ: «يسطرون»، و «مسطور»، و «أساطير»، فهلْ تكونُ لفظةُ «المسيطرون»، و «مسيطر» من هذه المادَّةِ، أمْ هي من مادَّةِ «صيطر»، وقُلِبَتْ الصَّادُ فيها إلى السِّينِ، وهل بينهما تقاربٌ في المعنى (٥)؟

стр. 383

وهكذا غيرها من اللَّطائفِ والفوائدِ التي ستجدُها في هذه الطَّريقةِ، واللهُ المُوفِّقُ. * يلاحظُ أنَّ بعضَ العلماءِ قصدَ جمعَ غريبِ القرآنِ وغريبِ الحديثِ في تدوينٍ واحدٍ، كأبي عبيد أحمد بن محمد الهرويِّ (ت:٤٠١) (١) في كتابه المسمَّى بالغريبين (٢)، كما أنَّ من ألَّفَ في غريبِ الحديثِ مفرداً لا يخلو من تفسير ألفاظِ القرآنِ، كما سيأتي التَّمثيلُ لكتبِ غريبِ الحديثِ في المصدر الخامسِ. * أنَّ من كتبَ بعد استقرارِ تدوينِ اللُّغةِ لم يأتِ بجديدٍ يُذكرُ في المعاني، وإنْ كانَ ثمَّةَ ما يُذكرُ، فإنَّ الراغبَ الأصفهانيَّ (ت: بعد ٤٠٠) قد أدخلَ في كتابِه شيئاً من أقوالِ الحكماءِ، ويعني بهم الفلاسفةَ (٣)، وهذا خارجٌ عن التَّفسيرِ بلغةِ العربِ. * أنه لم يَسْلَمْ غالبُ المتأخرينَ من تأثيرِ المعتقداتِ المخالفةِ لأهلِ السُّنَّةِ على تفسيراتهم اللُّغويَّةِ، وهذا يتضحُ لمن يقرأُ في كتب (غريبِ القرآنِ)، والله أعلم (٤).

стр. 384

المصدرُ الرابع كتب معاجم اللغة وفيه: أولاً: كتاب العين، للخليل. ثانياً: جمهرة اللغة، لابن دريد. ثالثاً: تهذيب اللغة، للأزهري.

стр. 385

المصدرُ الرابع كتب المعاجم اللغوية سبقتِ الإشارةُ إلى (المعاجمِ اللغويةِ)، وأنها على قسمين: الأولُ: كُتُبٌ اعتمدتْ على الموضوعاتِ اللُّغويَّةِ؛ أي: جمع الألفاظِ اللُّغويَّةِ التي تتعلقُ بموضوعٍ واحدٍ من الموضوعاتِ اللُّغويَّةِ؛ ككتابِ (الأضدادِ) لأبي حاتمٍ السِّجستانِيِّ (ت:٢٥٥)، وكتابِ (الأنواءِ) لابن قتيبةَ (ت:٢٧٦)، وغيرِها. وقدِ اجتهدَ بعضُ علماءِ اللُّغةِ في جمعِ عِدَّةِ موضوعاتٍ في كتابٍ واحدٍ؛ كأبي عبيدٍ القاسمِ بنِ سلامٍ (ت:٢٢٤) في كتابِهِ (الغريب المصنف)، وعلي بنِ إسماعيلَ المعروفِ بابنِ سِيدَه (ت:٤٥٨) (١) في كتابِهِ (المخصص). الثاني: كُتُبٌ اعتمدتْ على الحروفِ الهجائيَّةِ في ترتيبِ أبوابِها، وإن اختلفتْ في طريقةِ ترتيبِها؛ ككتاب (العينِ) للخليلِ بن أحمدَ (ت:١٧٥)، وكتابِ (الجيمِ) لأبي عمرو الشَّيبانيِّ (ت:٢٢٠)، وكتابِ (تهذيبِ اللُّغةِ) لأبي منصور الأزهريِّ (ت:٣٧٠)، وغيرها. وهذا القسمُ هو الذي ستكونُ الدراسةُ فيه؛ لأنه أكثرُ تعرُّضاً لألفاظِ القرآنِ من سابقِه، فضلاً عنْ أنَّ أغلبَ كتبِ الموضوعاتِ قد احتوتْهُ كتبُ معاجمِ الألفاظِ التي رُتِّبَتْ على الحروفِ.

стр. 386

وسأتحدث في هذا الشأنِ عن ثلاثةِ كتبٍ من كتبِ المعاجمِ التي سارتْ في ترتيبِها على الحروفِ، وهي: كتابُ (العينِ)، وكتابُ (جمهرةِ اللغة)، وكتابُ (تهذيبِ اللغةِ). وقد قرأتها، وقمتُ بإخراجِ كلِّ المواضعِ التي فيها تفسيرٌ لألفاظِ القرآنِ أو آياته، وسأذكرُ في كلِّ كتابٍ صورَ التفسيرِ اللغوي كما وردتْ فيه، والله الموفق.

стр. 387

أولاً كتاب العين يُنسَبُ كتابُ (العينِ) لإمامِ اللُّغةِ الخليلِ بنِ أحمدَ (ت:١٧٥)، رواهُ عنه تلميذُه اللَّيثُ بنُ المظفرِ بنِ نصرٍ بنُ سيَّارٍ، وقدْ شَكَّكَ بعضُ العلماءِ في صِحَّةِ هذه النِّسبةِ (*)؛ كالنَّضْرِ بنِ شُمَيلٍ (ت:٢٠٣) (١)، وأبي حاتمٍ السِّجستانيِّ (ت:٢٥٥) (٢)، وأبي عليٍّ القاليِّ (ت:٣٥٦) (٣)، والأزهريِّ (ت:٣٧٠) (٤)، والزُّبيديِّ (ت:٣٧٩) (٥). وبِتصفُّحِ الكتابِ ظهرَ لي ما يأتي: ١ - أنَّ فيه إبداعاً يُناسبُ عقلَ الخليلِ بنِ أحمدَ (ت:١٧٥).

стр. 388

٢ - أنَّ اللَّيثَ قد أدخلَ عليه تعليقاتٍ وسماعاتٍ سَمِعَهَا من الأعرابِ، وقد كانَ يَنُصُّ عليها أحياناً؛ كقوله: «قلتُ لأبي الدُّقَيش (١): هلْ لَكَ في زُبْدٍ ورُطَبٍ؟» (٢). ٣ - أنَّ هناكَ تعليقاتٌ أُدخِلَتْ على نصِّ كتابِ العينِ من غيرِ اللَّيثِ، مثلَ ما وردَ من تعليقٍ على لفظةِ «يد» حيثُ وردَ ما يأتي: «قال أبو أحمد حمزةُ بنُ زرعةَ (٣): قوله: «يد» دخلَها التَّنوينُ، وذكر أنَّ التنوينَ إعرابٌ» (٤). ولهذا تجدُ في كتابِ (العينِ) أسماءَ أشخاصٍ كانوا بعد الخليلِ (ت:١٧٥) بزمنٍ (٥)، وليس في هذا تضعيفٌ لصحَّةِ نسبةِ الكتابِ؛ لأنَّ بعضَ النُّسَّاخِ كانَ يُدخِلُ تعليقاتِ العلماءِ في نَصِّ الكتابِ؛ لظهور ذلك عنده، ولثقتِه بعدم خفاء ذلك على من يَطَّلِعُ عليه من العلماء (٦). ويبدو ـ واللهُ أعلمُ ـ أنَّ أصلَ الكتابِ للخليلِ بنِ أحمدَ (ت:١٧٥)، وأنَّ عليه زياداتٍ زادَهَا تلميذُه اللَّيثُ بنُ المظفَّرِ، ثم زِيدَ على بعضِ نُسَخِهِ أقوالٌ لبعضِ المتأخرين. وسواءٌ أكانَ كتابُ (العينِ) للخليلِ بنِ أحمدَ (ت:١٧٥)، أمْ كانَ لتلميذِهِ اللَّيثِ بنِ المظفَّرِ، فإنه يُعَدُّ أوَّلَ مؤلَّفٍ معجميٍّ رُتِّبَ على الحروفِ الهجائيَّةِ.

стр. 389

والعجيبُ أنَّ ناقدي كتابِ (العين) من معاصريه ومنْ بعدهم، لم يشيروا إلى إمامةِ كتابِ (العينِ) في التَّصنيفِ على حروفِ المعجمِ، ومحاولتِه جمعَ ما جاء عن العربِ في هذا المؤلَّفِ، وهذا إبداعٌ كانَ يلزمُ له الإذعانُ والقبولُ. ووقوعُ الخطأ فيه ـ إنْ صحَّ ذلكَ ـ لا يجعلُهُ منبوذاً لا تصحُّ الاستفادةُ منه! إذ كان يكفي في ذلك بيانُ مواطنِ الخطأ فيه من هؤلاءِ العلماءِ؛ لأنَّ ذلك هو دأبُهم مع غيرِه من الكتبِ التي انتقدوها، حيثُ كانَ لهم تعليقاتٌ وردودٌ على كثيرٍ من الكتبِ، ولم يكنْ في ذلكَ غَضٌّ وانتقاصٌ من الكتابِ المردود عليه، ولا من مؤلِّفِهِ. ولمَّا كانَ كتابُ (العين) معجماً يسيرُ على الحروفِ، فإنَّ منهجَه في التَّفسيرِ له شَبَهٌ بكتبِ (غريب القرآن) التي تذكرُ اللَّفظَ القرآنيَّ ثمَّ تبينُ معناهُ. وكتبُ معاجم الحروف تفعلُ ذلكَ، حيثُ تذكرُ اللَّفظَ القرآنيَّ، ثمَّ تبينُ معناهُ في لغةِ العربِ، وقدْ تستشهدُ على ذلكَ بأشعارِ العربِ. ومن صور تفسير ألفاظ القرآن في كتاب (العين)، ما يأتي: أولاً: بيانُ معنى اللفظةِ القرآنيةِ دونَ ذكر شاهدٍ عليها: وهذا عليه أغلبُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في كتابِ (العين)، ومنْ ذلكَ: ١ - قولُه: «والمُهْطِعُ: المقبلُ ببصرِهِ على الشيءِ لا يرفعُهُ عنه، قال اللهُ : ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]» (١). ٢ - وقال: «الجَنَفُ: الميلُ في الكلامِ وفي الأمورِ كلِّها، تقولُ: جَنَفَ فلانٌ علينا، وأجنفَ في حكمِهِ، وهو شبيهٌ بالحَيفِ، إلاَّ أنَّ الحيفَ من الحاكمِ خاصَّةً، والجَنَفُ عامٌّ، ومنه قولُ الله : ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ

стр. 390

جَنَفًا﴾ [البقرة: ١٨٢]، وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]؛ أي: متمايلٍ متعمِّدٍ» (١). وقدْ يُتبعُ تفسيرَه اللُّغويَّ للَّفظةِ بذكرِ معناها في الآيةِ على جهةِ تفسيرِ المعنى المرادِ بها في الآيةِ، لكنه قليلٌ جداً، ومنْ ذلكَ قوله: «الدَّعُّ: دفعٌ في جفوةٍ، وفي التَّنْزيلِ العزيزِ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]؛ أي: يُعَنِّفُ به عنفاً شديداً ودفعاً وانتهاراً؛ أي: يدفعُه حَقَّهُ وصِلَتَهُ» (٢). ففي هذا المثال تراه بينَ المعنى المرادَ بالآيةِ بعد ذِكْرِه المعنى اللُّغويَّ للَّفظةِ، وكأنه يريدُ أنْ يقولَ: إن الدَّعَّ ـ وإنْ كانَ في اللُّغةِ بمعنى الدفعِ ـ يدخلُ فيه منعُ حقِّ اليتيمِ وصلتِهِ، والله أعلم. ثانياً: الاستشهاد بالشعر على معنى اللفظة القرآنية: لقدْ كانَ الاستشهادُ بالشعرِ قليلاً في كتابِ العينِ، إذا ما قِيسَ بالكلماتِ القرآنيَّةِ التي أوردَ بيانَ معناها في لغةِ العربِ، ومن أمثلةِ الاستشهادِ بالشِّعرِ ما يأتي: ١ - قال: «وكُبْرُ كلِّ شيءٍ: عُظْمُه، وقولُه : ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١] يعني عُظْمَ هذا القَذْفِ. ومن قرأ: «كِبْرَهُ» (٣) يعني: إثمَه وخِطْأَهُ. قال علقمة (٤):
следующие страницы →