← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13873

التفسير اللغوي للقرآن الكريم

مساعد الطيار

Полный текст (714 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وسأتحدث في هذا الشأنِ عن ثلاثةِ كتبٍ من كتبِ المعاجمِ التي سارتْ في ترتيبِها على الحروفِ، وهي: كتابُ (العينِ)، وكتابُ (جمهرةِ اللغة)، وكتابُ (تهذيبِ اللغةِ). وقد قرأتها، وقمتُ بإخراجِ كلِّ المواضعِ التي فيها تفسيرٌ لألفاظِ القرآنِ أو آياته، وسأذكرُ في كلِّ كتابٍ صورَ التفسيرِ اللغوي كما وردتْ فيه، والله الموفق.

стр. 387

أولاً كتاب العين يُنسَبُ كتابُ (العينِ) لإمامِ اللُّغةِ الخليلِ بنِ أحمدَ (ت:١٧٥)، رواهُ عنه تلميذُه اللَّيثُ بنُ المظفرِ بنِ نصرٍ بنُ سيَّارٍ، وقدْ شَكَّكَ بعضُ العلماءِ في صِحَّةِ هذه النِّسبةِ (*)؛ كالنَّضْرِ بنِ شُمَيلٍ (ت:٢٠٣) (١)، وأبي حاتمٍ السِّجستانيِّ (ت:٢٥٥) (٢)، وأبي عليٍّ القاليِّ (ت:٣٥٦) (٣)، والأزهريِّ (ت:٣٧٠) (٤)، والزُّبيديِّ (ت:٣٧٩) (٥). وبِتصفُّحِ الكتابِ ظهرَ لي ما يأتي: ١ - أنَّ فيه إبداعاً يُناسبُ عقلَ الخليلِ بنِ أحمدَ (ت:١٧٥).

стр. 388

٢ - أنَّ اللَّيثَ قد أدخلَ عليه تعليقاتٍ وسماعاتٍ سَمِعَهَا من الأعرابِ، وقد كانَ يَنُصُّ عليها أحياناً؛ كقوله: «قلتُ لأبي الدُّقَيش (١): هلْ لَكَ في زُبْدٍ ورُطَبٍ؟» (٢). ٣ - أنَّ هناكَ تعليقاتٌ أُدخِلَتْ على نصِّ كتابِ العينِ من غيرِ اللَّيثِ، مثلَ ما وردَ من تعليقٍ على لفظةِ «يد» حيثُ وردَ ما يأتي: «قال أبو أحمد حمزةُ بنُ زرعةَ (٣): قوله: «يد» دخلَها التَّنوينُ، وذكر أنَّ التنوينَ إعرابٌ» (٤). ولهذا تجدُ في كتابِ (العينِ) أسماءَ أشخاصٍ كانوا بعد الخليلِ (ت:١٧٥) بزمنٍ (٥)، وليس في هذا تضعيفٌ لصحَّةِ نسبةِ الكتابِ؛ لأنَّ بعضَ النُّسَّاخِ كانَ يُدخِلُ تعليقاتِ العلماءِ في نَصِّ الكتابِ؛ لظهور ذلك عنده، ولثقتِه بعدم خفاء ذلك على من يَطَّلِعُ عليه من العلماء (٦). ويبدو ـ واللهُ أعلمُ ـ أنَّ أصلَ الكتابِ للخليلِ بنِ أحمدَ (ت:١٧٥)، وأنَّ عليه زياداتٍ زادَهَا تلميذُه اللَّيثُ بنُ المظفَّرِ، ثم زِيدَ على بعضِ نُسَخِهِ أقوالٌ لبعضِ المتأخرين. وسواءٌ أكانَ كتابُ (العينِ) للخليلِ بنِ أحمدَ (ت:١٧٥)، أمْ كانَ لتلميذِهِ اللَّيثِ بنِ المظفَّرِ، فإنه يُعَدُّ أوَّلَ مؤلَّفٍ معجميٍّ رُتِّبَ على الحروفِ الهجائيَّةِ.

стр. 389

والعجيبُ أنَّ ناقدي كتابِ (العين) من معاصريه ومنْ بعدهم، لم يشيروا إلى إمامةِ كتابِ (العينِ) في التَّصنيفِ على حروفِ المعجمِ، ومحاولتِه جمعَ ما جاء عن العربِ في هذا المؤلَّفِ، وهذا إبداعٌ كانَ يلزمُ له الإذعانُ والقبولُ. ووقوعُ الخطأ فيه ـ إنْ صحَّ ذلكَ ـ لا يجعلُهُ منبوذاً لا تصحُّ الاستفادةُ منه! إذ كان يكفي في ذلك بيانُ مواطنِ الخطأ فيه من هؤلاءِ العلماءِ؛ لأنَّ ذلك هو دأبُهم مع غيرِه من الكتبِ التي انتقدوها، حيثُ كانَ لهم تعليقاتٌ وردودٌ على كثيرٍ من الكتبِ، ولم يكنْ في ذلكَ غَضٌّ وانتقاصٌ من الكتابِ المردود عليه، ولا من مؤلِّفِهِ. ولمَّا كانَ كتابُ (العين) معجماً يسيرُ على الحروفِ، فإنَّ منهجَه في التَّفسيرِ له شَبَهٌ بكتبِ (غريب القرآن) التي تذكرُ اللَّفظَ القرآنيَّ ثمَّ تبينُ معناهُ. وكتبُ معاجم الحروف تفعلُ ذلكَ، حيثُ تذكرُ اللَّفظَ القرآنيَّ، ثمَّ تبينُ معناهُ في لغةِ العربِ، وقدْ تستشهدُ على ذلكَ بأشعارِ العربِ. ومن صور تفسير ألفاظ القرآن في كتاب (العين)، ما يأتي: أولاً: بيانُ معنى اللفظةِ القرآنيةِ دونَ ذكر شاهدٍ عليها: وهذا عليه أغلبُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في كتابِ (العين)، ومنْ ذلكَ: ١ - قولُه: «والمُهْطِعُ: المقبلُ ببصرِهِ على الشيءِ لا يرفعُهُ عنه، قال اللهُ : ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]» (١). ٢ - وقال: «الجَنَفُ: الميلُ في الكلامِ وفي الأمورِ كلِّها، تقولُ: جَنَفَ فلانٌ علينا، وأجنفَ في حكمِهِ، وهو شبيهٌ بالحَيفِ، إلاَّ أنَّ الحيفَ من الحاكمِ خاصَّةً، والجَنَفُ عامٌّ، ومنه قولُ الله : ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ

стр. 390

جَنَفًا﴾ [البقرة: ١٨٢]، وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]؛ أي: متمايلٍ متعمِّدٍ» (١). وقدْ يُتبعُ تفسيرَه اللُّغويَّ للَّفظةِ بذكرِ معناها في الآيةِ على جهةِ تفسيرِ المعنى المرادِ بها في الآيةِ، لكنه قليلٌ جداً، ومنْ ذلكَ قوله: «الدَّعُّ: دفعٌ في جفوةٍ، وفي التَّنْزيلِ العزيزِ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]؛ أي: يُعَنِّفُ به عنفاً شديداً ودفعاً وانتهاراً؛ أي: يدفعُه حَقَّهُ وصِلَتَهُ» (٢). ففي هذا المثال تراه بينَ المعنى المرادَ بالآيةِ بعد ذِكْرِه المعنى اللُّغويَّ للَّفظةِ، وكأنه يريدُ أنْ يقولَ: إن الدَّعَّ ـ وإنْ كانَ في اللُّغةِ بمعنى الدفعِ ـ يدخلُ فيه منعُ حقِّ اليتيمِ وصلتِهِ، والله أعلم. ثانياً: الاستشهاد بالشعر على معنى اللفظة القرآنية: لقدْ كانَ الاستشهادُ بالشعرِ قليلاً في كتابِ العينِ، إذا ما قِيسَ بالكلماتِ القرآنيَّةِ التي أوردَ بيانَ معناها في لغةِ العربِ، ومن أمثلةِ الاستشهادِ بالشِّعرِ ما يأتي: ١ - قال: «وكُبْرُ كلِّ شيءٍ: عُظْمُه، وقولُه : ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١] يعني عُظْمَ هذا القَذْفِ. ومن قرأ: «كِبْرَهُ» (٣) يعني: إثمَه وخِطْأَهُ. قال علقمة (٤):

стр. 391

بَدَتْ سَوابِقُ مِنْ أُولاَهُ نَعْرِفُهَا ... وَكُبْرُهُ فِي سَوَادِ اللَّيلِ مَسْتُورُ» (١) ٢ - قال: «والرَّجْوُ: المبالاةُ، يقال: ما أرجو؛ أي: ما أُبالي، من قولِ اللهِ : ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أي: لا تخافون ولا تبالون، وقال أبو ذؤيب (٢): إذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ... وَخَالَفَهَا فِي بَيتِ نُوبٍ عَوَاسِلُ أي: لم يكترث» (٣). ثالثاً: تفسير ألفاظ قرآنية دون ذكر الآية: يكثرُ في كتبِ المعاجمِ بيان معاني ألفاظٍ قرآنيةٍ دونَ ذكرِ الآيةِ التي ورد فيها هذا اللفظُ، وفي كتابِ العينِ من هذا القبيلِ كثيرٌ (٤)، ومنْ أمثلتِهِ: ١ - قال: «وعُقْدَةُ النكاحِ: وجوبه» (٥). وفي القرآنِ قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. ٢ - وقال: «وبئرٌ معطلةٌ؛ أي: لا تُورَدُ ولا يُسْقَى منها» (٦). وفي القرآنِ قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥].

стр. 392

٣ - وقال: «وقَطَعَ اللهُ دَابرهم، أي: آخرُ منْ بقيَ منهم» (١). وفي القرآنِ قوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] وغيرها. رابعاً: توجيه القراءات: لا يخلو كتابٌ في مفرداتِ اللغةِ العربيَّةِ ـ ككتابِ العينِ وجمهرةِ اللغةِ وغيرِها ـ من توجيه القراءاتِ، وإن كان الاختلاف إنما يكونُ في القلَّةِ والكثرةِ في إيرادِ القراءاتِ المختلفةِ وبيانِ معانيها. ومما وردَ في كتابِ (العين): «وتقرأ الآية: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٦]؛ أي: مستعدُّون، ومنْ قرأ «حذرون» (٢)؛ فمعناه: إنا نخافُ شرَّهُم» (٣). هذا، ولا يخلو كتابُ (العين) من تفسيرِ شيءٍ من الأساليبِ العربيَّةِ، أو ذِكْرِ شيءٍ منْ أسبابِ النُّزولِ وقَصَصِ الآي، أو بيانِ معنى الآيةِ، غير أنَّ ذلكَ قليلٌ جداً، إذ أنَّ جُلَّهُ ـ كما سبق ـ في بيانِ معاني المفرداتِ. ومنْ أمثلةِ ذلكَ ما يأتي: ١ - وقال: «وقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]؛ أي: جماعتُهم، ولو كانتْ للأعناقِ خاصةً، لكانتْ خاضعةً وخاضعاتٍ. ومنْ قالَ هي الأعناقُ، والمعنى على الرجالِ، رَدَّ نُونَ خاضعين على أسمائِهم المضمرةِ» (٤).

стр. 393

٢ - وقال: «والله يَكْنِي عن الأفعالِ، قال اللهُ : ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]: كَنَى عنِ النِّكاحِ» (١). ومما يتعلق بقصص الآية قوله: «ونتقتِ الملائكةُ جبلَ الطورِ؛ أي: اقتلعوه من أصلِه حتى أطلعوه على عسكرِ بني إسرائيلَ، فقال موسى ﵇: خذوا التوراةَ بما فيها، وإلاَّ أُلقِيَ عليكمْ هذا الجبلُ، فأخذوها، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧١]» (٢).

стр. 394

ثانياً كتاب جمهرة اللغة ألَّفَ أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحسنِ بنُ دُرَيدٍ (ت:٣٢١) كتابَه (جمهرة اللغة) إملاءً (١)، وكان إملاؤه في مراتٍ ثلاثٍ، في فارسَ، ثُمَّ البصرةَ، ثُمَّ بغدادَ (٢). وهذا الإملاءُ لألفاظِ اللُّغةِ يدلُّ على سَعَةِ حفظِهِ واستيعابِهِ لهذه الألفاظِ اللُّغويَّةِ. ولقد كان ابنُ دريدٍ (ت:٣٢١) بصريًّا، ومع تأخُّرِ زمنِه، فإنك لا تكادُ تجِدُ في كتابِه نقلاً عن عالمِ لغةٍ كوفيٍّ؛ كالكسائيِّ (ت:١٨٣)، والفراء (ت:٢٠٧)، وابن الأعرابيِّ (ت:٢٣١)، وأبي العباس ثعلب (ت:٢٩١)، وغيرِهم من الكوفيِّينَ المكثرينَ في نقلِ اللُّغةِ، وقد يكونُ إهمالُه النقَّلَ عنهم سبباً من أسبابِ نقدِ معاصِرِه نفطويه الكوفيِّ (ت:٣٢٣) (٣)، وتلميذِه الأزهريِّ (ت:٣٧٠). قال الأزهريُّ (ت:٣٧٠): «وممن ألَّف في عصرنا، ووُسِمَ بافتعال العربيَّة،

стр. 395

وتوليد الألفاظ التي ليس لها أصول، وإدخال ما ليس من كلام العرب في كلامهم: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، صاحب كتاب جمهرة اللغة ... فسألت إبراهيم بن محمد الملقب بنفطويه عنه، فاستخفَّ به، ولم يوثِّقه في روايته ... وتصفَّحتُ كتاب الجمهرة له، فلم أره دالاً على معرفةٍ ثاقبةٍ، وعثرتُ منه على حروفٍ كثيرةٍ أزالها عن وجوهها، وأوقع في تضاعيف الكتاب حروفاً كثيرةً أنكرتُها، ولم أعرفْ مخارجها، فأثبتُّها من كتابي في مواقعِها منه؛ لأبحث عنها أنا وغيري ممن ينظرُ فيه، فإن صحَّتْ لبعضِ الأئمَّةِ اعتُمِدت، وإن لم توجد لغيرِه وُقِفَت» (١). هذا، وكتابُ (جمهرة اللغة) مثلُ أيِّ معجمٍ منْ معاجمِ اللُّغةِ التي سارتْ في ترتيبها على الحروفِ، أيْ أنَّه سيتعرضُ لبيانِ الألفاظِ القرآنيَّةِ؛ لذا فإنَّ ظواهرَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ لا تكادُ تختلفُ في هذه المعاجمِ، ومنْ هذه الظواهرِ: أولاً: أن يستشهد للَّفظ القرآنيِّ بالشِّعر: كانَ الاستشهادُ بالشِّعرِ في تفسير ألفاظِ القرآنِ قليلاً جداً (٢) في كتابِ (جمهرةِ اللغةِ)، ومنْ ذلكَ:

стр. 396

١ - قال ابن دُريد (ت:٣٢١): «والمُقِيتُ على الشيءِ: القادِرُ عليه، هكذا فُسِّرَ في التَّنْزِيلِ في قولِ اللهِ : ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٥٨]، والله أعلم. قالَ الشَّاعرُ (١): وَذِي ظَغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ، ... وَكُنْتُ عَلَى مَسَاءتِهِ مُقِيتاً أي: قادراً» (٢). ٢ - وقال: «وفلانٌ خَلَفٌ صالحٌ، وخَلْفُ سُوءٍ، هكذا يقولُ بعض أهلِ اللغةِ. وفي التنْزيلِ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، قال لبيد (٣): ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ، وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ» (٤) ثانياً: أن يفسِّر اللَّفظة القرآنيَّة في الآية دون الاستشهاد بالشِّعر: وهذا القسمُ كثيرٌ في كتاب (جمهرةِ اللغةِ)، غيرَ أنَّه يُكثرُ فيه النقلَ والاعتمادَ على غيرِه، وقد يُبْهِمُ المنقولَ عنه، فلا يذكر اسمه، وأكثرُ منْ وقعَ التَّصريحُ باسمِه: أبو عبيدة (ت:٢١٠) (٥).

стр. 397

ومما فَسَّرَ منْ ألفاظِ القرآنِ منْ غيرَ استشهادٍ بالشِّعرِ: ١ - قال: «غَوَى الرجلُ يَغْوَي غَيًّا: منَ الغَيِّ، وهو خلافُ الرُّشْدِ. وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]» (١). ٢ - وقال: «صَكَّ الشيءَ، يَصُكُّه صَكًّا: إذا ضربَهُ بيدهِ أو بحجرٍ. وفي التَّنْزيلِ: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ [الذاريات: ٢٩]؛ أي: ضربتْ وجهَها بيدِها» (٢). ومنَ الأمثلةِ التي نقلَها عنْ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) قولُه: «والغابرُ: الماضي، والباقي. هكذا يقولُ بعضُ أهلِ اللُّغةِ، وكأنَّه عندَهُم منَ الأضدادِ. وفَسَّرَ أبو عبيدةَ قولَه: ﴿إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١]: في الباقينَ، والله أعلم» (٣). ومنْ أمثلةِ اعتمادِهِ على غيرِ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠)، مع إبهامِ المنقولِ عنهم، ما يأتي:

стр. 398

قال: «تلَّهُ يتُلُّه تلًّا: إذا صَرَعَهُ. وكذا فُسِّرَ في التَّنْزيلِ: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]. والله أعلم بكتابه» (١). ولما كانَ ابنُ دريدٍ (ت:٣٢١) قدْ أَمْلَى كتابَه حفظاً، فإنه قدْ وقعَ منه في بعضِ ما نسبهُ إلى أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) وَهْمٌ، ومن ذلك: ١ - قال: «وذكرَ أبو عبيدةَ في قولِه : ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس: ٨]؛ أي: شاخصونَ بعيونِهم رافعو رؤوسِهم. والإبلُ قِمَاحٌ: إذا قَامَحَتْ عنِ الماءِ، قالَ الشاعرُ (٢): وَنَحْنُ عَنْ جَوَانِبِهَا قُعُودٌ ... نَغُضُّ الطَّرْفَ كَالإبِلِ القِمَاحِ وهذا يخالفُ قولَ أبي عبيدةَ؛ لأنه قالَ: نَغُضُّ الطَّرْفَ، فكأنَّ المُقْمَحَ ـ واللهُ أعلمُ ـ: الرافعُ رأسَه، شاخصاً كان أو مُغْضِياً» (٣). والذي جاءَ في (مجازِ القرآنِ): «المُقْمَحُ والمُقْنَعُ: واحدٌ تفسيرُه؛ أي: يجذبُ الذَّقْنَ حتى يصيرَ في الصدرِ، ثمَّ يرفعُ رأسَه، قالَ بِشْرُ بنُ أبي خَازِمٍ الأسدي (٤): وَنَحْنُ عَنْ جَوَانِبِهَا قُعُودٌ، نَغُضُّ الطَّرْفَ كَالإبِلِ القِمَاحِ» (٥)

стр. 399

وقالَ في موضعٍ آخرَ: «... والإحْبَابُ في الإبلِ؛ كالحِرانِ في الخيلِ. قالَ أبو عبيدةَ: ومنه قولُه : ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]؛ أي: لَصِقْتُ بالأرضِ لِحُبِّ الخيرِ حتى فاتتني الصلاة، والله أعلم» (١). والذي وردَ في (مجازِ القرآنِ): «﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] مجازه: أحببته حباً، ثمَّ أضافَ الحُبَّ إلى الخيرِ» (٢). وهذا يخالفُ ما رواهُ عن أبي عبيدةَ (ت:٢١٠)، وهذا الذي قالَه منسوبٌ إلى شيخه أبي حاتم السِّجستانيِّ (ت:٢٥٥)، وقد يكون اختلطَ عليه، فَوَهِمَ في النَّسْبِ، وقد جاءَ في حاشيةِ نسخةِ (S) من نُسَخِ (مجازِ القرآنِ) التي اعتمدَ عليها المُحَقِّقُ ما نصُّه: «قالَ أبو حاتم: ليسَ الأمرُ كما ظَنَّ أبو عبيدةَ، وإنما معنى «أحببت»: لَزِمْتُ الأرضَ، يقالُ: بعيرٌ مُحِبُّ: إذا لَزِقَ بالأرضِ منْ مرضٍ به، قالَ الهُذليُّ (٣): دَعَتْكَ إلَيهَا مُقْلَتَاهَا وجِيدُهَا، ... فَمِلْتَ، كَمَا مَالَ المُحِبُّ عَلَى عَمْدِ المُحِبُّ: اللازمُ للأرضِ لا يقومُ، والعَمْدُ: مَرَضٌ به، يقالَ: رجلٌ عميدٌ ومعمودٌ. أمَّا ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ فأرادَ ـ إنْ شاءَ اللهُ ـ حُبَّ الخيلِ؛ لأنه تشاغلَ بها عن الصلاةِ ... والمعنى: إني لَزِمْتُ الأرضَ وتشاغلتُ عنْ ذكرِ اللهِ؛ يعني: الصلاةَ، حُباً للخيلِ» (٤).

стр. 400

ثالثاً: أن يفسر ألفاظاً قرآنية دون ذكر الآيات: لقدْ كانَ عددُ الألفاظِ المفسَّرَةِ على هذه الصورةِ كثيراً (١)، حيثُ يذكرُ اللفظَ ومعناهُ في لغةِ العربِ، دونَ الإشارةِ إلى كونِه في التَّنْزيلِ أو ذكرِ آيةٍ وردَ فيها كما هي عادتُه في الأمثلةِ السَّابقةِ. ومن أمثلة ذلك: ١ - قال: «اللُّجَّةُ: لُجَّةُ البحرِ، وهو مُعظمُ مائِهِ، والجمعُ: لُجٌّ ولُجَجٌ ... والْتَجَّ البحر: إذا اضطربتْ أمواجُه» (٢). وقد ورد في القرآن قوله تعالى: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ [النمل: ٤٤]، وقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠]. ٢ - وقال: «ويقالُ: في أمرِهِ دَخَلٌ؛ أي: فسادٌ؛ دَخِلَ أمرُهُ يَدْخَلُ دَخَلاً: إذا فسد» (٣). وقد ورد في القرآنِ قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٢]، وقوله: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٤]. رابعاً: توجيه القراءات: كانتِ القراءاتُ التي وجَّهَها ابنُ دريدٍ (ت:٣٢١) قليلةً (٤)، وكانَ بعضُها لا

стр. 401

أثرَ له في المعنى واختلافِه. ومنْ أمثلةِ القراءاتِ التي وجهَها ما يأتي: ١ - قالَ: «ونَخِرَ العَظْمُ يَنْخَرُ نَخْراً: بَلِيَ، وهو عَظْمٌ نَاخِرٌ ونَخِرٌ، وقد قُرِئَ: ﴿عِظَامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١]، و «نَاخِرَةً» (١)، فمن قرأ: ﴿نَخِرَةً﴾ أراد: باليةً، والله أعلم. ومن قرأ: «نَاخِرَةً» أرادَ: أنَّ الريحَ تَنْخِرُ فيها، فيما يقال، لأنه قد بقيَ منها بقيةٌ» (٢). ٢ - وقال: «والنَّزِيفُ: السكرانُ أيضاً، وهو المُنْزَفُ، وفِي التنزيلِ: ﴿لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩]؛ أي: لا يسكَرُونَ، هكذا يقولُ أبو عبيدةَ (٣). وقد قُرِئَ: «يُنْزِفُونَ» (٤)؛ أي: يُنفِدُونَها والله أعلم ...» (٥). تَحَرُّزُ ابنِ دريدٍ في التفسير: لقدْ برزتْ لي أثناءَ قراءةِ كتابِ (جمهرةِ اللغةِ) ظاهرةُ تَحَرُّزِ ابنِ دريدٍ (ت:٣٢١) في التَّفسيرِ، بل في نقلِ اللُّغةِ كذلك، ومما يُثبِتُ تَحَرُّزَه ما يأتي: الأول: أنه قَلَّ أنْ يوردَ تفسيراً مقروناً بآيةٍ دونَ أنْ يَذكرَ عبارةَ: «واللهُ أعلمُ» (٦)، أو ما شابهها؛ كقوله: «والله أعلم بكتابه» (٧).

стр. 402

ومن أمثلة ذلك: * قال: «وقوله : ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]؛ أي: ناقصٍ، واللهُ أعلمُ» (١). * وقال: «الدَّرْكُ: المنْزلةُ، وكذا جاءَ في التَّنْزيلِ: ﴿فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، فالنَّارُ دَرَكَاتٌ، والجنةُ درجاتٌ، واللهُ أعلمُ بكتابِه» (٢). الثاني: كثرةُ نَسْبِهِ التَّفسيرَ لغيرِه: لقدْ كانَ ابنُ دريدٍ (ت:٣٢١) ـ على سَعَةِ اطِّلاعِهِ على معاني الألفاظِ في لغةِ العربِ ـ مُكثراً في نسبِ التَّفسيرِ لغيره على سبيل الإبهامِ في المفسِّرِ، مما يُشعِرُ بتهيُّبه من التَّفسيرِ، ولذا يوردُ مثلَ عبارةِ: «وكذا فُسِّرَ في التَّنْزيلِ» (١) وما شابهها، ولا ينسبُ التَّفسيرَ إلى نفسِه. ومن أمثلةِ ذلكَ: * قال: «والصُّدْفَانِ: جانبا الشِّعْبِ من الجَبَلِ، وكذا فُسِّرَ في التَّنْزيلِ» (٢). * وقال: «والفرشُ من الإبلِ: صغارُها التي لا يُحْمَلُ عليها، والواحدُ والجمعُ فيه سواءٌ، وكذا فُسِّرَ في التَّنْزيلِ في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، والله أعلم» (٣). كما تجده ينسبُ إلى أبي عبيدة (ت:٢١٠) كثيراً من تفسيرِ ألفاظِ القرآنِ، إلاَّ أنه يُشعرُك في بعض ما ينقله عنه عدم الرضا بتفسيرِه، ويصرحُ لك حيناً بعدم قبوله، ومن ذلك:

стр. 403

قالَ: «وفي التَّنْزيلِ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١]، ولا أُقْدِمُ على تفسيرِه، إلا أنَّ أبا عبيدةَ ذكرَ أنَّها النجومُ تنْزِعُ؛ أي: تطلعُ (١)، والله أعلم» (٢). في هذا المثالِ تراه قد توقَّفَ في معنى «النازعات»، مع أنه ذكرَ تفسيرَ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠)، وكأنَّ ذلك ـ والله أعلم ـ يَنِمُّ عنْ عدمِ رضاهُ بهذا التفسيرِ. وله مما يدلُّ على عدمِ تقليدِه أبا عبيدةَ (ت:٢١٠) في كُلِّ أقواله، قولُه: «... ويقال: العَنَتُ، أيضاً، من الإثمِ، عَنِتَ يَعْنَتُ عَنَتاً: إذا اكتسب مَأثماً. ولستُ أذكرُ قولَ أبي عبيدةَ في تفسيرِه في التَّنْزيلِ (٣) فأُقَلِّدُهُ إياه» (٤). وقالَ: «والرَّحْقُ: أصلُ بناءِ الرَّحيقِ، قالوا: وهو الصَّافي، والله أعلم. وفي التَّنْزيلِ: ﴿مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥]. وخلَّطَ فيه أبو عبيدةَ، فلا أحبُّ أن أتكلمَ فيه» (٥). وقدْ يكونُ سببُ ذلكَ التَّتَبُّعِ تأثُّرَه بشيخِهِ أبي حاتمٍ (ت:٢٥٥) الذي كانَ ينتقدُ أبا عبيدةَ (ت:٢١٠) ويُشَنِّعُ عليه من أجلِ كتابِهِ مجازِ القرآنِ. ومنْ أمثلةِ ما نقده شيخُه أبو حاتم السجستاني (ت:٢٥٥) على مجازِ القرآنِ ما يأتي:

стр. 404

١ - قال أبو حاتم (ت:٢٥٥): «وقالَ أبو عبيدةَ: أسْرَرْتُ الشَّيءَ: أخْفَيتُهُ وأظْهَرْتُهُ أيضاً. وكانَ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [يونس: ١٠]: أظهروها (١). ولا أثقُ بقولِه في هذا، والله أعلم» (٢). ٢ - وقال أبو حاتم (ت:٢٥٥): «وكانَ أبو عبيدةَ يقولُ: خافَ: منَ الخوفِ ومنَ اليقينِ. وكانَ يقولُ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ٣]؛ يريد: أيقنتم (٣). ولا عِلْمَ لي بهذا؛ لأنَّه قرآنٌ، فإنما تحكيه عنْ ربِّ العالمينَ، ولا تدري لعله ليس كما يظُنُّ» (٤). الثالث: توقُّفُه في بعض التَّفسيرِ: تجدُ في منهجِ ابن دريدٍ (ت:٣٢١) أنه يتوقَّفُ في المعنى المرادِ ببعضِ الألفاظِ في الآياتِ (٥)، ولا يُقْدِمُ على تفسيرِها تورُّعاً منه في ذلك، ومنَ الأمثلةِ الواردةِ في ذلك ما يأتي: * قوله: «وأما قوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] أي: خَلَتْ من الماء، وزعموا أنه من الأضدادِ، ولا أحبُّ أن أتكلم فيه» (٦). * وقال: «والحين: حقبة من الدَّهر، وقد جاء في التَّنْزيل، واختلف فيه المفسِّرون، ولا أحب أن أتكلم فيه» (٧). سلسلة التَّورُّع في التَّفسير من ابن دريد إلى الأصمعيِّ: ولا يخفى على منْ يقرأُ كتبَ ابنِ دريدٍ (ت:٣٢١) ما كانَ لأبي حاتمٍ

стр. 405

السِّجستاني (ت:٢٥٥) من منزلةٍ وأثرٍ عليه، وقد كانَ مكثراً من النقلِ عنه، والاعتمادِ عليه (١)، وجائزٌ أنْ يكونَ تأثَّرَ به في هذا التَّورُّعِ في التَّفسيرِ، والله أعلم، حيث ورد عنه مثل هذا، ومن ذلك: * قال أبو حاتم (ت:٢٥٥): «قال: أبو عبيدةَ (٢): ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]: أقبلَ، ويقالُ: أدبرَ». ثُمَّ ذكرَ شواهدَ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) على ذلك، ثمَّ قالَ: «قدْ تقلَّدَ أبو عبيدةَ أمراً عظيماً، ولا أظنُّ هاهنا معنىً أكثرَ من الاسودادِ. عَسْعَسَ: أظلمَ واسوَّدَ في جميعِ ما ذكرَ، وكلُّ شيءٍ من هذا البابِ في القرآن يُتَّقَى، وما لم يكنْ في القرآنِ، فهو أيسرُ خطباً» (٣). * وقال أبو حاتم (ت:٢٥٥): «وقالوا: المسجورُ: المملوءُ ... وقالَ بعضهم: المسجورُ: الفارغُ. بَلَغَني ذاك، ولا أدري ما الصَّوابُ، ولا أقولُ في قولِه تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] شيئاً، ولا أقولُ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]؛ لأنه قرآن، فأنا أتقيه» (٤). هذا، ولا يبعدُ أنْ يكونَ أبو حاتم (ت:٢٥٥) ـ كذلك ـ متأثراً في هذا بمذهبِ شيخِهِ الأصمعيِّ (ت:٢١٥) الذي اشتهرَ عنه أنه كان يَتَّقِي تفسيرَ القرآنِ، ولا يُفَسِّرُ لفظةً واردةً في القرآنِ (٥). والله أعلم.

стр. 406

والمقصودُ أنَّ هذا المذهبَ في التَّورعِ في النَّقلِ والتَّفسيرِ مما يُحسبُ لابن دريدٍ (ت:٣٢١)، والله أعلم.

стр. 407

ثالثاً كتاب تهذيب اللغة ألَّفَ أبو منصورٍ محمدُ بنُ أحمدَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) كتابَه «تهذيبَ اللغةِ» بعدَ بلوغِهِ سبعينَ سنةً؛ كما يُفهمُ منْ قولِهِ: «وكنتُ منذُ تعاطيتُ هذا الفنَّ في حداثتِي إلى أن بلغتُ السَّبعينَ، مولعاً بالبحثِ عن المعاني والاستقصاءِ فيها، وأخذِها من مظانِّهَا، وإحكامِ الكتبِ التي تأتَّى لي سماعُها منْ أهلِ الثَّبْتِ والأمانةِ للأئمةِ المشهَّرين، وأهلِ العربيةِ المعروفين» (١). ولا شكَّ أنَّ هذا البلوغَ في السِّنِّ يُعطي التأليفَ قوةً ورَويَّةً تخالفُ ما عليه شِرَّةُ الشبابِ منَ العجلةِ وعدمِ الاستيعابِ. ومِمَّا يتميَّزُ به هذا الكتابُ عنْ كتابِ العينِ وكتابِ جمهرةِ اللُّغةِ، ما يأتي: ١ - كثرةُ موادِّهِ اللُّغويَّةِ وكثرةُ مراجعِهِ. وقدْ أتاحَ لهُ ذلكَ تأخُّرُ وفاتِهِ، وتَوسُّعُهُ في الروايةِ عن البصريِّينَ والكوفيِّينَ والبغداديِّينَ، وهذا الجمعُ في الرِّوايةِ لا تجدُه في كتابِ العينِ ولا في كتابِ جمهرةِ اللُّغةِ. ٢ - أنَّه أوسعُ مِمَّنْ تقدمه في عَرْضِ التَّفسيرِ ، وقد كانَ التَّفسيرُ أحدَ مقاصدِ الكتابِ، وقدْ قالَ بشأنِ ذلك: «وكتابي هذا، وإنْ لم يكنْ جامعاً لمعاني التَّنْزيلِ وألفاظِ السُّنَنِ كلِّها، فإنَّه يَحُوزُ جُمَلاً منْ فوائدِهَا، ونُكَتاً من

стр. 408

غريبِها ومعانيها، غيرُ خارجٍ فيه عن مذاهبِ المفسِّرينَ، ومسالكِ الأئمَّةِ المأمونينَ من أهلِ العِلْمِ وأعلامِ اللُّغويِّينَ، المعروفينَ بالمعرفةِ الثَّاقبةِ والدِّينِ والاستقامةِ» (١). وقدْ تَتَبَّعتُ الأقوالَ التَّفسيريَّةَ التي ذكرَها في كتابِه كلِّه، ما نقله من التَّفسيرِ أو قالَ به، فظهر لي ما يأتي: ١ - أنَّ أغلبَ اعتمادِهِ في تفسيرِ الألفاظِ وبيانِ المعاني القرآنيَّةِ كان على الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) من كتابِهِ (معاني القرآن)، والزَّجَّاجِ (ت:٣١١) من كتابِه (معاني القرآن وإعرابه). وقد روى هذينِ الكتابينِ بالسندِ إلى مؤلفَيهما. أمَّا الفراءُ (ت:٢٠٧)، فقال عنه: «ومنْ مؤلفاتِهِ: كتابُه معاني القرآنِ وإعرابِه، أخبرنِي به أبو الفضلِ بنُ أبي جعفرَ المنذري، عن أبي طالبٍ بنِ سلمةَ، عن أبيه، عن الفراءِ، لم يَفُتْهُ من الكتاب كله إلا مقدارُ ثلاثةِ أوراقٍ في سورةِ الزُّخرفِ. فما وقعَ في كتابِي للفراءِ في تفسيرِ القرآنِ وإعرابِه فهو مما صحَّ روايتُهُ منْ هذهِ الجهةِ» (٢). وقد بلغتِ الأقوالُ التَّفسيريَّة التي أحصيتها منقولةً عن الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) من كتابه (معاني القرآن) قرابةَ خمسينَ وستِّمائةِ قولٍ. وأمَّا الزَّجَّاجِ (ت:٣١١)، فقال عنه: «ويتلو هذه الطبقةَ طبقةٌ أخرى أدركناهم في عصرِنا؛ منهم: أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ النَّحْويُّ صاحبُ كتابِ المعاني في القرآنِ ... وما وقعَ في كتابي له منْ تفسيرٍ فهوَ منْ كتابِهِ ...» (٣).

стр. 409

وقد بلغتِ الأقوالُ التَّفسيريَّةُ مما أحصيتُه منقولاً عن الزَّجَّاجِ (ت:٣١١) من كتابه (معاني القرآن وإعرابه) قرابةَ ستينَ وستِّمائةِ قولٍ. أما النَّقلُ عنْ غيرِهما في التَّفسيرِ فهو أقلُّ بكثيرٍ من النَّقلِ عنهما، وقد نقلَ عن ابن عباسٍ (ت:٦٨) (١)، ومجاهدِ بن جبرٍ (ت:١٠٤) (٢)، وغيرِهما من المفسِّرين. ونقلَ تفسيراتٍ لابن الأعرابيِّ (ت:٢٣١) (٣)، وثعلبَ (ت:٢٩١) (٤)، وغيرِهما من اللُّغويِّين. ٢ - كما ظهرَ لي أنَّ الأقوالَ التي نقلَهَا في التَّفسيرِ أكثرُ من أقوالِهِ التَّفسيرية (٥)، وكان له في بعضِ الأحيانِ اجتهادُهُ الخَاصُّ به، يظهرُ ذلك في ترجيحاتِهِ في بعضِ الاختلافاتِ التَّفسيريَّةِ. ومِنْ ذلكَ: قوله: «وقولُ الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، قالَ الفرَّاءُ: هذا مما أُضيفَ إلى نفسهِ، وهو

стр. 410

مثلُ قولِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]، ومثلُه قولُه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، والحَبْلُ: هو الوريدُ نفسُهُ، فأضيفَ إلى نفسه لاختلافِ لفظِ الاسمينِ (١). وقالَ الزَّجَّاجُ: نُصِبَ قولُهُ: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾؛ أي: وأنبتنا فيها حَبَّ الحصيدِ، فجمعَ بذلكَ جميعَ ما يُقتاتُ: منْ حَبِّ الحِنطةِ والشَّعيرِ وكلِّ ما حُصِدَ؛ كأنَّه قالَ: وحَبَّ النَّبتِ الحصيدِ (٢). وقالَ اللَّيثُ: أرادَ حَبَّ البُرِّ المحصودِ (٣). وقولُ الزَّجَّاجِ أصَحُّ؛ لأنَّه أعَمُّ» (٤). ٣ - كما ظهرَ اجتهادُه في بيانِ المحتملِ اللُّغويِّ للَّفظِ القرآنيِّ، ومن ذلك قولُه: «قلتُ: وأكثرُ النَّاسِ ذهبوا في تفسيرِ قولِه: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢] أنه بمعنى: الرَّهْبَةِ. ولو وجدتُ إماماً منَ السَّلفِ يجعل الرَّهْبَ كُمًّا، لذهبتُ إليه؛ لأنَّه صحيحٌ في العربيَّةِ، وهو أشبه بسياقِ الكلامِ والتَّفسيرِ، واللهُ أعلمُ بما أرادَ» (٥).

стр. 411

٤ - ومعَ حرصِ الأزهريِّ (ت:٣٧٠) على إيرادِ الآياتِ وتفسيرِ ألفاظِها، إلاَّ أنه قد فاتَه في بعضِ الموادِّ اللُّغويَّةِ ذكرُ بعضِ الألفاظِ القرآنيَّةِ؛ مثل مادةِ: عبس (١)، ونفع (٢)، وحاد (٣)، وكهن (٤)، وخمد (٥)، وفتر (٦)، وغيرها (٧). وقدْ ظهَرَ في كتابِهِ، وهو معجمٌ لغويٌّ في مفرداتِ الألفاظِ، ظهرَ اهتمامُهُ بالمعاني، فتراه يشرح معنى الآية متعدياً بذلك دلالةَ اللَّفظ (٨)، ويظهرُ أنَّ سببَ ذلكَ أنَّ منْ مصادرِه التي اعتمدَها بعضُ كُتُبِ معاني القرآنِ، فتوسَّعَ في ذلك بسببِ النَّقلِ عنها والإفادةِ من طريقتِها، واللهُ أعلمُ. ومنْ أمثلةِ ذلك قوله: «قال جلَّ وعزَّ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥]، أجمعَ المفسِّرونَ على أنَّ تأويلَ قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾: ثمَّ ليختنق (٩). وهو محتاجٌ إلى شرحٍ يزيدُ في بيانِه، والمعنى ـ والله أعلم ـ: من كانَ

стр. 412

يظُنُّ منَ الكفَّارِ أنَّ اللهَ لا ينصرُ محمَّداً حتى يُظهِرَهُ على المِلَلِ كلِّها فَلْيَمُتْ غيظاً، وهو تفسيرُ قولِه: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾. والسببُ: الحبلُ يَشُدُّه المختنقُ إلى سقفِ بيته. وسماءُ كلِّ شيءٍ: سقفُهُ. ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾؛ أي: ليَمُدَّ الحبلَ مشدوداً، يوتِّره حتى يقطعَ حياتَهُ ونَفَسَهُ خنقاً. وقال الفرَّاءُ: أرادَ: ثمَّ ليجعل في سماءِ بيته حبلاً، ثمَّ ليختنق به، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ اختناقاً. قال: وفي قراءةِ عبد اللهِ (١): ثُمَّ لِيَقْطَعْهُ، يعني: السبب، وهو الحبلُ المشدودُ في عنقِهِ (٢)، حتى تنقطِعَ نفسُهُ، فيموتَ» (٣). في هذا المثالِ بين الأزهريُّ (ت:٣٧٠) معاني المفرداتِ، وبيَّنَ معها المعنى المرادَ بالآيةِ. ٦ - كما أنه قدْ يتعرَّضُ لبعضِ المشكلاتِ الواردةِ في التَّفسيرِ، ويجتهدُ في بيانِ المعنى المرادِ، وحَلِّ ما أشكلَ من معاني بعضِ الآياتِ، ومنْ ذلكَ قولُهُ: «وقالَ أبو حاتم (٤): قالوا: قبلُ وبعدُ منَ الأضدادِ. وقالَ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]؛ أي: قبلَ ذلك (٥). قلتُ: والذي حكاه أبو حاتم عمَّنْ قاله خطأٌ. قبلُ وبعدُ كلُّ واحدٍ منهما نقيضُ صاحبِهِ، فلا يكونُ أحدُهُما بمعنى صاحبِهِ، وهو كلامٌ فاسدٌ.

стр. 413

وأمَّا قولُ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] فإن السائلَ يسألُ عنه فيقولُ: كيفَ قالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾، والأرضُ أُنشِئَ خلقُهَا قبلَ السماءِ، والدليلُ على ذلكَ قولُ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]، فلمَّا فرغَ منْ ذِكْرِ الأرضِ وما خلقَ فيها قالَ اللهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١]، و «ثُمَّ» لا يكونُ إلاَّ بعدَ الأولِ الذي ذُكِر قبلَهُ، ولم يختلفِ المفسرونُ أنَّ خلقَ الأرضِ سبقَ خلقَ السماءِ. والجوابُ فيما سألَ السائلُ: أنَّ الدَّحْوَ غيرُ الخلقِ، وإنما هو البسطُ. والخلقُ هو الإنشاءُ الأولُ. فاللهُ ـ جلَّ وعزَّ ـ خلقَ الأرضَ أولاً غيرَ مَدْحُوَّةٍ، ثمَّ خلقَ السماءَ، ثمَّ دحا الأرضَ؛ أي: بسطها. والآياتُ فيها مؤتلفةٌ ولا تَنَاقُضَ ـ بحمدِ اللهِ ـ فيها عندَ منْ يفهَمُهَا. وإنَّما أُتِيَ الملحدُ الطَّاعنُ فيما شَاكَلَهَا منَ الآياتِ منْ جِهَةِ غباوتِهِ، وغِلَظِ فَهْمِه، وقِلَّةِ عِلْمِهِ بكلامِ العربِ» (١). وهذه الأمثلةُ السَّابقةُ منْ أمثلةِ معاني القرآنِ التي ذكرَها في كتابِه تُظهِرُ أنَّها قد أخذتْ حيِّزاً لا بأس به، أمَّا ما يتعلقُ بالجانبِ الأكبرِ منَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ، وهو دلالة الألفاظِ، فقد أوردَه على الصُّوَرِ الآتية: ١ - تفسيرُ الألفاظِ مع ذكرِ الشَّاهدِ: كانَ الاستشهادُ للألفاظِ القرآنيَّةِ عندَ الأزهريِّ (ت:٣٧٠) قليلاً، وقدْ كانَ أغلبُ تفسيرِهِ للألفاظِ بدونِ ذكرِ الشَّاهدِ. ومنْ أمثلةِ ما استشهدَ لهُ، قولُهُ: «وأمَّا قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ

стр. 414

الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]، فالمعنى: أفنُعرضُ عنْ تذكيرِكم إعراضاً منْ أجلِ إسرافِكم على أنفسِكم في كفرِكم، يقالُ: صَفَحَ عنْ فلانٍ؛ أي: أعرضَ عنه مولِّياً، ومنه قولُ كُثَيِّرٍ ـ يصفُ امرأةً أعرضتْ عنه ـ (١): صَفُوحاً فَمَا تَلْقَاكَ إلاَّ بَخِيلَةً، ... فَمَنْ مَلَّ مِنْهَا ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ» (٢) ٢ - تفسيرُ الألفاظِ بدونِ ذكرِ الشَّاهدِ: وهذا هو الغالبُ على الألفاظِ القرآنيَّةِ المفسَّرَةِ في (تهذيبِ اللُّغةِ)، ومن أمثلةِ ذلكَ: * قوله: «قالَ اللهُ جلَّ وعزَّ: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقالَ في موضعٍ آخرَ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]. وروى سفيانُ الثَّوريُّ، عن عَمَّارٍ الدُّهْنيِّ (٣)، عن مسلمِ بنِ البَطِينِ (٤)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنه قال: الكرسيُّ موضعُ القدمينِ، والعرشُ لا يُقدَرُ قَدْرُهُ (٥).

стр. 415

وروى أبو العباسِ (١)، عن ابنِ الأعرابيِّ (٢) أنه قال: قال ابنُ عباسٍ: العرشُ مجلسُ الرحمنِ (٣). أرسله ابنُ الأعرابيِّ إرسالاً، ولم يُسنده. وحديث الثَّوريِّ متَّصلٌ صحيحٌ. والعرشُ في كلامِ العربِ: سريرُ الملكِ، يدلُّكَ على ذلك سريرُ مَلِكَةِ سبأ، سمَّاه اللهُ ـ جلَّ وعزَّ ـ عرشاً، فقال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. قلتُ: والعرشُ في كلامِ العربِ أيضاً: سقفُ البيتِ، وجمعُه: عروشٌ، ومنه قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. قال الكسائيُّ في قولِه: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]: على أركانها. وقالَ غيرُه من أهلِ اللُّغةِ: على سُقُوفِها؛ أرادَ: أنَّ حيطانها قائمةٌ، وقدْ تهدَّمتْ سقوفُها، فصارتْ في قرارِها، وانقعرتْ الحيطانُ من قواعدِها، فتساقطت على السُّقوفِ المتهدِّمة قبلها. ومعنى الخاويةِ والمنقعرةِ واحدٌ، يدلُّكَ على ذلك قولُ اللهِ في قصةِ قومِ عادٍ: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وقال في موضعٍ آخرَ يذكرُ هلاكهم أيضاً: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، فمعنى الخاويةِ

стр. 416

والمنقعرِ في الآيتينِ واحدٌ، وهي المنقلعةُ من أصولِها، حتى خَوَى منبتُها. ويقال: انقعرت الشجرةُ: إذا انقلعت. وانقعر البيتُ: إذا انقلعَ من أصلِه فانهدمَ. وهذه الصِّفَةُ في خرابِ المنازلِ من أبلغِ الصِّفاتِ. وقدْ ذكر اللهُ جَلَّ وعزَّ في موضعٍ آخرَ من كتابِه ما دلَّ على ما ذكرته، وهو قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]؛ أي: قَلَعَ أبنيَتَهم من أساسها، وهي القواعدُ، فتساقطت سقوفها، وعلتها القواعدُ وحيطانها، وهم فيها، وإنما قيلَ للمنقعرِ: خاوٍ؛ لأنَّ الحائط إذا انقلعَ من أُسِّهِ خَوَى مكانُه؛ أي: خَلاَ، ودارٌ خاويةٌ؛ أي: خاليةٌ. وقال بعضهم في قوله: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الكهف: ٤٢]؛ أي: خاويةٌ عن عروشها لتهدُّمها. جعل على بمعنى عن، كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢]؛ أي: اكتالوا عنهم لأنفسهم» (١). ٣ - توجيهُ القراءات: لا يخفى على المطَّلعِ على (تهذيب اللُّغة) اهتمام الأزهريِّ (ت:٣٧٠) بالقراءاتِ القرآنيَّةِ وتوجيهِهَا، كيف لا؟ وقدْ خصَّها بكتابٍ سمَّاه: (القراءات وعلل النَّحويِّين فيها) (٢)، وقدْ أكثرَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) من توجيهِ القراءاتِ في

стр. 417

كتابِهِ، ومنْ ذلكَ قولُهُ: «وقالَ اللهُ: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، قال الفَرَّاءُ: الْجَمَلُ: هو زوجُ النَّاقةِ، وقدْ ذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه قرأ: «الجُمَّلُ» (١)؛ يعني: الجمال (٢) المجموعة (٣). وأخبرني المنذريُّ (٤)، عن أبي طالب (٥) أنه قال: رواه الفرَّاءُ: «الجُمَّلُ» بتشديدِ الميمِ (٦)، ونحنُ نَظُنُّ أنه أرادَ التخفيفَ. قالَ أبو طالب: وهذا لأنَّ الأسماءَ إنما تأتي على (فُعَل) فَخَفَّفَ، والجماعةُ على (فُعَّل)؛ مثل: صُوَّم ونُوَّم. وقالَ (٧) ـ فيما وجدتُ بِخَطِّ أبي الهيثم (٨) ـ: قرأ أبو عمرو والحسن (٩)،

стр. 418

وهي قراءة ابن مسعود: «حَتَّى يَلِجَ الجُمَلُ» (١) مثل: النُّفَر في التقدير. قلت (٢): والصَّحيحُ لأبي عمرو: ﴿الْجَمَلُ﴾ وعليه القُرَّاءُ (٣)، وأبو الهيثم ما أراهُ حَفِظَ لأبي عمرو: «الجُمَل»، اتفق قُرَّاءُ الأمصارِ على ﴿الْجَمَلُ﴾، وهو زوجُ النَّاقةِ. ورُوي عن ابن عباسٍ: «الجُمَّل» بالتَّثقيلِ والتَّخفيفِ أيضاً (٤). فأمَّا التَّخفيفُ، فهو الحبل الغليظ، وكذلك الجُمَّل مشدَّداً. وحُكِيَ عن عبدِ اللهِ وأُبَيٍّ (٥): «حَتَّى يَلِجَ الجُمَلُ»» (٦). هذا، ولا يختلفُ المنهجُ في البحثِ اللُّغويِّ في التَّفسيرِ عند الأزهريِّ (ت:٣٧٠) عن غيرِه من علماءِ اللُّغةِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 419

أثرُ المعتقدِ في التَّفسير اللُّغويِّ في كتابِ تهذيبِ اللُّغةِ: لقدْ رسمَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) لنفسِه في تدوينِ اللُّغةِ منهجاً يتَّسِمُ بالحيطةِ في النَّقلِ، والاعتمادِ على الموثوقِ بهم من أهلِ اللُّغةِ عنده، ولا غَرْوَ أنْ يكونَ احتياطُه في نقلِ اللُّغةِ التي يكونُ لها أثرٌ في المعتقد محطَّ اهتمامِه، وهو كما يظهرُ من كتابِه يسيرُ على منهجِ السَّلفِ في الاعتقادِ، ومما جاءَ في ذلكَ، قولُه: «قالَ (١): وتقولُ العربُ: سَمِعَتْ أُذُني زيداً يفعلُ كذا؛ أي: أبصرْتُهُ بعيني يفعلُ ذاكَ (٢). قلتُ: لا أدري من أين جاءَ اللَّيثُ بهذا الحرفِ، وليسَ منْ مذاهبِ العربِ أنْ يقولَ الرجلُ: سَمِعَتْ أُذُني، بمعنى: أبصرتْ عيني، وهو عندي كلامٌ فاسدٌ، ولا آمنُ أنْ يكون ممَّا ولَّده أهلُ البدعِ والأهواءِ، وكأنه من كلامِ الجَهْمِيَّةِ» (٣). ولقدْ كانَ أثرُ اعتقادِ الأزهريِّ (ت:٣٧٠) المتَّبِعِ للسَّلفِ الصَّالحِ ظاهراً في كتابِه، سواءٌ أكانَ ذلكَ في تقريرِه لمعتقدهم في الأسماءِ والصِّفاتِ (٤)،

стр. 420

والقرآن (١)، والإيمانِ (٢)، والقدرِ (٣)، والغيبياتِ؛ كالميزانِ والسِّراطِ وسجودِ المَوَاتِ (٤)، وغيرها. أم في ردِّه على مُخالفِهم (٥). وليس يُشكلُ على هذا وقوعُ المخالفةِ منه في مثالٍ أو مثالين؛ لأنَّ النَّظرَ في مثلِ هذا إلى القاعدةِ العامَّةِ التي سارَ عليها في الاعتقادِ، ومن ذلك: * قولُه: «وخادعتُ الرجلَ، بمعنى: خدعتُه. وعلى هذا يوجَّهُ قولُ الله جَلَّ وعَزَّ: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]؛ معناه: أنهم يُقدِّرون في أنفسهم أنهم يخدعونَ اللهَ، واللهُ هو الخادعُ لهم؛ أي: المُجازِي لهم جزاءَ خداعِهم» (٦). إنَّ تفسيرَه صفةَ المخادَعةِ بهذا التَّفسيرِ فيه قصورٌ؛ لأنَّ المجازاةَ إنما هي نتيجةُ المخادعةِ ولازمُها، لا المخادعةَ ذاتها، وهذه الصِّفةُ مما لا تُطلَقُ على اللهِ ابتداءً، بلْ تُطلقُ معَ مقابلها، كما وردتْ في القرآنِ، فلا يصحُّ أن يقالَ: إنَّ اللهَ هو الخادعُ، وإنما يقال: اللهُ يخادعُ من يخادعُه، كما وردَ في النَّصِّ القرآنيِّ، والله أعلم. * أنَّه نقلَ تفسيرَ صفةِ الاستواءِ عن ثعلبَ (ت:٢٩١)، وهو قولُه: «﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، قال: الاستواء: الإقبالُ على الشيءِ» (٧). ونقل عن الزَّجَّاجِ (ت:٣١١) قولَه: «وقولُ ابن عباسٍ في قولِه

стр. 421

تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]؛ أي: صَعِدَ، معنى قولِ ابن عباسٍ: أي صَعِدَ أمرُه إلى السماء (١)» (٢). ولمْ يَرُدَّ هذه الأقوالَ المخالفةَ لمذهبِ السَّلفِ في الاستواءِ، فلو حُكِمَ عليه من خلال هذين المثالين بأنه يخالفُ مذهب السَّلف في الصِّفاتِ، لكانَ في ذلكَ قصورٌ في البحثِ، وتَجَنٍّ على الأزهريِّ (ت:٣٧٠)، ولكانَ مفترياً على هذا العالمِ الذي ذَكَرَ قاعدتَهُ في ذلك في مواطنَ من كتابه، مثلَ قولِه: «قال (٣): واللهُ هو النَّفَّاحَ المنعم على عباده (٤). قلتُ: لم أسمعِ النَّفَّاحَ في صفاتِ اللهِ التي جاءتْ في القرآنِ، ثُمَّ في سنَّةِ المصطفى ﵇، ولا يجوزُ عندَ أهلِ العلمِ أنْ يُوصَفَ اللهُ جَلَّ وعَزَّ بصفةٍ لمْ يُنزِلْها في كتابِه، ولمْ يُبيِّنْها على لسانِ نبيِّه ﵇» (٥). وليست عقيدةُ العالمِ تُؤخذُ من كلامه في الأسماءِ والصفاتِ فقطُ، فيُحكمُ عليه من خلالها، بلِ العقيدةُ أعمُّ من ذلكَ؛ كمسائل القدرِ والإيمانِ

стр. 422

والإمامة والغيبياتِ وغيرها، فمن رامَ الحُكمَ على عالمٍ في مُعْتَقَدِه من خلالِ مثالٍ أو مثالين، وقعَ في الزَّللِ، وهذا بحثٌ يحتاجُ إلى تفصيلٍ ليسَ هذا محلُّه، واللهُ الموفقُ. أمَّا ما وردَ عنه في إثبات معتقدِ السَّلفِ، فمنه: ١ - قالَ: «والسَّميعُ من صفاتِ اللهِ وأسمائِه. وهو الَّذي وسِعَ سمعُهُ كُلَّ شيءٍ؛ كما قالَ النبيُّ ﷺ (١). قالَ اللهُ ﵎: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]، وقالَ في موضعٍ آخرَ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف: ٨٠]. قلتُ: والعَجَبُ من قومٍ فسَّرُوا السَّميعَ بمعنى المُسمِعِ، فراراً منْ وصفِ اللهِ بأنَّ له سمعاً. وقدْ ذكرَ اللهُ الفعلَ في غيرِ موضعٍ من كتابِه، فهو سميعٌ: ذو سَمْع، بلا تكييفٍ ولا تشبيهٍ بالسَّميعِ من خلقِهِ، ولا سمعُهُ كسمعِ خلقِهِ. ونحنُ نَصِفُهُ بما وصفَ به نفسَهُ بلا تحديدٍ ولا تكييفٍ. ولستُ أُنكِرُ في كلامِ العربِ أنْ يكونَ السَّميعُ سامعاً، ويكونَ مُسمِعاً، وقد قالَ عمرو بن مَعْدِي كَرِبَ (٢): أَمِنْ رَيَحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ

стр. 423

وهو في البيتِ بمعنى: المُسْمِعِ، وهو شاذٌّ، والظَّاهرُ الأكثرُ منْ كلامِ العربِ أنْ يكونَ السَّميعُ بمعنى السَّامعِ؛ مثلَ: عليمٍ وعالمٍ، وقديرٍ وقادرٍ» (١). في هذا المثالِ أثبتَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) اسمَ السَّميعِ والصِّفةَ التي يتضمَّنُها هذا الاسم، وهي السَّمعُ، وهذا هو الحقُّ الموافقُ لما كانَ عليه السَّلفُ، ثمَّ ردَّ على من أنكرَ صفة السَّمعِ. ٢ - وقالَ: «وأمَّا قولُ اللهِ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقالَ (٢) أبو إسحاق (٣): قيلَ: إنَّ كُلَّ ما خلقَ اللهُ يُسبِّحُ بحمدِه، وإنَّ صريرَ السَّقفِ وصريرَ البابِ منَ التَّسبيحِ، فيكونُ ـ على هذا ـ الخطابُ للمشركينَ وحدهم في ﴿وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. وجائزٌ أن يكونَ تسبيحُ هذه الأشياءُ بما اللهُ به أَعْلَمُ لا يُفْقَهُ منه إلاَّ ما عُلِّمنا. قال: وقال قومٌ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي: ما من شيءٍ إلاَّ وفيه دليلُ أنَّ اللهَ ـ جلَّ وعزَّ ـ خالِقُهُ، وأنَّ خالقَهُ حكيمٌ مُبرَّأٌ منَ الأسْوَاءِ، ولكِنَّكم أيها الكفارُ لا تفقهونَ أثرَ الصَّنعةِ في هذه المخلوقاتِ. قالَ أبو إسحاق: وليس هذا بشيءٍ؛ لأنَّ الَّذينَ خوطِبوا بهذا كانوا مُقرِّين بأنَّ اللهَ خالِقُهم، وخالقُ السماءِ والأرضِ ومنْ فيهنَّ، فكيفَ يجهلونَ الخِلْقَةَ، وهم عارفونَ بها؟! (٤).

стр. 424

قلتُ (١): ومِمَّا يدلُّكَ على أنَّ تسبيحَ هذه المخلوقاتِ تسبيحٌ تُعُبِّدَتْ به، قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ للجبالِ: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]، ومعنى: أوِّبي؛ أي: سبِّحي مع داودَ النَّهارَ كُلَّهُ إلى اللَّيلِ. ولا يجوزُ أن يكونَ معنى أمرِ اللهِ جلَّ وعزَّ للجبالِ بالتأويبِ إلاَّ تَعَبُّداً لها. وكذلك قوله جلَّ وعزَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨]، فسجودُ المخلوقاتِ عبادةٌ منها لخالقِها لا نَفْقَهُها عنها، كما لا نفقهُ تسبيحَها. وكذلكَ قولُه: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، وقد علم اللهُ هبوطَها منْ خشيتِهِ، ولمْ يُعرِّفنا ذلكَ، فنحنُ نؤمنُ بما أعْلَمَنا، ولا نَدَّعِيَ بما لمْ نُكَلَّفْ بأفْهَامِنَا من عِلْمِ فِعْلِهَا كيفيَّةً نَحُدُّها» (٢). في هذا المثالِ أثبتَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) عبوديَّةَ هذه المخلوقاتِ، وأنه يقعُ منها فِعْلٌ على الحقيقةِ، وهذا هو الحقُّ الموافقُ لمذهبِ السَّلفِ الصالحِ، وهو ما تَدُلُّ عليه ظاهرُ النُّصوصِ التي لا يجوزُ أن يُتَعَدَّى ظاهرها إلى غيرِه إلاَّ بحُجَّةٍ يجبُ التَّسليمُ لها، وما سوى الظَّاهرِ من التَّأويلِ باطلٌ، والله أعلم. ٣ - وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، قال: «وقولُ اللهِ جَلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، حدَّثني المنذريُّ (٣)، عن أبي بكرٍ الخطَّابيِّ (٤)، عن هُدْبَة (٥)،

стр. 425

عن حمَّاد (١)، عن ثابت (٢)، عن أنس (٣)، قال: قرأ رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾، قال: وَضَعَ إبهامه على قريبٍ من طَرَفِ أُنْمُلَةِ خِنْصَرِهِ، فساخَ الجبلُ (٤). قالَ حمَّادُ: قلتُ لثابت: تقولُ هذا؟ فقالَ: يقوله رسولُ اللهِ، ويقولُهُ أنسٌ، وأنا أكْتُمُه! وقالَ الزَّجَّاجُ في قولِه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾: أي ظهر وبان (٥). وهو قولُ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ» (٦). في هذا المثالِ يظهرُ أخذُ الأزهريِّ (ت:٣٧٠) بظاهرِ النَّصِّ، وتفسيرُه على المعروفِ والمشهورِ من معانيه في اللُّغةِ، دونَ البعدِ به إلى تأويلاتٍ تعتمدُ على شواذِّ اللُّغةِ وقَلِيلِهَا، بسببِ شُبْهَةٍ تَرِدُ على عقلِ فلانٍ أو عَلاَّنٍ.
следующие страницы →